شبكة ذي قار
ثَوْرَة 17 تَمُّوز 1968 حِين قَرَّر العِرَاق أَنَّ يَبْنِي نَفْسَه، مِن التَّغْيِيرِ السِّيَاسِي إِلَى مَشْرُوعِ الدَّوْلَة

ثَوْرَة 17 تَمُّوز 1968

حِين قَرَّر العِرَاق أَنَّ يَبْنِي نَفْسَه،

          مِن التَّغْيِيرِ السِّيَاسِي إِلَى مَشْرُوعِ الدَّوْلَة

 

دهام الحسني

المقدمة

كل عام، حين يطل السابع عشر من تموز أجدني أعود بذاكرتي – كما يفعل كثير من العراقيين والعرب الاصلاء – إلى محطة لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها. فتلك اللحظة لم تكن مجرد تاريخ يُحفظ في الكتب المدرسية، بل نقطة تحول حقيقية أعادت تشكيل ملامح الدولة العراقية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وتركت بصمتها على كل ما تلاها من عقود.

 شكّلت ثورة 17 تموز منعطفاً حاسماً؛ جاءت في وقت كانت الدولة تترنح فيه تحت وطأة تحديات داخلية وخارجية متشابكة، وسط اهتزاز سياسي واضح وضعف بيّن في مؤسساتها. في تلك الأجواء، طرحت قيادة الحزب مشروعاً طموحاً: إعادة بناء الدولة من الأساس، وتحرير القرار الوطني من أي تبعية، وتطوير مؤسساتها، واستثمار ثرواتها الطبيعية والبشرية ضمن رؤية تنموية شاملة. والسؤال الذي يظل يفرض نفسه كلما تناولنا هذه المرحلة:

كيف أمكن لبلد يرزح تحت أزمات اقتصادية وتنموية ومؤسساتية أن يتحول، خلال ثلاثة عقود فقط، إلى دولة تبني الإنسان قبل الحجر، وتوسّع التعليم والبحث العلمي، وتمد البنية التحتية، وتقيم صناعة وزراعة ومؤسسات عسكرية وأمنية تؤهلها لدور إقليمي مؤثر؟

 لا جواب مقنع لهذا السؤال إلا بالعودة إلى السياق التاريخي الكامل لتلك التجربة: إنجازاتها ومشاريعها، لكن أيضاً تحدياتها وصراعاتها التي رسمت مسارها اللاحق.

 الظروف التي سبقت الثورة

لم تولد ثورة 17 تموز 1968 من فراغ، بل سبقتها سنوات مضطربة، تعاقبت خلالها الانقلابات والتحولات السياسية على نحو أرهق مؤسسات الدولة وأفقدها القدرة على بناء أي مشروع مستقر طويل الأمد.

 كان نظام الرئيس عبد الرحمن عارف، في تلك المرحلة الحرجة، يواجه أزمة أداء سياسي حقيقية: مؤسسات متراجعة الفاعلية، صراع محتدم بين القوى السياسية، وتنامٍ ملحوظ في تأثير القوى الإقليمية والدولية على القرار العراقي. من هذا الواقع بالذات، خلصت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي إلى قناعة راسخة: استمرار هذا الوضع لن يعني سوى مزيد من التآكل، والعراق بحاجة إلى تغيير جذري يقيم دولة حديثة قائمة على المؤسسات والقانون، تحمل مشروعاً وطنياً وقومياً يعيد للعراق مكانته.

 غير أن الحزب أدرك أيضاً أن الاعتماد على قواه الذاتية وحدها – في مواجهة نظام قائم وقوى أمنية متنافسة، ناهيك عمّا اعتبره تدخلاً خارجياً يحاول التأثير على القرار العراقي – قد يعني تأجيل التغيير إلى أجل غير مسمى. لهذا بدأت القيادة، بهدوء وحذر شديدين، بدراسة موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، والبحث عن تفاهمات مع أطراف مؤثرة يمكن أن تسهم في نجاح الثورة دون أن يحيد ذلك عن الهدف الأساسي: إقامة تغيير سياسي ودولة  جديدة يقودها الحزب.

 التحالفات والتحضير للخطة العسكرية

كان أي تحرك سياسي أو عسكري لا يستند إلى قراءة دقيقة للواقع الأمني محكوماً بالفشل، وهو ما أدركته قيادة الحزب مبكراً. فقد كانت المؤسسة العسكرية تمثل العامل الحاسم في تحديد من يتولى الحكم في العراق.

قامت خطة تنفيذ الثورة على محاور واضحة: السيطرة على الحرس الجمهوري والتقدم نحو القصر الجمهوري لإجبار الرئيس عارف على الاستسلام بالتزامن مع زحف اللواء المدرع العاشر نحو بغداد، فضلا عن التهيئة لمشاركة بعض التنظيمات الحزبية في تأمين نجاح الثورة. كما أصرت قيادة الحزب على المشاركة المباشرة في التنفيذ جنباً إلى جنب مع الرفاق العسكريين ، انطلاقاً من قناعة مفادها أن من يخطط للتغيير ينبغي أن يتحمل مسؤولية تنفيذها بنفسه.

 نجاح الثورة وبداية مرحلة جديدة

مع أولى ساعات فجر الأربعاء 17 تموز 1968، تحركت القوات بقيادة الأب القائد الراحل أحمد حسن البكر – رحمه الله – وبقية رفاقه من أعضاء القيادة والكوادر المتقدمة في الحزب وفرضت قوات الثورة سيطرتها على المواقع العسكرية والأمنية الحساسة، وفي طليعتها الحرس الجمهوري، ثم توجهت نحو القصر الجمهوري. وتمت السيطرة عليه بنجاح فاستسلم الرئيس عبد الرحمن عارف وغادر العراق سلمياً – لتُطوى بذلك صفحة، وتُفتح أخرى في تاريخ الدولة. وبعد ان أصبحت قيادة الدولة كاملة بيد حزب البعث العربي الاشتراكي، دخل العراق مرحلة اتسمت باستقرار سياسي ، وبدأت معها عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق رؤية الحزب الوطنية والقومية.  لم تكن الثورة تستهدف تغيير السلطة فحسب، بل تمكين مشروع سياسي متكامل قادر على إدارة الدولة وتنفيذ برنامج طويل الأمد لإعادة بناء العراق ولكي يمارس دوره القومي كفاعل اساسي قوي في نهضة امته العربية.

 الإنجازات وبناء الدولة

بعدها انتقلت قيادة الثورة من مرحلة التغيير السياسي إلى مرحلة أعمق وأصعب: بناء الدولة نفسها. فنجاح أي ثورة، بحسب هذه الرؤية، لا يُقاس بمجرد الوصول إلى الحكم، بل بالقدرة على تحقيق الاهداف التي قامت من اجلها من خلال إقامة مؤسسات راسخة تدير الدولة وتحقق التنمية والاستقرار.

 شرعت الدولة في إعادة تنظيم مؤسساتها الإدارية والعسكرية والاقتصادية، ووضعت خططاً استراتيجية بعيدة المدى لبناء دولة حديثة تقوم على المؤسسات والقانون والتخطيط المركزي، بدلاً من نمط الإدارة التقليدي الذي كان – في نظر الحزب – يعاني ضعفاً في الكفاءة وغياباً للرؤية الشاملة.

 كانت القناعة السائدة أن الانتقال من مجتمع ريفي عشائري إلى مجتمع مؤسساتي حديث يستلزم مشروعاً متكاملاً لا يقتصر على الجانب الاقتصادي وحده، بل يمتد ليشمل إعادة بناء الإنسان نفسه، وتعزيز الانتماء الوطني، وترسيخ فكرة الدولة كمرجعية عليا لجميع المواطنين.

 وأولت القيادة اهتماماً واسعاً بتطوير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية باعتبارها ضامن استقرار الدولة وحماية سيادتها،إلى جانب إعادة هيكلة مؤسسات الإدارة العامة وتوسيع قدراتها بما يواكب متطلبات التنمية.

  • وأُطلقت برامج واسعة لتطوير البنية التحتية: طرق وجسور، شبكات كهرباء ومياه، مشروعات إسكان، فضلاً عن التوسع في إنشاء المصانع والمجمعات الصناعية والمشروعات الزراعية، سعياً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على تلبية احتياجات البلاد.
  • كانت الثورة تنظر إلى التنمية كعملية شاملة تبني الإنسان وتطور مؤسسات الدولة في آن واحد. وترتبط بالاستقلال الاقتصادي وتعزيز القرار الوطني، بوصفهما أساس بناء الدولة الوطنية، التي تمثل بدورها مرحلة أولى نحو مفهوم أوسع للدولة القومية، انطلاقاً من شعار حزب البعث العربي الاشتراكي الشهير: “أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة”، كإطار فكري يربط بين بناء الدولة العراقية ودورها القومي في محيطها العربي.
  • عملت الثورة على ترسيخ هوية وطنية جامعة، والقضاء على اية عوامل تؤدي الى احداث انقسامات طائفية وقومية ومناطقية، وذلك عبر تعزيز مفهوم

   المواطنة، مع التأكيد على مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية كأسس فكرية لمشروع الثورة.

  • ولتحقيق بناء الدولة الحديثة، تم بناء مؤسسات قوية قادرة على التخطيط والتنفيذ، واستثمار الثروات الوطنية في خدمة التنمية بعيداً عن أي تبعية اقتصادية أو سياسية للخارج.

 لم تكن السنوات الأولى بعد الثورة مجرد مرحلة انتقال سياسي إذن، بل بداية مشروع واسع لإعادة تشكيل الدولة العراقية إدارياً واقتصادياً واجتماعياً، مشروع ستزداد ملامحه وضوحاً بعد واحد من أهم القرارات الاقتصادية -السياسية  في تاريخ العراق الحديث: تأميم النفط عام 1972.

 تأميم النفط والنهضة التعليمية والاقتصادية والاجتماعية

لم يكن التأميم الذي اعلن في الأول من حزيران عام 1972، هدفاً اقتصادياً بذاته، بل وسيلة لتوظيف العائدات النفطية في مشروع تنموي شامل يطال مختلف قطاعات الدولة. من هنا برز الشعار المرتبط بتلك اللحظة: “نفط العرب للعرب”، تعبيراً عن رؤية قومية تربط الثروة الوطنية بالاستقلال السياسي والاقتصادي، وبقدرة الدول العربية على استثمار مواردها لتحقيق التنمية.

 وأطلقت خطط تنمية واسعة شملت الصناعة والزراعة والإسكان والطاقة والنقل والاتصالات، إلى جانب توسع كبير في البنية التحتية: طرق، جسور، سدود، محطات كهرباء، شبكات مياه وصرف صحي.

 الانسان اساس التنمية

 أولت الثورة اهتماماً خاصاً ببناء الإنسان، انطلاقاً من قناعة بأن الثروة الحقيقية للأمم لا تكمن في مواردها الطبيعية فحسب، بل في قدرتها على إعداد الإنسان القادر على إدارة تلك الموارد وتطويرها. لذلك احتلت قطاعات التعليم والبحث العلمي والتدريب المهني والرعاية الصحية موقعاً محورياً في مشروع التحديث.

  • فشهد العراق خلال تلك المرحلة توسعاً كبيراً في مجانية التعليم بمختلف مراحله، وأُطلقت حملات وطنية لمحو الأمية، وتوسعت شبكة المدارس والمعاهد والجامعات، واستُحدثت تخصصات جديدة تواكب متطلبات خطط التنمية. كما حظيت مؤسسات التعليم العالي باهتمام واسع: تطوير الجامعات، تعزيز كوادرها العلمية، توسيع برامج الدراسات العليا، وإيفاد الطلبة والباحثين إلى الجامعات العالمية. وانعكس ذلك على نمو الكفاءات الوطنية في الطب والهندسة والعلوم والزراعة والاقتصاد والإدارة وغيرها من التخصصات التي شكّلت دعامة أساسية لمشروعات التنمية. وضمن التوجه القومي الذي تبنته الدولة، استقبلت الجامعات العراقية آلاف الطلبة العرب من مختلف الأقطار، ووفرت لهم فرص الدراسة والتأهيل العلمي.
  • وفي مجال الرعاية الصحية توسعت الدولة في بناء المستشفيات والمراكز، وتطوير الخدمات العلاجية والوقائية، وزيادة أعداد الكوادر الطبية. كما شملت التنمية الجوانب الاجتماعية والاقتصادية عبر برامج الإسكان، وتوسيع شبكات الماء والكهرباء، ودعم القطاع الزراعي، وتوفير فرص العمل، وتشجيع التصنيع الوطني – سعياً لتحسين مستوى المعيشة وتعزيز قدرة الاقتصاد العراقي على الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج.
  • لم تُعامل الدولة العلم والتكنولوجيا كأدوات تقنية منفصلة عن مشروع التنمية، بل كجزء من تصور استراتيجي لبناء المستقبل؛ فالتقدم العلمي، بحسب هذا الفهم، لا يتحقق بمجرد نقل التكنولوجيا أو استيرادها، وإنما يبدأ باستيعاب المعرفة وفهمها، ثم تكييفها مع حاجات المجتمع وأهداف الدولة، وصولاً إلى بناء قدرة وطنية على الإنتاج والابتكار. وهكذا ارتبطت سياسات التعليم والبحث العلمي والتصنيع بالتخطيط الاقتصادي والاستراتيجي، باعتبار أن بناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة يمثل أحد أهم عناصر القوة الوطنية.
  • وسعت الدولة أيضاً إلى تعزيز مفهوم المواطنة وتوسيع مشاركة مختلف مكونات المجتمع في مؤسساتها، مع احترام التنوع القومي والديني، انطلاقاً من رؤية تربط قوة الدولة بوحدة مجتمعها وتكامل مؤسساتها. فبناء الدولة، بحسب

هذا المنطق، لا يتحقق بالثروة وحدها، بل بقدرة المجتمع على تحويلها إلى معرفة وإنتاج وديمومة مؤسسية.

 القضية الكردية وبيان 11 آذار 1970

انطلاقاً من قناعة الثورة بأهمية الحفاظ على وحدة البلاد، مع الاعتراف بالتنوع القومي الذي يميز المجتمع العراقي، قررت القيادة التعامل مع ملف القضية الكردية عبر الحوار السياسي بدلاً من الحلول العسكرية. ففتحت قنوات اتصال مع القيادات الكردية، سعياً للتوصل إلى صيغة تضمن الحقوق القومية للاخوة الأكراد ضمن إطار الدولة العراقية الموحدة. وتُوّجت هذه الجهود بإصدار بيان الحادي عشر من آذار 1970، الذي نص على الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للشعب الكردي، وإقرار اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، وتوسيع مشاركة المواطنين الأكراد في مؤسسات الدولة، ودعم التعليم والثقافة باللغة الكردية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وصولاً إلى تنفيذ مشروع الحكم الذاتي ضمن إطار وحدة العراق وسيادته. ويعد هذا الاتفاق ترجمة عملية لمفهوم الشراكة الوطنية، وقد عُدّ البيان آنذاك من أكثر المبادرات تقدماً في التعامل مع قضية قومية داخل دولة عربية.

الجبهة الوطنية والدور القومي العربي

سعت الثورة إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، من منطلق أن استقرار الدولة يستدعي إطاراً يجمع القوى الوطنية المتفقة على حماية استقلال العراق ودعم مشروعه التنموي. من هنا جاء الإعلان عن تشكيل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، التي ضمت عدداً من القوى والأحزاب السياسية بهدف إيجاد صيغة للعمل الوطني المشترك. وشكلت الجبهة، في سنواتها الأولى، إطاراً سياسياً لتنظيم العلاقة بين حزب البعث وعدد من الاحزاب و القوى الوطنية، مع بقاء الدور القيادي بيد حزب البعث العربي الاشتراكي في إدارة الدولة وتوجيه سياساتها. أما على الصعيد العربي، فقد تبنت الثورة منذ انطلاقتها توجهاً قومياً مستمداً من فكر حزب البعث القائم على مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية. لم تنظر القيادة إلى العراق كدولة معزولة عن محيطها، بل كجزء من مشروع عربي أشمل يقوم على التضامن العربي وتنسيق المواقف والدفاع عن القضايا المشتركة.

وفي مقدمة تلك القضايا، جاءت القضية الفلسطينية التي احتلت مكانة مركزية في السياسة العراقية خلال تلك المرحلة؛ إذ قدم العراق أشكالاً متعددة من الدعم

السياسي والاقتصادي لشعبنا الفلسطيني، واعتبرها قضية العرب المركزية، واستضاف مؤسسات وكوادر فلسطينية عديدة، ووفر تسهيلات للطلبة الفلسطينيين والعرب في جامعاته. كما استقبل العراق آلاف الطلبة والباحثين العرب، وفتح مؤسساته التعليمية أمامهم، وأسهم في إعداد كوادر علمية ومهنية عادت لاحقاً للمشاركة في تنمية بلدانها، إلى جانب أشكال مختلفة من الدعم الاقتصادي والفني لعدد من الدول العربية – انعكاساً لتوجه قومي رأت فيه القيادة أن قوة العراق لا تنفصل عن قوة محيطه العربي.

 التحديات

ادت النهضة الحضارية ومشاريع البناء والتنمية التي عرفها العراق خلال عقدي السبعينيات وجزء من الثمانينيات الى استهداف العراق، فواجهت مسيرة الثورة تحديات كبرى فرضتها ظروف إقليمية ودولية معقدة، انعكست مباشرة على مسار التنمية والاستقرار مستهدفة وقف المشروع التنموي وتقويض الدور الوطني والقومي للعراق، فجعلته الإنجازات الحضارية و الاقتصادية والعلمية والعسكرية التي تحققت هدفاً لصراعات إقليمية ودولية تسعى للحد من نمو قدراته ، وسوف نتناول ابرز تلك التحديات في دراسة لاحقة .

 الخاتمة

لا يمكن قراءة تجربة ثورة السابع عشر من تموز 1968 بمعزل عن ظروفها التاريخية والسياسية. فهي، في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، لم تكن مجرد تغيير في السلطة أو انتقال للحكم من قيادة إلى أخرى، بل مشروع متكامل استهدف بناء دولة وطنية حديثة ذات افق قومي تمتلك قرارها السيادي المستقل، وتستثمر ثرواتها في خدمة شعبها وامتها العربية، وتعتمد على التخطيط العلمي والمؤسسات والتنمية الشاملة – باعتبارها الأساس الحقيقي لنهضة الأمم.

 خلال مسيرتها، ارتبطت الثورة بمشاريع كبرى منها: إعادة بناء مؤسسات الدولة، تأميم النفط، تطوير التعليم والبحث العلمي، توسيع الخدمات الصحية والاجتماعية، بناء قاعدة صناعية وزراعية، تعزيز القوات المسلحة، إلى جانب السعي لترسيخ الوحدة الوطنية ومعالجة القضية الكردية عبر بيان الحادي عشر من آذار، وتوسيع المشاركة السياسية من خلال الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، وتبني دور قومي عربي جعل العراق أحد أبرز الفاعلين في وطنه العربي ومحيطه الإقليمي.

 ولعل الدرس الأبرز الذي تقدمه انجازات ثورة السابع عشر من تموز بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي هو أن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية استراتيجية، ومؤسسات قوية، وهوية وطنية جامعة، واقتصاد منتج، وتعليم متطور، وقدرة على حماية السيادة الوطنية وصيانة استقلال القرار العراقي.

 ومن هذه الرؤية، يرى حزب البعث العربي الاشتراكي أنه قدم، خلال مسيرته في قيادة الدولة، نموذجاً متكاملاً في بناء المؤسسات وإدارة الموارد وتحقيق التنمية، وأن فكره الوطني والقومي شكّل الإطار الذي جمع بين بناء العراق وعزز دوره العربي – إيماناً منه بأن قوة العراق ركيزة لقوة الأمة العربية، وأن مشروعه القومي يبقى، من وجهة نظره، الأكثر قدرة على حماية وحدة العراق وسيادته، وخدمة مصالح شعبه، والإسهام في نهضة الامة العربية بأسرها.

 

المراجع والمصادر:

 1. حزب البعث العربي الاشتراكي، التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن، بغداد، كانون الثاني 1974، ص 19–38.

  1. 2. عباس عبد جاسم، في الصراع والحضارة: مشروع رؤية بعثية في الصراع الحضاري العربي، بغداد، 1983، رقم الإيداع في المكتبة الوطنية ببغداد: 736 لسنة 1983، ص 81–85.
  2. 3. علي خيون، ثورة 17–30 تموز 1968: التجربة والآفاق، ص 4–7.
  3. 4. جلال السيد، حزب البعث العربي، دار النهار للنشر، بيروت، 1973، ص 200–203.
  4. 5. دائرة الإعلام الخارجي، العداء الإيراني للعراق: متابعة لأقوال خميني وأعوانه، الطبعة الثالثة (مزيدة ومنقحة)، بغداد، 1984، ص 14–17، 35–48، 55–64.
  5. 6. منشورات الثورة، المسألة الكردية: الوضع الراهن وآفاق المستقبل، بغداد، ص 13–28.
  6. 7. المنهاج الثقافي المركزي، الكتاب الأول، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985، رقم الإيداع في المكتبة الوطنية ببغداد: 204 لسنة 1985، ص 141–157.
  7. 8. حامد عمار، “دور التعليم في الوحدة العربية” (نقد كتاب)، مجلة المستقبل العربي، العدد 15، 1980، ص 176–177.
  8. 9. عامر جورج إلياس أبو سعدى، دور العقلية القبلية في تعطيل الوحدة العربية، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد الدراسات الإقليمية (دراسات عربية معاصرة)، عمادة الدراسات العليا، جامعة القدس، فلسطين، 2011.
  9. 10. Ahmed Archive 2 فيديو للقاء الرئيس صدام حسين مع ثوار تموز. يوتيوب، 25 نيسان/أبريل 2025.

https://youtu.be/IOi11cLwjdw?si=lYsIyBbOQZ6ty9OA

كَيف يَتَحَوَّل العَرَب مِن أُمِّةٍ يَجْمَعُها المَاضِي إلَى أُمِّةٍ تُسهِمُ فِي صُنْعِ المُستَقبَل؟

 

نحو مشروع عروبي نهضوي معاصر

كَيف يَتَحَوَّل العَرَب مِن أُمِّةٍ يَجْمَعُها المَاضِي إلَى أُمِّةٍ تُسهِمُ فِي صُنْعِ المُستَقبَل؟

 

د. فيصل الفهد

 

الأمم الحية لا تعيش بالماضي وحده …مهما كان مجيداً وعظيماً. فالتاريخ يمنح الهوية والثقة بالنفس لكنه لا يصنع التقدم تلقائياً. والتحدي الذي يواجه العرب اليوم وغداً ليس نقصاً في الأمجاد التاريخية بل كيفية تحويل هذا الإرث الحضاري العظيم إلى قوة دافعة لصناعة المستقبل.

لقد أسهم العرب في مراحل تاريخية مختلفة في بناء الحضارة الإنسانية فكانت مراكز العلم في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة منارات للعلم والفكر والابتكار. غير أن استحضار هذه الإنجازات يجب أن يكون حافزاً للعمل لا مبرراً للركون إلى أمجاد مضت وانقضت. ويتطلب ذلك عدة مقومات لا غنى عنها منها :

أولاً: الانتقال من ثقافة التمجيد إلى ثقافة الإنجاز

المجتمعات المتقدمة لا تقيس نفسها بما أنجزه الأجداد بل بما ينجزه الأبناء. لذلك ينبغي أن تتحول الثقافة العربية الى جانب الحديث عن الماضي إلى تبني ثقافة الإنتاج والإبداع والإنجاز بكل فروعه وفي مقدمتها العلمي والاقتصادي.

ثانياً: الاستثمار في الإنسان

الإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم. ولا يمكن صناعة المستقبل دون توفير الحياة الحرة الكريمة بكل جوانبها من حماية حقوقه الانسانية في الممارسة والتعبير وتوفير فرص العمل والرعاية الصحية وتعليم حديث ورعاية للمواهب وتطوير البحث العلمي، وإعداد أجيال تمتلك مهارات التفكير النقدي والابتكار والتكنولوجيا وغير ذلك . إن بناء الجامعات المتقدمة ودعم العلماء والباحثين وتحويل بحوثهم الى التطبيق الفعلي وتوفير بيئة حاضنة للإبداع كلها شروط أساسية للنهضة.

ثالثاً: بناء الدولة المؤسسية

لا مستقبل لأمة تعيش في ظل الصراعات والانقسامات والفساد وضعف المؤسسات. فالدولة الحديثة تقوم على سيادة القانون والعدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص واحترام المواطنة. وعندما يشعر المواطن بأنه شريك في وطنه يصبح أكثر استعداداً للمساهمة في تنميته والدفاع عن مصالحه.

رابعاً: تعزيز التكامل العربي

يمتلك العالم العربي مقومات هائلة من الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي والأسواق الواسعة والطاقات البشرية الشابة. لكن هذه الإمكانات تبقى محدودة الأثر إذا ظلت الدول العربية تعمل بصورة متفرقة. إن تعزيز التعاون الاقتصادي والعلمي والثقافي والتقني والامني، حتى وان كان بمستوى اقل من الطموح الاعلى، يمكن أن يحول المنطقة إلى قوة إقليمية مؤثرة في النظام الدولي.

خامساً: امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا

العالم يدخل مرحلة جديدة تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة والاقتصاد الرقمي. والأمم التي لا تشارك في إنتاج المعرفة ستتحول إلى مجرد مستهلك لما ينتجه الآخرون. لذلك فإن الاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي ، ليس ترفاً بل ضرورة وجودية.

سادساً: استعادة الثقة بالمستقبل

أخطر ما يواجه الأمة ليس نقص الموارد بل انتشار الإحباط وفقدان الثقة بالقدرة على التغيير. والتاريخ يعلمنا أن الأمم تنهض عندما تمتلك رؤية مشتركة وإرادة سياسية ومجتمعية تؤمن بأن المستقبل يمكن صناعته.

إن تحول العرب من أمة يجمعها الماضي إلى أمة تسهم في صنع المستقبل لا يعني التخلي عن تاريخهم أو هويتهم بل يعني الانتقال من استهلاك الذاكرة إلى إنتاج المعرفة ومن تمجيد الأمجاد السابقة إلى احيائها من خلال بناء أمجاد جديدة، ومن الانقسام إلى التكامل ومن الاعتماد على الآخرين إلى امتلاك أسباب القوة العلمية والاقتصادية والحضارية.

فالأمم الان وغدا  لا تُقاس بما كان لها من تاريخ فحسب وإنما بما تضيفه إلى تاريخ الإنسانية في الحاضر وما تتركه للأجيال القادمة من إنجازات ورؤى تصنع المستقبل.

ما الذي ينقص العرب لتحقيق رؤى للمستقبل؟

لا تنقص العرب الموارد ولا الإمكانات البشرية بل تنقصهم مجموعة من الشروط الأساسية التي تحول الإمكانات إلى مشروع حضاري متكامل. ومن أبرز هذه الشروط:

1. الرؤية الاستراتيجية المشتركة

لا تزال معظم السياسات العربية أسيرة إدارة الأزمات اليومية بينما تحتاج النهضة إلى رؤية بعيدة المدى تمتد لعقود وتحدد الأولويات والأهداف الكبرى في التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والتنمية البشرية.

2. الإرادة السياسية

امتلاك الرؤية وحده لا يكفي …إذ يتطلب الأمر إرادة سياسية قادرة على اتخاذ قرارات إصلاحية جريئة وتغليب المصالح الوطنية والقومية على الحسابات الضيقة والخلافات العابرة.

3. اعتماد الانسان كأساس للتنمية

العنصر البشري هو أساس كل نهضة. ولا يمكن بناء المستقبل دون  توفير كافة الشروط الانسانية للمواطن العربي في وطنه لكي يصبح قوة اساسية في التنمية والنهضة بما فيها توفير تعليم نوعي ورعاية للمواهب وتمكين الشباب والمرأة وتحويل الجامعات إلى مراكز للبحث والإبداع والتطوير لا إلى مؤسسات لمنح الشهادات فقط وغير ذلك من المقومات التي تنهض بالانسان العربي وترعاه.

4. الانتقال إلى اقتصاد المعرفة

رغم امتلاك العالم العربي ثروات طبيعية كبيرة فإن الثروة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين أصبحت المعرفة والابتكار والتكنولوجيا. لذلك يحتاج العرب إلى زيادة الإنفاق على البحث العلمي والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة.

5. وجود مؤسسات قوية

التنمية المستدامة لا تقوم على الأفراد مهما كانت قدراتهم بل على مؤسسات راسخة تتسم بالكفاءة والشفافية وسيادة القانون والمساءلة وتضمن استمرارية السياسات بعيداً عن التقلبات السياسية.

6. وجود الحد الادنى من التكامل العربي

يمتلك العرب سوقاً واسعة وموارد متنوعة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً لكن ضعف التعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي يقلل من القدرة الجماعية على المنافسة العالمية.

7. ثقافة العمل والإنجاز

لا يكفي الافتخار بالماضي الحضاري …بل يجب ترسيخ قيم الإنتاج والانضباط واحترام الوقت والاعتماد على الكفاءة والجدارة وتحويل النجاح الفردي إلى مشروع مجتمعي.

8. إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار

تشترك الامة العربية شأنها شأن كل امم العالم الكبرى، بوجود التنوع الطبيعي الناتج عن وجود بعض الاقليات فيها، لكن اعداء الامة يسعون الى استغلال هذا التنوع لتأجيج انقسامات سياسية أو طائفية أو عرقية لكي تستنزف طاقاتها وتضعفها. لذا فإن مواجهة هذا التحدي المعادي يجب ان يتم من خلال بناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة والتي تمثل شروط ضرورية لافشال الخطط المعادية من جهة ولتوجيه الموارد نحو التنمية بدلاً من الصراعات من جهة اخرى.

9. الثقة بالذات الحضارية

لا تتحقق النهضة بالتقليد الأعمى للآخرين ولا برفض منجزاتهم وإنما بالاستفادة من التجارب العالمية مع الحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية، وإحياء روح المبادرة والابتكار.

ما ينقص العرب ليس المال ولا الموارد ولا العقول وإنما مشروع حضاري عربي نهضوي يقوم على الرؤية والإرادة والمعرفة والمؤسسات والتكامل. فعندما تتوافر قيادات تمتلك رؤية استراتيجية ومجتمعات تؤمن بقيمة العلم والعمل ودول تستثمر في الإنسان وتدير تنوعها بحكمة يصبح الانتقال من استحضار الماضي إلى صناعة المستقبل أمراً ممكناً وتتحول الأمة العربية من متلقٍ للأحداث والتحديات إلى شريك فاعل في صياغة مستقبل الإنسانية.

المستقبل في فكر ميشيل عفلق بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب

المستقبل في فكر ميشيل عفلق

بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب

أستاذ جامعي -دمشق –

 

 

في رفقة ومرافقة فكر أستاذنا ميشيل عفلق، واجب الولاء والانتماء لفكر حمل في صفحاته أسئلة مستقبلية عن الواقع العربي إنها ليست أسئلة الفيلسوف الأكاديمي وحده وإنما أسئلة المنتمي إلى سيرورة هذا الواقع, منذ استوطنت القبائل العربية تحت مسميات وأسماء تنتمي إلى جد مؤسس تلتحف هذه القبائل اسمه لتؤسس في مسيرتها عروبة الجغرافيا للوطن العربي من المحيط الهادر إلى الخليج العربي لتصبح هذه الجغرافيا بلاد العرب أوطاني والرفقة ومرافقة هذا الفكر لها أسبابها ودواعيها بحيث يظل هذا الفكر على تماس وتفاعل مع المعطيات المستجدة وطرح الاسئلة عليها حتى تظل ميدان اهتمامه ومحاكاتها بأسئلة بمستجداتها وما تستجد من أسئلة حتى تظل في مرمى الإجابة عليها.

هذا جانب من جوانب الولاء والانتماء لهذ الفكر ،ومن ثم الكيفية التي أجاب عليها في واحدة من ضرورة مجابهة

تحديات الأمة العربية في معركة مستقبلها.

أما الجانب الآخر من واجبات الولاء والانتماء قراءة دعوات التغيير بعين يقظة، التي تقول بتجديد الفكر القومي المفتوح بجدارة على الفكر العالمي المعرفي بشقيه الفلسفي والعلوم الاجتماعية وفي مقدمتها الأنثروبولوجيا الثقافية ومنهجها في التحليل الثقافي حتى يظل فكر أستاذنا على تواصل مع الواقع العربي والعالمي وما بينهما من تأثير متبادل تتأتى منه منافع وتحديات يظل هذا الواقع تحت أنظار إهل الفكر ،وذلك حتى لا نقع في ظل مؤامرة إخراج هذا الفكر من هويته ومحدداته وأطروحاته ومنهجه القومي الذي أوصلنا إلى رؤية مستقبلية عندما أسس لولادة حزب الأمة العربية تحت اسم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أُسّس لمغالبة التحديات التي تواجه الأمة العربية على النحو الذي أراد”يساريوا”مؤامرة شباط ومؤتمرهم السادس، وأهجوزتهم التقرير العقائدي، الذي صاغه مجموعة من المنشقين عن الحزب الشيوعي السوري، ومن في معيتهم من أصحاب المعالي.

إذا الرفقة ومرافقة فكر أستاذنا في موسوعته” في سبيل البعث “لها ضوابطها حتى لا تؤذن القراءة بهواجس التجديد الممهور بسرديات ومناهج تجلب النظر وتغريه لكنها لا تحمل الأسئلة المنهجية مالكة القراءة المنهجية لسيرورة الواقع العربي في مراحله التاريخية المتتابعة وحتى تظل على تواصل مع ما تأتي مراكز بحوث حزب البعث ومؤتمراته القومية تحت عين حارسة لهذه الدراسات، عين قيادته القومية المالكة لشرعيتها من خلال المؤتمرات الحزبية من أصغر مكون حزبي وحتى المؤتمر القومي الذي لا يعقد تحت غفلة السرية والوضع العربي المأزوم .وإنما بمستحقاته الشرعية التي يحكمها النظام الداخلي المقروء بعين الولاء والانتماء التاريخي لحزب الأمة العربية. لا نسوغ لم كتبناه عن المستقبل في فكر أستاذنا في دراساتنا التي بدأناها بدراسة “قراءة لإشكالية الانقلاب في فكر ميشيل عفلق-مجلة حقائق- تونس -العدد237-ص19-20-1990والعدد الثاني والثالث-والعدد الأخير-239- ص22-23-من 16-3-22-3-1990،والتي أعدنا نشرها في كتابنا “في فكر ميشيل عفلق. دار الأزمنة-الأردن-عمان-2009” وإنما نقرأ معنى المستقبل في مقاله “المستقبل من خلال نصه، في كتابه “في سبيل البعث-الجزء الأول في الصفحة26 قراءة تحليليّة ثقافية لتقول معاني المستقبل من وجهة نظر حمالة للأسئلة من منظور مفكر يبحث معاني حملها فكره من ثروة الحياة إلى الإيمان إلى عصر البطولة والجيل العربي الجديد إلى القومية والإنسانية إلى الوحدة العربية وحدودهاً التي تبدأ في القطر العربي الواحد وتنتهي فيه إلى النضال الذي يحقق حضور الأمة العربية في حياتنا العربية….إلخ

إذن؛ المستقبل يراه من خلال ما يقوله البعث ،الذي هو بمثابة “موضوع عملنا ونضالنا. ”ليس يؤخذ بالحسابات الزمنية “التي يقدر بالأشهر والسنين إنه زمان نفسي نستطيع أن نحققه منذ الآن، وأن نملكه فنملك الخلود”

ليس المستقبل هو الزمان الذي سيأتي بل المستوى النفسي والفكري الذي علينا أن نصل إليه.”

أليس هذا القول قول من كان يستشرف حال الأمة ووضع الأسئلة المستحقة التي يفرضها هذا الواقع وما يصاحبه ويستجد من تحديات؟ ومع ذلك إنه يستشرف الواقع العربي وسيرورته التاريخي ليجيب على الأسئلة من جهة وليعد الأدوات والآليات النضالية التي تجابه التحديات وتغالبها.

 ولهذا رأيناه يستنهض في حزب الأمة العربية الجيل العربي الجديد ليكون أهم آليات النضال القومي العربي، وفي هذا المعنى وحالته المستقبلية يرى المستقبل الذي قال عنه لا يؤخذ بالزمن الحسابي ،وإنما بالزمن النفسي الذي يراه بأحرار البعث، ”فالمستقبل الذي يمثله البعثي هو الصورة عن حياة أمتنا عندما يتحقق البعث.”.

ومع ذلك فهو يقول مستطرداً للشعب العربي “فلن نقول للعرب إنّكم ستصلون إلى الحياة الموحدة الحرّة الاشتراكية وبكلمة واحدة للحياة البعثية في المستقبل عندما يتحقق البعث العربي ،وإنّما نقول لهم هذه هي صورتها منذ الآن،هذه الحياة التي تزول فيها الفروق الاجتماعية والحواجز الإقليمية والنعرات الطائفية وكل أثر للعبودية والمصلحة الخاصة والجهل والتقليد .” نعم من يرى المستقبل العربي بالمعاني التي وضعها أستاذتا وبعين مستقبلية نضالية من خلال حزب الأمة العربية وجيلها العربي الجديد يقول قول أستاذنا :”عندها يأتي المستقبل إلينا وينمو فينا ولا يعود شيئاً منفصلاً وخارجا عنّا.” ونكمل قراءة المستقبل العربي في فكر أستاذنا كما كان يستشرف بعين مستقبلية تنتمي لهذه الأمة العربية وهي تعيش معركة هذا المستقبل وترى هذا المستقبل بقوله: كان محمد كل العرب فليكن كل العرب اليوم محمداً.” كما رآه في بعث العراق عندما رأى في العراق وقائده صدام حسين هدية للأمة العربية وبرهاننا الذي ينحي العاطفة المستحقة جانباً ،في قوة العدوان الصهيوني على العراق ،وما كانت تخطط لنهايته الراهنة ،الصهيونية التي رآها مصارعة ومغالبة الأمة العربية في دورها الحضاري.

 

الدَور الإيرانِي فِي العِراق: مِن شَريكِ الإحتِلال إلى مَأزقِ التَراجُع الإقلِيمِي  

حسن خليل غريب

 

مقدمة تاريخية

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظلّت إيران تراقب المشهد العراقي بحثًا عن منافذ للتأثير، مستخدمة أدوات الطائفية والمعارضة السياسية. ومع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة لمنع ان يكون بوابة رئيسية لمشروع النفوذ الإيراني في المشرق العربي. لكن الاحتلال الأميركي عام 2003 شكّل نقطة انعطاف حاسمة، إذ انتقلت إيران من دور خارجي داعم لما سمي “معارضة” إلى هيمنة داخلية عبر الميليشيات والمؤسسات الرسمية. ومع سياسات الضغط القصوى التي انتهجها الرئيس دونالد ترامب، واغتيال قاسم سليماني، ثم سقوط نظام الاسد في سوريا عام 2024، دخل الدور الإيراني مرحلة جديدة من التراجع النسبي. وأخيرًا، جاءت مفاوضات العام 2026 بعد اغتيال خامنئي لتفتح الباب أمام إعادة رسم حدود النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، في إطار تفاهمات أميركية – إيرانية مشروطة بالموقف العربي.

 منذ العام 2003، تاريخ احتلال العراق، أصبح الدور الإيراني في المنطقة، جزءًا من مشروع وظيفي يخدم الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية لتفتيت الهوية القومية العربية والوجود العربي برمته.

 إن دخول إيران إلى العراق لم يكن خروجًا على الاحتلال الأميركي، بل كان تكاملًا معه. فقد وفّر الأميركيون الغطاء، فيما وظّفت إيران الطائفية السياسية لتكريس نفوذها، وتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لميليشياتها لاستهداف كل ماهو وطني. بهذا المعنى، لم يكن الدور الإيراني بديلًا عن الهيمنة الأميركية، بل شريكًا في تكريس الاحتلال وإدارة الانقسام وإضعاف الدولة الوطنية.

 لقد اتَّخذت العلاقة بين واشنطن وطهران منذ ذلك التاريخ شكلًا من التحالف الوظيفي: أميركا تستفيد من تفتيت البنية القومية العربية واضعاف العرب، وإيران تستفيد من توسيع مشروعها الإقليمي عبر العراق، ثم عبر لبنان وسورية واليمن. في هذا السياق، يصبح حزب الله في لبنان الأداة الأبرز لهذا المشروع، حيث يتحرك وفق حسابات إيرانية لا لبنانية، ما يجعل القرار الوطني رهينة الخارج.

 أولاً: التطور التاريخي للدور الإيراني في العراق

1-إيران والعراق قبل 2003: من المعارضة إلى الحرب

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظلّت إيران تراقب المشهد العراقي بحثًا عن منافذ للتأثير. في العهد الملكي والجمهوري المبكر، اقتصر دورها على دعم بعض القوى المعارضة، لكن مع تغيير النظام ومجيء خميني عام 1979، فسارعت الى العدوان فتحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة. وكانت الحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988) التعبير الأوضح عن هذا الدور، حيث سعت إيران إلى إضعاف العراق شعبا وموارد ودولة عبر دعم الميليشيات المسلحة التابعة لها، مثل المجلس الأعلى وقوات بدر. وفي التسعينيات، استغلت إيران الحصار المفروض على العراق لتوسيع شبكات نفوذها، ما جعلها لاعبًا حاضرًا في كل نقاش يستهدف التآمر على مستقبل العراق الوطني وخاصة في انكلترا واميركا حتى قبل الاحتلال الأميركي.

 2-إيران والعراق بعد 2003: من النفوذ الخارجي إلى الهيمنة الداخلية

مع وقوع بغداد تحت الاحتلال الأميركي، دخلت إيران مرحلة جديدة من نفوذها في العراق. لم تعد مجرد داعم لما يسمى “معارضة”، بل أصبحت شريكًا مباشرًا في صياغة المشهد السياسي والأمني، عبر الميليشيات والأحزاب الطائفية التي تسللت إلى مؤسسات الدولة، فيما لعب الحرس الثوري وفيلق القدس دورًا محوريًا في إدارة الصراع. وقد اتخذت العلاقة مع واشنطن شكلًا وظيفيًا:

  أميركا وفّرت الغطاء، وإيران نفّذت مشروع التفتيت عبر الطائفية. بهذا تحوّل العراق إلى ساحة لتوازن النفوذ بين الطرفين، وأصبح القرار الذي يفترض انه وطني رهينة حسابات خارجية.

  

3-مرحلة داعش وما بعدها: شرعنة النفوذ الإيراني

لم يقف الشعب العراقي موقف المتفرج فثار ثورة سلمية، وبعد وصول ثورة العشائر إلى مراحل متقدمة، ووصلت إلى أبواب بغداد، بدأ هاجس إسقاط العملية السياسية يحفِّز أميركا وإيران على مواجهة الثورة بأسلوب آخر، فكان ابتكار (بدعة داعش)، بتخطيط إيراني وتنفيذ مشترك لنظام بشار الأسد ونوري المالكي، لتحويل المعركة بين العراقيين أنفسهم من جهة ولتحطيم معاقل المقاومة العراقية البطلة ضد الاحتلال الامريكي. حينذاك، شكَّل ظهور تنظيم داعش غطاءً ذهبياً لإيران لتحقيق تلك الاهداف ولتكريس شرعية ميليشياتها تحت اسم “الحشد الشعبي”. وبهذا، قدّمت نفسها كحامية للعملية السياسية التي جاء بها المحتل، لكنها في الواقع رسّخت وجودها العسكري والسياسي والأمني والاقتصادي، وجعلت من الحشد أداة رسمية للنفوذ الإيراني. هذه المرحلة مثّلت انتقال إيران من نفوذ غير رسمي إلى هيمنة مؤسساتية، حيث باتت قادرة على التأثير المباشر والسافر في القرار السياسي والاقتصادي، فضلًا عن التحكم في مسار الأمن الوطني، والهيمنة على موارد العراق والعراقيين بشتى الوسائل.

 4- من العراق إلى الإقليم: تراجع وتحوّل بعد 2017

بعد عام 2017، ومع إغلاق البوابة السورية تدريجيًا وسخونة الساحة العراقية بالاحتجاجات الشعبية، التي قادتها انتفاضة 2019 الشبابية، بدأ النفوذ الإيراني يواجه تحديات جدية. وبتزايد الرفض الشعبي للطائفية، فإن مشروعها في العراق قد أصبح أقل استقرارًا. ومع سقوط نظام الاسد في سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقدت إيران إحدى ركائز تمددها، مما هدد حضورها في العراق. ومع ذلك، بقيت متمكنة من السيطرة والتأثير عبر الأمن، والميليشيات، والاقتصاد، والسياسة.

 ثانياً: المتغيرات في الدور الإيراني بعد ولاية ترامب الأولى

منذ ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، دخل الدور الإيراني في المنطقة مرحلة جديدة من التحديات والتحولات، باعتبارها انتقالاً من مشروع توسعي واثق إلى مشروع مضغوط بالضغوط الأميركية والدولية. وخاصة في المجالات التالية:

 الانسحاب من الاتفاق النووي (2018)

اعاد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، واشنطن إلى ما سمي بسياسة “الضغط الأقصى”، مما دفع إيران إلى تكثيف حضورها في العراق ولبنان لتعويض اية خسائر داخلية.

 2-العقوبات الاقتصادية والضغط المالي

ان “العقوبات” المزعومة التي فرضها الرئيس ترامب لم تُنهِ النظام الإيراني، لكنها دفعته إلى تعزيز أدواته العسكرية والسياسية في العراق ولبنان للالتفاف عليها خاصة في ظل التهريب لموارد العراق الهائلة الى إيران لدعم اقتصادها وأذرعها. وبقيت الطائفية الأداة المركزية التي تستخدمتها إيران لتثبيت نفوذها وسط انهيار اقتصادي داخلي.

 3-اغتيال قاسم سليماني) 2020(

على الرغم من بعض الخطوات مثل اغتيال سليماني الذي اعتبره البعض ضربة استراتيجية، لكنه لم يُنهِ المشروع الإيراني. وإن إيران أعادت هيكلة أدواتها عبر الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، مع اعتماد أكبر على القيادة المركزية في طهران.

 4-مرحلة ما بعد 2024

مع سقوط نظام الاسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقدت إيران إحدى ركائز تمددها الإقليمي. هذا الحدث هدد نفوذها في العراق ولبنان، لكنه لم يُلغِ حضورها، إذ بقيت قادرة على السيطرة والتأثير عبر الادوات المشار اليها اعلاه. وأصبح هذا التدخل سافرا متجاوزاً ابسط معايير الاستقلال والسيادة.

 ثالثاً: ترامب في ولايته الثانية، ومحاولات “تقليص” التأثير الإيراني في العراق

منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس دونالد ترامب فتح ملف النفوذ الإيراني في العراق باعتباره أحد أبرز ملفات الأمن القومي الأميركي. وباعتباره محاولة لإعادة رسم التوازن داخل العراق عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، مع التركيز على حكومة جديدة في المنطقة الخضراء كواجهة مزعومة لتقليص النفوذ الإيراني وتُقدَّم كواجهة عراقية رسمية لتنفيذ هذه الشروط، مما يجعلها ولو شكلياً جزءًا من استراتيجية أميركية لإعادة القرار الحكومي إلى بغداد. ومن الادوات “المعلنة” لتحقيق ذلك هي:

 1-الضغط الدولي والعقوبات:

إعادة تفعيل سياسة ما عرف ب “الضغط الأقصى” على إيران، ليس فقط عبر العقوبات الاقتصادية المباشرة، بل أيضًا عبر الضغط على السلطة العراقية لتقليص التعامل مع الميليشيات المرتبطة بطهران.

 2-إعادة بناء الدولة العراقية كساحة لتعزيز المصالح الأميركية:

من خلال دعم السلطة الجديدة في المنطقة الخضراء، فان الموقف المعلن للرئيس ترامب هو انه يسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة الرسمية، وخاصة الجيش والأجهزة الأمنية، لتكون بديلًا عن الميليشيات. إن هذه الخطوة تمثل محاولة لإعادة القرار العسكري إلى الدولة، وإلغاء دور الميليشيات كأداة رئيسية للنفوذ الإيراني. ولكن على ارض الواقع تبقى كل هذه المحاولات شكلية ومحدودة في ظل استمرار العملية السياسية الراهنة ونظام المحاصصة فيها والتي تفضي الى استمرار تحكم النفوذ الايراني في كافة قيادات ومفاصل الدولة الرسمية العسكرية والمدنية منها.

 3- ربط العراق بالموقف العربي:

إن أية محاولة لإلغاء النفوذ الإيراني او تقليصه لا يمكن أن تنجح دون ربط العراق بالموقف العربي العام. الرئيس ترامب، وفق هذه القراءة، يحاول الدفع باتجاه إدماج العراق في منظومة عربية – دولية، بحيث يصبح جزءًا من مشروع إقليمي على امل تعزيز سيادة العراق والحد من قدرة إيران وسعيها المحموم لاستخدام الطائفية كأداة للتقسيم والتفتيت والهيمنة.

 4-التفاوض الأميركي – الإيراني الجاري 2026:

بعد اغتيال علي خامنئي في مطلع 2026 بدأت مرحلة تفاوض جديدة بين واشنطن وطهران. لم تكن تلك المفاوضات مجرد تسوية ثنائية، بل محاولة لإعادة رسم حدود النفوذ في المنطقة. فإيران تبحث عن ضمانات دولية وعربية لتثبيت حضورها ومصالحها. أما واشنطن، فتسعى في العلن لفرض شروطها، بما يربط أي تفاهم بمطلب عربي رسمي يحدّ من دعم إيران لأذرعها في العراق ولبنان.

  خاتمة

إن قراءة تطور الدور الإيراني في العراق تكشف مساراً متدرجاً من النفوذ الخارجي إلى الهيمنة الداخلية، ثم إلى تعزيز و”شرعنة” الحضور عبر مؤسسات الدولة.

 ان هذا الدور لم يكن يوماً بديلاً عن الهيمنة الأميركية، بل شريكاً وظيفياً في إدارة الانقسام وإضعاف الهوية القومية العربية وتهديد الوجود العربي والامن القومي له. ومع التحولات الأخيرة، يبقى مستقبل العراق مرهوناً بقدرة ابنائه وقواه الوطنية الحرة على استعادة قراره الوطني، وبمدى نجاح النظام العربي الرسمي في صياغة موقف موحّد يضع حدّاً للوصاية الخارجية ويعيد التوازن إلى المنطقة، وبلورة مشروع عروبي نهضوي يضمن المقومات الاساسية للامن القومي العربي.

بيان طليعة لبنان:  الاتفاق الإطاري يسقط  مرجعية القرارات الدولية وهيئات المتابعة ذات الصلة

طليعة لبنان :

 الاتفاق الإطاري يسقط  مرجعية القرارات الدولية وهيئات المتابعة ذات الصلة

  ويشكل مساً بالسيادة الوطنية وتعارضاً مع قوانين مقاطعة “اسرائيل”  

الخيار الوطني هو اعادة الاعتبار للدولة العادلة التي تصون المقومات الوطنية.

 

 

أكدت  القيادة القطرية لحزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي ، ان الاتفاق الاطاري يمس بالسيادة الوطنية ، ويهدد البنية الوطنية والمجتمعية اللبنانية، ويتعارض مع التزام لبنان مواثيق جامعة الدول العربية. واعتبرت ان  الوسيط الاميركي ليس نزيهاً ولا  حيادياً ، وان الرفض لهذ الاتفاق ومعارضته لا يعني القبول بالحاق لبنان بالمسار الايراني.  وشددت على مواجه المخاطر التي ينطوي عليها الاتفاق الإطار بموقف موحد من الاخطار المحدقة بالامن الوطني وأمن المواطن وهو خيار اعادة الاعتبار للدولة العادلة.

    جاء ذلك في بيان للقيادة القطرية فيما يلي نصه :

في الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان والكيان الصهيوني برعاية اميركية ، تم التوقيع على اتفاق تجاوز حدود الترتيبات الامنية الى المحتوى  السياسي الذي يتمحور حول ماسماه  باقامة سلام بين الدولتين . وهذا الاتفاق الاطاري وان لم يكن ينطوي على اتفاق نهائي  كمقدمة لتسويقه لدي الطرفين المتفاوضين على المستوى المؤسساتي ، إلا ان البنود الاربعة عشر التي تضمنها رسمت بوضوح النتائج التي ستترتب عليه وهو الذي لاقى ترحيباً عارماً لدى الكيان الصهيوني ،فيما لاقاه الجانب اللبناني بانقسام سياسي بين مؤيد له باعتبارهافضل الممكنفي ظل موازين القوى السائدة ، ومعارض له  بشدة باعتباره ينطوي على تلبية للمطالب والشروط الصهيونية ويشكل انتهاكاً للسيادة الوطنية . والحزب من الذين يعارضون هذا الاتفاق لما ينطوي عليه من مخاطر على الامن الوطني اللبناني واستطراداً على الامن القومي العربي  فهذا الاتفاق  وان نص في احد بنوده على استعادة الدولة لسيادتها على كامل اراضيها ، الا أنه تمت محاصرته  باكثرية البنود التي تستجيب والشروط الصهيونية وهو ماعبر عنه صراحة المسؤولين الصهاينة.

  ومعارضتنا لهذا الاتفاق تنطلق من :

اولاً ، 

ان لبنان الرسمي ، جلس على طاولة مفاوضات مباشرة مع طرف اخر لايعترف به  ، ولمجرد الجلوس معه هو اعتراف بشرعيته ، وهذا يتناقض مع احكام الدستور الذي يؤكد على لبنان التزام مواثيق جامعة الدول العربية ، وهي التي ما تزال احكام مقاطعةاسرائيل”  سارية المفعولولهذا كان يفترض بلبنان ، ان يصر على مبدأ المفاوضات غير المباشرة.  

ثانياً ،

ان اتفاق الاطار ، عمد الى اسقاط مرجعية القرارات الدولية ومنها القرار ١٧٠١  واتفاقية الهدنة لعام ١٩٤٩،  كما تجاوز دور الهيئات الدولية المعنية بمتابع القرارات  ذات الصلة بالانسحاب الصهيوني  ومنها لجنة الميكانيزم التي نص عليها اتفاق ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤. وان قبول لبنان بعدم الاشارة الى هذه المرجعيات الدولية ( قرارات ، ولجان متابعة ) ، افقده  متكئاً دولياً  ومرجعاً غير منحاز ،  ووضع البيض كله في سلة   العراب الاميركي الذي يلعب دور القابلة السياسية للاتفاقيات مع العدو. وهو ماكان يوماً وسيطاً حيادياً ، بل كان وسيبقى منحازاً للعدو استناداً الى طبيعة التحالف الاستراتيجي بين الكيان الصهيوني والدولة العميقة في اميركا اياً كانت ادارتها السياسية. وهذا سبب اضافي لجعل النتائج تصب في مصلحة العدو بالاستناد الى مقدماتها.

ثالثاً ،

ان رفضنا لهذا الاتفاق ينطلق من رؤية مبدئية وطنية وقومية لانعكاساته السلبية على معطى الواقع الوطني ولادراكنا بطبيعة المشروع الصهيوني الذي يدخل لبنان ضمن مداياته بحكم ان لبنان يشكل نقيضاً موضوعياً للكيان الصهيوني ، الذي صنفته الهيئات الدولية المعنية بقضايا حقوق الانسان ، بأنه كيان عنصري ( ابارتهايد ). وهذا ماسبق ونبّه اليه  منظرو  “الكيانية اللبنانية “. وبالتالي فأن تمكين  العدو من النفاذ الى معطى الواقع اللبناني تحت عناويناتفاقيات السلامأو التطبيع سيقوض البنيان الوطني والمجتمعي وسيلغي دور لبنان كواحدة من البيئات السياسية والمجتمعية العربية التي تحتضن تنوعاً كان ويجب ان يبقى عامل اغناء للبنان على الصعد االسياسية والثقافية والاجتماعية

رابعاً ،

 ان رفضنا لهذا الاطار الذي يرسم مساراً لاتفاق نهائي مع العدو الصهيوني،  لايعني  اننا نتماهى مع الذين يعارضونه من موقع التحاقهم بالمسار الايراني ، لان كلا المسارين لايلحظان مصلحة لبنان الوطنية ، وانما مصلحة مشروعيهما اللذين يجدان في الفضاء العربي ومنه لبنان مجالاً لنفوذهمافكما نقول لا  لهذا الاتفاق الاطار  ، نقول ، لا ، ايضاً ، لربط لبنان بمسار المفاوضات الاميركية الايرانية ، لان حبر التفاهمات الاميركيةالايرانيةالاسرائيلية في ملف الترسيم البحري لم يجف بعدوالنظام الايراني الذي قايض  بحقوق لبنان البحرية تحصيلاً لمكاسب سياسية خاصة بمشروعه ونفوذه لن يتوانى عن المقايضة  بحقوق لبنان البرية ، وهو الذي كان يعتبر وجوده في لبنان  سيطرةً على عاصمته اسوة بدمشق وبغداد وصنعاء

خامساً،

 ان رفض هذا الاتفاق الاطار ، وكل اتفاق يمس الثوابت الوطنية ، يجب ان لايقتصر على حدود تسجيل المواقف الرافضة وحسب ، بل يجب العمل لاسقاط كل المفاعيل التي تترتب على الاتفاقيات الاولية او النهائية ، وهذا لايتم الا بتحصين الساحة الوطنية من الاختراقات المعادية وعوامل التثقيل التي تضعف المناعية الداخلية وهي التي  تعاني اساساً من ضعف  ذاتي مع تفاقم   الازمة الاقتصادية الاجتماعيه  في ضوء ماترتب على العدوان الصهيوني من نتائج كارثية ، سواء تلك التي تمثلت بالتدمير الهائل والجرف شبه الشامل لبلدات وقرى باكملها والخسائر بالارواح والممتلكات ، فضلاً  عن النزوح الذي بات يجسد ازمة وطنية  ولايمكن التصدي لها وحلها الا عبر مشروع وطني ينخرط الجميع في توفير مستلزماته وعبر رافعات دعم واسناد له. وهذا لاتستطيعه الا الدولة ، التي ندعو الى اعادة الاعتبار لدورها في توفير مستلزمات الامن الاجتماعي ، كما في مواجهات التحديات التي تتهدد الامن الوطني. وهذا هو الخيار الذي يبعد عن لبنان تجرع كأس سم اتفاق الاطار الاخير وملحقه الامني  وكأسم سم أي مسار اخر  يسعى لان  يبقى قابضاً على  خناق لبنان لتوظيفه ورقة تفاوضية لتحسين مواقفه في اطار مايخطط له لاعادة تشكيل نظام اقليمي جديد انطلاقاً من النتائج التي ترتبت على المواجهة بين اميركا والكيان الصهيوني من جهة وايران من جهة ثانية.  

ان الخيار الثالث ، هو المسار الذي تتجسد فيه ارادة الفعل الوطني الجامع  الملتقي على تأكيد استقلالية الخيارات الوطنية بعيداً عن الالتحاق والاستقواء   والرضوخ  لاملاءات الخارج الاقليمي والدولي. ولبنان الذي يبدو ضعيفاً من خلال الانقسام الداخلي ، ومن خلال تثقيله باعباء مشاريع لايقوى على تحملها ، سيعكس الصورة ويبدو قوياً اكثر مما يتصوره البعض اذا ما اجمعت قواه السياسية والشعبية  على موقف واحد مما يواجهه لبنان من تحديات ، بدءأً بتحدي مواجهة الاحتلال الصهيوني وتصاعد عدوانه واتفاقيات  الاذعان كما تحدي  رفع التثقيل الاقليمي عن ساحته والاهم من كل ذلك تحدي اعادة البناء السياسي وتقوية مرتكزات الدولة الوطنية لممارسة دورها الطبيعي  في بسط سيادتها على كامل التراب الوطني وتوفير مقومات امن المواطن بكل نواحي حياتهولا خيار للانقاذ الا بدخول الجميع في مشروع الدولة العادله التي تحكم على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات تحت سقف الدستور والقوانين الناظمة للحياة العامة ،  وهذا تحدٍ مطروح على كافة القوى لوضعها امام الامتحان الحقيقي في تقديم الولاء الوطني على اي ولاء اخر

 

القيادة القطرية لحزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي.

 

بيروت في ٢٠٢٦/٦/٣٠                                   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأستاذ أحمَد ميشيل عَفلَق وسؤال الأمة المُؤجّل: لِماذا يَعود الفِكر القومِي كُلّما تَعمّقَت التَجزِئة؟

 

أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة – السودان

 

في مثل هذه الأيام، لا نستعيد ذكرى قائد رحل، بقدر ما نستعيد سؤالاً لم يرحل. فسيرة القادة تنتهي عادة عند قبورهم، أما أصحاب المشاريع الكبرى فإن قبورهم تتحول إلى علامات استفهام في التاريخ. ولذلك فإن استذكار أحمد ميشيل عفلق ليس استدعاءً لشخص غاب عن الدنيا، بل استدعاءٌ لفكرة ما زالت تبحث عن مكانها في عالم عربي يزداد تمزقاً كلما ظن أنه تجاوز الحاجة إليها.

 الأستاذ احمد ميشيل عفلق، الذي ولد في دمشق عام 1910، ودرس الفلسفة في السوربون، وأسس حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947 مع زملائه صلاح الدين البيطار وزكي الأرسوزي، لم يكن مجرد سياسي، بل كان مفكراً حاول أن يمنح الأمة العربية إطاراً لفهم ذاتها. وفي كتاباته، خاصة كتاب (في سبيل البعث) ومقالاته التأسيسية، ظل السؤال الأكبر حاضراً، كيف يمكن لأمة أن تنهض بعد انكسارها؟

 لقد رحل عفلق جسداً في الثالث والعشرين من حزيران، لكن السؤال الذي كرّس حياته للإجابة عنه ما زال حياً، كيف يتحول الشعب العربي إلى أمة واعية بذاتها ورسالتها ومصيرها؟

 في التاريخ، شخصيات تصنع الأحداث، وشخصيات تصنع الأفكار التي تفسر الأحداث. والنوع الثاني أندر بكثير. فالحدث ابن لحظته، أما الفكرة فهي ابنة المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية الأستاذ احمد ميشيل عفلق. لقد ظهر في لحظة كان العرب فيها يخرجون من تحت ركام الاستعمار الأوروبي، وكانت الخرائط الجديدة تُرسم فوق الجغرافيا العربية بالسلاح والاتفاقيات والمصالح الدولية. وفي ذلك الوقت، لم يكن السؤال المطروح كيف نستقل فقط؟ بل كيف نمنع هذا الاستقلال من أن يتحول إلى تجزئة دائمة؟

 رأى القائد المؤسس ما لم يره كثيرون. رأى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاستعمار وحده، بل في أن تنجح التجزئة في التحول من واقع سياسي مؤقت إلى وعي دائم. فالحدود أخطر حين تستقر في العقول منها حين تُرسم على الخرائط.

 ولم يكن هذا الهاجس الفكري معزولاً عن ظروف عصره، فقد نشأ في مرحلة تشكل فيه الوطن العربي تحت تأثير اتفاقية سايكس ـ بيكو، وتصاعد المشروع الصهيوني في فلسطين، واستمرت فيها أشكال متعددة من الهيمنة الأجنبية السياسية والاقتصادية والثقافية. ثم جاءت لاحقاً موجات الانقسام الطائفي والإثني لتضيف تحديات جديدة إلى سؤال الوحدة والهوية. ولهذا لم يكن المشروع القومي عنده مجرد حلم رومانسي، بل محاولة فكرية للإجابة عن تحديات تاريخية ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.

 كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس الاحتلال وحده، بل فقدان الوعي بذاتها. فالاحتلال قد يسيطر على الأرض، لكن الهزيمة الحقيقية تبدأ عندما تفقد الأمة إيمانها بوجودها التاريخي، وعندما تتحول من فاعل في التاريخ إلى مجرد مادة تتحرك داخل تاريخ يصنعه الآخرون. لهذا لم يبدأ مشروعه من السياسة، بل من الوعي.   لم يسأل أولاً كيف نحكم؟ بل سأل من نحن؟ ولم يسأل كيف نبني دولة؟ بل سأل كيف نستعيد أمة؟ وفي هذا تكمن فرادته الفكرية. فمعظم الحركات السياسية العربية انشغلت بإدارة الواقع، أما هو فانشغل بتفسير أسباب تراجع الأمة نفسها ووضع الاستراتيجيات لنهوضها.

 لقد عاش في زمن كانت الأمة العربية تبدو فيه وكأنها تنهض. الاستعمار ينسحب، حركات التحرر تتقدم، الجماهير تمتلئ بالأمل، والوحدة العربية تتحول من حلم ثقافي إلى مشروع سياسي. لكن الرجل كان يرى ما هو أبعد من المشهد المباشر. كان يدرك أن الأمة التي لا تمتلك وعياً بوحدتها ستعود إليها التجزئة مهما حققت من انتصارات، وأن الدولة التي لا تستند إلى مشروع حضاري ستتحول إلى جهاز إداري كبير بلا روح، وأن الاستقلال السياسي لا يساوي شيئاً إذا ظل العقل مستعمراً. ولم تكن هذه الرؤية مجرد شعارات، بل تجسدت في مثلث الأهداف الذي ظل محورياً في فكر البعث: الوحدة، الحرية، الاشتراكية. فكل هدف كان مرتبطاً بالآخر لا وحدة بدون تحرر من الاستغلال، ولا حرية بدون عدالة اجتماعية، ولا اشتراكية بدون إطار قومي يحميها.

 غير أن أهمية هذا المثلث الفكري اليوم لا تكمن في استعادته بصيغته التاريخية كما ولد في منتصف القرن العشرين، بل في إعادة قراءته في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين.  فالوحدة لم تعد مجرد قضية حدود وجغرافيا، بل أصبحت قضية تكامل معرفي وتكنولوجي واقتصادي. والحرية لم تعد تعني التحرر من الاستعمار المباشر فحسب، بل امتلاك القدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في البيانات والتقنيات الحديثة. أما العدالة الاجتماعية فقد باتت مرتبطة بمكانة الإنسان العربي في اقتصاد رقمي عالمي تقوده الثورة المعرفية والذكاء الاصطناعي. ولذلك فإن سؤال النهضة الذي طرحه القائد المؤسس لا يزال قائماً، لكنه يطرح نفسه اليوم بلغة جديدة وأدوات جديدة وعالم مختلف.

 بعد عقود من رحيله، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فالوطن العربي اليوم يملك اقطارا أكثر مما كان يملك زمن القائد المؤسس، لكنه يملك أمة أقل في الفعل. الحدود أصبحت أكثر صلابة، لكن الروابط أصبحت أكثر هشاشة. والاقطار أصبحت أكثر انشغالاً بحماية الكيانات السياسية والدولة الوطنية والوحدة المجتمعية المهدَّدة، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والمصير المشترك ازاء الهجمات التقسيمية المتكالبة على العرب. 

 ولهذا يعود القائد المؤسس إلى النقاش من جديد.  ليس لأن الناس يبحثون عن الماضي، بل لأن الواقع نفسه يعيد إنتاج الأسئلة التي حاول الإجابة عنها. فكلما تمددت مشاريع التفتيت الطائفي والإثني والمناطقي، عاد السؤال القومي إلى الواجهة. وكلما تحولت الأقطار إلى جزر معزولة، عاد السؤال الوحدوي إلى الواجهة. وكلما جرى اختزال الإنسان العربي في انتماءاته الطائفية والاثنية الصغيرة، عاد السؤال الحضاري الكبير، من يحافظ على جمع هذه الأمة التي هي في حقيقتها واحدة؟ ذلك لأن فكرة الأمة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة تاريخية. فالأمم لا تعيش بالجغرافيا وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالقوة العسكرية وحدها، بل تعيش أولاً بإيمانها بأنها أمة.

 لم تنجح الدولة القطرية في بناء مشروع تاريخي بديل للمشروع القومي. ولهذا نجد أنفسنا اليوم أمام حالة غريبة، الدول موجودة، لكن الأمة غائبة. الحدود قائمة، لكن الأمن مهدد. المؤسسات تعمل، لكن المشروع الحضاري غائب. وكأن العرب ربحوا الجغرافيا وخسروا الفكرة. وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن غياب الفكرة الجامعة لم يؤد فقط إلى تهديد الشعور القومي، بل انعكس أيضاً على الواقع العملي للأقطار العربية نفسها. فالحروب الأهلية، والتدخلات الخارجية، وتآكل منظومات الأمن القومي، وضعف التكامل الاقتصادي، كلها تعكس ثمن الانتقال من فضاء الأمة إلى فضاء الكيانات المنعزلة. ولذلك فإن سؤال الوحدة لم يعد مجرد قضية عاطفية أو أيديولوجية، بل أصبح سؤالاً مصيرياً في صراع البقاء والوجود، يتعلق بمستقبل الاستقرار والتنمية والقدرة على مواجهة تحديات العالم المعاصر.

 ولعل المفارقة التاريخية الأكثر إثارة للتأمل أن كثيراً من الأفكار التي حذّر منها القائد المؤسس أصبحت اليوم جزءاً من الواقع العربي. فالتجزئة التي اعتبرها حالة مؤقتة تحولت في بعض الأحيان إلى سمة سياسية وثقافية تسعى لفرض ديمومتها، والهويات الفرعية التي خشي من صعودها أصبحت في بعض الأقطار تستهدف الهوية الوطنية لتكون اقوى منها، أما التدخلات الخارجية التي رآها نتيجة للضعف العربي فقد تحولت إلى عنصر شبه ثابت في إدارة أزمات المنطقة. وليس المقصود من ذلك القول إن التاريخ أنصف جميع أطروحاته أو أن التجربة القومية كانت بلا أخطاء، بل إن المقصود أن الأسئلة التي طرحها حول الوحدة والهوية والاستقلال الحضاري ما تزال مطروحة بإلحاح أكبر مما كانت عليه في زمنه، لابل ان التاريخ المعاصر بما يفرضه من تحديات يثبت كل يوم سلامة ما دعى اليه .

 غير أن القيمة الحقيقية للقائد المؤسس لا تكمن في الأجوبة التي قدمها فقط، بل في الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام الأجيال. فالرجل لم يورث العرب حزباً فحسب، بل ورّثهم قضية.  ولم يورثهم تنظيماً فحسب، بل ورّثهم رؤية للإنسان العربي باعتباره مشروع نهضة لا مجرد مواطن داخل حدود سياسية. فالأفكار الكبرى أكبر من تجاربها، وأطول عمراً من التنظيمات التي تتبناها، وأعمق من الأخطاء التي يرتكبها البشر باسمها.

 إن القيمة الحقيقية للمفكر لا تُقاس بعدد الذين اتفقوا معه، بل بقدرته على البقاء داخل الأسئلة الكبرى لأمته والاجابة عليها. فهناك مفكرون يجيبون عن مشكلات عصرهم ثم يغادرون معه، وهناك مفكرون يتحولون إلى جزء من البنية الفكرية للتاريخ نفسه. وعندما يعود الناس بعد عقود طويلة إلى مناقشة أفكار رجل رحل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أجوبته واهدافه قد تحققت، بل يعني أن الأسئلة التي طرحها والحلول التي اقترحها والتحديات التي شخصها ما تزال حية ومتفاعلة و تنتظر المزيد من النضال لتحقيقها. وفي هذا المعنى، ربما لا تكمن أهمية القائد المؤسس في أنه قدّم الحل النهائي لمسألة الأمة العربية، بل في أنه جعل هذه المسألة نفسها جزءاً دائماً من الوعي العربي الحديث.

 خاتمة:  

 إن الأمم العظيمة تُقاس بقدرتها على إنتاج الأفكار التي تظل قادرة على الحياة بعد رحيل أصحابها. وفي هذا المعنى، فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لم يعد مجرد شخصية تاريخية. لقد أصبح جزءاً من الوعي العربي حول معنى الأمة ومعنى الحرية ومعنى الوحدة. ربما يكون أعظم ما يمكن أن يُقال في ذكراه اليوم، أن الرجل لم يكن يبحث عن سلطة، بل عن معنى. وكان يعلم أن السلطة تزول، والأنظمة تتبدل، لكن الأفكار التي تلامس جوهر الأمة تبقى قادرة على العودة كلما ظن الناس أنها غابت. وما دام هذا السؤال حياً، فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق سيبقى حاضراً في الذاكرة العربية، لا بوصفه رجلاً من الماضي، بل بوصفه واحداً من أولئك الذين منحوا الأمة العربية صورةً لاستحقاقها الحقيقي هي أوسع من حاضرها، وأعمق من انقساماتها.

  وإذا كان سؤال الأستاذ ما زال حياً، فإن الإجابة عنه اليوم، ليست في استعادة شعاراته، بل في قدرة جيل جديد على حمل الفكرة بوعي جديد. جيل لا يكتفي بالحنين إلى الماضي، بل يعيد قراءة المشروع القومي العربي في ضوء متغيرات العصر والمتمثلة في العولمة، الذكاء الاصطناعي، التحولات الاقتصادية، وتفتت الدولة الوطنية. فالأفكار لا تورث، بل يعاد اكتشافها. ففي ذكرى رحيله، لا نستذكر رجلاً مضى، بل نستحضر سؤالاً ما يزال ينتظر الإجابة، هل يستطيع العرب أن يتحولوا من شعب يجمعه الماضي إلى أمة يصنعها المستقبل؟ ذلك هو السؤال الذي عاش القائد المؤسس من أجله، وذلك هو السؤال الذي يجعل حضوره في الفكر والوجود العربي أكبر من حضوره في التاريخ السياسي.

بيان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي حول الأوضاع العربية

القيادة القومية

أمام ما يرتسم من حلول لإعادة توزيع مراكز النفوذ الدولية والإقليمية:

  لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في صلب الخطاب القومي العربي.

ولتشكيل المركز القومي الجاذب لملء الفراغ والحد من الاستقواء بالأجنبي.

 

اعتبرت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، أن مذكرة التفاهم الأميركي الإيراني هي إطار للتفاوض فرضتها ضرورات أميركية وحاجة إيرانية ، وأن الاستراتيجية الأميركية تعمل على احتواء دور النظام الإيراني ضمن حدود ما تخطط له لتشكيل نظام إقليمي جديد، ودعت إلى إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في صلب الخطاب القومي، وعدم المراهنة على خلافات بين أميركا والكيان الصهيوني، وأن الديموقراطية في الحياة السياسية العربية ضرورة لتفعيل المشروع المقاوم للاحتلال كما ضرورتها لإحداث التغيير الوطني الديموقراطي.  جاء ذلك في بيان للقيادة القومية فيما يلي نصه:

بعد أربعين يوماً  على المواجهة العسكرية بين التحالف الصهيو – أميركي وإيران  والهدنة الهشة التي أعقبتها وامتدت إلى ٦٠ يوماً ، توصلت الإدارة الأميركية والنظام الإيراني بوساطة باكستانية ومشاركة قطرية إلى اتفاق اطار يرسم مسار خارطة طريق لمفاوضات بين الطرفين  وصولاً الى اتفاق حول القضايا التي كانت سبباً في انفجار الوضع العسكري على نطاقه الواسع بدءاً بالملف النووي وما طرأ من عوامل إضافية وأهمها تلك المتعلقة بمضيق هرمز وانعكاسات تعطل الملاحة فيه بفعل الاغلاق والحصار  على انسيابية التجارة العالمية وخاصة ما تعلق منها بالطاقة من نفط وغاز. وقد اكتسبت قضية مضيق هرمز أهمية استثنائية كونها شكلت نقطة تجاذب وصاعق تفجير واسع للواقع العسكري بعد توقف عمليات القصف الجوي والصاروخي والمسيرات والتي لم تسلم منها أقطار الخليج العربي التي تلقت من الاغارات الإيرانية أكثر مما تلقاه الكيان الصهيوني والقواعد الأميركية. وإذا كانت العمليات العسكرية الواسعة قد توقفت وبدأت جولة المفاوضات السياسية استناداً إلى ما تضمنته مذكرة التفاهم من عناوين بدءاً بالملف النووي، فإن الوقت مازال مبكراً للحكم على النتائج السياسية للمفاوضات الأميركية – الإيرانية، بمشاركة باكستانية كوسيط سياسي وقطر كقاعدة خلفية لوساطة مالية وإن كانت المؤشرات التي تستند إلى المقدمات التي خيمت على الواقع الميداني لمسرح العمليات العسكرية لا تبشر بانعكاسات إيجابية على واقع الأمة العربية انطلاقاً من المعطيات التالية: 

أولاً:

إن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية هي إطار لمسار تفاوضي يفترض أن يفضي إلى اتفاق بين الطرفين، وهذا الاتفاق ستحكمه مصالح أطرافه بالدرجة الأولى، وإن من يعتبر نفسه أنه سيخرج رابحاً منها، لن يرتد إلى داخله الوطني بل سيعمد إلى تعزيز مواقعه بموافقة الطرف الآخر وفيما يعتبره مجالاً حيوياً لمشروعه التوسعي وهو الفضاء العربي في الخارطة الجيوسياسية التي دارات في مداها وعلى تخومها المواجهة العسكرية الواسعة النطاق. وإذا كانت الحاجة الأميركية أملت الوصول إلى قواعد التفاهم مع إيران، لتخفيف من حدة الضغط على أسعار الطاقة بكل انعكاساتها الاقتصادية والمعيشية وخاصة في الداخل الأميركي وقرب الانتخابات النصفية للكونغرس، فإن الحاجة الإيرانية كانت أكثر الحاحاً نظراً لحجم الاختناقات الاقتصادية وما تعرضت له البنية السلطوية الأمنية والعسكرية من اختلالات وتأثير ذلك على الداخل الإيراني وهو المثقل أساساً بحزمة من المشاكل لم يستطع النظام تجاوز تأثيراتها في ظل العقوبات الاقتصادية. ولذلك كانت الأولوية لمعالجة المشكلة التي ترتبت على اغلاق مضيق هرمز من ناحية والحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية من ناحية أخرى.  وإن ما تبقى من عناوين والتي كانت سبباً في دفع الوضع إلى الانفجار رُحِّلَ إلى المفاوضات التي حدد مداها الزمني مبدئياً ب ٦٠ يوماً.

ثانياً:

إن ما يدفع إلى تأكيد هذا البُعْد، أن مذكرة التفاهم التي لم تأت على ذكر فلسطين ولو من باب الإشارة إليها، أبقت عناوينها في إطار العموميات المائعة بهدف اعطاء أطرافها مساحة أوسع من المناورة والتفسيرات المختلفة حول القضايا التي بقيت غامضة ومنها الصواريخ البعيدة المدى والأذرع التي ترتبط بمركز التحكم والتوجيه الإيراني المباشر.  

وهذا بقدر ما يعكس حقيقة الموقف الأميركي من هذه القضية، فإنه أماط اللثام عن حقيقة موقف النظام الإيراني من قضية فلسطين التي استثمر فيها فترة طويلة خدمة لأجندة مشروعه في العمق القومي.

وهذا التغييب  للقضية الفلسطينية كقضية محورية عن ملفات تتعلق بالوضع العام في المنطقة ،فلكون ذلك  يندرج  في سياق الاستراتيجية الأميركية التي تبنت حيثيات الموقف الصهيوني بكل ما يتعلق بهذه القضية ورسمت مساراً خاصاً بها تحت مسمى  “مجلس السلام ” وهو الذي يحاكي الرؤية الأميركية  لتشكيل نظام إقليمي يقوم  على أنقاض النظام العربي بعد اسقاط مراكز الثقل فيه، وعلى قاعدة  ثبات الموقف الاميركي تجاه  إيران المنطلق أساساً من ضرورة  احتوائها  في إطار الاستراتيجية الأميركية أياً كانت طبيعة النظام الحاكم فيها، فإن الجزرة التي رمتها أميركا للنظام الإيراني هي لأجل تطويعه وابقاء دوره ضمن حدود ما هو محدد أميركياً على مستوى الإقليم وعلى مستوى بعض الساحات العربية  التي تغول فيها نظامها. 

ثالثاً:

إن العرب  الذين يُهَمش دورهم في مجرى الحراك السياسي الفعلي، وهم الذين كان فضاؤهم مسرحاً للعمليات العسكرية مع الاستهداف المركز والمقصود للمرافق الاقتصادية والحيوية ، بقوا مغيبين فعلياً عن مقدمات التحضير للمفاوضات إلا من دور ثانوي لقطر باعتبارها معنية بالإجراءات التنفيذية المتعلقة بتسييل الأموال الإيرانية المجمدة .ولهذا فإن الأمة العربية التي تدفع الأثمان من أمنها القومي بعد الانكشاف الذي تعرضت له بعد غزو العراق واحتلاله ، تواجه اليوم تحديات كبيرة بدءاً من التداعيات الخطيرة التي خلفتها الحرب التدميرية على غزة، وما هي عرضة له اليوم من إعادة لرسم الأدوار في الإقليم في ضوء ما ستسفر عنه نتائج المفاوضات الأميركية الإيرانية، وهذه التحديات التي تتجسد في تهميش الحضور العربي حيال إعادة رسم خارطة النفوذ في منطقة يشغل الوطن العربي حوضها الأساسي ، يجعل الأمة ضمن دائرة الاستهداف المعادي لأمنها على مستوى الكل القومي، كما على مستوى الأمن الوطني  لأقطارها التي يجري  توظيف معطى ساحتها في توجيه الرسائل المتبادلة وتحسين الأوراق التفاوضية في إطار الصفقة الأشمل التي تستهدف الأمة بأمنها القومي و دون الالتفات للانعكاسات  السلبية على الواقع الوطني لهذه الأقطار ، ولبنان والعراق نموذجاً.

إن القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، التي سبق وحددت موقفاً واضحاً من أبعاد المواجهة العسكرية الواسعة النطاق بين أميركا والكيان الصهيوني من جهة والنظام الإيراني من جهة أخرى باعتبارها مواجهة بين مشاريع متصارعة على حجم النفوذ والأدوار، ترى بأن الأمة العربية هي اليوم على أبواب الدخول في مرحلة مفصلية في تاريخها المعاصر. فهي إما أن تعود لتمسك بزمام المبادرة وخاصة لجهة علاقاتها البينية بين أقطارها أو لجهة علاقاتها مع الخارج الدولي والإقليمي لأجل اثبات وجودها والدفاع عن خياراتها، وإما أن تهوي إلى مزيد من الالتحاق بمراكز التقرير الدولي والإقليمي.

وعليه فإن القيادة القومية للحزب، وهي التي تعي جيداً حجم الامكانات والقدرات التي تمتلكها الأمة فيما لو تم تفعيلها وتنسيقها في إطار مشروع عربي شامل ينطلق من المسلمات الأساسية التي انشد إليها توق الجماهير العربية منذ تفتح وعيها السياسي على قضاياها القومية والوطنية بكل مضامينها الاقتصادية والاجتماعية، ترى أن الأثمان التي تدفعها الأمة في مواجهة المشاريع المعادية والتصدي لها،  من المشروع  الصهيوني وهو الأخطر والامبريالي الأميركي وهو الأشمل  والفارسي وهو الأخبث كما التركي والاثيوبي من بوابة الأمن المائي، تبقى أقل من التكلفة التي ستدفعها  فيما  لو تم  اسقاطها كلياً واحتواءها في إطار هذه المشاريع التي تهدد الوطن العربي من داخله ومداخله.

ولذلك فإن المدخل الصحيح والعملي لمواجهة ما يتهدد الأمة من مخاطر وجودية إنما يكمن بخروجها من دائرة المواقف الرمادية التي لا طعم ولا لون بها والدخول في دائرة المواقف الواضحة التي يتم التأسيس عليها لإطلاق مشروع المواجهة القومية الشاملة.

  وعليه، فإن القيادة القومية للحزب وهي تدرك حجم القوى التي تناصب الأمة العداء، تعتبر أن الأمة لو لم تكن تمتلك من القدرات وميزات موقعها الجيوسياسي وتختزن في ذاتها قوة دفع تاريخي ما يجعلها أمة قادرة على النهوض والاستنهاض، لما ائتلفت ضدها مروحة القوى الدولية والإقليمية التي تتصارع فيما بينها على المصالح وتتلاقى على معاداتها. وعليه فإن القيادة القومية للحزب وهي تدعو لإطلاق مشروع المواجهة الشاملة، تعتبر أن أية مواجهة ذات بعد قومي شامل، لا تستقيم إلا بإعادة الاعتبار لموقع القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة، وترجمة ذلك في آليات العمل السياسي والنضالي للأمة على المستويين الشعبي والرسمي.

وهذا ما بقدر ما يشكل رداً على محاولات اسقاط هذه القضية بما هي قضية وطنية وحق تقرير مصير وحماية للهوية للوطنية الفلسطينية، فإنها تشكل رداً على محاولات اخراجها من صلب الخطاب القومي وحرمانها من حاضنتها القومية وخاصة على المستوى الشعبي. فمن فلسطين بدأ التأسيس لمشروع الهيمنة الاستعمارية على الأمة العربية، ومنها يتم التأسيس لإطلاق المشروع التحرري الشامل. 

ففلسطين كانت وستبقى قضية قومية للأمة العربية وبغض النظر عن مواقف بعض النظام الرسمي العربي، ولأنها كذلك، تعمد الامبريالية الأميركية على تغييب أي دور عربي مؤثر فيما يرسم من ترتيبات أمنية وسياسية تتعلق بإدارة شؤون الفلسطينيين تحت الاحتلال، وضمن هذا السياق يتم استحضار دول الإسلام غير العربي لإشراكها في ترتيبات الحلول ما تعلق منها بالشأن الفلسطيني بشكل خاص أو ما تعلق منها بالشأن العربي بشكل عام نظراً لكون فلسطين ليست قضية قومية لشعوب هذه الدول كما هي الحال بالنسبة للأمة العربية.

وهذا ما يقتضي اعادة التأكيد على الثوابت التي تحكم طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني بكل أبعاده وتحالفاته وتقاطعاته الدولية والإقليمية وانطلاقاً من: 

أولاً_ إن الصراع الشمولي مع المشروع الصهيوني، سيبقى قائماً ما بقي الاحتلال الصهيوني لفلسطين قائماً مع كل تمدده، وهو صراع محكوم بطبيعته الوجودية وهو ما بات العدو يدرجه تحت هذا العنوان أيضاً بعد العدوان على غزة ولبنان وسورية، وإن فرض ترتيبات أمنية أو سياسية في لحظة معينة بفعل موازين السائدة، لا يسقط الحق التاريخي لشعب فلسطين في أرضه ولا حقه في مقاومة الاحتلال وهو الحق الذي حفظته المواثيق الدولية لكل شعب يناضل من أجل الاستقلال وحق تقرير المصير.

ثانياً_ إن بروز تمايزات في المواقف السياسية بين الكيان الصهيوني وحاضنته الاستعمارية المتجسدة اليوم بالدولة العميقة في أميركا، يجب ألا يوقع الأمة في وهْم أن ثمة تناقضاً أساسياً بين العلاقة بين أميركا “واسرائيل”.

فالثابت هو التحالف العضوي بينهما انطلاقاً من الدور الوظيفي الذي يؤديه الكيان الصهيوني في خدمة مشروع الرأسمالية المتوحشة التي ترسم سقفاً للموقف الأميركي بما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، والمتغير هو ظرفية التباينات السياسية التي تمليها الحسابات الخاصة غير المرتبطة بالسياقات الاستراتيجية.

ولهذا فإن أمن “اسرائيل”، هو من ثوابت الاستراتيجية الأميركية، وأنه لولا الدعم الاميركي المطلق، لما تمادى العدو في تصعيد عدوانه وتوسعه وارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وصلت إلى مستوى حرب الإبادة فيما تعرضت له غزة وبعدها سوريا ولبنان، ودون أن تجد مساءلته القانونية والسياسية طريقها إلى التنفيذ بسبب الموقف الأميركي الذي يتبنى حيثية الموقف الصهيوني بكل أبعاده.

ثالثاً_ إن القيادة القومية للحزب، التي تعتبر أن ساحات عربية تحملت أكثر من طاقتها على التحمل وخاصة ساحة فلسطين التي ما تزال عرضة للعدوان الصهيوني المتواصل كما ساحتا لبنان  والعراق، ترى أن هذه الاستباحة لهذه الساحات ما كانت لتصل إلى مستوى ما هي عليه من واقع وطني سياسي واقتصادي ومعيشي وحياتي صعب، لولا الانشطار السياسي الداخلي الذي حال دون الارتقاء إلى مستوى تحقيق الوحدة الفلسطينية على قاعدة برنامج سياسي يواجه تحديات الاحتلال وتصعيد العدوان، وتحدي إدارة الشأن الفلسطيني في داخل الأرض المحتلة وعالم الشتات.

وهذا الانشطار هو ما أضعف بنية الدولة الوطنية اللبنانية وحال دون استعادة دورها في فرض سيادتها على كامل التراب الوطني بفعل استعصاءات داخلية أبرزها التجاذبات حول موضوع حصرية السلاح كما بلورة موقف موحد من إدارة الصراع مع العدو الصهيوني الذي استحضر في عدوانه مشهدية التدمير الشامل لغزة والذي أدى إلى جرف بلدات وقرى بأكملها، ودفع مئات الآلاف إلى النزوح في ظل أوضاع اجتماعية ومعيشية شديدة القسوة.

ولهذا فإن الأمة العربية التي استقال نظامها الرسمي وبعضه لديه الامكانات التي تمكنه من  إطلاق مبادرة سياسية عربية للحد من الاستباحة الخارجية للساحة القومية ، سبق وترك العراق بعد احتلاله فريسة  لتقاسم النفوذ بين أميركا وإيران ، وأدار الظهر له بحيث تحول نظامه الذي تديره عملية سياسية  أفرزها الاحتلال الأميركي واحتواها النظام الإيراني إلى خنجر مسموم في الجسم العربي وآخر موبقاته  استعمال  أرضه  منصة لشن عمليات  عسكرية  عدوانية صاروخية ومسيرات  ضد بعض أقطار الخليج العربي، ولهذا فإنه ليس مقبولاً على الإطلاق أن يقف هذا النظام الرسمي وخاصة دوله المقتدرة موقف المتفرج والعاجز عن إطلاق مبادرات سياسية تجاه الساحات التي هي عرضة للاحتلال وللتثقيل الدولي والإقليمي ومقايضة النفوذ في إطار المشاريع التي ترسم حدود النفوذ والمصالح الإقليمية والدولية في المجال القومي العربي . 

وعليه فإن القيادة القومية للحزب التي سبق وأكدت على وجوب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي وقعت عام 1950م ، تعيد التأكيد على هذه المسألة، لضرورة الحد من وجود القواعد الأجنبية على الأرض العربية وإزالتها كلياً ولتمكين الأمة من الدفاع عن نفسها بقواها الذاتية، وكخطوة على طريق إعادة تكوين المركز القومي الجاذب الذي بقدر ما يضع حداً للفراغ الأمني والعسكري في الواقع القومي فإنه يساعد على إعادة تكوين المراكز الوطنية الجاذبة وهي من أساسيات إعادة الاعتبار للدولة الوطنية في مواجهة تشظيات الداخل.

كما تؤكد على ضرورة وحدة الموقف العربي الخليجي من صراع القوى العالمية والإقليمية، بهدف رسم خارطة طريق مستقبلية تقوم على توحيد الأمن القومي العربي، والتكامل الاقتصادي والغذائي واللوجستي، وتحذر من أن التباين والخلافات حول هذا الموقف سوف يبقي المناخات مهيئة لاستمرار الاختراقات الدولية والإقليمية المعادية.

إن القيادة القومية للحزب، وهي تسجل هذا القصور على دور النظام الرسمي العربي، لا تعفي القوى الشعبية العربية من مسؤولياتها حيال ما تتعرض له الأمة من مخاطر، وهي التي بدت  بأنها دون المستوى المطلوب من الحراك الذي يعيد للشارع العربي اعتباره وحضوره في دعم قضايا الأمة  ومشاريعها الوطنية سواء المتعلق منها بدعم الفعل المقاوم للاحتلال الصهيوني في فلسطين ولبنان وكل أرض عربية أخرى محتلة ، أو المتعلق منها بآليات النضال الديموقراطي لأجل التغيير السياسي وإقامة دولة المواطنة المدنية  على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات وهي المطلب الوطني والشعبي المشترك  في كل الساحات التي تعاني من أزمات بنيوية كحال السودان على سبيل المثال لا الحصر، وتلك التي تواجه فساداً مستشرياً ومحاصصة سلطوية وتطييفاً للحياة السياسية والمجتمعية كحال العراق ولبنان وساحات عربية أخرى.

إن القيادة القومية للحزب وهي تؤكد على دور الجماهير العربية كرقيب وحسيب على الأداء السلطوي، وعلى دورها في توفير الحضن الدافئ لقضايا النضال العربي وفي طليعتها قضية فلسطين، تدعو إلى إيلاء مسألة الديموقراطية الأهمية التي تستحقها في الحياة السياسية والمجتمعية العربية، وتشدد على أهمية الانشداد دائماً إلى المواقف المبدئية في مقاربة القضايا الحيوية  خاصة  المتعلق منها  بقضايا التحرير ومقاومة الاحتلال وعدم تقديم التنازلات المجانية تحت ضغط الظروف الطارئة التي تفرضها اختلالات موازين القوى التي تبقى حالة ظرفية قابلة للتبدل بتغيير معطياتها، وهو الذي يملي عدم الرضوخ لالتزامات تمنح امتيازات لمن اختل ميزان القوى لمصلحته على حساب الحقوق الثابتة خاصة تلك التي تتعلق بالقضايا الوطنية ومنها حق التقرير المصير وحق المواطنة بكل الحقوق والموجبات اللصيقة بها.

المجد والخلود لشهداء الأمة على طريق التحرير والتغيير والخزي والعار للخونة والمتآمرين والمطبعين. 

عاشت فلسطين، عاشت الأمة العربية.

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

 

٢٠٢٦/٦/٢٢

الموقف العام .. والرأي الخاص    

الموقف العام .. والرأي الخاص    

 

د. نضال عبد المجيد

 

    يعتبر الحزب الثوري بمجمله كحركة تاريخية كلاً واحدا موحدا بمواقفه وأراءه وأفكاره، المعبر عنها وفقا لما استقرت عليه عقيدته المتطورة عبر مؤتمراته القومية، والتي يؤطر الالتزام بها مبدأ الديمقراطية المركزية، الأساس الذي تستند عليه نظريته التنظيمية، والتي تستوجب فيما تقتضيه عدم تعدد الآراء والاجتهادات خلافاًّ للموقف الرسمي المعبر عنه بقرارات المؤتمرات وما يصدر عن القيادة العليا من مواقف سياسية، وأن هذا الأمر لا يقمع الكادر الحزبي والأعضاء عن أبداء آرائهم، فهو حق لهم وفقا للنظام الداخلي، وبالوسائل التنظيمية من خلال الحياة الداخلية للحزب، دون سواها من وسائل النشر والإعلان.

    لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي سهولة نشر الأفكار والمواقف، سواء من خلال الكتابة أو الصوت أو الصورة او التسجيلات المرئية، وهذه السهولة في النشر جعلت البعض يستسهل نشر أراءه ولو خالفت رأي المؤسسة القيادية في الحزب، ولو عرفنا ان منهم من له متابعين كثر، يتابعون ما ينشره، فسنصل الى نوع البلبلة والإرتباك، ويقع البعض في حيرة من امره، واين يكمن موقف القيادة من هذه المسألة او تلك.

فالبعث ليس حزب تيارات وأجنحة سياسية وفكرية، وكل جناح او تيار له اراءه ومواقفه، بل هو حزب واحد تعبر قيادته القومية عن مواقفه الفكرية والسياسية تجاه كل القضايا، وعلى مسؤوليتها امام المؤتمر القومي الذي يناقشها فيما اتخذته من قرارات ومواقف، كل ذلك وفقا للنظام الداخلي الذي حدد وبوضوح تام اختصاصات قياداته ومؤتمراتها الحزبية.

ومع كل هذا الوضوح المستقر من خلال النظام الداخلي، وما استقر في الشخصية البعثية من صفات عبر نضالها الطويل، إلا أنه برزت في الآونة الاخيرة، أراء تجاه مواقف فكرية أو أحداث مرت بها تجربة الحزب في وقت مضى، وكل يفسرها بطريقته ويجتهد فيها، ويطلق عليها أوصافاً شتى، بما يخلق نوعا من الارتباك في اوساط القاعدة الحزبية او الجماهير على حد سواء، ويتيح للمتصيدين بالماء العكر فرصة للنيل من مسيرة الحزب وتاريخه ونضاله وقادته، وتجربته النضالية سواء في العمل السري، او بعد تسلم السلطة في العراق.

وهناك امثلة عديدة على ذلك.

إن الجهة المخولة بنقد التجربة الماضية وتقييم أحداثها هي مؤتمرات الحزب القومية والقطرية، وعليه لا يحق لكادر حزبي ان يكتب او ينشر ما يتقاطع معها تحت اية مبررات، أو مجاملات أو علاقات شخصية، مادام هو داخل المؤسسة للحزبية، ويمارس مهامه داخلها.

إن الالتزام بالقرارات والمواقف الحزبية الفكرية والسياسية، هو جوهر الالتزام الحزبي، الذي ينبغي ان يكون هاجس المناضل في كل حين، بعيدا عن المشاعر والتكهنات والتحليلات والتأويلات، التي يجب أن تبقى في أطار المؤسسة الحزبية، ولا تطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبعكس ذلك لا يبقى للالتزام الحزبي من معنى، ويتحول الحزب الى تيارات واجنحة وتفقد مركزية القيادة ويزدهر التكتل بكل ما يحمله من أخطار على وحدة الحزب الفكرية والسياسية. إن نسيان البعض أو تغاضيه عن كل ما تقدم، أمر خطير ينبغي الوقوف عنده.

قرار تأميم النفط الخالد كان ضرورة تاريخية لنهضة العراق

قرار تأميم النفط الخالد كان ضرورة تاريخية لنهضة العراق

ابو يعرب

لم يكن القرار الذي أتخذه العراق واعلنه الاب القائد احمد حسن البكر رئيس الدولة ورئيس مجلس قيادة الثورة بتأميم عمليات شركة نفط العراق الاحتكارية(Ipc) مجرد إجراء إداري أو سياسي عابر بل كان(صدمة سياسية) أعادة رسم خارطة العلاقات الاقتصادية والسياسية في الشرق الاوسط والعالم،إذ كان القرار بمثابة الإستقلال الحقيقي  لقد أثبتت التجربة أن السيادة المبتورة أقتصادياً تظل رهينة لإملاءات الخارج،ومن أبرز التداعيات التي

ترتبت على هذا المنجز التأريخي:

1-التداعيات الاقتصادية(من التبعية إلى التنميةالوطنية الشاملة)،شكل التأميم تحولاً جذرياً في الهيكل الاقتصادي للعراق وتجسد ذلك في عدة جوانب:

 – إسترداد الثروة المنهوبة:لعقود طويلة من الزمن كانت الشركات الأجنبية الشريكة في ipc تستأثر بحصة الأسد من عوائد النفط،تاركة للبلاد فتاتاً لايكفي لبناء بُنية تحتية حقيقية، وبالتأميم تدفقت العوائد المالية مباشرة إلى الخزينة العامة العراقية ٠

-طفرة الموازنات والانفجار التنموي مع الارتفاع اللاحق لأسعار النفط خاصة بعد  حرب 1973م  حيث تضاعفت إيرادات العراق بشكل هائل،هذا التدفق المالي مكَّن الدولة من إطلاق خطط تنموية كبرى شملت بناء المستشفيات، المدارس، الجامعات وشبكات الطرق والكهرباء، ليتحول العراق في السبعينات إلى ورشة عمل كبرى.

-تأسيس كادر وطني كفوء : أثبت التأميم زيف الادعاءات الغربية بأن العراقيين غير قادرين على إدارة المنشآت النفطية المعقدة، إذ تسلم الكادر والمهندسين العراقيين إدارة الحقول والمصافي فوراً وحافظوا على وتيرة الانتاج و فجروا طاقاتهم البشرية الوطنية الهائلة ٠

2-التبعات السياسية والجيوسياسية:

 لم تقتصر آثار الأول من حزيران على الجانب المالي بل إمتدت لتخلق واقعاً سياسياً جديداً.

 -ترسيخ السيادة الوطنية الفكرية والعملية:

  أرسى القرار حقيقة أن السياسة والاقتصاد   وجهان  لعملة واحدة،حيث منح التأميم  القرار السياسي العراقي أستقلالية وقوة  غير مسبوقة في المحافل الاقليمية  والدولية.

 -كسر أحتكار الكارتل النفطي العالمي:

كانت شركة نفط العراق جزءاً من منظومة الشقيقات السبع(شركات النفط الكبرى) التي كانت تهيمن على نفط العالم، شكل القرار العراقي ضربة قاصمة لهذا الاحتكار وشجع دول أخرى في المنطقة وخارجها على حذو الخطوة العراقية أو التفاوض من موقف قوة لزيادة حصصها.

     -اشتداد صراع الحرب البارده: واجه ألعراق حصاراً تسويقياً إمتد لعدة أشهر من قبل الشركات الاحتكارية كنوع من العقاب، ممادفع بغداد لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الاتحاد السوفيتي  ودول الكتلة الشرقية لتسويق النفط مما أثر على توازنات الحرب الباردة في المنطقة.

3-التبعات الاجتماعية والتعليمية(بناء الانسان )،أن المنجز الحقيقي للتأميم انعكس بشكل مباشر على المواطن العراقي:

– مجانية التعليم والصحة: بفضل عوائد النفط المؤمم إستثمرت الدولة بقوة  رأس المال البشري، وأصبحت الرعاية الصحية والتعليم بكافة مراحله( بمافي ذلك البعثات الدراسية للخارج) مجانية بالكامل، مما أدى إلى القضاء على الأمية بنسب غير مسبوقة ونشوء طبقة وسطى متعلمة تعليم جيد.

-رفع مستوى المعيشة: تحسنت الدخول الفردية والعائلية  وتوفرت فرص العمل في القطاعات الحكومية والصناعية الناشئة،مما خلق حالة من الاستقرار الاجتماعي والرفاهية خلال ذلك العقد.

في المجمل:

إن قرار الأول من حزيران عام 1972م التأريخي، مُنجز عظيم لا يقاس بلحظة طإعلانه فحسب بل بآثاره الممتدة ،لقد أثبت العراق في ذلك اليوم أن الارادة الوطنية الشجاعة المدعومة بالتخطيط قادرة على اجتياز  المعجزات والتحديات٠٠

لذلك يظل الأول من حزيران ملهماً للأجيال يذكرنا بأن الحفاظ على الثروات الوطنية وحسن إدارتها وتوجيهها لخدمة الانسان وبناء المستقبل ،هي الركائز الاساسية التي تبني كرامة الاوطان.

تأميم النفط العراقي عام ١٩٧٢ قرار استراتيجي وحدث خالد .

تأميم النفط العراقي عام ١٩٧٢ قرار استراتيجي وحدث خالد .

أبو عمر العزي

يحتفل أحرار وأخيار الشعب العراقي في الأول من حزيران من كل عام  ذكرى تأميم النفط عام 1972م، إن قرار التأميم الذي أعلنه الرئيس الراحل احمد حسن البكر رحمه الله الى الشعب العراقي خاصة والى ابناء الامة العربية عامة ومع ان فكرة التأميم كانت تراود بعض الاقتصاديين والسياسيين لكن لم تجرأ اي سلطة وطنية على اتخاذ مثل هذا القرار الاستراتيجي الكبير الذي يجعلها في مجابهة تصادمية مباشرة مع شركات النفط الغربية الاحتكارية التي لها من النفوذ والقوة على اسقاط الحكومات والزعامات ، إلا أن قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي  ومنذ المنعطف التاريخي المهم في  17 تموز 1968م، كان ضمن خططهم الاقتصادية الرامية إلى نهضة العراق، أن يمتلك الشعب كامل ثروته، ومنها النفط الذي تتحكم فيه  الشركات الاحتكارية.

وضمن الخطة المدروسة التي وضعها “مجلس قيادة الثورة” تحت قيادة الرئيس الراحل احمد حسن البكر  أن تكون عملية التأميم بشكل تدريجي جزئي نحو الكلي، فبدأت بمفاوضات مع “شركة نفط العراق” (IPC)،و مكتبها في العاصمة بغداد ومقرها في محافظة كركوك، وتشترك في ملكيتها شركات نفط عالمية إدارتها الرئيسة في لندن. وبعد فشل جولات المفاوضات بسبب تعنت الشركة، التي ظنت من دونها لن تنجح الحكومة العراقية من تسويق نفطها عالميًا، لذا اتخذت القيادة قرار تأميم “شركة نفط العراق” في 1 حزيران 1972م. ثم تخلت الشركة لاحقًا عن “شركة نفط الموصل” في 23 شباط 1973م. وبعد ذلك، تم تأميم المصالح الأميركية في “شركة نفط البصرة” أكسون موبيل (Exxon Mobil Crop) في 7 تشرين الأول 1973م، جراء حرب تشرين/أكتوبر 1973م ضد العدو الصهيوني، وموقف الولايات المتحدة المعادي. وضمن هذا المسار القومي من الحرب ضد الدول المعادية للعرب، قرر “مجلس قيادة الثورة” تأميم مصالح “شركة رويال داتش شيل” (Royal Dutch Shell) الهولندية العاملة في “شركة نفط البصرة، بتاريخ 21 تشرين الأول 1973م. وكذلك الأمر جرى في تأميم مصالح “شركة بارتكس للنفط والغاز” (Partex Oil and Gas) البرتغالية، لموقفها المضاد أيضًا، في 20كانون الأول 1973م.

وكانت آخر الخطوات التي أتخذها “مجلس قيادة الثورة” بتأميم الحصص المتبقية لشركات “شيل والنفط الفرنسية” في “شركة نفط البصرة” بتاريخ 8 كانون الأول 1975م. وهكذا، تمكن العراق من امتلاك كامل لثروته المعدنية، بعد عمليات التأميم التدريجية للشركات النفطية الغربية الاحتكارية ومصالحها وحصصها الموجودة في قطاع الطاقة النفطية، وجعلها حكومية ضمن القطاع العام للدولة.

كان لتأميم النفط مردود اقتصادي كبير ع العراق جعله في مصاف الدول الاكثر تطورا ضمن دول العالم الثالث في المجالات المختلفة الصناعية والزراعية والعلمية والصحية والعسكرية  واصبح للعراق ذي شأن كبير في الوطن العربي والاقليمي والدولي ,   إذ قدم العون والدعم المالي لكثير من اقطار الوطن العربي  ليشمل دعمه الى بلدان في افريقا واسيا وكثير من حركات التحرر في العالم  , مما اكسبه سمعة دولية كان لها انعكاسات ايجابية مكنت العراق  ليتبوأ من خلالها مناصب كبيرة في الامم المتحدة انعكست لصالحه  وللقضية الفلسطينية .

مضت 54 سنة على ذكرى التأميم الخالد، رحل خلالها القادة العظام ومعظم الرجال الشجعان، الذين صنعوا هذا الفعل التاريخي الذي سيبقى أبد الدهر. إلا أن تلك الشركات الاحتكارية وحكوماتها الغربية لم تفتأ يومًا من التخطيط والتآمر المتواصل، حتى حققت هدفها بالعودة ثانية إلى العراق والسيطرة على نفطه وثرواته ومقدراته في الغزو الأميركي الأطلسي الصفوي الصهيوني، ودخول قوات الاحتلال الأميركية إلى بغداد في 9 نيسان 2003م.

  ورغم كل ما نراه من تدمير ماحق إلى كل تلك المنجزات التاريخية الجبارة، التي نقلت العراق إلى مطاف الدول المتطورة، الا ان قدر الله تعالى الذي يجعل العراق يمر بفترات عصيبة وأخرى عظيمة، هو الذي يصنع القادة الأشداء، الذين لن تلين عزيمتهم ولا تنكسر إرادتهم مهما تكالب على عراقهم الخطوب، وإن غدًا لناظره قريب .