شبكة ذي قار
ثورة 17 تموز المجيدة… فجر الإرادة وميلاد الدولة  

ثورة 17 تموز المجيدة… فجر الإرادة وميلاد الدولة

 

  الرفيق عمر العبيدي

 

هناك محطاتٌ في تاريخ الأمم لا يقتصر تأثيرها على تغيير الحكومات، بل تمتد لتعيد صياغة شكل الدولة ومسارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومن بين هذه المحطات في التاريخ العراقي، تبرز أحداث السابع عشر من تموز عام 1968، التي افتتحت مرحلةً جديدةً كان لحزب البعث العربي الاشتراكي فيها الدور القيادي، واستمرت آثارها لعقود، وما زالت موضع دراسةٍ ونقاشٍ حتى اليوم.

جاءت تلك الأحداث في وقتٍ كان العراق يشهد تقلباتٍ سياسيةً متكررةً منذ عام 1958، حيث تعاقبت الحكومات والانقلابات، وأثَّرت حالةُ عدم الاستقرار في أداء مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، مثَّل وصول حزب البعث إلى السلطة بدايةَ مرحلةٍ سعت إلى تثبيت مؤسسات الدولة، وإرساء نظامٍ قادرٍ على تنفيذ برامج بعيدة المدى في الإدارة والاقتصاد والتعليم والدفاع.

وكانت الفلسفة السياسية التي أعلنها الحزب تقوم على الربط بين السيادة الوطنية والتنمية، انطلاقًا من قناعةٍ مفادها أن الدولة القوية تحتاج إلى اقتصادٍ متين، ومؤسساتٍ فاعلة، وكوادرَ علميةٍ وإداريةٍ قادرةٍ على إدارة موارد البلاد. وانعكس ذلك في خطط التوسع في التعليم، وزيادة أعداد الجامعات، والاهتمام بالتدريب المهني، وتطوير الجهاز الإداري، وهي سياساتٌ أسهمت في تحديث الدولة العراقية.

ومن أبرز المحطات التي ارتبطت بتلك الحقبة قرارُ تأميم النفط عام 1972، الذي منح الدولة مواردَ ماليةً كبيرةً استُخدمت في تنفيذ مشاريع تنموية واسعة، شملت إنشاء الطرق والجسور، وتوسيع شبكات الكهرباء والمياه، وبناء المستشفيات والمدارس، ودعم القطاعين الصناعي والزراعي. وقد عدَّ كثيرٌ من الباحثين هذا القرار نقطةَ تحولٍ في التاريخ الاقتصادي للعراق.

كما أولت الدولة اهتمامًا بالتعليم ومحو الأمية، وشهدت الجامعات توسعًا ملحوظًا، وازدادت فرص الدراسة داخل العراق وخارجه. وفي الوقت نفسه، تطورت مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، ضمن رؤيةٍ كانت تعتبر قوةَ الدولة عنصرًا أساسيًا في حماية استقلالها ومكانتها الإقليمية.

وعلى الصعيد العربي، تبنّى العراق في تلك المرحلة خطابًا قوميًا داعمًا للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وسعى إلى لعب دورٍ مؤثرٍ في محيطه الإقليمي، مستفيدًا من ثقله السكاني وموارده الاقتصادية وموقعه الجغرافي ومؤسسته العسكرية.

إن ذكرى السابع عشر_الثلاثين من تموز ليست مجرد مناسبة لاستذكار حدثٍ سياسي، بل فرصةٌ للتأمل في تجربةٍ تاريخيةٍ تركت أثرًا بالغًا في العراق الحديث. فهي تذكرنا بأن بناء الدولة مشروعٌ طويلٌ يحتاج إلى مؤسساتٍ قوية، وإدارةٍ كفؤة، واستثمارٍ واعٍ للثروات، كما تذكرنا بأن قراءة التاريخ تزداد قيمةً حين تجمع بين الاعتراف بالإنجازات، وفهم التحديات، واستخلاص الدروس للمستقبل.

ويبقى تموز ، فصلًا لا يمكن تجاوزه في تاريخ العراق. فهو يمثل مرحلةً كان فيها الطموح كبيرًا، والرهانات كبيرةً، والنتائج موضع نقاشٍ مستمر بين المؤرخين والباحثين.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة تلك التجربة بروحٍ علمية، تستند إلى الوقائع، وتفسح المجال لتعدد القراءات، لأن التاريخ لا يزدهر إلا بالحوار، ولا يُصان إلا بالمعرفة.

وستبقى ثورة 17-30 تموز المجيدة نبراساً في طريق النضال.

تموز… حين نهض العراق من تحت الرماد وصنع مجده بيده.

تموز… حين نهض العراق من تحت الرماد

 وصنع مجده بيده.

 

  الرفيق عبدالله العبادي

 

ثورة 17–30 تموز المجيدة لم تكن حدثاً عابراً، بل كانت صرخة شبابٍ طموحين أرادوا أن يعيدوا للعراق وجهه الحقيقي بعد أحداث 18 تشرين، وبعد غدر عبد السلام عارف بالبعثيين عقب الإطاحة بعبد الكريم قاسم ونظامه الديكتاتوري.

في تلك اللحظة، ظنّ كثير من العراقيين أن الحزب انتهى، وأنه لن يعود إلى الواجهة، لكن قيادة شابة، حكيمة، ناضجة، أثبتت أن البعث لا يموت، وفاجأت العالم بتسلمها السلطة بعد أربع سنوات فقط من فقدانها، لتؤكد أن الإرادة حين تتجسد في رجالٍ مؤمنين بقضيتهم لا تُهزم.

لقد أنقذت ثورة تموز العراق من واقع دول العالم الثالث، ودفعته نحو مصاف الدول المتقدمة. التقدم العلمي، الاقتصادي، والصناعي الذي تحقق أربك الدول الغربية، لأن العراق نهض بسرعة لم يتوقعها أحد. واليوم، ورغم أن كثيراً من أبناء الشعب العراقي يظنون أن البعث انتهى ولن يعود، إلا أن الحزب كان دائماً قائداً للثورات وللتغيير، وحاضراً في اللحظات التي تحتاج إلى رجالٍ يصنعون التاريخ ولا ينتظرونه.

ومع ذلك، يردد البعض اليوم أن الحزب أصبح مجرد تنظير، وكأنهم لا يؤمنون ولا يعرفون مستلزمات العمل السري ولا يدركون حجم التحديات التي تمر بها الأمة والحزب، ولا حجم المؤامرات التي استهدفته عبر السنين. فمَن يحمل هذا التصور ويقول إن البعث انتهى أو أصبح تنظيراً فارغاً، فإنه في الحقيقة لا يتعمق في جوهر الفكر الحزبي ولا في رسالة النضال التي يحملها.

إن مشكلة الكثير يتصورون أن النضال يقتصر على حمل السلاح، وأن الحزب سيعطيهم الأوامر لينطلقوا مباشرة إلى المواجهة، متجاهلين أن النضال له أشكال متعددة، منها السري ومنها العلني، وأن كلاً منهما يحتاج إلى صبر وإيمان وانضباط.

وسؤالي لهؤلاء: من منكم كان يعرف الرفيق صدام حسين قبل الثورة؟ من منكم كان يعرف تفاصيل نضاله الحقيقي في تلك المراحل؟ لا أحد، لأن النضال كان سرياً إلى درجة لا يعلم بها إلا القليل.

واليوم، وبعد فقدان السلطة، يعيش الحزب ظروفاً تشبه في كثير من جوانبها ظروف ما قبل ثورة تموز المجيدة بل أكثر في ظل الاحتلال ، حيث يتطلب العمل صبراً وتنظيماً وإيماناً راسخاً بالقضية.

 إن ذكرى ثورة 17–30 تموز ليست مجرد محطة نمرّ عليها، بل يجب أن تكون بداية ثورة حقيقية. نحن لا نستحضر هذه الثورة لنَبكي على الماضي، بل لنأخذ العزم من رفاقنا الذين قادوها بروح نضالية واحدة، ونستمد منهم الإرادة التي صنعت تلك اللحظة، ونحوّل الذكرى إلى فعل.

أما الذين لا يملكون القدرة على تحمل أعباء النضال وخدمة الأمة، فليبقوا صامتين، ولا يشغلوا المناضلين الحقيقيين بثرثرتهم الفارغة وأحكامهم المتسرعة. فالنضال الحقيقي لا يعرف الضجيج، بل يعرف الرجال الذين يعملون بصمت ليصنعوا لحظتهم التاريخية كما صنعها رجال تموز.

الأسباب الحقيقية وراء استهداف العراق

الأسباب الحقيقية وراء استهداف العراق

 

د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي

بعيداً عن سرديات المؤرخين والمحللين لا بدّ من تأصيل قاعدة نضالية لا تقبل القسمة إلا على نفسها، وهي من المسلمات عند كل صاحب مبدأ وبصر وبصيرة، حيث تعتبر أحداث غزو العراق اميركيا واحتلاله إيرانياً سنة 2003 من أبرز الفصول في تاريخ السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين.

 فقد قادت الولايات المتحدة ما أسمته بالائتلاف الدولي لغزو العراق وإسقاط نظامه الوطني واغتيال قائده والتخلص من خيرة رجاله ومحاولة هدم صرح الروح الوطنية والقومية في داخل نفس الإنسان العراقي، وكل ذلك هو بسبب منجزات ثورة حزب البعث العربي الاشتراكي التي ابتدأت ملامح عظمتها فعلياً في تموز 1968، مما جعل هذا الحزب يواجه حرباً شعواء مباشرة بالحظر تارة والاستهداف والتسقيط تارة أخرى، لكنهم توهموا كثيرا، لأن البعث ليس مجرد صرح شامخ، بل هو فكر متأصل في عقول وضمائر جماهيره جيلاً بعد جيل، حتى لو استشهدت قياداته التاريخية فإنه يتجدد بصور وأشكال وقوالب نضالية جديدة لا تندثر، لكن هذا الاستهداف خلّف تداعيات عميقة على الأمن والاستقرار في المنطقة عراقياً وعربياً وإقليمياً ودولياً.

إن جوهر الأسباب الحقيقية التي دفعت أمريكا وإسرائيل والغرب إلى استهداف العراق، هي منجزات ثورة تموز 1968 حيث كانت هي المحرك والمؤثر المباشر على تلك السياسات.

تشكل ثورة تموز 1968 ومنجزاتها في العراق وما تبعها من تغييرات اجتماعية واقتصادية نقطة انطلاق لفهم الاستهداف الدولي للعراق خصوصاً وإن جميع مؤشرات المنظمات الدولية والأممية كانت تؤكد أن العراق سينتقل في عام 1985 من الدول النامية إلى مصاف الدول المتقدمة.

 من أهم منجزات هذه الثورة:

_ التعليم المجاني: أُسست نظام تعليمي متكامل حقق التعليم المجاني لكافة أبناء الشعب، ما أسهم في رفع مستوى التعليم والثقافة والوعي.

_ البنية التحتية المتطورة: استثمرت الثورة في إنشاء بنى تحتية متكاملة من طرق ومواصلات ومرافق عامة، مما عزز من القدرة الاقتصادية للعراق.

_ التأمين الصحي الشامل: تم تنفيذ برامج صحية مكنت جميع المواطنين في كل العراق من الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية دون تكلفة، مما أدى إلى تحسين مستوى الصحة العامة قياسا لدول المنطقة والإقليم.

_ العدالة الاجتماعية: أسست سياسات اقتصادية نموذجية وعدالة اجتماعية، وحققت تساوي الفرص في العمل، وكذلك نفذت قانونًا صارمًا يعكس مبدأ عدم التمييز بين أفراد الشعب.

_ بناء جيش عقائدي قوي: عملت الدولة على بناء جيش قوي يتسم بالولاء للسيادة الوطنية والقومية، مما جعله درعًا لحماية البلاد من التهديدات الخارجية.

لكن هذا التصاعد في الجانب العسكري تمت قراءته من الدوائر الصهيونية الأميركية والغربية كتهديد للمصالح الغربية وخصوصا إسرائيل.

وقد تزامنت منجزات العراق في عهد حكومته الوطنية وحزبه القائد مع انتصاراته في حروبه، لا سيما الحرب  الإيرانية – الايرانية (1980-1988)، حيث استطاع العراق مواجهة إيران وتركيعها والصمود أمام القوى الخارجية على مختلف الأشكال والمستويات.

إن هذا النجاح أضفى قوةً للعراق في المنطقة أرعبت كل أعداء العراق ومن بينهم بعض الحكام الذين يدينون بالولاء للغرب على حساب مصالح الأمة العربية وأصبح يشكل تهديدًا حقيقياً لمصالح إسرائيل والغرب الاستعمارية.

إن انتصار العراق الساحق على إيران جعله قوة مؤثرة في الشرق الأوسط، مما دفع الغرب إلى إعادة تقييم استراتيجيته تجاه العراق والتآمر عليه مع بعض الدول المحيطة، خاصة مع زيادة صعوده كقوة إقليمية.

يعتبر العراق ( حزباً وقيادة وشعباً وجيشاً) في نظر الكيان الصهيوني والغرب قوة عسكرية يمكن أن تقوض استقرار الوضع في المنطقة، حيث كانت هناك مخاوف جدية من إمكانية استخدام العراق لقدراته العسكرية ضد هذا الكيان، وهذه حقيقة اثبتتها دراسات وبحوث وأحاديث قادة عسكريين عراقيين بعد الغزو والاحتلال سنة 2003، حيث أوعز الرئيس صدام حسين إلى كبار القادة العسكريين بإجراء التدريبات والاستعداد للمعركة الكبرى لتحرير فلسطين بعد الانتصار على إيران، وفعلاً بدأت بواكير تلك التدريبات والتحضيرات في عام 1989، مما جعل أميركا وإسرائيل والغرب يدفعون باتجاه خلق الأزمات ومن ضمنها مع نظام الكويت آنذاك بهدف الإيقاع بالعراق، والنيل منه والقضاء عليه، وكانت بداية لكل ما حدث بعد ذلك.

كذلك يعد العراق من دول العالم الغنية بالنفط، وكانت تسعى الولايات المتحدة والدول الغربية دوما إلى ضمان تدفق النفط بأسعار مناسبة لها، وهو ما يفسر ربط الغزو بكسب السيطرة على الاحتياطيات النفطية.

إن استهداف وغزو العراق كان جزءًا من استراتيجية أوسع لتحقيق الهيمنة السياسية في الشرق الأوسط، ومنع أي تهديدات مستقبلية للدول الغربية ومصالحها.

مما لا شك فيه أن وجود نظام قوي مثل نظام البعث وصدام حسين الذي يمكن أن يحقق تطلعات وطنية وقومية كانت بمثابة الخطر على استراتيجية الهيمنة الغربية، مما استدعى ضرورة التدخل المباشر من خلال الغزو العسكري والجيوش والدبابات والقاصفات، بعد أن عجزت كل الأساليب والوسائل الخبيثة والمؤامرات من اختراقه وإسقاطه .

إن من هوان الأمة أن تكون منجزات التقدم والازدهار والرفاهية وامتلاك نواصي العلم والقوة، هي السبب الحقيقي وراء إسقاط بلد عظيم بحجم العراق وتأريخه وحضارته ومكانته بين الشعوب والأمم، وربما تتداخل الأسباب الحقيقية وراء استهداف العراق بين العوامل السياسية، الاقتصادية، والأمنية. لكن مناجز ثورة تموز 1968 جعلت من العراق نموذجًا يحتذى وقدوة في المنطقة، مما أثار الحفيظة في الدوائر الغربية.

كانت تلك المنجزات تهديدًا للمصالح الغربية، مما أدى إلى اتخاذ قرار الغزو لإنهاء هذا النموذج ومواجهة القوة العسكرية المتزايدة للعراق.

 إن دراسة هذه الأسباب تساهم في فهم أعمق للسياسات الدولية وتبعاتها على الشعوب والدول، وما حصل مع العراق يجب أن يكون بوابة للوعي وإدراك للحقائق كما هي من أجل الوطن والشعب.

تموز العز والفخر والشموخ

تموز العز والفخر والشموخ

 

أم عروبة

 

يوماً بعد آخر نزداد فخراً بمجزات حزبنا المناضل حزب البعث العربي الاشتراكي التي لا زالت قائمة رغم مضي أكثر من ثلاث وعشرون سنة على الاحتلال الأمريكي_الإيراني على عراقنا الحبيب.

 لقد كان العراقي يتمتع بمنجزات ثورة تموز العظيمة ومن أهمها مجانية التعليم من رياض الاطفال والابتدائية ثم المتوسطة والإعدادية إلى الجامعية والدراسات العليا، وهذا الإنجاز بحد ذاته انفرد به العراق والفضل الأكبر يعود لمنجزات تموز الخالدة، ولم تقتصر إنجازات تموز العظيمة على ذلك بل كان لها الدور في بناء المستشفيات والمؤسسات والدوائر الحكومية ولم يشهد العراق ثورة صناعية وزراعية وثقافية واقتصادية جبارة إلا بعد ثورة تموز المعطاء حيث أصبح العراق في مقدمة الدول التي يشار إليها بالبنان.

حيث رفد العراق العالم بالكفاءات كالعلماء والأطباء والخبراء والتدريسيين..

وكل ذلك يعود لثورة السابع عشر من تموز المعطاء، لذلك تآمر أعداء الإنسانية على البعث وقادته ورجاله وماجداته من خلال قانونهم سيء السمعة والصيت اجتثاث البعث.

 في كل عام تموز يرعبهم ويزدادون رعباً وخوفاً لأنهم يعرفون ما أيامهم إلا عدد وما جمعهم إلا بدد.

وما النصر إلا صبر ساعة.

ثورة 17 تموز 1968 …ثورة البعث البيضاء

ثورة 17 تموز 1968 …ثورة البعث البيضاء

 

علي العتيبي

في يوم السابع عشر من تموز من كل عام نجدد العهد والولاء للبعث ولرجال ثورة 17-30 تموز المجيدة لأنها ثورة حققت بعث الامة من جديد بعد ان تراكمت قوى الظلام والرجعية بالسيطرة على الامة وجعلها تعيش الوهن والوهم والإحباط وخاصة بعد نكسة حزيران 1967 فكانت الثورة أول رد ثوري قام به حزب البعث العربي الاشتراكي على هذه النكبة التي زرعت فقدان الأمل وتسيد التشاؤم في نفوس أبناء الأمة العربية وانطلق ابطال البعث الغيارى فكانت حقا ثورة التصحيح وبعث الأمة من جديد من خلال اندفاع هؤلاء الرجال الذين وضعوا ارواحهم على اكفهم واضعين نصب اعينهم النصر أو الشهادة وببسالتهم واقدامهم واخلاصهم وصدقهم تحقق لهم النصر دون إراقة دماء ولهذا أطلق عليها الثورة البيضاء.

 

حينما نستذكر ذكرى انبثاق الثورة ونحن نعيش ما بعد 2003 حالة من اليأس والقنوط نتيجة الهجمة الشرسة والعدوان الظالم على عراقنا العظيم وتدمير كل ما بنته هذه الثورة العملاقة فأصبح المواطن العراقي يشعر بفقدانه ابسط مقومات الحياة ويتحسر على النظام الوطني الذي بنى العراق نظام حزب البعث العربي الاشتراكي ورجاله الاوفياء رجال المبادئ واصبح يشعر بالفرق الكبير بين دولة لها مهابة وسيادة وحافظت على كرامة المواطن وبين الوضع الحالي الذي افقد العراق سيادته وكرامته وعزته ومن يشاهد مقاطع أفلام الاحاديث التي يعبر فيها العراقيون عن حنينهم لنظام البعث الذي كفل لهم الحياة الكريمة وصنع لهم من المنجزات مالم تتحمله مجلدات من الكتب وبقيت إنجازاته شاخصة للجميع واصبح المواطن العراقي والمواطن العربي في كل اقطار الامة يتغنى بالبعث والشهيد صدام حسين الذي اصبح رمز من رموز الامة والإنسانية والشجاعة وصار المواطن يشير الى الإنجازات العملاقة ويتمنى ان يعاد تحقيق ما بدأته ثورة 17 تموز رغم الحروب المفروضة عليه والمؤامرات التي حيكت ضده والعدوان الظالم الذي تعرض له والحصار الجائر لكن ثورة البعث استمرت في تحقيق اهداف الامة واهداف الشعب .

اننا اليوم مطالبون بأن نقتدي  بالرفاق البعثيين حاملي المبادئ والمتمسكين بالعقيدة البعثية الثورية ونسير على النهج نفسه لإنقاذ العراق وشعبه ومعه الامة العربية مما تعيشه الان من ذل وهوان وحينما نتحدث بهذه الروحية فإننا نستلهم الفكر من عقيدة البعث المستمدة من الرسالة الخالدة التي تمازجت بين العروبة والإسلام فما بالك ونحن أصحاب حضارة عميقة في التاريخ علمت البشرية الكتابة وكل العلوم الإنسانية ومنها فرض القانون وعدم السكوت على الظلم ومناصرة الضعيف وإرساء السلام فحضاراتنا هي أتم الإنسانية، فما بالك وإن امتدت حتى جعلت كل الرسالات السماوية والأنبياء والرسل بعثوا في أرض العرب تحديداً ومنها أرض العراق التي أشاعت النور على الأمم التي تم فتحها بينما نعيش الآن في فترة نستطيع أن نطلق عليها الفترة المظلمة فهل نبقى نعيش في ظلمة الجهل والقتل والتدمير والنهب والسلب والتبعية للأجنبي ونحن الذين نحمل مشاعل النور ونحمل العزيمة والإرادة، وهنا نتوقف عند هذه النقطة لأننا بحاجة ماسة لمراجعة النفس من أجل أن نعيد صياغة أنفسنا ونكون كما كانت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم رسالة البعث ومنها ثورة البعث الخالدة ثورة 17 تموز المجيدة ونسير على النهج نفسه.

ومن هنا نخاطب الشباب العراقي الواعي والوطني والمثقف لأنهم أمل العراق وأمل الأمة ونقول يا شباب العراق الأبطال هذا يومكم لتحرير العراق من براثن إيران وعملائها وكل مخلفات الاحتلال، وقد كانت ثورتكم ثورة تشرين وقبلها المقاومة الوطنية واعتصامات الشعب امتداد لما ذكرنا وآن الأوان لتنهضوا من جديد وتأخذوا من تجارب الآخرين في طريقة التحرير، ولنا أمثلة كثيرة في تاريخنا المعاصر، فقد نجح أخوتنا في الثورة السورية من تطهير سوريا وحققت خلال أول شهر من انطلاقتها ما عجز عنه حكم العملاء في العراق خلال 23 سنة، ولننظر إلى أفغانستان وكيف حققت التحرير بإرادة قوية والاثنان استلهموا قوتهم وعزيمتهم من قوة وعزيمة رجال المقاومة الوطنية العراقية ضد الاحتلال.

إن ثورة 17 – 30 تموز 1968 تتزامن هذا العام مع حلول أربعينية استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ومعهما ثورة العشرين ثورة الأجداد، والثورتان صنوان لأنهما ضد الظلم، فهل نقتدي بهما أم نبقى متفرجين على ما يحل بوطننا العراق العظيم وما اقترف العملاء من إجرام وفساد وقتل وتهجير وتدمير ونهب وها أنتم تشاهدون أخبار هؤلاء العملاء وحجم ما ارتكبوه من جرائم بحق العراق والعراقيين، فهل السكوت والخنوع هو نهجنا، أم أننا ثوار نسير على خطى الثوار الذين ضحوا بأرواحهم لتحقيق النصر.

ثورة تموز ثورة الطريق الجديد والتجديد والتحرير والإنجازات، وهي طريقنا من أجل العراق، فهبوا أيها العراقيون، فهذا يومكم الذي ينتظره الشعب والأمة، وحينما تنطلقون فإن العالم سيقف معكم لأنكم على حق بعد أن فضحت أهداف أعداء العراق وعملائهم ، فلا تخدعكم أكاذيبهم وبياناتهم وخطبهم التي خطط لها أن تكون لتخدير الشعب والضحك عليه بمسميات عديدة لأن أي حق للعراقيين لن يتحقق إلا بالثورة التي ستكون بركاناً ثائراً يقتلع العملاء والفاسدين ومن يقف وراءهم من دول وقوى معادية للعراق، وكما قالها أهلنا (الحق بالسيف)، وهذا السيف لن يحمله إلا أهله العراقيين الأبطال، ولا نعتد بوعود وأكاذيب وترويجات وتسريبات تعطيكم الأمل الكاذب، لأنها حرب نفسية وتسويف لإحباط معنوياتكم، وماحك جلدك مثل ظفرك.

في ذكرى تموز نحيي أبطال ثورة 17 تموز الذين حققوا النصر وحققوا الإنجازات، وهم رجال البعث، ابتداء من الأب القائد أحمد حسن البكر والرفاق القادة الأبطال صدام حسين وصالح مهدي عماش وعزة إبراهيم وحماد شهاب وسعدون غيدان وآخرون ممن يصعب ذكرهم هنا جميعاً، لأن أسماءهم ستبقى خالدة في سفر التاريخ.

ثورة البعث البيضاء علامة فارقة في تأريخ العراق

ثورة البعث البيضاء

علامة فارقة في تأريخ العراق

أم صدام العبيدي

 

شكلت ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز عام 1968 المجيدة منعطفا تاريخياً ومرحلة مفصلية مهمة في مسار العراق السياسي، حيث أسفرت تلك الثورة المباركة عن تولي حزبنا القائد مقاليد الحكم في العراق بعد مرحلة طويلة وشاقة من النضال والكفاح، ففي صبيحة ذلك اليوم الأغر شهد العراق حركة سياسية وتغييراً جذرياً توج نضال حزبنا المناضل في وقت عصيب من تأريخ العراق الأمة.

لقد عرفت تلك الثورة الخالدة بالثورة البيضاء كونها أنجزت بتغيير دون اراقة دماء، وشكلت حدثا بارزا مهما غير مسار العراق السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فقد جاءت في ظل ظروف راهنة بالغة التعقيد كان العراق بأمس الحاجة الى نهضة وطنية قومية تعيد ترتيب وضعه الداخلي …

لقد جاءت هذه الثورة المعطاء استجابة لتطلعات الجماهير في التحرر والتنمية والرفاهية والحرية، فوحدت الصفوف لمواجهة التحديات الكبرى والخطيرة التي كانت تعصف بالعراق والأمة العربية، ورفعت شعارات وطنية هدفت الى ارساء العدالة الاجتماعية والنهوض بالاقتصاد الوطني وتأميم الثروات الطبيعية وبناء جيش عقائدي قوي وتطوير البنى التحتية والمؤسسات التعليمية والصحية، فقد شكلت نقلة نوعية غير مسبوقة في حياة المواطن العراقي …

 لقد انطلقت الثورة برؤى ثاقبة استهدفت تعزيز السيادة الوطنية والتحرر من التبعية والاستعمار والرجعية واستثمرت ثروات العراق الطبيعية لصالح الشعب مما أسفر عن قفزة نوعية في تحقيق التنمية والنهوض الاقتصادي والاجتماعي، فقد ألقت بظلالها الوفيرة على العراق وشعبه، ووضعت العراق أمام تحديات كبرى وجعلته في مصاف الدول المتطورة، وهذا ما أغاظ أعداء العراق وجعلهم يخططون ويدبرون له المصائد والمؤامرات للإطاحة به وبقيادته الحكيمة. 

اليوم وفي ظل كل التحديات التي مر ويمر بها وطننا الحبيب وشعبنا الصابر تبقى ذكرى ثورة البعث البيضاء رمز نضالي ووطني كبير يحتذى به لاستلهام الدروس النضالية والثورية والعبر من تجارب الماضي المجيد والتطلع لمستقبل أفضل للعراق العظيم وشعبه الأبي في الاستقرار والازدهار والحرية والكرامة …

ستبقى ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز التقدمية المعطاء علامة فارقة في تأريخ العراق المعاصر، فقد تركت بصماتها العميقة في الذاكرة والوجدان العراقي لتظل درساً تاريخياً ونضالياً يحتذى به عبر الأجيال …

المجد والخلود وعليين لشهداء البعث الأبرار يتقدمهم شهيد الأضحى الخالد صدام حسين، وتحية العز والفخر لرفاقنا الذين سبقونا في النضال، والعز والرفعة والظفر للعراق وأمة العرب.

ثورة تموز المجيدة ومسار الدولة العراقية في الذاكرة السياسية العربية

ثورة تموز المجيدة

ومسار الدولة العراقية في الذاكرة السياسية العربية

ابن قاسيون

 

منذ انطلاقتها في السابع عشر من تموز عام 1968، قدّمت ثورة تموز نفسها بوصفها مشروعاً سياسياً يستهدف إعادة بناء الدولة العراقية واستنهاض الدور العربي للعراق، في مرحلة كانت الأمة العربية تعيش تداعيات هزيمة حزيران سنة 1967 وما خلفته من أزمات نفسية وسياسية وشعور عام بالإحباط والتراجع.

لقد ارتكز خطاب الثورة على إعادة صياغة مفهوم العمل الوطني والقومي، عبر تبني مشروع يربط بين بناء الإنسان وتطوير مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها في مختلف المجالات. وكانت الإجراءات التي اتخذتها القيادة آنذاك تُقدَّم باعتبارها تعبيراً عن توجه سياسي يهدف إلى تجاوز حالة التردي وإطلاق الطاقات الكامنة في المجتمع، من خلال التركيز على التعليم والتنمية والتحديث العلمي والتقني، وبناء مؤسسات قادرة على المنافسة وتحقيق الإنجاز.

وفي السياق ذاته، اعتبرت القيادة أن معالجة القضايا الداخلية، ومنها القضية الكردية، تمثل اختباراً لطبيعة المشروع الوطني الذي تتبناه، حيث طرحت رؤيتها القائمة على التسوية ضمن إطار الوحدة الوطنية والمفهوم القومي للتعايش بين مكونات الشعب العراقي، في مواجهة محاولات داخلية وخارجية رأت فيها تهديداً لاستقرار الدولة ومسارها السياسي.

ومع مرور السنوات، عمل النظام على تعزيز قدرات العراق العسكرية والاقتصادية، معتبراً أن بناء جيش قوي يمثل أحد ركائز حماية السيادة الوطنية. وقد لعب الجيش العراقي دوراً بارزاً في أحداث المنطقة، ومنها مشاركته في حرب تشرين عام 1973، حيث رأت القيادة العراقية أن دور العراق العسكري يأتي من منطلق التزامه بالقضايا العربية وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي.

أما القضية الفلسطينية، فقد احتلت موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي للبعث، إذ أكد النظام العراقي دعمه للفصائل الفلسطينية ومساندته السياسية والمادية لها، واعتبر أن القضية الفلسطينية تمثل جوهر الصراع العربي في مواجهة المشروع الصهيوني، وهو موقف عبّر عنه في المحافل العربية والدولية المختلفة.

وفي عام 1980 دخل العراق في مواجهة عسكرية طويلة مع إيران بعد اندلاع الحرب الإيرانية   العراقية ، وهي الحرب التي وصفها الخطاب العراقي آنذاك بأنها مواجهة مع مشروع توسعي يهدد الأمن العربي.

وقد سعت القيادة العراقية إلى تقديم نتائج الحرب باعتبارها انتصاراً يحمي استقلال العراق ويعيد الثقة بقدرات العرب العسكرية والسياسية.

لاحقاً، شكّل احتلال العراق سنة 2003 نقطة تحول كبرى في تاريخه الحديث، إذ اعتبر أن ما حدث كان جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة وإنهاء دور العراق العربي، بينما شهد العراق بعد الاحتلال تغييرات سياسية عميقة تمثلت في حل مؤسسات الدولة السابقة وإعادة بناء النظام السياسي على أسس طائفية ضمن تبني ما سمي بالمحاصصة.

وقد تركت مرحلة ما بعد الاحتلال آثاراً واسعة على المجتمع العراقي، تمثلت في الصراعات السياسية والأمنية، وانتشار الفساد والانقسامات المجتمعية، وهي عوامل يرى منتقدو المرحلة اللاحقة أنها أضعفت الدولة العراقية وأثرت على هويتها الوطنية.

ورغم التحولات الكبرى التي شهدها العراق، بقيت قضية الهوية الوطنية والسيادة والاستقلال محوراً أساسياً في الجدل السياسي العراقي.

ويؤكد أنصار التيارات القومية أن استعادة دور العراق ومكانته تتطلب مشروعاً وطنياً جامعاً قادراً على تجاوز الانقسامات، وبناء دولة قوية تستند إلى إرادة شعبها ومصالحها العليا.

إن قراءة تجربة ثورة تموز وما تبعها من أحداث تبقى مرتبطة بتعدد وجهات النظر حول تلك المرحلة، غير أن المؤكد أن تلك الحقبة تركت أثراً عميقاً في تاريخ العراق الحديث، وما زالت حاضرة في النقاشات السياسية والفكرية حول مستقبل الدولة العراقية ودورها في محيطها العربي.

ذكرى ثورة 17 تموز والمال العام بين التنمية ومسؤولية الحفاظ عليه

ذكرى ثورة 17 تموز

والمال العام بين التنمية ومسؤولية الحفاظ عليه

فاطمة حسين

تحلّ ذكرى السابع عشر من تموز، وهي مناسبة يستذكر فيها كثير من العراقيين مرحلة من تاريخ العراق الحديث ارتبطت، في نظرهم بمشروعات واسعة في البناء والتنمية، وبغضّ النظر عن اختلاف المواقف السياسية، فإن الحفاظ على المال العام وحسن إدارته يبقى قيمة وطنية تتفق عليها المجتمعات كافة.

لقد كان المال العام، في أي دولة، الأداة الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فعندما تُدار الموارد بكفاءة وشفافية، تتحول إلى مدارس وجامعات، ومستشفيات، وطرق وجسور، ومشاريع إسكان، ومصانع، ومراكز للبحث العلمي، ومؤسسات ثقافية تسهم في بناء الإنسان قبل العمران.

ويرى كثيرون أن العراق خلال فترة النظام الوطني شهد توسعاً في مشاريع البنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، والتصنيع، والاهتمام بالثقافة والرياضة، مستفيداً من موارده الوطنية في تنفيذ مشاريع تنموية واسعة.

وفي المقابل، يشير مؤرخون وباحثون أيضاً إلى أن تلك المرحلة رافقتها تحديات كبيرة، من بينها الحرب الإيرانية – العراقية والحصار الظالم، التي أثرت بعمق في مسار التنمية والاقتصاد والمجتمع.

أما اليوم، فإن العراق يمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة، لم يستفد منها المواطن، بل نزلت في جيوب سراق المال العام من الأحزاب السياسية والمليشيات وغيرهم ،إلا أن المواطنون يعبّرون باستمرار عن استيائهم وغضبهم من الوضع الذي يمر به العراق وتطلعهم إلى التخلص من هذه الطغمة الفاسدة والمجيء بحكومة وطنية وإدارة أكثر كفاءة للمال العام، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وتوجيه الموارد نحو المشاريع التي تلامس حياة الناس بشكل مباشر، مثل تحسين الخدمات، وتطوير التعليم، ودعم القطاع الصحي، وخلق فرص العمل، وتنشيط الصناعة والزراعة، ورعاية الثقافة والفنون.

إن المال العام ليس ملكاً لحكومة أو حزب أو مسؤول، بل هو ملك لجميع أبناء الوطن، والأمانة في إدارته مسؤولية أخلاقية وقانونية ووطنية. وكل دينار يُستثمر في مشروع منتج، أو مدرسة، أو مستشفى، أو مكتبة، أو مركز ثقافي، هو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة.

وفي ذكرى السابع عشر من تموز، يبقى الدرس الأهم هو أن نهضة الأوطان لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالإدارة الرشيدة المخلصة والنزيهة، التي تحترم القانون، وصيانة المال العام، وتوجيه الثروات لخدمة الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة. فالعراق يستحق أن تُستثمر خيراته بما يحقق الازدهار والعدالة والكرامة لجميع أبنائه، وأن يكون المال العام وسيلة للبناء والتقدم، لا مجالاً للهدر أو الفساد.

رحم الله جميع من خدم العراق بإخلاص، وحفظ العراق وأهله، ونسأل الله أن يوفقه إلى مستقبل يسوده الأمن والاستقرار والازدهار.

ثورة تموز انقلاب على الذات

افتتاحية العدد 431 – مجلة صدى نبض العروبة

 

ثورة تموز

انقلاب على الذات

لطالما صدع الخونة والعملاء والتائهون في دهاليز الارتزاق عند مخابرات العالم الامبريالي الاستعماري الصهيوني الفارسي رؤوس العالم بالادعاء أن ما قام به حزب الأمة العربية، حزب البعث العربي الاشتراكي عام ١٩٦٣ وعام ١٩٦٨ في العراق وما قام به في سوريا مثلاً ما هي إلا انقلابات عسكريه معزولة عن إرادة الشعب ومدانة في كونها تسقط أنظمة قائمه تمتلك (شرعية)، ومع يقيننا ومعرفتنا التامة بأن هذه الأبواق المأجورة تدرك أن الأنظمة التي أطاح بها البعث هي أنظمة ليست شرعية، بأي معنى من المعاني المعروفة والمتداولة للشرعية في كل العالم، ويعرفون تماما بأنها أنظمة متهرئة عاجزة تابعة فاشلة وأن الانقضاض عليها ليس انقلاب بالمفهوم العسكري الضيق المدان من قبل البعض، بل هي ثورات شعبية بكل ما للثورات الشعبية من سمات ومعاني ودلالات.

 ثورة ١٧- ٣٠ تموز عام ١٩٦٨ بالذات هي ليست انقلاب عسكري، بحكم تكوين الثوار وبحكم الأهداف المخطط إنجازها، وهي ليست انقلاب عسكري ولا ثورة شعبية بالمعنى الدارج بل هي ثورة انقلاب الشعب العراقي على ذاته، إن انقلاب الشعب على ذاته قد تجسد بأعظم مضامينه في بناء الإنسان العراقي، ليس في رسم مسارات تعليمه وإخراجه من ظلمات الأمية، وليس في فتح سبل العمل والثراء المادي والروحي وليس في تساوي فرص الحياة الكريمة، وليس في تغيير أنماط السلوك الإنتاجي والعملي، بل في هذه كلها وفي رسم صلته بأفق الثورة العربية  الوحدوية ودوره الرائد في تحقيقها لإقامة دولة العرب الكبرى، التي تعيد أمجاد الأمة التليدة وتحدد معالم عطائها الراهن في خدمة ذاتها وفي خدمة الإنسانية.

  ثورة ١٧-٣٠ تموز١٩٦٨ تمثلت فكرة أو نظرية الانقلاب على الذات البعثية تمثلاً عبقرياً خلاقاً، وطبقتها فنجحت في بناء الإنسان الرسالي صاحب القضية: وقضيتنا كانت فلسطين، قضيتنا كانت حماية العراق، ودحر كل معتد آثم وأولهم إيران المجرمة وحربها العدوانية التي كانت ومازالت سبباً وأداة لتدمير منجزات شعب العراق، وحزب الأمة واستعداء كثير من أنظمة العالم لنا، وبالذات الأنظمة المسيرة من قبل الصهيونية.

 

 

 

ثَوْرَة 17 تَمُّوز 1968 حِين قَرَّر العِرَاق أَنَّ يَبْنِي نَفْسَه، مِن التَّغْيِيرِ السِّيَاسِي إِلَى مَشْرُوعِ الدَّوْلَة

ثَوْرَة 17 تَمُّوز 1968

حِين قَرَّر العِرَاق أَنَّ يَبْنِي نَفْسَه،

          مِن التَّغْيِيرِ السِّيَاسِي إِلَى مَشْرُوعِ الدَّوْلَة

 

دهام الحسني

المقدمة

كل عام، حين يطل السابع عشر من تموز أجدني أعود بذاكرتي – كما يفعل كثير من العراقيين والعرب الاصلاء – إلى محطة لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها. فتلك اللحظة لم تكن مجرد تاريخ يُحفظ في الكتب المدرسية، بل نقطة تحول حقيقية أعادت تشكيل ملامح الدولة العراقية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وتركت بصمتها على كل ما تلاها من عقود.

 شكّلت ثورة 17 تموز منعطفاً حاسماً؛ جاءت في وقت كانت الدولة تترنح فيه تحت وطأة تحديات داخلية وخارجية متشابكة، وسط اهتزاز سياسي واضح وضعف بيّن في مؤسساتها. في تلك الأجواء، طرحت قيادة الحزب مشروعاً طموحاً: إعادة بناء الدولة من الأساس، وتحرير القرار الوطني من أي تبعية، وتطوير مؤسساتها، واستثمار ثرواتها الطبيعية والبشرية ضمن رؤية تنموية شاملة. والسؤال الذي يظل يفرض نفسه كلما تناولنا هذه المرحلة:

كيف أمكن لبلد يرزح تحت أزمات اقتصادية وتنموية ومؤسساتية أن يتحول، خلال ثلاثة عقود فقط، إلى دولة تبني الإنسان قبل الحجر، وتوسّع التعليم والبحث العلمي، وتمد البنية التحتية، وتقيم صناعة وزراعة ومؤسسات عسكرية وأمنية تؤهلها لدور إقليمي مؤثر؟

 لا جواب مقنع لهذا السؤال إلا بالعودة إلى السياق التاريخي الكامل لتلك التجربة: إنجازاتها ومشاريعها، لكن أيضاً تحدياتها وصراعاتها التي رسمت مسارها اللاحق.

 الظروف التي سبقت الثورة

لم تولد ثورة 17 تموز 1968 من فراغ، بل سبقتها سنوات مضطربة، تعاقبت خلالها الانقلابات والتحولات السياسية على نحو أرهق مؤسسات الدولة وأفقدها القدرة على بناء أي مشروع مستقر طويل الأمد.

 كان نظام الرئيس عبد الرحمن عارف، في تلك المرحلة الحرجة، يواجه أزمة أداء سياسي حقيقية: مؤسسات متراجعة الفاعلية، صراع محتدم بين القوى السياسية، وتنامٍ ملحوظ في تأثير القوى الإقليمية والدولية على القرار العراقي. من هذا الواقع بالذات، خلصت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي إلى قناعة راسخة: استمرار هذا الوضع لن يعني سوى مزيد من التآكل، والعراق بحاجة إلى تغيير جذري يقيم دولة حديثة قائمة على المؤسسات والقانون، تحمل مشروعاً وطنياً وقومياً يعيد للعراق مكانته.

 غير أن الحزب أدرك أيضاً أن الاعتماد على قواه الذاتية وحدها – في مواجهة نظام قائم وقوى أمنية متنافسة، ناهيك عمّا اعتبره تدخلاً خارجياً يحاول التأثير على القرار العراقي – قد يعني تأجيل التغيير إلى أجل غير مسمى. لهذا بدأت القيادة، بهدوء وحذر شديدين، بدراسة موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، والبحث عن تفاهمات مع أطراف مؤثرة يمكن أن تسهم في نجاح الثورة دون أن يحيد ذلك عن الهدف الأساسي: إقامة تغيير سياسي ودولة  جديدة يقودها الحزب.

 التحالفات والتحضير للخطة العسكرية

كان أي تحرك سياسي أو عسكري لا يستند إلى قراءة دقيقة للواقع الأمني محكوماً بالفشل، وهو ما أدركته قيادة الحزب مبكراً. فقد كانت المؤسسة العسكرية تمثل العامل الحاسم في تحديد من يتولى الحكم في العراق.

قامت خطة تنفيذ الثورة على محاور واضحة: السيطرة على الحرس الجمهوري والتقدم نحو القصر الجمهوري لإجبار الرئيس عارف على الاستسلام بالتزامن مع زحف اللواء المدرع العاشر نحو بغداد، فضلا عن التهيئة لمشاركة بعض التنظيمات الحزبية في تأمين نجاح الثورة. كما أصرت قيادة الحزب على المشاركة المباشرة في التنفيذ جنباً إلى جنب مع الرفاق العسكريين ، انطلاقاً من قناعة مفادها أن من يخطط للتغيير ينبغي أن يتحمل مسؤولية تنفيذها بنفسه.

 نجاح الثورة وبداية مرحلة جديدة

مع أولى ساعات فجر الأربعاء 17 تموز 1968، تحركت القوات بقيادة الأب القائد الراحل أحمد حسن البكر – رحمه الله – وبقية رفاقه من أعضاء القيادة والكوادر المتقدمة في الحزب وفرضت قوات الثورة سيطرتها على المواقع العسكرية والأمنية الحساسة، وفي طليعتها الحرس الجمهوري، ثم توجهت نحو القصر الجمهوري. وتمت السيطرة عليه بنجاح فاستسلم الرئيس عبد الرحمن عارف وغادر العراق سلمياً – لتُطوى بذلك صفحة، وتُفتح أخرى في تاريخ الدولة. وبعد ان أصبحت قيادة الدولة كاملة بيد حزب البعث العربي الاشتراكي، دخل العراق مرحلة اتسمت باستقرار سياسي ، وبدأت معها عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق رؤية الحزب الوطنية والقومية.  لم تكن الثورة تستهدف تغيير السلطة فحسب، بل تمكين مشروع سياسي متكامل قادر على إدارة الدولة وتنفيذ برنامج طويل الأمد لإعادة بناء العراق ولكي يمارس دوره القومي كفاعل اساسي قوي في نهضة امته العربية.

 الإنجازات وبناء الدولة

بعدها انتقلت قيادة الثورة من مرحلة التغيير السياسي إلى مرحلة أعمق وأصعب: بناء الدولة نفسها. فنجاح أي ثورة، بحسب هذه الرؤية، لا يُقاس بمجرد الوصول إلى الحكم، بل بالقدرة على تحقيق الاهداف التي قامت من اجلها من خلال إقامة مؤسسات راسخة تدير الدولة وتحقق التنمية والاستقرار.

 شرعت الدولة في إعادة تنظيم مؤسساتها الإدارية والعسكرية والاقتصادية، ووضعت خططاً استراتيجية بعيدة المدى لبناء دولة حديثة تقوم على المؤسسات والقانون والتخطيط المركزي، بدلاً من نمط الإدارة التقليدي الذي كان – في نظر الحزب – يعاني ضعفاً في الكفاءة وغياباً للرؤية الشاملة.

 كانت القناعة السائدة أن الانتقال من مجتمع ريفي عشائري إلى مجتمع مؤسساتي حديث يستلزم مشروعاً متكاملاً لا يقتصر على الجانب الاقتصادي وحده، بل يمتد ليشمل إعادة بناء الإنسان نفسه، وتعزيز الانتماء الوطني، وترسيخ فكرة الدولة كمرجعية عليا لجميع المواطنين.

 وأولت القيادة اهتماماً واسعاً بتطوير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية باعتبارها ضامن استقرار الدولة وحماية سيادتها،إلى جانب إعادة هيكلة مؤسسات الإدارة العامة وتوسيع قدراتها بما يواكب متطلبات التنمية.

  • وأُطلقت برامج واسعة لتطوير البنية التحتية: طرق وجسور، شبكات كهرباء ومياه، مشروعات إسكان، فضلاً عن التوسع في إنشاء المصانع والمجمعات الصناعية والمشروعات الزراعية، سعياً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على تلبية احتياجات البلاد.
  • كانت الثورة تنظر إلى التنمية كعملية شاملة تبني الإنسان وتطور مؤسسات الدولة في آن واحد. وترتبط بالاستقلال الاقتصادي وتعزيز القرار الوطني، بوصفهما أساس بناء الدولة الوطنية، التي تمثل بدورها مرحلة أولى نحو مفهوم أوسع للدولة القومية، انطلاقاً من شعار حزب البعث العربي الاشتراكي الشهير: “أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة”، كإطار فكري يربط بين بناء الدولة العراقية ودورها القومي في محيطها العربي.
  • عملت الثورة على ترسيخ هوية وطنية جامعة، والقضاء على اية عوامل تؤدي الى احداث انقسامات طائفية وقومية ومناطقية، وذلك عبر تعزيز مفهوم

   المواطنة، مع التأكيد على مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية كأسس فكرية لمشروع الثورة.

  • ولتحقيق بناء الدولة الحديثة، تم بناء مؤسسات قوية قادرة على التخطيط والتنفيذ، واستثمار الثروات الوطنية في خدمة التنمية بعيداً عن أي تبعية اقتصادية أو سياسية للخارج.

 لم تكن السنوات الأولى بعد الثورة مجرد مرحلة انتقال سياسي إذن، بل بداية مشروع واسع لإعادة تشكيل الدولة العراقية إدارياً واقتصادياً واجتماعياً، مشروع ستزداد ملامحه وضوحاً بعد واحد من أهم القرارات الاقتصادية -السياسية  في تاريخ العراق الحديث: تأميم النفط عام 1972.

 تأميم النفط والنهضة التعليمية والاقتصادية والاجتماعية

لم يكن التأميم الذي اعلن في الأول من حزيران عام 1972، هدفاً اقتصادياً بذاته، بل وسيلة لتوظيف العائدات النفطية في مشروع تنموي شامل يطال مختلف قطاعات الدولة. من هنا برز الشعار المرتبط بتلك اللحظة: “نفط العرب للعرب”، تعبيراً عن رؤية قومية تربط الثروة الوطنية بالاستقلال السياسي والاقتصادي، وبقدرة الدول العربية على استثمار مواردها لتحقيق التنمية.

 وأطلقت خطط تنمية واسعة شملت الصناعة والزراعة والإسكان والطاقة والنقل والاتصالات، إلى جانب توسع كبير في البنية التحتية: طرق، جسور، سدود، محطات كهرباء، شبكات مياه وصرف صحي.

 الانسان اساس التنمية

 أولت الثورة اهتماماً خاصاً ببناء الإنسان، انطلاقاً من قناعة بأن الثروة الحقيقية للأمم لا تكمن في مواردها الطبيعية فحسب، بل في قدرتها على إعداد الإنسان القادر على إدارة تلك الموارد وتطويرها. لذلك احتلت قطاعات التعليم والبحث العلمي والتدريب المهني والرعاية الصحية موقعاً محورياً في مشروع التحديث.

  • فشهد العراق خلال تلك المرحلة توسعاً كبيراً في مجانية التعليم بمختلف مراحله، وأُطلقت حملات وطنية لمحو الأمية، وتوسعت شبكة المدارس والمعاهد والجامعات، واستُحدثت تخصصات جديدة تواكب متطلبات خطط التنمية. كما حظيت مؤسسات التعليم العالي باهتمام واسع: تطوير الجامعات، تعزيز كوادرها العلمية، توسيع برامج الدراسات العليا، وإيفاد الطلبة والباحثين إلى الجامعات العالمية. وانعكس ذلك على نمو الكفاءات الوطنية في الطب والهندسة والعلوم والزراعة والاقتصاد والإدارة وغيرها من التخصصات التي شكّلت دعامة أساسية لمشروعات التنمية. وضمن التوجه القومي الذي تبنته الدولة، استقبلت الجامعات العراقية آلاف الطلبة العرب من مختلف الأقطار، ووفرت لهم فرص الدراسة والتأهيل العلمي.
  • وفي مجال الرعاية الصحية توسعت الدولة في بناء المستشفيات والمراكز، وتطوير الخدمات العلاجية والوقائية، وزيادة أعداد الكوادر الطبية. كما شملت التنمية الجوانب الاجتماعية والاقتصادية عبر برامج الإسكان، وتوسيع شبكات الماء والكهرباء، ودعم القطاع الزراعي، وتوفير فرص العمل، وتشجيع التصنيع الوطني – سعياً لتحسين مستوى المعيشة وتعزيز قدرة الاقتصاد العراقي على الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج.
  • لم تُعامل الدولة العلم والتكنولوجيا كأدوات تقنية منفصلة عن مشروع التنمية، بل كجزء من تصور استراتيجي لبناء المستقبل؛ فالتقدم العلمي، بحسب هذا الفهم، لا يتحقق بمجرد نقل التكنولوجيا أو استيرادها، وإنما يبدأ باستيعاب المعرفة وفهمها، ثم تكييفها مع حاجات المجتمع وأهداف الدولة، وصولاً إلى بناء قدرة وطنية على الإنتاج والابتكار. وهكذا ارتبطت سياسات التعليم والبحث العلمي والتصنيع بالتخطيط الاقتصادي والاستراتيجي، باعتبار أن بناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة يمثل أحد أهم عناصر القوة الوطنية.
  • وسعت الدولة أيضاً إلى تعزيز مفهوم المواطنة وتوسيع مشاركة مختلف مكونات المجتمع في مؤسساتها، مع احترام التنوع القومي والديني، انطلاقاً من رؤية تربط قوة الدولة بوحدة مجتمعها وتكامل مؤسساتها. فبناء الدولة، بحسب

هذا المنطق، لا يتحقق بالثروة وحدها، بل بقدرة المجتمع على تحويلها إلى معرفة وإنتاج وديمومة مؤسسية.

 القضية الكردية وبيان 11 آذار 1970

انطلاقاً من قناعة الثورة بأهمية الحفاظ على وحدة البلاد، مع الاعتراف بالتنوع القومي الذي يميز المجتمع العراقي، قررت القيادة التعامل مع ملف القضية الكردية عبر الحوار السياسي بدلاً من الحلول العسكرية. ففتحت قنوات اتصال مع القيادات الكردية، سعياً للتوصل إلى صيغة تضمن الحقوق القومية للاخوة الأكراد ضمن إطار الدولة العراقية الموحدة. وتُوّجت هذه الجهود بإصدار بيان الحادي عشر من آذار 1970، الذي نص على الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للشعب الكردي، وإقرار اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، وتوسيع مشاركة المواطنين الأكراد في مؤسسات الدولة، ودعم التعليم والثقافة باللغة الكردية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وصولاً إلى تنفيذ مشروع الحكم الذاتي ضمن إطار وحدة العراق وسيادته. ويعد هذا الاتفاق ترجمة عملية لمفهوم الشراكة الوطنية، وقد عُدّ البيان آنذاك من أكثر المبادرات تقدماً في التعامل مع قضية قومية داخل دولة عربية.

الجبهة الوطنية والدور القومي العربي

سعت الثورة إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، من منطلق أن استقرار الدولة يستدعي إطاراً يجمع القوى الوطنية المتفقة على حماية استقلال العراق ودعم مشروعه التنموي. من هنا جاء الإعلان عن تشكيل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، التي ضمت عدداً من القوى والأحزاب السياسية بهدف إيجاد صيغة للعمل الوطني المشترك. وشكلت الجبهة، في سنواتها الأولى، إطاراً سياسياً لتنظيم العلاقة بين حزب البعث وعدد من الاحزاب و القوى الوطنية، مع بقاء الدور القيادي بيد حزب البعث العربي الاشتراكي في إدارة الدولة وتوجيه سياساتها. أما على الصعيد العربي، فقد تبنت الثورة منذ انطلاقتها توجهاً قومياً مستمداً من فكر حزب البعث القائم على مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية. لم تنظر القيادة إلى العراق كدولة معزولة عن محيطها، بل كجزء من مشروع عربي أشمل يقوم على التضامن العربي وتنسيق المواقف والدفاع عن القضايا المشتركة.

وفي مقدمة تلك القضايا، جاءت القضية الفلسطينية التي احتلت مكانة مركزية في السياسة العراقية خلال تلك المرحلة؛ إذ قدم العراق أشكالاً متعددة من الدعم

السياسي والاقتصادي لشعبنا الفلسطيني، واعتبرها قضية العرب المركزية، واستضاف مؤسسات وكوادر فلسطينية عديدة، ووفر تسهيلات للطلبة الفلسطينيين والعرب في جامعاته. كما استقبل العراق آلاف الطلبة والباحثين العرب، وفتح مؤسساته التعليمية أمامهم، وأسهم في إعداد كوادر علمية ومهنية عادت لاحقاً للمشاركة في تنمية بلدانها، إلى جانب أشكال مختلفة من الدعم الاقتصادي والفني لعدد من الدول العربية – انعكاساً لتوجه قومي رأت فيه القيادة أن قوة العراق لا تنفصل عن قوة محيطه العربي.

 التحديات

ادت النهضة الحضارية ومشاريع البناء والتنمية التي عرفها العراق خلال عقدي السبعينيات وجزء من الثمانينيات الى استهداف العراق، فواجهت مسيرة الثورة تحديات كبرى فرضتها ظروف إقليمية ودولية معقدة، انعكست مباشرة على مسار التنمية والاستقرار مستهدفة وقف المشروع التنموي وتقويض الدور الوطني والقومي للعراق، فجعلته الإنجازات الحضارية و الاقتصادية والعلمية والعسكرية التي تحققت هدفاً لصراعات إقليمية ودولية تسعى للحد من نمو قدراته ، وسوف نتناول ابرز تلك التحديات في دراسة لاحقة .

 الخاتمة

لا يمكن قراءة تجربة ثورة السابع عشر من تموز 1968 بمعزل عن ظروفها التاريخية والسياسية. فهي، في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، لم تكن مجرد تغيير في السلطة أو انتقال للحكم من قيادة إلى أخرى، بل مشروع متكامل استهدف بناء دولة وطنية حديثة ذات افق قومي تمتلك قرارها السيادي المستقل، وتستثمر ثرواتها في خدمة شعبها وامتها العربية، وتعتمد على التخطيط العلمي والمؤسسات والتنمية الشاملة – باعتبارها الأساس الحقيقي لنهضة الأمم.

 خلال مسيرتها، ارتبطت الثورة بمشاريع كبرى منها: إعادة بناء مؤسسات الدولة، تأميم النفط، تطوير التعليم والبحث العلمي، توسيع الخدمات الصحية والاجتماعية، بناء قاعدة صناعية وزراعية، تعزيز القوات المسلحة، إلى جانب السعي لترسيخ الوحدة الوطنية ومعالجة القضية الكردية عبر بيان الحادي عشر من آذار، وتوسيع المشاركة السياسية من خلال الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، وتبني دور قومي عربي جعل العراق أحد أبرز الفاعلين في وطنه العربي ومحيطه الإقليمي.

 ولعل الدرس الأبرز الذي تقدمه انجازات ثورة السابع عشر من تموز بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي هو أن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية استراتيجية، ومؤسسات قوية، وهوية وطنية جامعة، واقتصاد منتج، وتعليم متطور، وقدرة على حماية السيادة الوطنية وصيانة استقلال القرار العراقي.

 ومن هذه الرؤية، يرى حزب البعث العربي الاشتراكي أنه قدم، خلال مسيرته في قيادة الدولة، نموذجاً متكاملاً في بناء المؤسسات وإدارة الموارد وتحقيق التنمية، وأن فكره الوطني والقومي شكّل الإطار الذي جمع بين بناء العراق وعزز دوره العربي – إيماناً منه بأن قوة العراق ركيزة لقوة الأمة العربية، وأن مشروعه القومي يبقى، من وجهة نظره، الأكثر قدرة على حماية وحدة العراق وسيادته، وخدمة مصالح شعبه، والإسهام في نهضة الامة العربية بأسرها.

 

المراجع والمصادر:

 1. حزب البعث العربي الاشتراكي، التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن، بغداد، كانون الثاني 1974، ص 19–38.

  1. 2. عباس عبد جاسم، في الصراع والحضارة: مشروع رؤية بعثية في الصراع الحضاري العربي، بغداد، 1983، رقم الإيداع في المكتبة الوطنية ببغداد: 736 لسنة 1983، ص 81–85.
  2. 3. علي خيون، ثورة 17–30 تموز 1968: التجربة والآفاق، ص 4–7.
  3. 4. جلال السيد، حزب البعث العربي، دار النهار للنشر، بيروت، 1973، ص 200–203.
  4. 5. دائرة الإعلام الخارجي، العداء الإيراني للعراق: متابعة لأقوال خميني وأعوانه، الطبعة الثالثة (مزيدة ومنقحة)، بغداد، 1984، ص 14–17، 35–48، 55–64.
  5. 6. منشورات الثورة، المسألة الكردية: الوضع الراهن وآفاق المستقبل، بغداد، ص 13–28.
  6. 7. المنهاج الثقافي المركزي، الكتاب الأول، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985، رقم الإيداع في المكتبة الوطنية ببغداد: 204 لسنة 1985، ص 141–157.
  7. 8. حامد عمار، “دور التعليم في الوحدة العربية” (نقد كتاب)، مجلة المستقبل العربي، العدد 15، 1980، ص 176–177.
  8. 9. عامر جورج إلياس أبو سعدى، دور العقلية القبلية في تعطيل الوحدة العربية، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد الدراسات الإقليمية (دراسات عربية معاصرة)، عمادة الدراسات العليا، جامعة القدس، فلسطين، 2011.
  9. 10. Ahmed Archive 2 فيديو للقاء الرئيس صدام حسين مع ثوار تموز. يوتيوب، 25 نيسان/أبريل 2025.

https://youtu.be/IOi11cLwjdw?si=lYsIyBbOQZ6ty9OA