ثَوْرَة 17 تَمُّوز 1968
حِين قَرَّر العِرَاق أَنَّ يَبْنِي نَفْسَه،
مِن التَّغْيِيرِ السِّيَاسِي إِلَى مَشْرُوعِ الدَّوْلَة
دهام الحسني
المقدمة
كل عام، حين يطل السابع عشر من تموز أجدني أعود بذاكرتي – كما يفعل كثير من العراقيين والعرب الاصلاء – إلى محطة لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها. فتلك اللحظة لم تكن مجرد تاريخ يُحفظ في الكتب المدرسية، بل نقطة تحول حقيقية أعادت تشكيل ملامح الدولة العراقية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وتركت بصمتها على كل ما تلاها من عقود.
شكّلت ثورة 17 تموز منعطفاً حاسماً؛ جاءت في وقت كانت الدولة تترنح فيه تحت وطأة تحديات داخلية وخارجية متشابكة، وسط اهتزاز سياسي واضح وضعف بيّن في مؤسساتها. في تلك الأجواء، طرحت قيادة الحزب مشروعاً طموحاً: إعادة بناء الدولة من الأساس، وتحرير القرار الوطني من أي تبعية، وتطوير مؤسساتها، واستثمار ثرواتها الطبيعية والبشرية ضمن رؤية تنموية شاملة. والسؤال الذي يظل يفرض نفسه كلما تناولنا هذه المرحلة:
كيف أمكن لبلد يرزح تحت أزمات اقتصادية وتنموية ومؤسساتية أن يتحول، خلال ثلاثة عقود فقط، إلى دولة تبني الإنسان قبل الحجر، وتوسّع التعليم والبحث العلمي، وتمد البنية التحتية، وتقيم صناعة وزراعة ومؤسسات عسكرية وأمنية تؤهلها لدور إقليمي مؤثر؟
لا جواب مقنع لهذا السؤال إلا بالعودة إلى السياق التاريخي الكامل لتلك التجربة: إنجازاتها ومشاريعها، لكن أيضاً تحدياتها وصراعاتها التي رسمت مسارها اللاحق.
الظروف التي سبقت الثورة
لم تولد ثورة 17 تموز 1968 من فراغ، بل سبقتها سنوات مضطربة، تعاقبت خلالها الانقلابات والتحولات السياسية على نحو أرهق مؤسسات الدولة وأفقدها القدرة على بناء أي مشروع مستقر طويل الأمد.
كان نظام الرئيس عبد الرحمن عارف، في تلك المرحلة الحرجة، يواجه أزمة أداء سياسي حقيقية: مؤسسات متراجعة الفاعلية، صراع محتدم بين القوى السياسية، وتنامٍ ملحوظ في تأثير القوى الإقليمية والدولية على القرار العراقي. من هذا الواقع بالذات، خلصت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي إلى قناعة راسخة: استمرار هذا الوضع لن يعني سوى مزيد من التآكل، والعراق بحاجة إلى تغيير جذري يقيم دولة حديثة قائمة على المؤسسات والقانون، تحمل مشروعاً وطنياً وقومياً يعيد للعراق مكانته.
غير أن الحزب أدرك أيضاً أن الاعتماد على قواه الذاتية وحدها – في مواجهة نظام قائم وقوى أمنية متنافسة، ناهيك عمّا اعتبره تدخلاً خارجياً يحاول التأثير على القرار العراقي – قد يعني تأجيل التغيير إلى أجل غير مسمى. لهذا بدأت القيادة، بهدوء وحذر شديدين، بدراسة موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، والبحث عن تفاهمات مع أطراف مؤثرة يمكن أن تسهم في نجاح الثورة دون أن يحيد ذلك عن الهدف الأساسي: إقامة تغيير سياسي ودولة جديدة يقودها الحزب.
التحالفات والتحضير للخطة العسكرية
كان أي تحرك سياسي أو عسكري لا يستند إلى قراءة دقيقة للواقع الأمني محكوماً بالفشل، وهو ما أدركته قيادة الحزب مبكراً. فقد كانت المؤسسة العسكرية تمثل العامل الحاسم في تحديد من يتولى الحكم في العراق.
قامت خطة تنفيذ الثورة على محاور واضحة: السيطرة على الحرس الجمهوري والتقدم نحو القصر الجمهوري لإجبار الرئيس عارف على الاستسلام بالتزامن مع زحف اللواء المدرع العاشر نحو بغداد، فضلا عن التهيئة لمشاركة بعض التنظيمات الحزبية في تأمين نجاح الثورة. كما أصرت قيادة الحزب على المشاركة المباشرة في التنفيذ جنباً إلى جنب مع الرفاق العسكريين ، انطلاقاً من قناعة مفادها أن من يخطط للتغيير ينبغي أن يتحمل مسؤولية تنفيذها بنفسه.
نجاح الثورة وبداية مرحلة جديدة
مع أولى ساعات فجر الأربعاء 17 تموز 1968، تحركت القوات بقيادة الأب القائد الراحل أحمد حسن البكر – رحمه الله – وبقية رفاقه من أعضاء القيادة والكوادر المتقدمة في الحزب وفرضت قوات الثورة سيطرتها على المواقع العسكرية والأمنية الحساسة، وفي طليعتها الحرس الجمهوري، ثم توجهت نحو القصر الجمهوري. وتمت السيطرة عليه بنجاح فاستسلم الرئيس عبد الرحمن عارف وغادر العراق سلمياً – لتُطوى بذلك صفحة، وتُفتح أخرى في تاريخ الدولة. وبعد ان أصبحت قيادة الدولة كاملة بيد حزب البعث العربي الاشتراكي، دخل العراق مرحلة اتسمت باستقرار سياسي ، وبدأت معها عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق رؤية الحزب الوطنية والقومية. لم تكن الثورة تستهدف تغيير السلطة فحسب، بل تمكين مشروع سياسي متكامل قادر على إدارة الدولة وتنفيذ برنامج طويل الأمد لإعادة بناء العراق ولكي يمارس دوره القومي كفاعل اساسي قوي في نهضة امته العربية.
الإنجازات وبناء الدولة
بعدها انتقلت قيادة الثورة من مرحلة التغيير السياسي إلى مرحلة أعمق وأصعب: بناء الدولة نفسها. فنجاح أي ثورة، بحسب هذه الرؤية، لا يُقاس بمجرد الوصول إلى الحكم، بل بالقدرة على تحقيق الاهداف التي قامت من اجلها من خلال إقامة مؤسسات راسخة تدير الدولة وتحقق التنمية والاستقرار.
شرعت الدولة في إعادة تنظيم مؤسساتها الإدارية والعسكرية والاقتصادية، ووضعت خططاً استراتيجية بعيدة المدى لبناء دولة حديثة تقوم على المؤسسات والقانون والتخطيط المركزي، بدلاً من نمط الإدارة التقليدي الذي كان – في نظر الحزب – يعاني ضعفاً في الكفاءة وغياباً للرؤية الشاملة.
كانت القناعة السائدة أن الانتقال من مجتمع ريفي عشائري إلى مجتمع مؤسساتي حديث يستلزم مشروعاً متكاملاً لا يقتصر على الجانب الاقتصادي وحده، بل يمتد ليشمل إعادة بناء الإنسان نفسه، وتعزيز الانتماء الوطني، وترسيخ فكرة الدولة كمرجعية عليا لجميع المواطنين.
وأولت القيادة اهتماماً واسعاً بتطوير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية باعتبارها ضامن استقرار الدولة وحماية سيادتها،إلى جانب إعادة هيكلة مؤسسات الإدارة العامة وتوسيع قدراتها بما يواكب متطلبات التنمية.
- وأُطلقت برامج واسعة لتطوير البنية التحتية: طرق وجسور، شبكات كهرباء ومياه، مشروعات إسكان، فضلاً عن التوسع في إنشاء المصانع والمجمعات الصناعية والمشروعات الزراعية، سعياً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على تلبية احتياجات البلاد.
- كانت الثورة تنظر إلى التنمية كعملية شاملة تبني الإنسان وتطور مؤسسات الدولة في آن واحد. وترتبط بالاستقلال الاقتصادي وتعزيز القرار الوطني، بوصفهما أساس بناء الدولة الوطنية، التي تمثل بدورها مرحلة أولى نحو مفهوم أوسع للدولة القومية، انطلاقاً من شعار حزب البعث العربي الاشتراكي الشهير: “أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة”، كإطار فكري يربط بين بناء الدولة العراقية ودورها القومي في محيطها العربي.
- عملت الثورة على ترسيخ هوية وطنية جامعة، والقضاء على اية عوامل تؤدي الى احداث انقسامات طائفية وقومية ومناطقية، وذلك عبر تعزيز مفهوم
المواطنة، مع التأكيد على مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية كأسس فكرية لمشروع الثورة.
- ولتحقيق بناء الدولة الحديثة، تم بناء مؤسسات قوية قادرة على التخطيط والتنفيذ، واستثمار الثروات الوطنية في خدمة التنمية بعيداً عن أي تبعية اقتصادية أو سياسية للخارج.
لم تكن السنوات الأولى بعد الثورة مجرد مرحلة انتقال سياسي إذن، بل بداية مشروع واسع لإعادة تشكيل الدولة العراقية إدارياً واقتصادياً واجتماعياً، مشروع ستزداد ملامحه وضوحاً بعد واحد من أهم القرارات الاقتصادية -السياسية في تاريخ العراق الحديث: تأميم النفط عام 1972.
تأميم النفط والنهضة التعليمية والاقتصادية والاجتماعية
لم يكن التأميم الذي اعلن في الأول من حزيران عام 1972، هدفاً اقتصادياً بذاته، بل وسيلة لتوظيف العائدات النفطية في مشروع تنموي شامل يطال مختلف قطاعات الدولة. من هنا برز الشعار المرتبط بتلك اللحظة: “نفط العرب للعرب”، تعبيراً عن رؤية قومية تربط الثروة الوطنية بالاستقلال السياسي والاقتصادي، وبقدرة الدول العربية على استثمار مواردها لتحقيق التنمية.
وأطلقت خطط تنمية واسعة شملت الصناعة والزراعة والإسكان والطاقة والنقل والاتصالات، إلى جانب توسع كبير في البنية التحتية: طرق، جسور، سدود، محطات كهرباء، شبكات مياه وصرف صحي.
الانسان اساس التنمية
أولت الثورة اهتماماً خاصاً ببناء الإنسان، انطلاقاً من قناعة بأن الثروة الحقيقية للأمم لا تكمن في مواردها الطبيعية فحسب، بل في قدرتها على إعداد الإنسان القادر على إدارة تلك الموارد وتطويرها. لذلك احتلت قطاعات التعليم والبحث العلمي والتدريب المهني والرعاية الصحية موقعاً محورياً في مشروع التحديث.
- فشهد العراق خلال تلك المرحلة توسعاً كبيراً في مجانية التعليم بمختلف مراحله، وأُطلقت حملات وطنية لمحو الأمية، وتوسعت شبكة المدارس والمعاهد والجامعات، واستُحدثت تخصصات جديدة تواكب متطلبات خطط التنمية. كما حظيت مؤسسات التعليم العالي باهتمام واسع: تطوير الجامعات، تعزيز كوادرها العلمية، توسيع برامج الدراسات العليا، وإيفاد الطلبة والباحثين إلى الجامعات العالمية. وانعكس ذلك على نمو الكفاءات الوطنية في الطب والهندسة والعلوم والزراعة والاقتصاد والإدارة وغيرها من التخصصات التي شكّلت دعامة أساسية لمشروعات التنمية. وضمن التوجه القومي الذي تبنته الدولة، استقبلت الجامعات العراقية آلاف الطلبة العرب من مختلف الأقطار، ووفرت لهم فرص الدراسة والتأهيل العلمي.
- وفي مجال الرعاية الصحية توسعت الدولة في بناء المستشفيات والمراكز، وتطوير الخدمات العلاجية والوقائية، وزيادة أعداد الكوادر الطبية. كما شملت التنمية الجوانب الاجتماعية والاقتصادية عبر برامج الإسكان، وتوسيع شبكات الماء والكهرباء، ودعم القطاع الزراعي، وتوفير فرص العمل، وتشجيع التصنيع الوطني – سعياً لتحسين مستوى المعيشة وتعزيز قدرة الاقتصاد العراقي على الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج.
- لم تُعامل الدولة العلم والتكنولوجيا كأدوات تقنية منفصلة عن مشروع التنمية، بل كجزء من تصور استراتيجي لبناء المستقبل؛ فالتقدم العلمي، بحسب هذا الفهم، لا يتحقق بمجرد نقل التكنولوجيا أو استيرادها، وإنما يبدأ باستيعاب المعرفة وفهمها، ثم تكييفها مع حاجات المجتمع وأهداف الدولة، وصولاً إلى بناء قدرة وطنية على الإنتاج والابتكار. وهكذا ارتبطت سياسات التعليم والبحث العلمي والتصنيع بالتخطيط الاقتصادي والاستراتيجي، باعتبار أن بناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة يمثل أحد أهم عناصر القوة الوطنية.
- وسعت الدولة أيضاً إلى تعزيز مفهوم المواطنة وتوسيع مشاركة مختلف مكونات المجتمع في مؤسساتها، مع احترام التنوع القومي والديني، انطلاقاً من رؤية تربط قوة الدولة بوحدة مجتمعها وتكامل مؤسساتها. فبناء الدولة، بحسب
هذا المنطق، لا يتحقق بالثروة وحدها، بل بقدرة المجتمع على تحويلها إلى معرفة وإنتاج وديمومة مؤسسية.
القضية الكردية وبيان 11 آذار 1970
انطلاقاً من قناعة الثورة بأهمية الحفاظ على وحدة البلاد، مع الاعتراف بالتنوع القومي الذي يميز المجتمع العراقي، قررت القيادة التعامل مع ملف القضية الكردية عبر الحوار السياسي بدلاً من الحلول العسكرية. ففتحت قنوات اتصال مع القيادات الكردية، سعياً للتوصل إلى صيغة تضمن الحقوق القومية للاخوة الأكراد ضمن إطار الدولة العراقية الموحدة. وتُوّجت هذه الجهود بإصدار بيان الحادي عشر من آذار 1970، الذي نص على الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للشعب الكردي، وإقرار اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، وتوسيع مشاركة المواطنين الأكراد في مؤسسات الدولة، ودعم التعليم والثقافة باللغة الكردية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وصولاً إلى تنفيذ مشروع الحكم الذاتي ضمن إطار وحدة العراق وسيادته. ويعد هذا الاتفاق ترجمة عملية لمفهوم الشراكة الوطنية، وقد عُدّ البيان آنذاك من أكثر المبادرات تقدماً في التعامل مع قضية قومية داخل دولة عربية.
الجبهة الوطنية والدور القومي العربي
سعت الثورة إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، من منطلق أن استقرار الدولة يستدعي إطاراً يجمع القوى الوطنية المتفقة على حماية استقلال العراق ودعم مشروعه التنموي. من هنا جاء الإعلان عن تشكيل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، التي ضمت عدداً من القوى والأحزاب السياسية بهدف إيجاد صيغة للعمل الوطني المشترك. وشكلت الجبهة، في سنواتها الأولى، إطاراً سياسياً لتنظيم العلاقة بين حزب البعث وعدد من الاحزاب و القوى الوطنية، مع بقاء الدور القيادي بيد حزب البعث العربي الاشتراكي في إدارة الدولة وتوجيه سياساتها. أما على الصعيد العربي، فقد تبنت الثورة منذ انطلاقتها توجهاً قومياً مستمداً من فكر حزب البعث القائم على مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية. لم تنظر القيادة إلى العراق كدولة معزولة عن محيطها، بل كجزء من مشروع عربي أشمل يقوم على التضامن العربي وتنسيق المواقف والدفاع عن القضايا المشتركة.
وفي مقدمة تلك القضايا، جاءت القضية الفلسطينية التي احتلت مكانة مركزية في السياسة العراقية خلال تلك المرحلة؛ إذ قدم العراق أشكالاً متعددة من الدعم
السياسي والاقتصادي لشعبنا الفلسطيني، واعتبرها قضية العرب المركزية، واستضاف مؤسسات وكوادر فلسطينية عديدة، ووفر تسهيلات للطلبة الفلسطينيين والعرب في جامعاته. كما استقبل العراق آلاف الطلبة والباحثين العرب، وفتح مؤسساته التعليمية أمامهم، وأسهم في إعداد كوادر علمية ومهنية عادت لاحقاً للمشاركة في تنمية بلدانها، إلى جانب أشكال مختلفة من الدعم الاقتصادي والفني لعدد من الدول العربية – انعكاساً لتوجه قومي رأت فيه القيادة أن قوة العراق لا تنفصل عن قوة محيطه العربي.
التحديات
ادت النهضة الحضارية ومشاريع البناء والتنمية التي عرفها العراق خلال عقدي السبعينيات وجزء من الثمانينيات الى استهداف العراق، فواجهت مسيرة الثورة تحديات كبرى فرضتها ظروف إقليمية ودولية معقدة، انعكست مباشرة على مسار التنمية والاستقرار مستهدفة وقف المشروع التنموي وتقويض الدور الوطني والقومي للعراق، فجعلته الإنجازات الحضارية و الاقتصادية والعلمية والعسكرية التي تحققت هدفاً لصراعات إقليمية ودولية تسعى للحد من نمو قدراته ، وسوف نتناول ابرز تلك التحديات في دراسة لاحقة .
الخاتمة
لا يمكن قراءة تجربة ثورة السابع عشر من تموز 1968 بمعزل عن ظروفها التاريخية والسياسية. فهي، في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، لم تكن مجرد تغيير في السلطة أو انتقال للحكم من قيادة إلى أخرى، بل مشروع متكامل استهدف بناء دولة وطنية حديثة ذات افق قومي تمتلك قرارها السيادي المستقل، وتستثمر ثرواتها في خدمة شعبها وامتها العربية، وتعتمد على التخطيط العلمي والمؤسسات والتنمية الشاملة – باعتبارها الأساس الحقيقي لنهضة الأمم.
خلال مسيرتها، ارتبطت الثورة بمشاريع كبرى منها: إعادة بناء مؤسسات الدولة، تأميم النفط، تطوير التعليم والبحث العلمي، توسيع الخدمات الصحية والاجتماعية، بناء قاعدة صناعية وزراعية، تعزيز القوات المسلحة، إلى جانب السعي لترسيخ الوحدة الوطنية ومعالجة القضية الكردية عبر بيان الحادي عشر من آذار، وتوسيع المشاركة السياسية من خلال الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، وتبني دور قومي عربي جعل العراق أحد أبرز الفاعلين في وطنه العربي ومحيطه الإقليمي.
ولعل الدرس الأبرز الذي تقدمه انجازات ثورة السابع عشر من تموز بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي هو أن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية استراتيجية، ومؤسسات قوية، وهوية وطنية جامعة، واقتصاد منتج، وتعليم متطور، وقدرة على حماية السيادة الوطنية وصيانة استقلال القرار العراقي.
ومن هذه الرؤية، يرى حزب البعث العربي الاشتراكي أنه قدم، خلال مسيرته في قيادة الدولة، نموذجاً متكاملاً في بناء المؤسسات وإدارة الموارد وتحقيق التنمية، وأن فكره الوطني والقومي شكّل الإطار الذي جمع بين بناء العراق وعزز دوره العربي – إيماناً منه بأن قوة العراق ركيزة لقوة الأمة العربية، وأن مشروعه القومي يبقى، من وجهة نظره، الأكثر قدرة على حماية وحدة العراق وسيادته، وخدمة مصالح شعبه، والإسهام في نهضة الامة العربية بأسرها.
المراجع والمصادر:
1. حزب البعث العربي الاشتراكي، التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن، بغداد، كانون الثاني 1974، ص 19–38.
- 2. عباس عبد جاسم، في الصراع والحضارة: مشروع رؤية بعثية في الصراع الحضاري العربي، بغداد، 1983، رقم الإيداع في المكتبة الوطنية ببغداد: 736 لسنة 1983، ص 81–85.
- 3. علي خيون، ثورة 17–30 تموز 1968: التجربة والآفاق، ص 4–7.
- 4. جلال السيد، حزب البعث العربي، دار النهار للنشر، بيروت، 1973، ص 200–203.
- 5. دائرة الإعلام الخارجي، العداء الإيراني للعراق: متابعة لأقوال خميني وأعوانه، الطبعة الثالثة (مزيدة ومنقحة)، بغداد، 1984، ص 14–17، 35–48، 55–64.
- 6. منشورات الثورة، المسألة الكردية: الوضع الراهن وآفاق المستقبل، بغداد، ص 13–28.
- 7. المنهاج الثقافي المركزي، الكتاب الأول، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985، رقم الإيداع في المكتبة الوطنية ببغداد: 204 لسنة 1985، ص 141–157.
- 8. حامد عمار، “دور التعليم في الوحدة العربية” (نقد كتاب)، مجلة المستقبل العربي، العدد 15، 1980، ص 176–177.
- 9. عامر جورج إلياس أبو سعدى، دور العقلية القبلية في تعطيل الوحدة العربية، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد الدراسات الإقليمية (دراسات عربية معاصرة)، عمادة الدراسات العليا، جامعة القدس، فلسطين، 2011.
- 10. Ahmed Archive 2 فيديو للقاء الرئيس صدام حسين مع ثوار تموز. يوتيوب، 25 نيسان/أبريل 2025.
https://youtu.be/IOi11cLwjdw?si=lYsIyBbOQZ6ty9OA