ثورة تموز المجيدة
ومسار الدولة العراقية في الذاكرة السياسية العربية
ابن قاسيون
منذ انطلاقتها في السابع عشر من تموز عام 1968، قدّمت ثورة تموز نفسها بوصفها مشروعاً سياسياً يستهدف إعادة بناء الدولة العراقية واستنهاض الدور العربي للعراق، في مرحلة كانت الأمة العربية تعيش تداعيات هزيمة حزيران سنة 1967 وما خلفته من أزمات نفسية وسياسية وشعور عام بالإحباط والتراجع.
لقد ارتكز خطاب الثورة على إعادة صياغة مفهوم العمل الوطني والقومي، عبر تبني مشروع يربط بين بناء الإنسان وتطوير مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها في مختلف المجالات. وكانت الإجراءات التي اتخذتها القيادة آنذاك تُقدَّم باعتبارها تعبيراً عن توجه سياسي يهدف إلى تجاوز حالة التردي وإطلاق الطاقات الكامنة في المجتمع، من خلال التركيز على التعليم والتنمية والتحديث العلمي والتقني، وبناء مؤسسات قادرة على المنافسة وتحقيق الإنجاز.
وفي السياق ذاته، اعتبرت القيادة أن معالجة القضايا الداخلية، ومنها القضية الكردية، تمثل اختباراً لطبيعة المشروع الوطني الذي تتبناه، حيث طرحت رؤيتها القائمة على التسوية ضمن إطار الوحدة الوطنية والمفهوم القومي للتعايش بين مكونات الشعب العراقي، في مواجهة محاولات داخلية وخارجية رأت فيها تهديداً لاستقرار الدولة ومسارها السياسي.
ومع مرور السنوات، عمل النظام على تعزيز قدرات العراق العسكرية والاقتصادية، معتبراً أن بناء جيش قوي يمثل أحد ركائز حماية السيادة الوطنية. وقد لعب الجيش العراقي دوراً بارزاً في أحداث المنطقة، ومنها مشاركته في حرب تشرين عام 1973، حيث رأت القيادة العراقية أن دور العراق العسكري يأتي من منطلق التزامه بالقضايا العربية وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي.
أما القضية الفلسطينية، فقد احتلت موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي للبعث، إذ أكد النظام العراقي دعمه للفصائل الفلسطينية ومساندته السياسية والمادية لها، واعتبر أن القضية الفلسطينية تمثل جوهر الصراع العربي في مواجهة المشروع الصهيوني، وهو موقف عبّر عنه في المحافل العربية والدولية المختلفة.
وفي عام 1980 دخل العراق في مواجهة عسكرية طويلة مع إيران بعد اندلاع الحرب الإيرانية العراقية ، وهي الحرب التي وصفها الخطاب العراقي آنذاك بأنها مواجهة مع مشروع توسعي يهدد الأمن العربي.
وقد سعت القيادة العراقية إلى تقديم نتائج الحرب باعتبارها انتصاراً يحمي استقلال العراق ويعيد الثقة بقدرات العرب العسكرية والسياسية.
لاحقاً، شكّل احتلال العراق سنة 2003 نقطة تحول كبرى في تاريخه الحديث، إذ اعتبر أن ما حدث كان جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة وإنهاء دور العراق العربي، بينما شهد العراق بعد الاحتلال تغييرات سياسية عميقة تمثلت في حل مؤسسات الدولة السابقة وإعادة بناء النظام السياسي على أسس طائفية ضمن تبني ما سمي بالمحاصصة.
وقد تركت مرحلة ما بعد الاحتلال آثاراً واسعة على المجتمع العراقي، تمثلت في الصراعات السياسية والأمنية، وانتشار الفساد والانقسامات المجتمعية، وهي عوامل يرى منتقدو المرحلة اللاحقة أنها أضعفت الدولة العراقية وأثرت على هويتها الوطنية.
ورغم التحولات الكبرى التي شهدها العراق، بقيت قضية الهوية الوطنية والسيادة والاستقلال محوراً أساسياً في الجدل السياسي العراقي.
ويؤكد أنصار التيارات القومية أن استعادة دور العراق ومكانته تتطلب مشروعاً وطنياً جامعاً قادراً على تجاوز الانقسامات، وبناء دولة قوية تستند إلى إرادة شعبها ومصالحها العليا.
إن قراءة تجربة ثورة تموز وما تبعها من أحداث تبقى مرتبطة بتعدد وجهات النظر حول تلك المرحلة، غير أن المؤكد أن تلك الحقبة تركت أثراً عميقاً في تاريخ العراق الحديث، وما زالت حاضرة في النقاشات السياسية والفكرية حول مستقبل الدولة العراقية ودورها في محيطها العربي.