ذِكْرَى المِيلَادِ و إِطْلاق مَعْرَكَةِ الوَعي
تحتفل اليوم قوى الامة العربية الطليعية وفي مقدمتها الرفاق البعثيون ومعهم جماهير ألأمة كافة بالذكرى التاسعة والسبعين لتأسيس حزب الرسالة الخالدة حزب البعث العربي الإشتراكي، مستعيدين في ذكرى ولادته في ٧/ نيسان / ١٩٤٧م ، تلك الإستجابة الحية لحاجات الامة، فكان الحزب منذ التأسيس ولم يزل، حزب المهمات النضالية الذي انتسب اليه رفاق مناضلون حملوا هموم وطموح وأماني شعبهم وامتهم لتحقيق وحدتها وتحررها ونهضتها ، والذود عنها فكانوا القاعدة الثورية الأمينة في مواجهة القوى المعادية لها .
لقد كان ميلاد البعث الانعطافة الكبرى في الوجود العربي المعاصر، ليعلن بداية خروج الأمة من واقعها المرير الذي ساده الاستعمار المباشر والهيمنة الاجنبية وكافة مظاهر الضعف والتخلف . فكان تأسيس الحزب بمثابة الاعلان عن انطلاق ارادة المارد العربي نحو التحرر السياسي والاقتصادي والحضاري وتحقيق النهضة الكبرى في كافة مناحي الحياة.
وقد تجسد كل ذلك من خلال الأهداف الاستراتيجية والمبادئ التي حددها وأرساها الرفيق القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق ورفاقه المؤسسين الأوائل، معلنين انطلاق حركة البعث الثورية الشاملة والولوج في عصر جديد يهدف الى تحقيق انبعاث الأمة العربية، وخلعها لباس الذلّ والتخلف والتبعية.
ولقد بقي حزب البعث العربي الاشتراكي وعبر ثمانية عقود من النضال المتواصل وفيّاً لتلك المبادئ التي اعلنها منذ تأسيسه، واضعاً نصب عينيه الدفاع عن قضايا الامة العربية المصيرية وفي مقدمتها تحرير فلسطين التي ستبقى القضية المركزية في نضاله القومي التحرري، متصدياً لكل اشكال العدوان عليها ايا كان شكله أو مصدره، وباذلاً في سبيل ذلك اغلى التضحيات.
ان ما أبقى البعث الحركة العربية الأقوى المجسِّدة للوجود الحي للأمة، هو صحة مبادئه التي حددتها عقيدته، والتي تثبت الأحداث كل يوم، ان لا إنتصار للأمة في معركة الوجود التي تخوضها، الا باعتماد تلك المباديء وفي مقدمتها وحدة العرب، وتكامُل قواهم ومواردهم، ازاء شراسة ما يواجهونه من استهداف منقطع النظير، وكأن الاعداء قد تركوا الكرة الارضية برمّتها جانباً، ليستفردوا بالعرب في صفحات تامرية متواصلة ومتجددة.
كما ان ارادة مناضليه الصلبة التي برهن التاريخ انها لا تُهزَم مهما اشتدت المحن وكبرت التضحيات، قد اثبتت هي الاخرى ان البعث هو امل الامة الاكبر في الانتصار على كل التحديات ومواجهة العدوان والمشاريع الاستعمارية المتجددة التي تستهدف وجود الامة العربية وهويتها ومواردها بالصميم.
ومنذ تأسيسه، اكد البعث ان انتصار الامة على اعدائها لا يتم الا ببعث عوامل حضارتها العريقة. وقد اثبتت المنازلات التي خاضتها الامة العربية ان الصراع مع اعدائها وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، هو صراع وجودي الأهداف ومتجدِّد الوسائل . فبعد عقود من حصر الصراع بين طرفين اساسيين هما الامة العربية من جهة، والكيان الصهيوني من جهة اخرى، ادرك الاخير ان ذلك قد وحّد الامة العربية حول العداء له، مما ادى الى زيادة تمسكها بقضيتها المركزية، لذا كان لابد من استحداث عدو جديد للامة يتولى عنه مهمة اضعافها وتشتيت قواها، على ان يتم كل ذلك تحت شعارات براقة للتغطية على الأهداف الحقيقية. فكان اطلاق المشاريع الإقليمية وفي مقدمتها مشروع الولي الفقيه الفارسي، لبث الفرقة الدينية والطائفية والإثنية، وتقسيم المجتمع العربي، واضعاف دوله. وكان ذلك بدءًا من الحرب الايرانية على العراق عام 1980 ثم احتلاله والقضاء على نظامه الوطني سنة 2003 لينهار الامن القومي العربي و تُفتَح البوابة الشرقية للامة العربية على مصراعيها امام تنفيذ المشروع الجهنمي. وقد اثبتت الوقائع ان المشروعين يخدم احدهما الاخر ويتكامل معه. وهكذا تتجدد المشاريع التآمرية ضد الأمة العربية مع تغير المراحل ، مما يتطلب تجدّد وعي ابناء الأمة وقواها الحرة، طالما ان الأمة حيّة تنبض بعنفوان الحياة وتزخر بمكامن القوة.
ومع ما تتعرض له الأمة اليوم في العديد من أقطارها من هجمة جديدة تشمل العدوان المباشر، وتتجاوزه الى محاولة تغيير الهوية والتركيب الديموغرافي نحو تفريس العراق ولبنان واليمن واقطار أخرى، مقرونة بإعادة التدخل الأمريكي الصهيوني تحت عناوين جديدة تهدف في النهاية القضاء عليها و تقاسم النفوذ فيها بين مشروعي النظام الفارسي والصهيوني المعادين لها .
لذا فإن الأمة العربية تقف اليوم على مفترق طرق جديد، فهي إما أن تواصل خوض معارك المصير والتحرير باستجماع الإرادة العربية نحو اطلاق مشروع عروبي يوحِّد امكانياتها، ويجَذِّر التكامل بينها، ويتجاوز كافة اخطاء الماضي وعوامل الفرقة فيه، أو سيصيبها الفناء والتشرذم وتسيُّد المشاريع المعادية.
ومن بين كل ذلك تتصدر اليوم الموقع الاول والمتقدم معركة الوعي التي يجب ان يخوضها المناضلون العرب لإفشال مؤامرات تشويه وحرف النضال الوحدوي التحرري. تلك المؤامرات التي تجري بمختلف وسائل التفتيت والتقسيم متغطية بشعارات مقدسة وعلى رأسها الاستثمار بالقضية الفلسطينية، في حين تُنفَّذ على ارض الواقع كافة استراتيجيات مهاجمة العرب واضعافهم و اعاقة جهودهم في الدفاع عنها .
وفي ظل جسامة المتغيرات الدولية المتسارعة و شراستها، فإن صمود وثبات البعث ومناضليه على المبادئ عبر ثمانية عقود من الزمن، وفي مقدمتها حمايته للأمن القومي العربي بدفاعه القويّ الجسور عن البواية الشرقية للأمة العربية، يجعله اليوم أمل الأمة الحقيقي لمواجهة كل ما تتعرض له من مخاطر وجودية.
فحزب البعث العربي الاشتراكي كان منذ التأسيس وما يزال حاملاً اميناً لراية النضال العربي، وما انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب رغم الظروف الاستثنائية القاسية الا انعكاس لتلك الإرادة القوية التي جدد فيها الرفاق من كل اقطار الوطن العربي الشرعية بوصفها أحد أهم عوامل الحفاظ على تماسك الحزب ووحدته الفكرية والتنظيمية، كما انه دليل ساطع على قدرة الحزب على النهوض والانتصارعلى كل ما يتعرض له من استهداف، وتأكيد مواصلته محاربة مشاريع الإستسلام والتفتيت والطائفية والهيمنة والتشديد على تطوير أدوات النضال القومي وأساليب العمل السياسي والتنظيمي وبما يواكب المتغيرات الراهنة مستنداً على جوهرعقيدته العروبية الموحِّدة، بوصفها منظومة نضالية متكاملة تشكل مشروعاً تحررياً للأمة العربية كلها .
ولأن ما تواجهه الامة العربية من مشروعين، الصهيوني والفارسي، هما في حقيقتهما وجهان لعملة واحدة، فهما مشروعان متكاملان لإضعاف وتفكيك الوطن العربي وفرض الهيمنة على قراره القومي والإقليمي. لذا فإن المسؤولية جسيمة تقع على كل العرب، شعباً وقوى ودول، في اطلاق مشروع عربي دفاعي نهضوي. فالمواجهة مع الأعداء لم تعد مجرد خلاف فكري او سياسي بل هي معركة وجود مصيرية.
كما ان مسؤولية كوادر الحزب هي قيادة معركة الوعي نحو تعزيز العمل الوطني، وتفعيل مشاركة كل القوى الوطنية والقومية الخيّرة لمواجهة العدوان وتحصين الجبهة الداخلية ضد مشاريع التفتيت بكل اشكالها. مستلهمين من انتصارات البعث السابقة في دحر الهجمات الشبيهة، فالمؤامرات والأحداث التي يشهدها الوطن العربي اليوم ليست مختلفة عن هجمات سابقة، بل هي إمتداد لها، وخاصة العدوان الإيراني الغاشم خلال ثمانينيات القرن الماضي والإصطفاف الأمريكي الصهيوني معه، ضد العراق كدولة عربية وقيادة وطنية حرست الأمن القومي العربي برمته.
واذ نحتفل اليوم بذكرى التأسيس فانما نستحضر قيم الثبات والصلابة و العطاء النضالي المتميز الذي جسده الرفاق الروّاد الأوائل على امتداد الوطن العربي. فليكن هذا العيد محطةً لشحذ الهمم، وانطلاقةً متجددة ليبقى البعث كما كان دوماً، قائداً، ومنارةً لأحرار العرب، مستندين الى ايمان راسخ بحتمية انتصار الأمة العربية، طالما بقيت أمة تنبض بالحياة والوعي واليقضة.
تحية للرفاق المؤسسين وفي مقدمتهم الرفيق الاستاذ أحمد ميشيل عفلق.
وتحية لشهداء البعث والأمة العربية وعلى رأسهم شهيد الحج ألأكبر ألأمين العام للحزب صدام حسين والرفيق عزة ابراهيم رحمهما الله.
الحرية للأسرى والمعتقلين في معسكرات وسجون العدو الصهيوني والفارسي في فلسطين و العراق.
وعاشت الأمة العربية، وعاشت فلسطين حرة أبية .
مكتب الثقافة والإعلام القومي
7 / نيسان / ٢٠٢٦م