شبكة ذي قار

أرشيفات 2025

بيان القيادة القومية – حول التطبيع ويوم النصر العظيم

 

القيادة القومية:

ليتحول رفض التطبيع ومقاومته إلى قضية رأي عام عربي

شعب سورية العظيم سيبقى امينا على عروبته وحافظا لإرثه النضالي.

الدولة الوطنية الديموقراطية هي القادرة على إدارة الصراع مع العدو

يوم النصر العظيم في الثامن آب سيبقى من أيام العرب الخالدة.

 

أكدت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، أن شعب سورية سيبقى أميناً على عروبته وعلى وطنيته، وأن الدولة الوطنية الديموقراطية هي القادرة على إدارة الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني. ودعت إلى تحويل الموقف من نهج التطبيع إلى قضية رأي عام قومي. كما دعت استحضار ما انطوى عليه يوم النصر العظيم في ۱۹۸۸۸ من دلالات نضالية في صراع الأمة مع أعدائها المتعددي المواقع. جاء ذلك في بيان للقيادة القومية فيما يلي نصه:

في الوقت الذي تستمر فيه حرب الإبادة الجماعية ضد جماهير شعب فلسطين في غزة ومعها حرب التجويع ، واقدام الكنيست الصهيوني على المصادقة على قرار يدعو إلى  فرض “السيادة الاسرائيلية ” على الضفة الغربية بما في ذلك غور الأردن يواصل العدو الصهيوني اعتداءاته على لبنان وسورية التي لم يكتف بتوسيع رقعة احتلاله لمناطق واسعة من جنوبها امتداداً من قمة جبل الشيخ إلى درعا وعلى طول الحدود مع فلسطين المحتلة وحسب، بل يعمد إلى  التدخل في الشأن الداخلي السوري عبر تقديم نفسه “حامياً لمكون مجتمعي سوري ما كان يوماً خارج الولاء الوطني لدولته التي تمتد على مساحة الجغرافية السورية.

في ظل هذا الواقع السائد يبدو واضحاً أن الخطورة التي تستهدف الأمن الوطني السوري لم تعد تقتصر على الاحتلال العسكري وتمدده، بل إن الأخطر الأكبر هو ما تتناقله الأخبار عن لقاءات واتصالات تجري بين إدارة الحكم في سورية والكيان الصهيوني والتي تتنقل ما بين أنقرة وباكو (عاصمة أذربيجان) وباريس وصولاً لاتفاقية تسوية على غرار اتفاقيات كمب دافيد” ووادي عربة.

إن إدارة الحكم في سورية وهي تنخرط في آلية المفاوضات، فإنما تشارك فيها والدولة السورية منزوعة الأنياب بعد التدمير شبه الشامل لقدراتها العسكرية التي استهدفت بعدوان صهيوني واسع كذلك الذي تعرضت له الأمة العربية في الخامس من حزيران سنة ١٩٦٧. وأكثر من ذلك فإن سورية التي دخلت مرحلة جديدة من حياتها السياسية بعد سقوط النظام، فإنما دخلتها وهي مثقلة بأعباء ملفات ضاغطة على كل مناحي الحياة الأمني منها والاقتصادي ومن ضمنها العقوبات وإعادة الإعمار وتأهيل المرافق الحيوية والبنى التحتية، كما ملف النزوح والتغيير الديموغرافي الذي أصاب التوزع والتركيب السكاني في ظل سطوة النفوذ والهيمنة الإيرانية.

والقيادة القومية للحزب ، التي تعي جيداً صعوبة الأوضاع التي تمر بها سورية حالياً ، والتركة الثقيلة التي خلفتها الدولة الأمنية السابقة بمصادرتها للحريات العامة وتعليب الحياة السياسية وعلى دور سورية وموقعها ودورانها في فلك المشروع الإيراني ، تعي أيضاً ، إن مواجهة هذه التحديات لا تكون بالطريقة التي تدير بها إدارة الحكم الجديدة شؤون البلاد والعباد ، وإنما بتحصين الجبهة الداخلية بمعطى الوحدة الوطنية التي تحكمها ثوابت وحدة الأرض والشعب والمؤسسات والتعامل مع المرحلة الانتقالية باعتبارها خطوة على طريق إعادة إنتاج نظام سياسي جديد تحكمه قواعد المساواة في المواطنة حقوقاً وواجبات، وقواعد الفصل بين السلطات وديموقراطية الحياة السياسية ، وأحكام العدالة الانتقالية .

وعليه فإن سورية، التي تواجه هذا الكم من التحديات، لا سبيل لتجاوز التداعيات السلبية والقاتلة لهذه التحديات، إلا بتحشيد الجهد الوطني والشعبي الشاملين في سياق مشروع مواجهة يأخذ بعده الشمولي، انطلاقاً من إدراك طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني أولاً، ومن وجوب تلبية مستلزمات أمن المواطن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحياتي ثانياً. وهذا لا تستطيعه إلا الدولة الوطنية الديموقراطية.

فالشعب في سورية الذي عانى الأمرين على عقود من إدارة الدولة الامنية لشؤونه العامة والخاصة، لا يرى في الدولة الذي يحكمها المنطق الدعوي بخلفية دينية أو مذهبية المرتجى الذي يبتغيه لينعم بسلام وطني ومجتمعي لأن كلا النموذجين يعطلان ديموقراطية الحياة السياسية والمساواة في المواطنة، وهما الركنان الأساسيان في بناء الدولة الوطنية.

على هذا الأساس، فإن القيادة القومية للحزب، لا ترى في الطريقة التي تقارب فيها إدارة الحكم الجديد ملفات البناء الداخلي والعلاقة مع الخارج الإقليمي والدولي، مقاربة تحاكي من خلالها معطيات الطموح الوطني سواء لجهة طبيعة النظام السياسي الجديد أو لجهة الدور القومي الذي يفترض أن تضطلع به سورية انطلاقاً من مركزية موقعها في مواجهة المخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي وخاصة خطر المشروع الصهيوني الذي تحكمه قواعد الصراع الوجودي مع المشروع القومي العربي.

فذهاب إدارة الحكم في سورية إلى مفاوضات مع العدو الصهيوني، إنما يمنحه شرعية الاعتراف بكيانه أولاً، وسينتزع اعترافاً بشرعية احتلاله لأراض سورية ولو كانت تحت عناوين ترتيبات أمنية. كما أن الانخراط في مفاوضات مع العدو أملاً بحل للأزمة الاقتصادية، لا يعدو كونه سوى وهماً لأن المضاعفات ستزداد شدة بعد تكبيل سورية بحزمة من الشروط الاقتصادية والنقدية التي تمليها الصناديق الدولية وتجربة الدول التي وقعت اتفاقات مع العدو شاهد على ذلك.

وعليه، فإن مواجهة التحديات التي تواجهها سورية، لا يكون بالهروب إلى الأمام عبر الاستجابة للإملاءات الأميركية ومن يدور في فلكها، وإنما بالعودة إلى الداخل لإطلاق ورشة البناء الوطني للدولة المدنية على الأسس التي توفر أرضية صلبة لمواجهة التحديات الكبرى استناداً إلى موقف وطني غير مساوم على حقوق وطنية وقومية ويختزن مقاومة لكل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني، ورافض لإحلال وصاية إقليمية بأخرى.

إن القيادة القومية للحزب التي اعتبرت اسقاط النظام السابق ومعه توجيه ضربة قاسمة للمشروع الإيراني، حدثان على قدر كبير من الأهمية بانعكاساتهما الإيجابية على القضايا القومية، ترى أن هذه الإيجابية عرضة للإجهاض إن لم تستعد سورية دورها القومي الذي ينسجم مع تاريخها وما قدمه شعبها لأمته في الصراع المفتوح مع أعداء الأمة المتعددي والمواقع والمشارب والقيادة القومية للحزب التي ترى أن استهداف فلسطين لم يكن استهدافاً لذاتها وحسب ، وإنما الأمة العربية برمتها ، ترى في استهداف أي مكون وطني عربي من قبل المشروع الصهيوني وداعميه من قوى الاستعمار العالمي ، إنما يندرج ضمن ذات السياق ومنها المكون الوطني السوري الذي يكتسب أهمية نظراً لمركزية الموقع السوري وتأثيره على كل دول المحيط ولهذا يجب تدارك الخطر الصهيوني الذي يصوّب سهامه إلى  هذا الموقع لتثبيت وقائع ميدانية استناداً إلى  متغيرات سياسية طارئة.

وعليه، فإن القيادة القومية للحزب، تدعو شعب سورية العظيم إلى أن يكون وفياً لماضيه وتاريخه ودوره الطليعي في التصدي للمشروع الصهيوني، وألف باء ذلك الوقوف بحزم أمام المحاولات الرامية لدفع سورية لتوقيع اتفاقيات مع العدو لن تكون في ظل موازين القوى الحالية إلا استسلاماً لشروطه واملاءاته. فكل سلوك أو موقف يدعو للاعتراف بالكيان الصهيوني تحت مبررات الواقعية السياسية هو موقف مدان بكل المعايير الوطنية والقومية والأخلاقية، ومقاومة هذا النهج واسقاطه هو مهمة الأمة من محيطها إلى خليجها وفي المقدمة منها شعب سورية الذي كان ويجب أن يبقى يجسد قلب العروبة النابض والطليعي في دعوته لوحدة الأمة وتحررها لإنهاء استلابها القومي والاجتماعي.

إن القيادة القومية التي تدين نهج التطبيع والمطبعين وتدعو لمقاومته بكل السبل المتاحة وأنجعها المقاومة الشعبية الشاملة، ترى أن الأمة التي تختزن طاقات نضالية عظيمة قادرة على مقاومة نهج التخاذل والاستسلام، وإن تاريخها الحديث والقديم يحفل بالمحطات النضالية التي تبقى أيامها الخالدة دائمة الحضور في سفر النضال العربي. وما يوم النصر العظيم لسبعة وثلاثين سنة خلت إلا واحدة من هذه المنارات النضالية المضيئة، وهو اليوم الذي استطاعت الأمة عبر عراقها العظيم تحقيق انتصارها العظيم بالاستناد إلى الدور الذي اضطلعت به ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز المجيدة.

إن القيادة القومية التي تدعو إلى  تصعيد النضال الجماهيري لمقاومة نهج التطبيع باستهدافاته وأدواته وإلى  إعادة الاعتبار إلى  حراك الشارع العربي في الانتصار لقضايا الأمة وخاصة القضية الفلسطينية التي تدخل هذه الأيام منعطفاً خطيراً في ظل حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في الأرض المحتلة ، توجه التحية لشعب العراق العظيم الذي سطر ملحمة بطولية في حرب استمرت ثماني سنوات وخرج منها أكثر قوة واقتداراً وهو ما دفع إلى  تشكيل تحالف دولي بقيادة أميركا لإسقاط ما تمخضت عنه تلك من نتائج المصلحة الأمة من اسقاط العراق ونظامه الوطني وهو ما أدى إلى  حصول الانكشاف القومي الشامل الذي تستغله قوى التحالف الصهيو أميركي لفرض هيمنتها على الوطن العربي. وما حصل في سورية ولبنان واليمن وما تتعرض له فلسطين إنما هو نتيجة الزلزال الذي ضرب البنية القومية انطلاقاً من فالق العراق.

فليتحول رفض التطبيع ومقاومته إلى قضية رأي عام عربي وليعد الاعتبار للشارع العربي وحراكه السلمي الديموقراطي في انتصاره لقضايا الأمة وليكن الرهان على وطنية شعب سورية في رفضه للتطبيع رهاناً ثابتاً.

وليكن يوم الثامن من آب يوماً ترنو إليه الأمة في استنهاض واقعها السياسي والاجتماعي.

المجد والخلود للشهداء والخزي العار للمطبعين والمتآمرين على الأمة وقضاياها القومية.

 

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

في ٢٠٢٥/٨/٦

 

 

الجوع سلاحا

الجوع سلاحا
أحمد صبري

مثلما تسبَّب الحصار الَّذي فرض على العراق في تسعينيَّات القرن الماضي بوفاة آلاف العراقيِّين، لا سِيَّما الأطفال جرَّاء شحِّ الدواء ونقص الغداء ومستلزمات الحياة فإنَّ التَّاريخ يعيد نفسه بأبشع صوره المأساويَّة في غزَّة الَّتي حوَّلتها الطّغمة الحاكمة في «إسرائيل» إلى مسرح يتفنن رموزه بقتل أبناء غزَّة، مرَّة بتجويعهم، وتعطيشهم مرَّات، والهدف هو لكسر إرادتهم والنَّيل من كرامتهم وصمودهم الأسطوري. فما جرَى لأطفال العراق يجري اليوم لأطفال غزَّة؛ لأنَّ القاتل والمنفِّذ هو نفسه، في محاولة لتقريب الصورة والهدف للعالَم الَّذي بدأ يستيقظ من هول الجرائم الَّتي ترتكب في غزَّة، لا سِيَّما استخدام التَّجويع سلاحًا لمُجرِمي الحرب. لقد باتَ واضحًا أنَّ ضحايا سلاح الحصار والتَّجويع الَّذي يحصد يوميًّا أرواح الأطفال، وأنَّ القدور الفارغة أصبحتْ وصمة عار في جبِينِ الإنسانيَّة وشاهدًا حيًّا على المجازر الوحشيَّة الَّتي ترتكبها آلة الحرب «الإسرائيليَّة» تتطلب وقفةً جادَّة لمنعِ استمرارها وكشف النيَّات الصهيونيَّة الَّتي ترمي إلى ابتلاع فلسطين وإنكار حقوق الشَّعب الفلسطيني المشروعة، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشَّريف. ولم تتورع «إسرائيل» من استمرار سياسة التَّجويع والعقاب الجماعي رغم اتساع دائرة الإدانة الدوليَّة، ورفض الأساليب الوحشيَّة بحقِّ أبناء غزَّة، إلَّا أنَّها وبدعمٍ أميركي تواصل إجرامها في القتل والتَّهجير القسري، وقضم الأراضي الفلسطينيَّة. ومهما حاولتْ «إسرائيل» التَّغطية على حمَّام الدَّم في غزَّة، فإنَّ المُجتمع الدولي باتَ يدرك حجم المأساة في غزَّة والضفَّة الغربيَّة، وما توالي اعتراف دول وازنة بالدَّولة الفلسطينيَّة إلَّا الدَّليل على عزلة «إسرائيل» وانتصارًا لحقِّ الشَّعب الفلسطيني في إقامة دولته القابلة للحياة. وما يُشير إلى عزلة «إسرائيل» سعيها لإنكار الحقوق المشروعة للشَّعب الفلسطيني، ومهما طال الزمن فإنَّ هذه الحقوق لا تسقط بالتقادم، وما صمود الشَّعب الفلسطيني بحقِّه في الحياة هو الدَّليل على تمسُّكه بحقوقه المشروعة الَّذي باتَ العالَم يُدرك حجم الجرائم الَّتي يرتكبها كيان الاحتلال الغاصب بالضِّد من إرادة المُجتمع الدولي الَّذي باتَ يشاهد الكارثة والمأساة الَّتي تتوالى فصولًا على أرض غزَّة وتحصد أرواح الآلاف من أبنائها. إنَّ ما يجري من حصار وتجويع وقتل يتطلب موقفًا عربيًّا ودوليًّا؛ لوقفِ مسلسل القتل الممنهج في محاولة لاقتلاع شَعب من أرضه وإنكار حقوقه الَّتي لا تقبل التفريط والمساوَمة. لقد آنَ الأوان لإيقاف العربة الصهيونيَّة الَّتي تهدف إلى ابتلاع كُلِّ فلسطين بالقوَّة وإنكار الحقوق التَّاريخيَّة. وما يجري في غزَّة هو شاهد على أطماع هذا الكيان الَّذي لم يرعوِ من رفض العالَم لسياسته العنصريَّة الَّتي أوقعتْ أفدح الخسائر بالشَّعب الفلسطيني. من هذا المشهد المروِّع في غزَّة الَّذي يتكرر يوميًّا يكشف حجم الكارثة الَّتي يتفنن بارتكابها أركان الكيان الصهيوني يتطلب جلبهم للعدالة الدوليَّة كمُجرِمي حرب لينالوا جزاءهم العادل من فرط تسبُّبهم ودَوْرهم بقتل وتشريد آلاف الفلسطينيِّين من أراضيهم في غزَّة ليكُونُوا عِبرة لغيرهم من مُجرِمي الحروب.
كاتب عراقي

مهزلة التعيينات الدبلوماسية في العراق: من منبر وطني إلى بوابة للمحاصصة والولاء الأعمى

 

مهزلة التعيينات الدبلوماسية في العراق: من منبر وطني إلى بوابة للمحاصصة والولاء الأعمى

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

اتذكر جيدا المعايير التي كانت الدولة العراقية تعتمدها في ترشيح واختيار السفراء وكان غالبيتهم من اساتذة الجامعات العراقية الاكفاء جدا المشهود لهم بحبهم وولائهم للعراق واهله وحضارته وتراثه
اليوم تتكرر المأساة من جديد في ظاهرة اصبحت تلازم تعيين من هب ودب للعمل بالمسؤوليات الحكومية المهمة جدا ومنها العمل في السفارات العراقية منذ احتلال العراق وتستمر للأسف بشكل اكثر سوءا وأضرارا بسمعة العراق واهله
نعم ….لم تعد وزارة الخارجية العراقية تمثل الواجهة الحضارية للدولة كما كانت في الماضي، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مؤسسة تدار وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية، وتُوزّع مناصبها كغنائم سياسية على قوى ما بعد 2003، وعلى رأسها الأحزاب الموالية لإيران، وميليشيات الحشد الشعبي، والعوائل المرتبطة بالسلطة.

لقد أصبح منصب “السفير” (السفيه كما يطلق عليه العراقيون تندرا) يُمنح ليس لمن يملك الكفاءة والخبرة، بل لمن يُجيد فنون التملق السياسي، أو يحمل لقب “مجاهد في محور المقاومة”، أو يكون من “الذيول” الذين خدموا في غرف الأحزاب أو على منصات الإعلام الدعائي، حتى وإن كانوا لا يملكون أدنى مؤهل دبلوماسي أو ثقافي أو لغوي.

كان العراق قبل الاحتلال يُصدّر كفاءاته الدبلوماسية إلى العالم، من خلال رجال دولة حقيقيين مثّلوا العراق في المحافل الدولية بمهنية وسيادة واحترام. أما اليوم، فنرى سفراء لا يعرفون قواعد البروتوكول، ولا يتحدثون بلغة أجنبية واحدة، وبعضهم لا يفرّق بين مهمة السفير ومهمات المندوب الحزبي.

إنّ ما يجري هو إهانة لتاريخ العراق الدبلوماسي، وتفريغ كامل لمؤسسة الخارجية من مضمونها الوطني. والأخطر من ذلك، أن هذه التعيينات أدت إلى تراجع ثقة الدول الأخرى بالسفارات العراقية، وتفاقم ظواهر الفساد، والعبث بملفات منح الجوازات والتجنيس، وتحوّل بعض السفارات إلى مراكز استرزاق سياسي لا أكثر.

في الوقت الذي يعاني فيه العراق من أزمة هوية دولية، ومن تراجع حاد في حضوره الإقليمي والدولي، نجد أن البعثات الدبلوماسية عاجزة عن التعبير عن مصالح الشعب العراقي، أو الدفاع عن حقوقه في الخارج، لأن من يمثل الدولة اليوم لا يمثل سوى فئة حزبية أو تيار طائفي.

إن استمرار هذه المهزلة يعني ضياع ما تبقى من كرامة الدولة، ويستدعي وقفة وطنية حقيقية من كل الحريصين على مستقبل العراق. يجب إعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والخبرة في تعيين السفراء، وإنهاء هيمنة الميليشيات والعوائل السياسية على القرار الخارجي.

الدبلوماسية ليست وظيفة شكلية أو مكافأة ولاء، بل هي عنوان الدولة ومرآتها في العالم. وما لم تُصحّح هذه الانحرافات، فإن العراق سيبقى غائبًا عن ذاته، وصوته خافتًا في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يُنصت للتابعين.

انتفاضة الثلاثين من تموز أعادت للثورة البيضاء وجهها المشرق الناصع

انتفاضة الثلاثين من تموز

أعادت للثورة البيضاء وجهها المشرق الناصع

ام صدام العراقي

ان انتفاضة الثلاثين من تموز التاريخية هي حركة مكملة لثورة البعث البيضاء التحررية ، فقد أعادت تلك الانتفاضة التاريخية الخالدة وجه الثورة المشرق المتألق  ، فالأحداث التي حصلت في يوم الثلاثين من تموز كانت من أخطر المحطات النضالية والجهادية التي مر بها حزبنا القائد في الأيام التي تلت تفجير الثورة …

لقد تم وضع خطة استراتيجية للتخلص من الدخلاء على الثورة ، وتم  تهيئة كل المستلزمات الفنية والأمنية لتتم بدون خسائر لكي تبقى الثورة بيضاء ناصعة ، فقد تم اعداد خطة مدروسة لهذه العملية الاقتحامية البطولية ، فانتفض ثوار الثورة  في ذلك اليوم التاريخي الخالد على عناصر الردة والالتفاف في عملية جهادية اقتحامية قادها الشهيد صدام حسين رحمه الله لتطهير الثورة من تلك العناصر المشبوهة …

ان قيادة الحزب والثورة وافقت على الاختراق الذي حصل من قبل الدخلاء على الثورة وهم كل من عبدالرزاق النايف وابراهيم الداود حرصا على سلامة الحزب والثوار وأبناء الشعب العراقي ، وفي اللحظة نفسها اتخذت قرارها التأريخي الحاسم للتخلص من تلك العناصر بعد نجاح الثورة ، فأوكلت تلك المهمة الجهادية الى الشهيد  الرفيق المناضل صدام حسين رحمه الله والذي بادر مع عدد من الرفاق المناضلين في ظهيرة الثلاثين من تموز بتخليص الثورة وتطهيرها من تلك العناصر المرتدة ، وبتلك الملحمة البطولية استعادت الثورة وجهها  المشرق الناصع  …

لقد عبرت تلك الانتفاضة الثورية عن روح الاقتحام الجهادي لمناضلي البعث الأبطال ، فقد تم تصفية العناصر الموبوئة التي أرادت انحراف الثورة عن مسارها الوطني والقومي ، وبهمة وعزيمة رجال البعث الميامين تم وضع الثورة على مسارها الصحيح ، فانتفاضة الثلاثين من تموز الباسلة ما هي الا تعبيرا واضحا عن أصالة الثورة وحكمة وارادة قيادتها … 

ستبقى انتفاضة الثلاثين من تموز نبراسا منيرا وهاجا لكل الثوار لمواصلة النضال والجهاد من أجل تحرير وطنهم من براثن الاحتلال الأمريكي – الفارسي وتحقيق النصر المؤزر باذن الله تعالى …

الرحمة والخلود وعليين لشهدلئنا الأبرار منفذي الملحمة الجهادية انتفاضة الثلاثين من تموز يتقدمهم الرفيق القائد المجاهد صدام حسين قائد ومنفذ تلك الانتفاضة الباسلة  ، وتحية اعتزاز وفخر للأحياء منهم ولكل مناضلي ومناضلات البعث العظيم وهم يتقدمون صفوف المنازلة مع المحتل وأعوانه .

العَلاقَةُ العُضْوِيَّةُ بَيْنَ ثَوْرَةِ تَمُّوز وَبَيْنَ الإِنْسانِ العِراقِي

العَلاقَةُ العُضْوِيَّةُ بَيْنَ ثَوْرَةِ تَمُّوز وَبَيْنَ الإِنْسانِ العِراقِي

ثابت الجميلي

 

 تم التفكير والتخطيط وتفجير ثورة ١٧-٣٠ تموز عام ١٩٦٨ لسبب مركزي جوهري من بين الأسباب ، وتم تبنيه على أنه هدف الثورة الأسمى والأعظم وصيغ صياغة فائقة الدقة من حيث التعبير ومن حيث الدلالات النبيلة هو أن (الإنسان هو هدف الثورة وغايتها). فالإنسان قيمة عليا في فكر الثورة، وفي خطط الثوار وأول برهان قدمته الثورة وقيادتها الباسلة للتدليل على هذا المنهج هو رفضها المطلق لإراقة قطرة دم واحدة لأي إنسان عراقي في مرحلة تنفيذ الثورة أو بعدها، ومن هنا جاء قرار القبول بانضمام الداوود والنايف للثوار بعد أن اكتشف هؤلاء ساعة الصفر لتنفيذ الثورة وخطتها، رغم أن الثوار كان بإمكانهم وضع خطة فورية للتخلص من كلا الرجلين، وحين أزفت ساعة تنفيذ قرار تنقية الثورة من الشائبتين تم ذلك أيضاً بسلمية وبدون دم حيث تم ترحيلهما خارج العراق بهدوء وبخطة محكمة.

  لو راجعنا الاجراءات والقرارات والتشريعات التي صدرت عن الثورة في أيامها الأولى فإننا سنجد أنها كلها معنية بالإنسان العراقي، وبإدخال تغييرات فورية إلى حياته ليبدأ يتحسس الفارق أو الفوارق بين حقبة الثورة الجديدة وبين ما سبقها من حقب الظلام، فكانت ممارسة ندوات واسعة في كل أرجاء العراق تحت عنوان (أنت تسأل والحزب يجيب)، وحملات العمل الشعبي لبناء مدارس وبيوت ومشافي وإصلاح أرض وشق ترع للسقي وتعبيد شوارع، والانفتاح فوراً على وضع تعليمي مختلف وتأسيس نقابات واتحادات وجمعيات والبدء فوراً بتحسين الخدمات الصحية وتثبيت الأمن والاستقرار المدني، كلها لوضع الإنسان العراقي أمام حقيقة أنه يعيش زمن ثورة وأن الثورة هي ثورته وجاءت لتخدمه وتغير من أحواله المتردية إلى ما هو أفضل.

  كانت ثورة تموز ١٩٦٨ بحق وبكل المعاني والاثباتات ثورة من أجل الإنسان العراقي، أعزته وأكرمت إنسانيته وثبتت مواطنته، وفتحت أمامه سبل المشاركة في بناء الوطن وفي حمايته.

المواجهة والتحدي…. نهج البعث منذ الولادة

المواجهة والتحدي…. نهج البعث منذ الولادة

 ناصر الحريري

 

بدأت منذ عقود حملات التشكيك والتشويه لدور البعث النضالي في التصدي ومواجهة القُوى الاستعمارية والرجعية، هذا التشكيك هو أحد الوسائل الخبيثة التي تعتمدها هذه القُوى لتشويه تاريخ ونضال الحزب المشرف الذي وقف في وجه قوى الاستعمار والرجعية قولاً وفعلاً منذ انطلاقه قبل ما يقارب ثلاثة أرباع قرن، وما استمراره وتماسكه حتى اللحظة إلا نتيجة التزامه وتمسكه بثوابته ومبادئه وصدقه وإصراره على محاربة الاستعمار والرجعية بكل أشكالها وصورها التي تتمثل بها في الوطن العربي.

منذ انطلاقه وحتى اليوم يقف البعث وجهاً لوجه في مواجهة قوى الاستكبار العالمي والاستعمار بشكليه القديم والجديد، ما يؤشر أن البعث يخوض المعركة الكبرى في تاريخه، ويمضي قدماً وبقوة وصلابة ويستند على تاريخ البعث العريق وتاريخ الأمة العربية الحية المتجددة والمنبعثة دوماً التي لا ترضى الخنوع والاستسلام.

ولنكون أكثر وضوحاً في الرد على حملات التشويه والتشكيك، نطرح التساؤل التالي:

ما هو الأساس الفكري الذي ينتهجه البعث في مقاومة الاستعمار؟

ينطلق الفكر القومي عموماً والبعثي خاصة من أن الأمة العربية تواجه منذ قرون الاستعمار، على الرغم أن كثيرً من الأمم ابتليت به، إلا أن استمرارية الحالة الاستعمارية تجاه الأمة العربية صفة تميزت بها، إضافة إلى العدائية المفرطة للأمة العربية وشعوبها وتاريخها وطبيعة القوى التي تقف خلفها، دفع الجماهير العربية والمفكرين القوميين وفي مقدمتهم البعثيين إلى اعتبار مواجهة هذه الحالة قدراً على أبناء الأمة العربية، ومقاومة المستعمر ثابتاً راسخاً من ثوابتها القومية.

ومن هنا، فقد نشأ حزب البعث العربي الاشتراكي فكراً وتنظيماً كرد طبيعي ومباشر على الحالة الاستعمارية، ووضع في صلب أهدافه تحرير الأمة العربية من الاستعمار معتبراً إياه السبب الرئيس المسبب لتخلف الأمة العربية وتجزئتها وحرمانها من تأدية رسالتها الإنسانية، وقد بنى حزب البعث العربي الاشتراكي أغلب بنائه الفكري على مقاومة الاستعمار وتحرير الأرض العربية من براثنه وتوحيدها في إطار سياسي واحد.

ولا بد لنا من أن نلقي الضوء على بعض المقتطفات النظرية والفكرية للحزب وقادته للدلالة على الأساس النظري المتين لمواجهة الحالة الاستعمارية التي ابتُليت بها الأمة.

فقد جاء في دستور الحزب لعام 1947، المادة 6: “يناضل الحزب ضد الاستعمار الأجنبي لتحرير الوطن العربي تحريراً مطلقاً كاملاً، وجمع شمل العرب كلهم في دولة واحدة”.

ونصت المادة 23 منه على:” يناضل العرب بكل قواهم لتقويض دعائم الاستعمار والاحتلال وكل نفوذ سياسي أو اقتصادي أجنبي في بلادهم”.

كما جاء في مبادئه العامة، في المبدأ الثالث:” إن الاستعمار وكل ما يمت إليه عمل إجرامي يكافحه العرب بجميع الوسائل الممكنة، وهم يسعون ضمن إمكاناتهم المادية والمعنوية إلى مساعدة جميع الشعوب المناضلة في سبيل حريتها”.

وفي السياق ذاته فقد نصت كل التوصيات الصادرة عن المؤتمرات القومية على ضرورة مواجهة المخططات الصهيونية والامبريالية والرجعية وإحباطها…. والتصدي بكل حزم لمخططات الأنظمة الرجعية في المنطقة العربية….

لقد وصَّف الفكر القومي البعثي الحالة الاستعمارية بأدق التوصيفات، وإن كان قد أكد على أهمية العوامل الاقتصادية التي تدفع القوى الغربية وغيرها لنشوء الحالة الاستعمارية، كنهب الثروات وتأمين الطرق التجارية وفتح الأسواق، إلا أنه يرى أن هذه الأهداف تصحُّ في حال الأمم الأخرى، أما فيما يتعلق بالأمة العربية، فإنها تلتقي في إطار هدف نهائي أشمل، وهو منع قيام الدولة العربية الموحدة المستقلة.

في هذا الإطار يقول الرفيق المؤسس أحمد ميشيل عفلق: “إن هجوم الاستعمار والصهيونية يكاد يتركز على الوحدة العربية”، ولفت إلى أن الاستعمار” هو المحرض على إنشاء الجامعة العربية والمقترح لها لكي يوجد تعاوناً اقتصادياً وعسكرياً بين هذه الأقطار بشرط أن يكون هو حاضراً فيها لكي يستغلها”.

وهو ما لمسته جماهير الأمة العربية من كل مواقف الجامعة العربية تجاه القضايا والأحداث المصيرية التي واجهتها الأمة.

وتستمر العملية الفكرية القومية في تأكيد هذا الثابت القومي في فكر ومواقف الرئيس الشهيد الرفيق صدام حسين، الذي أكد خلال مسيرته النضالية على أن مواجهة الاستعمار وأطماعه في وطننا العربي الكبير هو واجب نضالي مقدس يفرضه الانتماء للعروبة، وأن الموقف الثابت من القضية المركزية للبعث والأمة، فلسطين، هو المعيار الذي يُقيمُ البعث من خلاله علاقاته الداخلية والعربية والدولية.

هذا الموقف المبدئي والثابت للبعث، ترجمه الرفيق الأمين العام للحزب عزة إبراهيم إلى ممارسة عملية بعد غزو العراق مباشرة، وهو ما أضفى مزيداً من الثقة والإصرار والمصداقية لثوابت البعث ونهجه القومي المدافع عن قضايا الأمة.

إن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي أو التنظير الفكري للبعث جاء نتيجة الممارسة العملية للتجارب النضالية التي مر بها الحزب منذ تأسيسه، فمنذ بدايات تأسيسه شارك بفاعلية في الدفاع عن فلسطين، وقدم العديد من الشهداء خلال مشاركته في جيش الإنقاذ عام 1948 والعمليات الفدائية في الأراضي المحتلة فيما بعد، كما دعم الشعب العربي في المغرب، خاصة في الجزائر لنيل استقلالها، ووقف مع مصر ضد العدوان الثلاثي 1956، واستمر الحزب في مواجهة المؤامرات الاستعمارية خلال فترة الانقلابات وحكومات العمالة حتى تسلمه مسؤولية القيادة في السابع عشر-الثلاثين عام1968، ما أعطاه دوراً رئيساً فعالاً في الدفاع عن الأرض العربية، ومشاركته في كل الحروب التي خاضتها الأمة.

وعلى الرغم من المؤامرات الدولية التي حيكت لحرف الحزب عن هدفه في محاربة الاستعمار الصهيوني والامبريالية العالمية، الذي بقي كرأس حربة للقوى الاستعمارية الغربية، فقد تمكن أن يوحد بين الثنائية، يدٌ تبني ويدٌ تدافع، فاستطاع بناء دولة في القطر العراقي قوية عصرية متقدمة، وفي الجانب الآخر تمكن من الوقوف بقوة وصلابة في وجه الأطماع الفارسية وتمكن من تحقيق النصر المؤزر.

فالبعث خاض معارك الوجود نيابة عن الأمة، وهو يخوض الآن المعركة الكبرى في مواجهة التحديات على امتداد الوطن العربي.

30 تموز… الثورة الحقيقية التي مهّدت لانطلاقة البعث العملاق

30 تموز… الثورة الحقيقية التي مهّدت لانطلاقة البعث العملاق

فاطمة حسين

 

في فجر الثلاثين من تموز عام 1968، سجّل التاريخ العراقي والعربي صفحة مشرقة من صفحات الكفاح الوطني، عندما تمكّن حزب البعث العربي الاشتراكي من تصحيح مسار ثورة 17 تموز التي اختُرقت من قبل بعض العناصر المرتبطة بمصالح خارجية، وفي مقدمتهم عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود، اللذان مثّلا “الجيب العميل” في بنية الحكم المؤقت.

لقد أدرك البعثيون المخلصون أن استمرار هؤلاء في السلطة يشكل خطراً على مبادئ الثورة، ومهدداً حقيقياً لحلم بناء دولة وطنية مستقلة ذات قرار سيادي، فكان لا بدّ من الحسم السريع والجريء، وهو ما تحقق في ظهيرة 30 تموز، حيث أُقصي الانتهازيون والمتآمرون دون إراقة قطرة دم، في عملية وُصفت بالدقيقة والحاسمة.

جاءت هذه الخطوة التاريخية لترسّخ قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ممثلاً بالرفيق الأب القائد أحمد حسن البكر والرفاق المناضلين، وتفتح الباب أمام عهد من الاستقرار السياسي والتوجه نحو بناء العراق القوي، الدولة التي تنتمي للأمة وتدافع عن قضاياها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوحدة العربية.

30 تموز لم تكن مجرد إزاحة لوجوه عميلة، بل كانت ثورة في العمق، ثورة على التبعية والتآمر، وثورة باتجاه المشروع الوطني والقومي الذي حمل لوائه البعثيون المؤمنون بقدسية العراق وعروبته. لقد مهدت هذه الثورة لانطلاقة عملاقة نحو بناء الدولة، وتعزيز السيادة، وتحقيق مكاسب كبرى في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

واليوم، ونحن نستذكر هذه المناسبة العظيمة، نستحضر تلك الروح الثورية والقرار الجريء الذي أعاد للثورة أصالتها، وجعل من البعث رقماً صعباً في معادلة المنطقة. فتحية إجلال ووفاء لكل من خطّ هذا المجد، ولكل من حافظ على مبادئ البعث رغم كل التحديات.

المجد لثورة17 – 30 تموز، والخزي والعار لكل الجيوب العميلة…

وليبقَ البعث منارة نضال وأمل للأمة في حاضرها ومستقبلها.

ثَوْرَةُ تَمُّوز ١٩٦٨ حَدَثٌ تَارِيخِيٌّ قَوْمِي

ثَوْرَةُ تَمُّوز ١٩٦٨ حَدَثٌ تَارِيخِيٌّ قَوْمِي

أبو الحسنين علي

 

إن التجرد عن أي موقف سياسي مسبق والانطلاق من منهج علمي في الكتابة سيفضي إلى أن أي حديث عن ثورة تموز البعثية الوطنية في العراق سيتضمنُ إنها حدث قومي تاريخي، وليس وطني عراقي فحسب، لأن تلك الثورة تقف باستحقاق على قوائم هذا الوصف وحيثياته.

لقد تم إنتاج الثورة بتكافل وتداخل خلفيات الأسباب التي قادت لها، مع طريقة تفجيرها ونجاحها، ومع منجزاتها ومكاسبها، ذات الأفق الوطني المتداخل مع امتداداته القومية، وهذا التكافل هو الذي صنع حقبة زمنية لا يمكنُ لأي كاتب أو باحث إلا أن يصفها بالقومية التاريخية، ولعل النهاية التي حاول أعداء الثورة صنعها لتلك الحقبة المجيدة هي استكمال عميق للسمات التاريخية التي نعنيها، غير أن انطلاق المقاومة العراقية للاحتلال من رحم الثورة وبُناها التحتية والفوقية الإنسانية والمادية قد أضاف عاملاً آخراً مفصلياً من عوامل تأصيل السمة التاريخية لثورة العراق البعثية العتيدة بإضافة عامل الاستمرارية لها.

الخلفية القومية للثورة:

من البديهي أن يكون حزب البعث العربي الاشتراكي فكراً وتطبيقاً جزءاً لا ينفصل من الأحداث التي تقع في أمة العرب، ولا غرابة أن يتحمل أوزارها ويضع نفسه في صلب تداعياتها أخلاقياً حتى لو لم يكن مسؤولاً عمَّا أنتجته تلك الأحداث، بما عُرف عن الحزب من شفافية المواقف المعبرة عن انتمائه الأصيل للأمة واقعاً وتطلعاً، وكانت نكسة حزيران عام ١٩٦٧ م التي عصفت بالعرب بعدَ خسارتهم المفجعة للحرب مع الكيان الصهيوني وتمكن هذا الكيان المسخ من احتلال أرض عربية جديدة وتدميره لقوة العرب العسكرية في أقطار المواجهة التي خاضت الحرب، وخاصة مصر، هي محور حراك البعث الفكري والميداني بين أبناء الشعب.

لقد شهدت فروع الحزب وقيادات أقطاره مراجعات معمقة ودراسات واقعية، ليس لتشخيص أسباب النكسة فقط بل ولمعالجة آثارها المعنوية على الإنسان العربي ووقعها المدمر للذات العربية، وكانت قيادة قطر العراق من بين أبرز التنظيمات البعثية القومية التي تصدت في مؤتمراتها لنكسة حزيران ونتائجها وسبل احتوائها ومواجهتها.

إن قرار قيادة البعث في العراق بالتخطيط وتنفيذ ثورة تموز ١٩٦٨ كان قرار يستحضر نكسة حزيران، باتجاه صناعة تجربة عربية لا ترمم الذات العربية المنكسرة فقط بل وترتقي بها إلى مراتب فعل تاريخي قادم ينسف نتائج النكسة ويعيد للأمة اعتبارها، وكان البعث في حواره الذاتي هذا والذي تحول بعضه إلى حوار مع قوى وطنية وقومية أخرى يضع كل ممكنات الاقتدار العربي القادرة على تصحيح وعبور فاجعة ومحنة الأمة اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً.

كانت تشخيصات البعث جذرية، تتعدى واجب الحزب التقليدي في الساحة القطرية إلى استحضار عملي لواجب استحقاق الأمة، بمعنى أن البعث هنا كان يتصرف وكأنه أمة العرب بكاملها، بقضها وقضيضها، تاركاً خلف ظهره اللوم والتثريب والتحليلات النظرية للنكسة التي لا تفضي إلا إلى تكريس وجع الروح العربية وانتكاستها.

ثم إن تقييم البعث لوقائع وأد عروس ثورات العراق عام (١٩٦٣) وواقع العراق المزري في السنوات التي تلت يوم الردة المشؤوم قد امتزج عملياً مع القراءة المتأنية لواقع الأمة بعد نكسة حزيران (١٩٦٧) والتي اعتبرها البعث تجسيداً إجمالياً لواقع الأمة المزري، وهذا العصف الثوري الذاتي أدى إلى وضع الحزب أمام وعي وفهم تاريخي مفاده:

أن زعزعة قوائم حال الأمة الغارق بالتخلف والنكسات والمتمرغ بالجوع والفاقة والأمية والجهل يتطلب عملاً تاريخياً غير تقليدي، بثورة تقدم وتنتج فعلياً واقع حال ونموذجاً مختلفاً جذرياً ينطق بقدرة الأمة وحيويتها وعناصر الطاقة الجبارة الكامنة فيها، ثورة تحول العراق إلى نموذج مصغر للأمة العربية القادرة المتمكنة المترفة المرفهة المنتجة المبدعة السابحة في موج البطولة وبحار التطلع المشروع لاستعادة أنغام الإنسانية التي عزفتها رسالات وحضارات عربية سلفت.

إن رؤية الحزب التي رسمت على ضوئها خطة ثورة تموز المباركة كانت تقوم على أن الواقع العربي القائم بكل خيباته ومرارته لا يعبر عن قدرات شعبنا العربي، ولا يتناسب مع الطاقات الجبارة الكامنة فيه، وأن النظام العربي الرسمي الفاسد هو سبب جوهري من أسباب نكبات الأمة، وعليه فإن هدفاً كامناً في ذات ثورة تموز هو تفعيل طاقات العرب لإنتاج حالة عربية لائقة من خلال إنتاج نظام عربي قومي ثائر ممسك بكل أدوات التغيير نحو الأفضل في العراق.

ثورة تموز لم تكن عراقية، بل كانت عربية من العراق، وقيادتها لم تكن عراقية، بل قومية من صلب شعب العراق، وخطط الثورة وما بعد تنفيذها كانت عقلية عربية من العراق عابرة لمستوى التفكير السائد في الأمة وذكائها وفطنتها . كانت مشتقة من فطنة أنبياء العرب وأئمتهم وخلفائهم وعباقرة الفن والأدب واللغة والشعر والجغرافية والرياضيات والطب والهندسة والفضاء والفلك التي خلدها التاريخ، وما انقطعت يوماً حتى لو أن ضغط الأزمنة قد جعلها تشح في حقب مظلمة فرضت على الأمة بعوامل ذاتية وأخرى موضوعية.

ثورة بيضاء:

لم يكن قرار ثوار تموز الأشاوس عدم إراقة قطرة دم واحدة في لحظات تفجير الثورة وما يليها من زمن معني بأهمية وقيمة قطرة الدم العراقية فقط بل كان معنياً، أعظم منه، بدلالاتها عراقياً وعربياً، فالإحجام عن إطلاق النار ونزع السلاح الأبيض أيضاً كان رسالة عقائدية دينية اجتماعية أخلاقية تاريخيه، تقول للعالم: انتهى عصر الصراعات السياسية التي يصاحبها إراقة الدم وازهاق الأرواح، انتهى عصر الدموية، انتهى عصر السلطة التي تصل الكرسي على قارب يعبر أنهار الدم، فلا ينتج عن تلك السلطة غير الدمار والمآسي في المعتقلات والسجون والإبعاد والاقصاء، انتهى عصر الاستهانة بأرواح الناس، انتهى زمن الثأر البغيض، ولَّى زمن البغضاء والسوء، وولد عهد الحرية والسلام والحوار والديمقراطية، وإعادة تصميم الحياة بسياقات ومكونات مدنية خالصة.

هذه رسالة ثورة تموز الأولى، وهي أول دلالات الاختلاف والتغيير الذي يعبر التنظير والادعاء إلى الفعل العظيم الشاخص الجليل الوقور، إن لا دموية ثورة تموز هو تغيير لمسارات تاريخية شهدها مسرح علاقات القوى الوطنية والقومية والإسلامية، وعبرت بآثارها السلبية حدود العراق وطبعت المشهد السياسي والنظرة العامة بما هو خادش وضار ومعزول عن المنطق والحكمة وسياقات العلاقات الموسومة بالإيجابية والديمقراطية.

الثورة البيضاء كانت موقفاً يؤكد الانتقال بالحياة السياسية في العراق خاصة والوطن العربي عامة إلى فضاءات الحوار والتفاهم والتنسيق والشراكة، وقد عبر عنها البعث أعظم تعبير بإعلان تشكيل الجبهة الوطنية والقومية والتقدمية وتشكيل حكومة شراكة وطنية من كل القوى السياسية الوطنية والقومية والإسلامية الوسطية غير الطائفية بعد أن ثبت البعث عوامل استتباب النظام والقانون وبدأ مرحلة التنمية.

 

ثورة شعبية:

لا تأخذ الأفعال والأحداث إطارها وأفقها وعموميتها القومية التاريخية إلا إذا أنتجها شعب الأمة أو جزء حي من الأمة، ورغم أننا نعرف كثرة التخرصات والاتهامات التي يطلقها الأعداء من أن ثورة تموز ١٩٦٨ كانت انقلاباً عسكرياً إلا أننا بالمقابل نعرف من الضفة الأخرى المعزولة عن التقييم المعادي المنطلق من أحقاد وبغضاء وأرواح سوداء وأخرى عميلة خائنة مرتزقة كامل الحقيقة التي نطلقها مجدداً هنا، من أن الثورة كانت ثورة شعبية خطط لها وفجرها حزب شعبي وطني قومي، وكان بعض قادته من العسكرين سنداً للتنفيذ وفي توفير ما قد تحتاجه الثورة من الأدوات العسكرية، وجزء من خطة الثورة، ليس لأنهم عسكريون بالأساس بل لأنهم بعثيون أولاً.

وثورة تموز ثورة شعبية بامتياز لأنها لم تحكم بقوالب الانقلابات العسكرية ولا بحدود تأثيراتها ومدياتها المعروفة، بل صنعت تاريخاً ملأت صفحاته بالتغييرات الثورية التي غيرت واقع الإنسان والبلد في كل الجوانب التي تتعامل معها الثورات الأصيلة.

لقد انصهرت الثورة وقيادتها بشعب العراق انصهاراً لم يحصل له مثيل، وأيدها الشعب وصار جزءاً من حركتها الدؤوبة إلى أمام في كل ما أقدمت عليه، وبهذا المعنى هي حدث قومي فريد وتاريخي في حياة العرب، لم تكن صلة ثوار تموز بشعبهم صلة حكومة بالشعب بل كان الشعب يبني ويعمر مع الدولة، والدولة كانت تزرع وتحصد وتخطط وتنفذ مستندة إلى روح الصلة الوثيقة بالشعب.

ثورة تموز بسمتها الشعبية هي حدث قومي جديد تماماً في حياة العرب، وقد عرف طريقه ليتجسد عيانياً في واقع وضمير الأمة في كل أقطارها بإنجازات ومكاسب غطت كل أقطار الأمة بلا استثناء مادياً واعتبارياً، لقد صارت ثورة تموز فعلياً هي ثورة كل العرب في كل أقطارهم بما حققته من بيئة وظروف انتقال موضوعية جعلت للعرب مقاماً مختلفاً في كل العالم.

منطلقات الثورة:

كما أسلفنا في الفقرات التي تطرقنا لها في هذا المقال، فإن ما يمنح الثورة صفة الحدث القومي التاريخي هي منطلقاتها النظرية والعملية، منطلقات ثورة تموز ١٩٦٨ هي من صلب عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي ونظرية العمل البعثية التي أنتجتها الثورة هي تنفيذ ميداني لمبادئ وأهداف البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية. لقد دَنَت إجراءات وأفعال ثورة العراق المجيدة من هدف الوحدة العربية غير ذي مرة، وبعديد صيغ جديدة ومتجددة وجسدت وحدويتها المرتبطة بالاشتراكية العربية البعثية في ميادين الاقتصاد والتعاون العسكري والتنموي في حقول البنى التحتية والتعليم والصحة والتجارة البينية، وفي علاقات العراق مع دول العالم التي خضعت خضوعاً تاماً للمصالح القومية العربية.

الإنجازات التاريخية:

ولكي تكتمل لوحة التوصيف القومي التاريخي لثورة البعث في العراق لابد من الإشارة إلى عدد من مكاسب الثورة ذات الأفق والأبعاد والخصائص القومية البارزة، والتي أدت بنتائجها التنفيذية على الساحة القطرية الممثلة لساحة الأمة إلى انعكاسات ونتائج قومية لا ينكرها إلا معادي للعروبة وعقيدتها الوحدوية التحررية الاشتراكية، ومن بين هذه المنتجات الثورية العراقية:

تأميم النفط العراقي، وطرد آلة الاستعمار الغربي التي كانت تنهب خير العراق.

تنفيذ خطط تنمية انفجارية حولت العراق إلى ساحة نهوض قومي.

مساهمة العراق في تطوير التعليم بمختلف مراحله في عديد الساحات القومية.

مشاركة العراق في معارك الأمة ضد الكيان الصهيوني وأهمها حرب ١٩٧٣ التي أعادت للإنسان العربي أرضه وكرامته تماماً كما خططت ثورة تموز قبل تنفيذها وبعده كما أسلفنا.

انتصار العراق على العدوان الإيراني الذي استهدف احتلال أرض العرب، وما يؤكد ذلك هو ما جرى ويجري بعد غزو العراق واغتيال ثورة تموز، حيث تحتل إيران العراق الآن.

التطور العلمي الهائل الذي حققه العراق واستثمره في استقبال آلاف العرب الدارسين والباحثين وعلى نفقة الدولة العراقية.

تشغيل ملايين العرب من مصر وفلسطين والأردن والمغرب العربي والسودان وسوريا وغيرها في قطاع الزراعة وغيرها.

تدريب وتقديم تجهيزات مختلفة لعدد من الجيوش العربية.

ترصين الموقف العربي سياسياً ودبلوماسياً في مواجهة التحالف الامبريالي الصهيوني في شتى المحافل.

مسارات الإشعاع الثوري:

   لعل من بين أكثر ما يفخر به قادة ثورة تموز ١٩٦٨ أولاً وشعب العراق ثانياً هو ما فاض به العراق من أنوار الحرية والتطور والانفتاح على العلم والمعرفة والتكنولوجيا على عموم الوطن العربي، وكان له تأثيرات عظيمة على تصاعد وتائر النهضة القومية ونمو ومد هائل للمشروع القومي الوحدوي التحرري من أقصى بقاع الأمة إلى أقصاها، إن حقبة دولة البعث الوطنية (١٩٦٨-٢٠٠٣) تعد دون شك حقبة نهوض قومي بارز وتاريخي قد لا تدانيه حقبة قبلها، إن اشعاع وألق التجربة القومية العراقية قد ملأ عيون وصدور العرب وجعلهم يصدقون لأول مرة بإمكانية تغلبهم على عوامل الانحطاط التي كبلتهم.

إننا نراهن الآن أن أية تجربة بحثية احصائية علمية تأخذ عينات عشوائية من كل الساحات الوطنية العربية ستنتهي إلى ما لا يصدقه من تجاسروا على العراق وشعبه وثورته وحزب البعث فيه، وستثبت أن ما بذل من مال وإعلام وما سلط من عدوان واجتثاث وإقصاء واغتيالات لم يتعرض لها حزب ونظام في العالم، منذ ٢٠٠٣ م لم يغيب حضور التجربة القومية العراقية ولم تعتم رؤية العرب الأحرار لساحة العراق التي انفتحت لأول مرة منذ مئات السنوات لتحتوي بمحبة وكرم وعطاء فذ أعظم إطلالة للأمة على الحرية والسيادة والوحدة والازدهار.

الحضور العربي في العراق:

من شهود وشواهد إنتاج تموز ١٩٦٨ لأعظم تجربة قومية نفذت إلى عمق صفحات التاريخ وسيؤسس عليها الكثير والكثير خارج الحسابات الآنية الراهنة هو الحضور العربي في العراق أبان حقبة الأمة في العراق والذي تمثل في:

أولاً: قيادة قومية عربية تقود تجربة الأمة إلى جانب القيادة العراقية وبشكل لم يحصل له نظير من قبل في سعته وامتداده الزمني.

ثانياً: وجود ضباط عرب كبار ضمن تشكيلات الجيش العراقي.

ثالثاً: حضور عمالة عربية من مختلف أقطار الأمة بما أفضى إلى فتح سبل إنهاء البطالة والفقر في أمتنا وتكامل ثرواتها وخيراتها.

رابعاً: لم يشهد تاريخ العراق أعداداً من الطلبة العرب في مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه كما شهد في حقبة الأمة في العراق.

التجربة التاريخية لا تموت:

شاهدنا الأعظم على تاريخية وقومية ثورة تموز ١٩٦٨ هو خلودها الذي نراهن عليه ليس لأنها أنجزت وحققت الكثير من مبادئ البعث وعقيدته الثورية فحسب بل لأنها لازالت تحرك المشهد العراقي إنسانياً وسياسياً رغم كل الذي سلط عليها من عوامل الفناء والتغييب، إن المقاومة العراقية الوطنية والقومية والإسلامية المعجزة التي انطلقت متزامنة مع ساعات دخول الجيوش الغازية خلقت ظاهرة كونية جديدة معلمها الأول هو انتقال الدولة المستهدفة بحرب كونية لا مثيل لها إلى مقاومة لا مثيل لها.

المقاومة العراقية هي الكيان العضوي الحي العصي على الفناء الذي يرمز بثبات إلى تاريخية ثورة تموز المجيدة، فالمقاومة العراقية هي حزب البعث الذي اجتثه الغزاة وذيولهم، وهي الصروح الشاخصة على أرض العراق قصوراً وفنادق وشوارع ومصانع معطلة ومزارع مهجورة تستغيث بالعراق الذي كان وتدعوه لإنقاذها لتعود إلى الحياة ولتغذي الحياة الكريمة لشعبنا.

المقاومة العراقية التي انطلقت عام ٢٠٠٣ هي ذاتها ثورة تموز التي ولدت عام ١٩٦٨ ولأنها تاريخية قومية أصيلة فإنها ستنتصر لتعيد من جديد مسار البعث القومي الوحدوي التحرري الاشتراكي الذي بانطلاقته من العراق المحرر سيحرر فلسطين وكل بقعة عربية سليبة، وبهذا تصبح قومية وتاريخية ثورة البعث هي الحقيقة الأعظم في حياة العرب المعاصرة كما كانت قبل نيسان ٢٠٠٣.

في الذكرى 57 لثورة ١٧-٣٠ تموز البَرْنَامَجُ النَّوَوِي…. العِرَاقُ فِي أَوْجِ نَهْضَتِه (١٩٨٢-٢٠٠٣)

في الذكرى 57 لثورة ١٧-٣٠ تموز

البَرْنَامَجُ النَّوَوِي….

العِرَاقُ فِي أَوْجِ نَهْضَتِه (١٩٨٢-٢٠٠٣)

افتتاحية العدد 85 مجلة ألق البعث

 

الدولة العربية التي تلج برامج طاقات الذرة والنووى يجب أن تستحضر الحقائق التالية:

أولاً: إنها ستستهدف من الامبريالية والصهيونية بغض النظر عن طبيعة وحقيقة برنامجها.

ثانياً: يجب أن تكون على قدر كاف من الامكانات المادية والبشرية المتخصصة.

ثالثاً: أن تكون قد بدأت ميدانياً برامج تنموية طموحة تحتاج بحوث واستخدامات الطاقة الذرية والنووية، وخاصة في مجالات الصحة والصناعة والزراعة.

إن الحكومة الوطنية القومية في العراق قد قررت أن يدخل العرب عصر الطاقات المتجددة، ومنها الطاقة النووية، بعد أن وفرت كفاءات عراقية متمرسة في علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات وغيرها، بحيث يصبح للبرنامج سمته وسحنته الوطنية ويقل فيه الاعتماد على الكفاءات الأجنبية قدر المستطاع، لأن استقلالية البرنامج النووي تمثل نقطة مفصلية في أمنه وتواصله.

بدأت حكومة البعث تنفيذ قرار الدخول في حقل الطاقة النووية بعد أن نضجت بنى التنمية في مختلف قطاعات الحياة وصارت الطاقة النووية حاجة قائمة فعلاً في البحوث الزراعية والاستخدامات الصناعية والطبية.

وإذا كانت خطوات البرنامج العراقي للاستخدام السلمي للطاقة الذرية والنووية قد بدأت في أواخر السبعينيات ورسمت أفقه بالتعاقد مع دول عديدة أبرزها فرنسا إلا أن ذروة التطور في البرنامج قد بدأت بعد استهداف المفاعلات النووية العراقية بالعدوان من قبل إيران أولاً ومن قبل الكيان الصهيوني ثانياً، الذي نفذ ضربة غادرة سنة ١٩٨٢ بالتواطؤ مع إيران وأطراف أخرى وبإسناد مباشر طبعاً من الدول الإمبريالية.

بعد تلك الضربة بدأ العراق يتلمس وسائله الوطنية ويضع الاحترازات والاحتياطات التي تضمن سلامة وديمومة البرنامج العراقي الطموح.

إن دخول العراق في خانة دول الطاقة النووية كان حقيقة ساطعة كحقيقة تأميم عمليات شركة نفط العراق وطرد المستغلين الأجانب وبدء نهضة صناعية نفطية رائدة، فكلا الحدثين شَكَّلا تحدياً ثورياً شجاعاً باسلاً للثورة وقيادتها الفذة يتقدمها الشهيد الرئيس القائد صدام حسين رحمة الله تغشاه، وكانت القيادة وشعب العراق تعي وتدرك تماماً خطورة ما تنفذه للأمة العربية وللأمة الإسلامية في بغداد، ومع ذاك الوعي بالمخاطر كانت الشجاعة والجسارة والإيمان بالله حاضراً لتمهر وتعمد القناعة بأننا نقوم بواجبنا ونمارس حق وطننا وأمتنا في مسك حافات العلوم.

إن من يتملكه الخوف لا يبني ولا يعمر ولا يعيش بكرامة، ومن يحول التحسب المطلوب إلى رهاب فإنه يفقد زمام المبادرة ويختنق في حفر التخلف، لذلك كانت قيادة العراق شجاعة مقدامة باسلة.

بعد عام العدوان الصهيوني على مفاعل تموز ١٩٨٢ تصاعدت وتيرة البحث العلمي العراقي في مجالات الطاقة النووية، واستطاع علماء العراق اشتقاق ووضع طرائق للتخصيب عراقية خالصة، وبُنيت منشآت محصنة وانفتحت مواقع زراعية وخطوط إنتاج صناعي وعمليات طبية لتحتضن نتائج البحوث العراقية وتطبيقاتها.

قد يكرر البعض مقولات متهافتة خائبة متخرصة عن جدوى عمل لم يدم بل ذبح وكان سبباً من أسباب استهداف العراق، نقول: إن من يعمر ويطور لا يقف عند عتبات التردد والتحسب المفرط، فالبناء والتطور تقتضي الجسارة والإقدام، ونقول إن من يبني بيتاً أو قصراً أو حتى كوخاً لا يضمن ألا يهاجم بناؤه ويحرق من اللصوص والأعداء المتربصين.

نقول لو كان التحسب عائقاً في الإقدام لما حمل بشر الأمانة، ولما حملوا الرسالات الربانية، ولما ثارت الجزائر على الاحتلال الفرنسي، ولا فيتنام على الكاوبوي المتغطرس الأمريكي القاتل المجرم.

من يركب البحر لا يخشى من الغرق….

 

 

البعث في لبنان ، نضال وطني تحت راية الشرعية القومية (الحلقة الثانية) البدايات الأولى للبعث في الجنوب اللبناني

 

خالدون في سبيل البعث

من سجل النضال القومي المجيد

حزب البعثُ العربي الاشتراكي هو حزبٌ قوميٌّ وُلِدَ من رحم معاناة الامة  من أجل تحقيق وحدتها وحريتها ونهضتها، لتمارس دورها الحضاري بين الأمم بما يَليق بمكانَتِها الكبيرة وإمكاناتها الهائِلة وتأريخها المجيد. وهو فِكرٌ رَصينٌ وراسخٌ، ونَهجٌ ناضجٌ ومُتقدمٌ ينير درب مناضليه وجماهيرَه في كفاحهم لتحقيق أهدافه الاستراتيجية الكبرى في الوحدة والحرية والاشتراكية. وحزبٌ هكذا هي أهدافه، قومية تقدمية انسانية، لا ينهض برسالَتِه الحضارية العِملاقة في بعث أمة بكاملها، الاّ نوعية خاصة من أبناء الأمة المناضلين في صفوفِه، من الذين آمنوا بحقِّ أمتهم في النهضة والتقدُّم لتحتَّل مكانتها الكبرى بين الامم ، فوهبوا حياتهم لتحقيق رسالته، خائضين في سبيل ذلك نضالاً ضروساً وتضحيات جسام لتأصيل الأهداف النبيلة للبعث، وقيمه ومبادئه السامية. انَّهم صُنَّاع الحياة ومستقبل الامة، ورجال العطاء والفداء من أجل تحقيق وحدة أمتهم العربية المجيدة. هكذا هُم مناضلو البعث على امتداد وطنهم العربي الكبير من المحيط الى الخليج.

يسعى هذا الباب الى القاء الضوء على محطات من السجلّ الخالد لمناضلي البعث في الوطن العربي ، وحلقة اليوم هي الثانية من تاريخ البعث في لبنان ، نضال وطني تحت راية الشرعية التاريخية للحزب القومي.

 

 

البعث في لبنان ، نضال وطني تحت راية الشرعية القومية

(الحلقة الثانية)

البدايات الأولى للبعث في الجنوب اللبناني

د. عبده شحيتلي

أول من حمل راية التبشير بالبعث في جنوب لبنان بعد العام 1947 غسان شرارة من بنت جبيل والدكتور على جابر من النبطية، وأبرز مسارح النشاط كانت الكلية الجعفرية في صور، والمقاصد في صيدا. 

انتسب الدكتور على جابر الى حزب البعث عندما كان على مقاعد الدراسة في كلية الطب في جامعة دمشق، وصلته المبكرة بالبعثيين الأوائل هناك أهلته لكي يحضر المؤتمر التأسيسي عام 1947، لذلك لم يكن غريباً تكليفه بمتابعة بؤر التنظيم عندما كانت الرسائل تصل الى قيادة البعث في سوريا من الراغبين بالانتساب الى التنظيم في جنوب لبنان عامة.  إضافة الى الخلايا الأولى في منطقة النبطية،  بعد عودته الى النبطية وفتح عيادة فيها. وقد برز دوره القيادي على صعيد لبنان بعد انتظام العمل الحزبي وفقاً للنظام الداخلي، وخاصة في المؤتمرات القطرية. وكان محي الدين محي الدين من الرعيل الأول للبعثيين الذين عملوا مع الدكتور علي جابر؛ يذكر القائد البعثي ظافر المقدم أن من بين المحطات التي اثرت في وعيه السياسي،  مشاهدة رموز ثورة 1958 في النبطية ومن بينهم محي الدين محي الدين الذين تأثر بمشاهدتهم يلبسون اللون الكاكي عندما كان يافعاً. ويروي أنه عمل في كراج المقدم في ” مواجهة محل محي الدين محي الدين الذي كان يزوره صديقه الحميم الشيخ علي الزين يومياً … هذا الشيخ الجليل والشهير كانت له صلة سابقة بحزب البعث، ومع تكرار مروره للسلام والكلام اللطيف والهادف تأثرت بما كان يقدمه من مفردات عن العروبة والتغيير وعن الرهان على الشباب الثائر والجيل المقاوم … وكان على صلة بموسى شعيب الذي قدم الى النبطية كمعلم في ثانوية الصباح الرسمية “. (المقدم ، ظافر. مخطوطة مذكرات غير منشورة ، محفوظة في مكتب الدراسات والنشر) .

  في بدايات العام 1952 كان التنظيم الحزبي في النبطية قد وصل الى مستوى شعبة، يؤكد ذلك نص من نشرة داخلية منشورة في ” نضال البعث ” ورد فيه أن “القيادة الفرعية في لبنان تثني على شعبة النبطية على ما كانت عليه من حماسة ونظام أظهر جوهر الحزبيين وعمق إيمانهم ورغبتهم بالعمل المستمر”  ( – نضال البعث ، ج8، دار الطليعة بيروت ، ط1 ، آذار 1972) . هذا التنويه بالتنظيم الحزبي في النبطية الذي جاء في سياق الحديث عن مشاركة شعبة النبطية في مهرجان الشهداء في صيدا، يبين أنه كان الأكثر تميزاً على مستويي التنظيم والعمل وذلك يعود بالتأكيد للكادر الأول، وعلى رأسه الدكتور علي جابر.

وقد امتد الانتشار الحزبي في هذه الفترة ليصل الى اقاصي الجنوب، يؤكد ذلك الاستاذ حسن غريب الذي انتظم في خلية حزبية في بلدة الخيام أواخر الخمسينات قبل انتقاله الى بيروت لمتابعة الدراسة في دار المعلمين ومتابعة انتظامه الحزبي هناك في خلية ضمت اليه عبد الحليم البعلبكي إبن بلدة العديسة والذي اصبح فيما بعد من أبرز الفنانين اللبنانيين. يروي الدكتور مصطفى الدندشلي في مقابلة تتعلق بتاريخ البعث في لبنان أنه عندما انتظم في أول حلقة حزبية تشكلت من خمسة أعضاء في المقاصد – صيد، اتصل غسان شرارة  بأكرم الحوراني طالباً التوجيه لتكون الحلقة داخل التنظيم الحزبي، فرد عليه بإعطائه عنوان الدكتورعلي جابر في النبطية، ومجموعة من البعثيين في الجامعة الأميركية في بيروت.  ويؤكد أن انتظامهم حزبيا تم بعد اللقاء مع الدكتور علي جابر، وسعدون حمادي ومحمد عطالله “إبن صيدا” اللذين كانا يتابعان الدراسة في الجامعة في العام الدراسي 1951-1952.

هذه العلاقة بين غسان شرارة وأكرم الحوراني، كانت قد بدأت في بنت جبيل حين كان البعثيون يتطوعون للقتال بعد نكبة 1948، وكان أكرم الحوراني يحضر الى بنت جبيل حيث تحول بيت والد غسان السيد موسى الزين شرارة  الى “ملتقى وناد ومكتب للحركة الوطنية والاتجاهات القومية العربية” .( مقابلة د. مصطفى دندشلي مع المحامي نعمة جمعة حول بدايات البعث في بنت جبيل نشرها المركز الثقافي للبحوث والتوثيق).

انتشر البعث في بنت جبيل وقضائها بفعل حضور قيادات البعث وتفاعلهم مع الأوساط الشعبية في المنتديات والمقاهي، ولارتباط القضية الفلسطينية بمسألة العروبة ومقاومة المشاريع الاستعمارية، بعد مبادرة مؤسسي البعث وكوادره للمشاركة الفاعلة مع المتطوعين العرب في مواجهة الاحتلال الصهيوني لفلسطين . بدأت افكار الحزب بالانتشار في أوساط الأساتذة والطلاب ثم امتدت الى مختلف الشرائح الاجتماعية، الدليل على ذلك هو أن عبد اللطيف ناصر العامل في مجال صناعة الأحذية الذي اشتهرت فيه بنت جبيل، وكان وسيلة كسب للعيش عند فئة واسعة من الكادحين كان ناشطاً الى حد كبير في العمل التنظيمي، ووصل الى موقع عضو قيادة فرع الجنوب .             

انتشر الحزب في العديد من قرى بنت جبيل التي أصبحت “مقفلة للبعثيين”  ومنها رشاف وكفردونين وعيناتا وشقرا وعيترون ويارون والسلطانية وبرعشيت … وغيرها،  وامتد التأثير البعثي الى عين إبل بعد تنظيم خلية بعثية بمسؤولية خليل صادر.  كانت بداية الانتساب لصفوف الحزب في بنت جبيل محصورة بالمعلمين والطلاب ثم انتشر التنظيم الحزبي في صفوف العمال والكادحين، لا سيما عمال مصانع الأحذية التي تشتهر فيها بنت جبيل، ويذكر المهندس واصف شرارة من بينهم حسن الشيخ علي زين شرارة وبهجت بزي ونزيه سعد ( شرارة ، المهندس واصف ، مقابلة بعنوان : هكذا نشأ القوميون والبعثيون والقوميون العرب على منصة : www.manateq.net

يؤكد المهندس شرارة أن أول المنتسبين في صفوف الحزب مع بداية الخمسينات كان الاستاذ احمد شرارة المدرس في مدرسة بنت جبيل الرسمية، ويذكر المحامي محمود بيضون أن الاستاذ أحمد شرارة دعاه لزيارته في منزله عندما كان تلميذاً في مدرسة بنت جبيل ليفاجأ بوجود عدد من التلامذة وجلهم من المجتهدين والفقراء. واخذ يشرح لهم ما حدث أثناء الحرب في فلسطين التي ادت الى النكبة وبدأ يوزع عليهم منشورات البعث ( بيضون محمود. من حنايا الذاكرة ،  بيروت 2016، ص 15). ومن أوائل البعثيين في بنت جبيل غسان شرارة الذي لعب دوراً كبيراً خارج منطقة بنت جبيل على مستويين : القيادة وانتشار التنظيم الحزبي.

من بنت جبيل انتقل التاثير الحزبي الى الكلية الجعفرية في صور والمقاصد في صيدا. يقول إبن بنت جبيل المحامي نعمي جمعة الذي شغل مواقع أمين سر فرقة بنت جبيل عام 1959 إنه دخل الى البعث بفضل الجو البعثي عندما كان يتابع دراسة الصف الأول تكميلي في الكلية الجعفرية في صور. ويصف الكلية بأنها كانت خزاناً للبعثيين؛ فصاحبها السيد عبد الحسين شرف الدين هو جد البعثي حسين شرف الدين المدير والأستاذ في الكلية  الذي شغل في الخمسينات موقع عضو قيادة فرع في التنظيم الحزبي، وكان دوره أساسياً في انتشار البعث في صور ومنطقته. 

وصل التأثير البعثي على الصعيد الاجتماعي في منطقة صور الى الحد الذي سمح بفوز جعفر شرف الدين، إبن السيد عبد الحسين، بالانتخابات النيابية بفعل دعم البعثيين له باعتباره متعاطفاً مع البعث، دون الانتساب الى التنظيم. ويروي حسين وهبي فران الذي انتسب الى البعث عام 1959 أن من أوائل البعثيين في صور: حسن محي الدين وجميل شغري وعلي الحلاق وجمال قدادو وكامل زعتر  ودرويش شام والسيد محسن شرف الدين. ويؤكد أن حسين شرف الدين كان من أنشط البعثيين في صور، يقود المظاهرات، ويأتي بالسلاح من سوريا أثناء ثورة 1958 التي انخرط فيها البعثيون ضد سياسة الرئيس شمعون وحلف بغداد في ذلك الحين.  ويضيف نعمي جمعة الى أسماء البعثيين الأوائل في صور بشير شام الذي كان يلقب بعفلق الصغير، ويذكر ان محسن شرف الدين هو اخو حسين شرف الدين وكان لقبه شاعر البعث في صور مثلما كان لقب فضل الأمين شاعر البعث في بنت جبيل. كذلك يذكر محمود بيضون أنه بعد نيل شهادة البروفيه انتقل للدراسة في الكلية الجعفرية في صور وهناك زاد اندفاعه “نحو الحزب كون أكثر الطلاب نضوجاً واجتهاداً كانوا ينتمون اليه بالاضافة الى أن جو هذه الكلية كان عروبياً طليعياً يدعم توجه الحزب بتشجيع من إدارة الكلية واساتذتها” (م.ن ).   وكان من أبرز خريجي الكلية الجعفرية البعثيين أمين سعد (الأخضر العربي) الذي كان من أوائل الشهداء البعثيين الذين سقطوا في مواجهة العدو الصهيوني.

لعب البعثيون في خمسينات القرن العشرين في منطقة بنت جبيل دورااجتماعيا كبيراً، ” فقد أطلقوا حملة لإنشاء مدرسة في عيناتا من خلال التبرعات ساهم بها أبناء البلدة والمغتربين البعثيين … كما عملوا بمساعدة آخرين على فتح طريق الى بلدة رشاف التي كانت لا تدخلها السيارات”.

البعث من بنت جبيل الى المقاصد ومدينة صيدا :

يروي د. مصطفى دندشلي  كيف تشكلت أول خلية بعثية في كلية المقاصد في صيدا، والدور الذي لعبه مديرها الأستاذ شفيق النقاش الذي كان ينتمي الى حزب النجادة في دفع وبلورة الوعي القومي العربي في المدينة، من خلال الدور الوطني والقومي الذي لعبته كلية المقاصد التي انطلقت منها التظاهرات ضد الانتداب الفرنسي، والعديد من النشاطات الداعمة للقضية الفلسطينية، إضافة الى مشاركة اساتذتها وطلابها في التظاهرات التي عمت صيدا بعد اعتقال  سلطات الانتداب لرئيسي الجمهورية والحكومة عشية الاستقلال. كل ذلك شكل تربة خصبة وطنية وعروبية نبتت فيها بسهولة، فكرة البعث، وانتشر فيها تنظيمه في الخمسينات بشكل واسع ومؤثر وكانت البداية ما بين العامين 1951-1952.

كان حزب النداء القومي من أبرز الاتجاهات العروبية في صيدا في ذلك الحين. وكان يضم بعض المثقفين والكوادر في المدينة الذين كانوا على صلة مع قيادة الحزب في بيروت، وخصوصاً آل الصلح الذين جمعتهم صلة قرابة  اثرت في الانتماء السياسي. في هذا الإطار كان لرئيس الحزب كاظم الصلح وقريبه تقي الدين الصلح، الذي حافظ على صلة وثيقة بالبعث وقيادته في العراق حتى نهاية حياته، دور بارز في تأطير الشباب الصيداوي، ومنهم الأستاذ شفيق لطفي والدكتور نزيه البزري، في حزب النداء القومي.   

 في هذه الأجواء العروبية التي سادت صيدا والمقاصد تعرف د. دندشلي في المقاصد على زميله غسان شرارة الذي أصبح صديقه المقرب، وبواسطته تعرف على افكار البعث من خلال منشورات حزبية لميشيل عفلق، وأعداد جريدة البعث التي كان غسان شرارة يجدها في منزل والده موسى الزين شرارة ويحضرها معه الى صيدا.  نقل غسان الأفكار والمبادئ التي تعرف عليها من خلال والده، فاعتبر نفسه بعثياً، وحمل هذه الأفكار الى اصدقائه المقربين عندما انتقل للدراسة في كلية المقاصد بداية العام الدراسي 1951-1952.  ومن بينهم عماد النوام ومحمد السيد إضافة الى مصطفى الدندشلي .

عن طريق محمد السيد انتقلت فكرة تأسيس اول خلية حزبية الى جاره الفلسطيني خالد البرد الذي نقلها بدوره الى صديقه الفلسطيني حسن الريان لتتشكل من هؤلاء الخمسة أول حلقة حزبية في مدينة صيدا، بعد أن بادر غسان شرارة للإتصال بصلاح البيطار لتنظيم علاقة هذه الخلية رسمياً بالتنظيم الحزبي، وليصبح الطالب البعثي الصيداوي الذي كان يتابع الدراسة في الجامعة في بيروت محمد عطالله المشرف على التنظيم الناشىء في صيدا. إضافة الى هذه الخلية كان الأستاذ نجيب الزين الذي انتسب الى الحزب أثناء عمله كمدرس للأدب العربي في دير الزور، من الرعيل الأول للحزب في صيدا، وكذلك الدكتور رفيق حنينه الذي كان قد انتسب للحزب أثناء دراسته الطب في سوريا ، وهما من الذين كانوا يدعمون الحزب مادياً، لوجودهما خارج لبنان ، الأمر الذي منعهما من المساهمة في انتشار التنظيم.

في كلية المقاصد استقطبت الخلية الحزبية الناشئة معظم الطلاب النشيطين ومن بينهم فؤاد ذبيان وعاصم قانصوه  ورياض رعد وهم من الطلاب الذين اتوا الى صيدا للدراسة، ومن ابرز الذين انتسبوا الى البعث في هذه الفترة حسيب عبد الجواد من خلال علاقة الجيرة التي كانت تربطه بكل من محمد السيد وخالد البرد.  من خلال طلاب المقاصد انتشرت افكار البعث الى أهاليهم ومحيطهم الاجتماعي؛ هذا الانتشار شجع الطالب محمد عطالله الذي كان على صلة بالكادر المركزي الأساسي للبعث في الجامعة على طرح فكرة تنظيم مهرجان مركزي للحزب في صيدا بمناسبة يوم الشهداء في 6 ايار عام 1952 ، وبادر للإتصال بمدير كلية المقاصد لنيل موافقته على ذلك .  

يروي الدكتور مصطفى دندشلي ما يذكره عن هذا المهرجان فيقول: ” إنه كان حاشداً، وأقيم في القسم الغربي السفلي للكلية، في الساحة الكبيرة المستطيلة والعريضة للصفوف المرحلة الابتدائية، وإلى جانب حضور جميع طلاب المقاصد حضرته مجموعة كبيرة من الطلاب العرب البعثيين والعروبيين في الجامعة، بالإضافة الى حشد من أهالي صيدا ومن المثقفين والبعثيين الجنوبيين مع الدكتور علي جابر . ومن الخطباء : عريف المهرجان أحمد الصلح ( وهو أحد الطلاب الصيداويين في الجامعة)، وأيضاً عاطف دانيال ( بعثي من سوريا)  وجمال الشاعر من الأردن وسعدون حمادي ومحمد عطالله وعلي فخرو( من البحرين ) وآخرون . في هذا المهرجان الخطابي العروبي ، رفعت في اجواء كلية المقاصد الإسلامية في صيدا شعارات البعث ،وهتافات الطلاب البعثين المحتشدين تدعو الى الوحدة العربية، والتحرر من الاستعمار، والديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية بصيغة تحقق الاشتراكية العربية.

بعد هذا المهرجان توسع الانتشار الحزبي في صيدا ومحيطها ، وازداد الانتساب للحزب فدخل الرعيل الثاني من طلاب المقاصد ومنهم : فؤاد ذبيان وغازي البساط ونزيه كالو وحسيب عبد الجواد ونديم المجذوب وحسن عبد الجواد ومحمود دندشلي وهشام البساط وبسام الزعتري وعبد الفتاح العبداوي ويوسف جباعي ورائف الزين وفيما بعد حسن بركات ومصطفى شريف حجازي، وغيرهم . ومن النقابيين اسماعيل النقيب ويوسف فتوني ، ومن الكسبة محمود حبلي، وسليمان الزيتوني .   

ومن أبرز البعثيين الذين لعبوا دورا هاماً في التنظيم الحزبي في صيدا، والجامعة فيما بعد، المحامي خالد لطفي الذي تابع دراسته في مدرسة الفنون الإنجيلية حيث كان عدد قليل من الطلاب ينتمون للبعث من بينهم باسل عطالله الذين كان في صف اعلى. انتسب خالد لطفي الى الحزب عام 1957 عندما كان في الرابعة عشرة من عمره بتأثير من إبن خالته نبيه حشيشو، وبات عضواً في إحدى حلقات الأنصار، في حلقة طلابية تضم من هم أكبر منه سنا،  ومنهم جميل  بساط وعفيف ابو زينب الذي تسلم خلال أحداث العام 1958 ” الأمن الداخلي ” في صيدا، بعد أن ذهب مع حزبيين آخرين من بينهم حسيب عبد الجواد الى سوريا للتدرب على استعمال السلاح والأعمال العسكرية والمقاومة المسلحة.

كان للبعثيين في هذه الفترة دور كبير في نجاح معروف سعد في الانتخابات النيابية عام 1957، وكانت العلاقة معه وثيقة جدا في فترة أحداث 1958، وفي العام 1959 توسع التنظيم الحزبي في صيدا وبات موزعاً على شعبة حزبية، وثلاث فرق هي : فرقة الطلاب التي انتخب خالد لطفي عضواً في قيادتها، وفرقة العمال، والفرقة النسائية. وتشكلت قيادة الشعبة من خمسة اعضاء هم اسماعيل النقيب ، وخضر الصباغ ، وخالد البرد وحبيب بديع إضافة الى خالد لطفي. وانتخب خالد البرد وكمال منصور لعضوية فرع الجنوب.

 تجاوز عدد الأعضاء العاملين في التنظيم الحزبي في هذه الفترة المئة، وعدد الأنصار المنتظمين في خلايا حزبية الألف والثلاث مئة. وفي العام 1960 بات الحزب يتمتع بالامتداد الأقوى والأوسع فأنشأ نادياَ علنياً في شارع رياض الصلح ( بناية الحاج أحمد البزري)، وحقق حضوراً مهيمناً في جمعية الأدب والثقافة.

انتقل خالد لطفي فيما بعد الى بيروت لمتابعة الدراسة في الجامعة حيث اصبح عضوا في قيادة الفرقة التي تولت أمانة سرها ليلى بقسماطي، قبل ان تنتخب في القيادة القطرية، ليحل خالد لطفي مكانها في أمانة سر هذه الفرقة..

 ويروي خالد لطفي أنه في العام 1962 اتصل به رغيد الصلح وأخبره أنه وأصدقاؤه من القوميين العرب معن بشور وعماد شبارو يرغبون بالانتساب الى الحزب .