الأسباب الحقيقية وراء استهداف العراق
د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي
بعيداً عن سرديات المؤرخين والمحللين لا بدّ من تأصيل قاعدة نضالية لا تقبل القسمة إلا على نفسها، وهي من المسلمات عند كل صاحب مبدأ وبصر وبصيرة، حيث تعتبر أحداث غزو العراق اميركيا واحتلاله إيرانياً سنة 2003 من أبرز الفصول في تاريخ السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين.
فقد قادت الولايات المتحدة ما أسمته بالائتلاف الدولي لغزو العراق وإسقاط نظامه الوطني واغتيال قائده والتخلص من خيرة رجاله ومحاولة هدم صرح الروح الوطنية والقومية في داخل نفس الإنسان العراقي، وكل ذلك هو بسبب منجزات ثورة حزب البعث العربي الاشتراكي التي ابتدأت ملامح عظمتها فعلياً في تموز 1968، مما جعل هذا الحزب يواجه حرباً شعواء مباشرة بالحظر تارة والاستهداف والتسقيط تارة أخرى، لكنهم توهموا كثيرا، لأن البعث ليس مجرد صرح شامخ، بل هو فكر متأصل في عقول وضمائر جماهيره جيلاً بعد جيل، حتى لو استشهدت قياداته التاريخية فإنه يتجدد بصور وأشكال وقوالب نضالية جديدة لا تندثر، لكن هذا الاستهداف خلّف تداعيات عميقة على الأمن والاستقرار في المنطقة عراقياً وعربياً وإقليمياً ودولياً.
إن جوهر الأسباب الحقيقية التي دفعت أمريكا وإسرائيل والغرب إلى استهداف العراق، هي منجزات ثورة تموز 1968 حيث كانت هي المحرك والمؤثر المباشر على تلك السياسات.
تشكل ثورة تموز 1968 ومنجزاتها في العراق وما تبعها من تغييرات اجتماعية واقتصادية نقطة انطلاق لفهم الاستهداف الدولي للعراق خصوصاً وإن جميع مؤشرات المنظمات الدولية والأممية كانت تؤكد أن العراق سينتقل في عام 1985 من الدول النامية إلى مصاف الدول المتقدمة.
من أهم منجزات هذه الثورة:
_ التعليم المجاني: أُسست نظام تعليمي متكامل حقق التعليم المجاني لكافة أبناء الشعب، ما أسهم في رفع مستوى التعليم والثقافة والوعي.
_ البنية التحتية المتطورة: استثمرت الثورة في إنشاء بنى تحتية متكاملة من طرق ومواصلات ومرافق عامة، مما عزز من القدرة الاقتصادية للعراق.
_ التأمين الصحي الشامل: تم تنفيذ برامج صحية مكنت جميع المواطنين في كل العراق من الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية دون تكلفة، مما أدى إلى تحسين مستوى الصحة العامة قياسا لدول المنطقة والإقليم.
_ العدالة الاجتماعية: أسست سياسات اقتصادية نموذجية وعدالة اجتماعية، وحققت تساوي الفرص في العمل، وكذلك نفذت قانونًا صارمًا يعكس مبدأ عدم التمييز بين أفراد الشعب.
_ بناء جيش عقائدي قوي: عملت الدولة على بناء جيش قوي يتسم بالولاء للسيادة الوطنية والقومية، مما جعله درعًا لحماية البلاد من التهديدات الخارجية.
لكن هذا التصاعد في الجانب العسكري تمت قراءته من الدوائر الصهيونية الأميركية والغربية كتهديد للمصالح الغربية وخصوصا إسرائيل.
وقد تزامنت منجزات العراق في عهد حكومته الوطنية وحزبه القائد مع انتصاراته في حروبه، لا سيما الحرب الإيرانية – الايرانية (1980-1988)، حيث استطاع العراق مواجهة إيران وتركيعها والصمود أمام القوى الخارجية على مختلف الأشكال والمستويات.
إن هذا النجاح أضفى قوةً للعراق في المنطقة أرعبت كل أعداء العراق ومن بينهم بعض الحكام الذين يدينون بالولاء للغرب على حساب مصالح الأمة العربية وأصبح يشكل تهديدًا حقيقياً لمصالح إسرائيل والغرب الاستعمارية.
إن انتصار العراق الساحق على إيران جعله قوة مؤثرة في الشرق الأوسط، مما دفع الغرب إلى إعادة تقييم استراتيجيته تجاه العراق والتآمر عليه مع بعض الدول المحيطة، خاصة مع زيادة صعوده كقوة إقليمية.
يعتبر العراق ( حزباً وقيادة وشعباً وجيشاً) في نظر الكيان الصهيوني والغرب قوة عسكرية يمكن أن تقوض استقرار الوضع في المنطقة، حيث كانت هناك مخاوف جدية من إمكانية استخدام العراق لقدراته العسكرية ضد هذا الكيان، وهذه حقيقة اثبتتها دراسات وبحوث وأحاديث قادة عسكريين عراقيين بعد الغزو والاحتلال سنة 2003، حيث أوعز الرئيس صدام حسين إلى كبار القادة العسكريين بإجراء التدريبات والاستعداد للمعركة الكبرى لتحرير فلسطين بعد الانتصار على إيران، وفعلاً بدأت بواكير تلك التدريبات والتحضيرات في عام 1989، مما جعل أميركا وإسرائيل والغرب يدفعون باتجاه خلق الأزمات ومن ضمنها مع نظام الكويت آنذاك بهدف الإيقاع بالعراق، والنيل منه والقضاء عليه، وكانت بداية لكل ما حدث بعد ذلك.
كذلك يعد العراق من دول العالم الغنية بالنفط، وكانت تسعى الولايات المتحدة والدول الغربية دوما إلى ضمان تدفق النفط بأسعار مناسبة لها، وهو ما يفسر ربط الغزو بكسب السيطرة على الاحتياطيات النفطية.
إن استهداف وغزو العراق كان جزءًا من استراتيجية أوسع لتحقيق الهيمنة السياسية في الشرق الأوسط، ومنع أي تهديدات مستقبلية للدول الغربية ومصالحها.
مما لا شك فيه أن وجود نظام قوي مثل نظام البعث وصدام حسين الذي يمكن أن يحقق تطلعات وطنية وقومية كانت بمثابة الخطر على استراتيجية الهيمنة الغربية، مما استدعى ضرورة التدخل المباشر من خلال الغزو العسكري والجيوش والدبابات والقاصفات، بعد أن عجزت كل الأساليب والوسائل الخبيثة والمؤامرات من اختراقه وإسقاطه .
إن من هوان الأمة أن تكون منجزات التقدم والازدهار والرفاهية وامتلاك نواصي العلم والقوة، هي السبب الحقيقي وراء إسقاط بلد عظيم بحجم العراق وتأريخه وحضارته ومكانته بين الشعوب والأمم، وربما تتداخل الأسباب الحقيقية وراء استهداف العراق بين العوامل السياسية، الاقتصادية، والأمنية. لكن مناجز ثورة تموز 1968 جعلت من العراق نموذجًا يحتذى وقدوة في المنطقة، مما أثار الحفيظة في الدوائر الغربية.
كانت تلك المنجزات تهديدًا للمصالح الغربية، مما أدى إلى اتخاذ قرار الغزو لإنهاء هذا النموذج ومواجهة القوة العسكرية المتزايدة للعراق.
إن دراسة هذه الأسباب تساهم في فهم أعمق للسياسات الدولية وتبعاتها على الشعوب والدول، وما حصل مع العراق يجب أن يكون بوابة للوعي وإدراك للحقائق كما هي من أجل الوطن والشعب.