بيان قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي
بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لعروس الثورات
يا أبناء الشعب العراقي العظيم
يا أبناء الأمة العربية المجيدة
أيها البعثيون الأشاوس في العراق المحتل وعلى امتداد الوطن العربي
في ضحى مثل هذا اليوم قبل ثلاثة وستين عاماً، انطلق رفاقكم من الرعيل الأول من جيل البطولة، لينفذوا الصفحة الأولى من صفحات متعددة في ثورة الشعب العراقي وجيشه الباسل وطلائعهما الثورية في الثامن من شباط 1963، بصدور مفتوحة وقلوب صلبة، تتطلع لنيل شرف الشهادة في سبيل المبادئ التي نذروا أنفسهم على طريق تحقيقها، فكان انتشارهم في بعض شوارع بغداد الحبيبة علامة مضيئة في سجل الأحداث المفصلية من تاريخ العراق الحديث، وكانت مؤشراً على أن ما شهده العراق في ذلك اليوم سجلَ أول تحرك شعبي حقيقي في التغييرات السياسية التي عاشها الوطن العربي في عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
يا أبناء شعبنا الأبي
أيها المناضلون البعثيون
إن رفاقكم من جيل التضحية والفداء الذين انطلقوا في ضحى يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان 1382 هـ، ليرسموا مؤشر خط الانتقال من ظاهرة الانقلابات العسكرية التي شهدتها الساحة العربية بعد نكبة العرب بضياع فلسطين سنة 1948، والتي تعكزت على تلك المأساة لإدخال الوطن العربي في دوامة الانقلابات العسكرية، ولكن حقيقة نوايا الانقلابيين كانت تنطلق من رغبة جامحة في الحكم والإمساك بمقاليد السلطة بلا برامج سياسية تؤشر لمستقبل أفضل، فكانت ثورة شباط بحق أول ثورة شعبية في تاريخ الوطن العربي الحديث.
ثورة شباط ورغم اختلال موازين القوة العسكرية التي كانت سائدة من بعد 14 تموز 1958 نتيجة تفرد تيارات شعوبية تتبادل الدعم مع الدكتاتورية الجديدة التي طفت على سطح الأحداث، فكانت تخطط لإدخال البلد في فوضى عابثة ستضرب أطنابها في أعماق المجتمع العراقي، نتيجة غياب الوعي والتخطيط السليم، فتراصفت معها قوى داعمة للدكتاتورية من منطق انتهازي، تلك القوى التي تنكرت لالتزاماتها العقدية، التي قامت عليها جبهة الاتحاد الوطني التي ضمت الأحزاب الوطنية التي كانت تعمل لتصحيح المسار السياسي للعراق وإلغاء الارتباط بالأحلاف العسكرية، وإزالة القواعد العسكرية من العراق وسائر الاقطار العربية.
لكن تلك القوى والتي كانت جزءاً من جبهة الاتحاد الوطني سرعان ما انقلبت عليها ولما يزل حبر البيان الأول للثورة لم يجف بعد، فطفقت في مسيرة تصفيات مشؤومة وممنهجة لحلفاء الأمس، وذلك عندما شعرت بأن الحكم الدكتاتوري الفردي منحها ما يكفي من الضوء الأخضر للهيمنة على الشارع العراقي، في لعبة سيئة تجسد عملياً شعار “فرق تسد” سيء الصيت، من أجل اللعب على توازن القوة بين الشركاء الذين فرقت بينهم أحداث ما بعد ثورة 1958، فاطمأنت إلى أنها تحظى بدعم من مركز الدكتاتورية الذي عطل السلطات الثلاث، فبعد أن شعرت بغياب المحاسبة القانونية عن أفعالها، مارست إرهاباً مزدوجاً ارتكبت بموجبه الفظائع، مدعومة ببعض الجهات النافذة.
فتحول العراق إلى ساحة صراع لم يعرف لها مثيلاً منذ قيام الحكم الوطني فيه في العقد الثاني من القرن الماضي، ذلك أنها استظلت بما وفره لها غياب حكم القانون من أسيجة الحماية من المساءلة القانونية، فعاثت في الأرض فساداً وانتهكت الحرمات وسفكت الدماء تحت نظر السلطة الدكتاتورية وتغطيتها، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل تحولت المحاكم العسكرية الصورية، إلى سيف بيدها للقمع والبطش، فسيق العشرات من المعارضين للحكم الفردي من البعثيين وغيرهم من القوى الوطنية والقومية، إلى ساحات الإعدام وسط تململ مكبوت ولكنه كان يتعاظم مع كل جريمة تضاف إلى السجل الأسود للقوى المتسلطة على رقاب العراقيين.
لهذا كله ولأن تلك القوى المنحرفة أرادت ربط العراق مرة أخرى بسياسة المحاور والأحلاف العسكرية مع تغيير في بوصلتها، فقد توصل البعث إلى معادلة إنقاذ العراق من المنحدر الذي وصل إليه، وفي تخطيط حاذق رسمت قيادة البعث خطة الثورة لتفاجئ الحكام الذين ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم، لتنفذ في يوم الجمعة وفي وقت لم يخطر ببال أحد من قادة النظام، فأدت صدمتهم الكبيرة إلى فقدان القدرة على القيادة والسيطرة على مسار الأحداث.
لقد أسقط انتشار مناضلي البعث على كثير من شوارع مدينة بغداد، وإحكامهم السيطرة على مداخلها، قدرة السلطة الحاكمة على التحكم بمسار الأحداث اللاحقة بعد أن فقدت عامل المبادأة فأصيبت بالشلل التام عن أي فعل أو رد فعل مضاد، وهذا ما سهل دخول القوات الداعمة للثورة إلى بغداد من أكثر من محور، وبعد حرب شوارع استمرت ثلاثة أيام، كتب مناضلو البعث فيها آخر سطر في سفر عروس الثورات، فانتصرت ثورة الشعب والبعث والجيش العراقي الباسل، رغم كل المحاولات اللئيمة لجر العراق إلى حرب أهلية تؤدي إلى جر العراق إلى شلالات من الدم.
إن إحياءنا لهذه الذكرى المجيدة، تعبير صادق عن الوفاء لتاريخ الحزب وتراثه الأصيلين والتمسك البطولي بفكر الحزب الذي يؤكد حضوره كل يوم في ضمير قياداته وفي إصرار مناضليه على المضي في طرق النضال حتى آخر الشوط، ولعل في انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب ما يجسد هذه المفاهيم، لا سيما التأكيد على أن حكمة الشيوخ وروح الشباب الوثابة، هما المحرك الذي يوجه السفينة إلى شواطئ النصر النهائي وحفظ تراث البعث وتضحيات الرعيل الأول من قادة الحزب الذين تحملوا الوزر الأعظم من تضحيات التأسيس والبناء المنهجي على أسلم الطرق وأوضحها.
تحية لأرواح شهداء عروس الثورات الذين ارتقوا سلم المجد صبيحة يوم الثورة وفي المواجهات العنيفة مع آخر ما بقي من حصون أعداء البعث وثورة رمضان المجيدة، وتحية لأرواح شهداء البعث عبر مسيرته الطويلة منذ أن تأسس في السابع من نيسان الخير إلى آخر من اختار الدفاع عن مبادئه واقفاً مقبلاً غير مدبر.
ولا يسعنا في ذكرى ثورة شباط إلا أن نحيي المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب، الذي انعقد في ظل ظرف عصيب يعيشه مناضلو البعث في العراق وبقية الساحات، لا سيما تلك الساحات التي تحمل اسم البعث فيها وزر جرائم مروعة ألحقت باسمه ظلماً وعدواناً، ارتكبها طارئون على المسيرة من لصوص العصر الذين سطوا على اسم الحزب فأساؤوا إلى مبادئه وتاريخه النضالي عن نية مبيتة وسوء قصد، هذا المؤتمر الذي جسد الشرعية بوجه عمليات التحريف وتزييف الشعارات والسطو المتعدد المحاور على اسم الحزب وتاريخه المشرف المشرق.
تحية لأرواح قادة عروس الثورات ولكل مناضل ساهم في اغناء مسيرتها ووقفة خشوع أمام تضحياتهم الجسام وتحملهم العبء الأكبر في مواجهة سهام الغدر التي وجهها أعداء الأمة إلى صدورهم.
تحية وفاء ومجد لشهيد الأضحى القائد البعثي الكبير الرئيس صدام حسين، الذي صان المبادئ وجسدها في وقفته التي سيخلدها تاريخ الرجال إلى الأبد، عندما ضرب أنصع مثل في الإقدام والتضحية والفداء في مواجهة الموت بوقفة لن تتكرر، من أجل أن تنتصر الأمة على أعدائها التاريخيين وترتفع عالياً مبادئ البعث العظيم.
الله أكبر وليخسئ الخاسئون.
قيادة قطر العراق
لحزب البعث العربي الاشتراكي
بغداد الرشيد 8 شباط 2026