ثورة 17 تموز المجيدة… فجر الإرادة وميلاد الدولة
الرفيق عمر العبيدي
هناك محطاتٌ في تاريخ الأمم لا يقتصر تأثيرها على تغيير الحكومات، بل تمتد لتعيد صياغة شكل الدولة ومسارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومن بين هذه المحطات في التاريخ العراقي، تبرز أحداث السابع عشر من تموز عام 1968، التي افتتحت مرحلةً جديدةً كان لحزب البعث العربي الاشتراكي فيها الدور القيادي، واستمرت آثارها لعقود، وما زالت موضع دراسةٍ ونقاشٍ حتى اليوم.
جاءت تلك الأحداث في وقتٍ كان العراق يشهد تقلباتٍ سياسيةً متكررةً منذ عام 1958، حيث تعاقبت الحكومات والانقلابات، وأثَّرت حالةُ عدم الاستقرار في أداء مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، مثَّل وصول حزب البعث إلى السلطة بدايةَ مرحلةٍ سعت إلى تثبيت مؤسسات الدولة، وإرساء نظامٍ قادرٍ على تنفيذ برامج بعيدة المدى في الإدارة والاقتصاد والتعليم والدفاع.
وكانت الفلسفة السياسية التي أعلنها الحزب تقوم على الربط بين السيادة الوطنية والتنمية، انطلاقًا من قناعةٍ مفادها أن الدولة القوية تحتاج إلى اقتصادٍ متين، ومؤسساتٍ فاعلة، وكوادرَ علميةٍ وإداريةٍ قادرةٍ على إدارة موارد البلاد. وانعكس ذلك في خطط التوسع في التعليم، وزيادة أعداد الجامعات، والاهتمام بالتدريب المهني، وتطوير الجهاز الإداري، وهي سياساتٌ أسهمت في تحديث الدولة العراقية.
ومن أبرز المحطات التي ارتبطت بتلك الحقبة قرارُ تأميم النفط عام 1972، الذي منح الدولة مواردَ ماليةً كبيرةً استُخدمت في تنفيذ مشاريع تنموية واسعة، شملت إنشاء الطرق والجسور، وتوسيع شبكات الكهرباء والمياه، وبناء المستشفيات والمدارس، ودعم القطاعين الصناعي والزراعي. وقد عدَّ كثيرٌ من الباحثين هذا القرار نقطةَ تحولٍ في التاريخ الاقتصادي للعراق.
كما أولت الدولة اهتمامًا بالتعليم ومحو الأمية، وشهدت الجامعات توسعًا ملحوظًا، وازدادت فرص الدراسة داخل العراق وخارجه. وفي الوقت نفسه، تطورت مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، ضمن رؤيةٍ كانت تعتبر قوةَ الدولة عنصرًا أساسيًا في حماية استقلالها ومكانتها الإقليمية.
وعلى الصعيد العربي، تبنّى العراق في تلك المرحلة خطابًا قوميًا داعمًا للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وسعى إلى لعب دورٍ مؤثرٍ في محيطه الإقليمي، مستفيدًا من ثقله السكاني وموارده الاقتصادية وموقعه الجغرافي ومؤسسته العسكرية.
إن ذكرى السابع عشر_الثلاثين من تموز ليست مجرد مناسبة لاستذكار حدثٍ سياسي، بل فرصةٌ للتأمل في تجربةٍ تاريخيةٍ تركت أثرًا بالغًا في العراق الحديث. فهي تذكرنا بأن بناء الدولة مشروعٌ طويلٌ يحتاج إلى مؤسساتٍ قوية، وإدارةٍ كفؤة، واستثمارٍ واعٍ للثروات، كما تذكرنا بأن قراءة التاريخ تزداد قيمةً حين تجمع بين الاعتراف بالإنجازات، وفهم التحديات، واستخلاص الدروس للمستقبل.
ويبقى تموز ، فصلًا لا يمكن تجاوزه في تاريخ العراق. فهو يمثل مرحلةً كان فيها الطموح كبيرًا، والرهانات كبيرةً، والنتائج موضع نقاشٍ مستمر بين المؤرخين والباحثين.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة تلك التجربة بروحٍ علمية، تستند إلى الوقائع، وتفسح المجال لتعدد القراءات، لأن التاريخ لا يزدهر إلا بالحوار، ولا يُصان إلا بالمعرفة.
وستبقى ثورة 17-30 تموز المجيدة نبراساً في طريق النضال.