حلقات في سيرة ومسيرة الرفيق القائد عزة إبراهيم رحمه الله
من باب الوفاء للرفيق القائد عزة إبراهيم رحمه الله قمنا بتدوين موجز ومختصر عن جهده وجهاده في إعادة بناء الحزب والجهاد والمقاومة في العراق على شكل حلقات، وباسم رمزي هو اسمنا المدرج في بيان تشكيل القيادة العليا للتحرير والجهاد خلال العام 2007 ونشرت تلك الحلقات ووزعت على نطاق واسع ونالت استحسان وتقدير الجميع وهي كما في أدناه:
((هذه الكلمات البسيطة والشذرات الجهادية والمختصرة والتي سنتناولها في هذه الحلقة والحلقات الثلاثة القادمة تتناول شيئاً بسيطاً بحق القائد الوطني والمجاهد الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله، ووجدنا أن من الواجب الوطني والشرعي والأخلاقي أن ندونها بعد أيام من وفاته..
نسأل الله له الرحمة والمغفرة وأن نكون قد ساهمنا في استذكار قامة وهامة عراقية مجاهدة ومرابطة في أرض العراق لهدف سامي وغالي، وقد تعبر هذه الكلمات عن بعض مواقف الرجل الوطنية والجهادية وقد تفيد الباحثين في مواقف حزب البعث الوطنية والجهادية، ومن الله العون والتوفيق))
بسم الله الرحمن الرحيم
سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة إبراهيم
شذرات على طريق الجهاد والرباط
الحلقة الأولى
بقلم الفريق الركن
محمد صالح علوان
يوماً بعد آخر نفقد القادة واحداً تلو الآخر على طريق الجهاد والرباط في الوقت الذي ترنو أبصارنا إلى عراق حر مستقر وآمن ونحث الخطى لتحرير بلادنا من آثار الغزو والاحتلال الأمريكي البغيض والذي دمر البلاد والعباد وترك آثاراً خطيرة يصعب محوها، وفي هذه السطور التي نحاول من خلالها استذكار قامة عراقية ومثابة وطنيه كان لها دور بارز ومهم في مسيرة الأحداث على الساحة العراقية طيلة ما يقارب سبعة عشر سنة من عمر الاحتلال والغزو، ووجدنا بأننا ملزمون بتدوين مقتطفات وشذرات من سفر الجهاد والبطولة بحق القائد الراحل عزة إبراهيم رحمة الله عليه ونحن في ذكرى الأربعينية الأولى بعد وفاته.
لقد كان الفقيد يشغل منصب رفيعاً في الدولة العراقية قبل سنة 2003 حيث كان نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ونائبا للأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وكان هو ورفيق دربه الشهيد صدام حسين يشكلان أهم القيادات في العراق (الرئيس ونائبه) وبالتالي كانا من يتحمل المسؤولية الأولى في القرارات الاستراتيجية والمصيرية والمهمة في العراق ، وكان بينهم من الوشائج والعلاقات الشخصية والنضالية والوظيفية ما جعلهما يشكلان فريقا واحدا في المنهج والسلوك رغم الاختلافات والقدرات الواضحة والمعروفة لكل منهما.
وكانا يتربعان على عرش دولة مهمة من دول الشرق الأوسط والعالم تمتلك موارد مادية هائلة وشعب حي ومعطاء كما أنهما كانا ينتسبان إلى مدرسة واحدة في الفكر والسلوك هي عقيدة البعث القومية الاشتراكية الإنسانية المعروفة ، وكانت أحلامهما المشتركة ترنو إلى بلد قوي ومؤثر في محيطه العربي والدولي وأمة مجيده لها من الصفات الحميدة والارث المجيد والمرتبط بعقيده سماوية عظيمه تمثلت برسالة الاسلام التي جاء بها النبي العربي محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ، وبالتالي فأن اهدافهما المشتركة التي تربوا عليها وكانوا من روادها في العراق حتى شاء القدر ان يكون لهما قدر القيادة وفي مراكزها الأولى واستمروا في السعي لتحقيقها رغم كل المؤامرات والدسائس والمعوقات.
وخلال السنوات الأخيرة وبعد تصدرهما للمشهد السياسي في العراق وحيث كان بيدهما سلطة القرار بالكامل تعرض بلدنا العراق إلى محاولات متكررة للغزو والاحتلال والى ضغوط سياسيه هائلة وحصار ظالم وجائر وخاصة بعد احداث الكويت في الاعوام 1990ـ 1991 وما بعدها ، كانت معظم الضغوط السياسية تنصب وتركز على ضرورة تبدل الموقف السياسي العراقي عن مساره التقليدي والسير باتجاهات منحرفه قليلا وبعيدا عن ركائزه الأساسية المتمثلة بدعم أمة العرب والسعي لإعادة بناءها ومجدها ودعم كل المسارات التي تقود بهذا الاتجاه ، ومن تلك الضغوط الهائلة والمعروفة هو ما قامت به فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة تحت ذريعة البحث عن اسلحة الدمار الشامل والتي كانت حججها واهنه وكاذبه كما تبين لاحقا ، لقد تدخلت وفتشت فرق التفتيش الدولية هذه كل مكان في العراق وفتشت حتى قصور الشهيد صدام حسين رحمه الله ورفاقه بل حتى غرف نومهم ولم تقدم دليلا واحدا على ما تبحث عنه.
كان بإمكان الرئيس صدام حسين ورفاقه التنازل عما يقل عن 10 % مما تنازل عنه الكثير من القادة العرب وبعض قادة العالم حتى يبقوا في سدة الحكم كملوك متوجين إلى عشرات السنين وبرعاية دوليه، ولكن هؤلاء الرجال الأحرار الذين ربطوا مصيرهم بشعبهم ووطنهم وأرضهم لم يخذلوا من آمن بهم بل قدموا أرواحهم فداء لمشروعهم الذي آمنوا به، وهذا هو ديدن الرجال الأحرار المؤمنين بحق شعبهم وأمتهم فلهم الرحمة والغفران.
وجاء الاحتلال والغزو الأمريكي إلى بلادنا في سنة 2003 والعراق يعاني من حصار جائر وظالم لم يشهد له التاريخ مثيلا واستمر لما يقارب الثلاثة عشر سنة وأصاب كل مناحي الحياة في الصميم وأثر كثيراً في المجتمع العراقي المتماسك، كان العراق في تلك اللحظة التاريخية في أضعف حالاته من جميع النواحي ففي المجال السياسي شكلت التحديات الداخلية والخارجية السمة الأبرز ومن النواحي الاقتصادية تدنى فيها مستوى الدخل الفردي والقومي وكذلك الإنتاج المحلي لأدنى مستوى وكذا الحال في الجانب العسكري وغيره. وشكل ذلك الغزو والاحتلال المتوقع التحدي الأبرز في وجه القيادة العراقية حيث استمرت المواجهة المباشرة لأكثر من عشرين يوماً رغم أن تلك المواجهة المستمرة لم تنقطع يوماً منذ العام 1990.
وبعد هذا التمهيد الذي أشرنا إليه لا بد لنا من التركيز على ما نحن فيه من استذكار لمناقب ومواقف فقيدنا الراحل عزة إبراهيم رحمه الله فنشير بأن الرئيس صدام حسين تولى هو شخصياً وتحمل مسؤولية المواجهة السياسية والعسكرية المباشرة حتى بعد 9 نيسان 2003 وكان من المنطقي والواقعي أن لا تظهر الشخصيتان الرئيسيتان في الدولة والحزب إلى العلن وفي خطاب سياسي علني، وعلى الرغم من اللقاءات المتعددة بين الرجلين للحوار والمداولة وفي مناطق مختلفة من البلاد خلال الفترة من 9 نيسان 2003 وحتى اعتقال الرئيس الشهيد صدام حسين في 13 كانون الأول 2003 لم يظهر الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله إلى العلن ولم يبعث برسائل إعلامية إلى الأعلام واكتفى بالعمل على إعادة العمل الحزبي والجهادي والتواصل مع التنظيمات الحزبية وفق الظروف المتاحة وترك الرسائل السياسية والإعلامية العامة إلى الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله.
وبعد اعتقال الرئيس الشهيد صدام حسين من قبل قوات الغزو والاحتلال كان لابد إلى نائبه ورفيق دربه أن يتولى مهمة القيادة وبذلك بادر إلى التواصل مجدداً مع التنظيمات الحزبية والعناصر الجهادية التي انخرطت في مشروع المقاومة سواء من ضباط وعناصر القوات المسلحة أو من عامة الشعب، وبدأ العمل الحزبي ينشط رويدا رويدا وراحت خلايا المقاومة تتكاثر وتتواصل وتتحد على شكل مجاميع صغيره او خلايا وفصائل جهاديه حيث انتشرت على مساحة العراق الحبيب.
لقد أستفاد الرفيق عزة أبراهيم رحمة الله عليه من تجربة الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله ، وقد أتخذ مجموعه من القرارات الحاسمة والمصيرية المهمة ، كان أولها أن يبعد كل المرافقين وعناصر الحماية الشخصية المعروفين والمقربين والذين كانوا يعملون معه قبل الاحتلال والغزو ، ولم يبقي على أحد منهم على الاطلاق حيث توقع أن العدو الغازي سوف يحاول ملاحقته ومطاردته من خلال تلك العناصر ، وأستبدلهم بعناصر جديده وغير معروفه ولا تجلب الشبهة أو الشك والريبة ولكنهم من العناصر الموثوقة والتي تتمتع بحس أمني جيد وتبتعد عن التباهي والفخر ، وهم من تحملوا مسؤولية الجانب الأمني له وكان عددهم محدود جدا ، والأهم من ذلك أنه سمح لهم بممارسة حياتهم الطبيعية بين الناس وان لا يظهروا على الاطلاق بأنهم هم من يتولى مسؤولية أمن وحماية القائد الأول في الحزب والدولة خلال تلك الفترة الحرجة من تاريخ بلادنا .
ومن القرارات المهمة الأخرى التي أتخذها أنه قرر ألا يعتمد على الأقارب والمقربين لتأمين مناطق سكنه وإيوائه، بل اعتمد على بسطاء الناس من الوطنيين والذين كان لهم الفخر بإيوائه وسكنه والعناية به لسنوات طويلة في تلك الظروف الصعبة والتي تكالب فيها الأعداء على بلادنا من أمريكان غزاة أو فرس شامتون أو من العملاء والأعداء الآخرين من داخل الوطن سواء من حكومة العملاء وأتباعهم أو من ضعاف النفوس والمأجورين. ونقولها للتاريخ، وعلى الرغم من كون الرفيق عزة إبراهيم رحمة الله عليه كان صاحب شكل واضح وملامح سهلة التمييز وجسد من الصعوبة أن تجد شبيهاً له، إلا أن بسطاء البعثيين ومنهم من الدرجات الدنيا في التسلسل الحزبي هم من كان لهم شرف حمايته واسكانه وإيوائه وتلبية حاجاته اليومية والأساسية ومتطلباته الحياتية الأخرى، وهم من كان يتولى مسؤولية تنقلاته الكثيرة والمتعددة سواء للقاءات والاجتماعات الحزبية أو لتبديل أماكن الإيواء أو لأغراض جهادية ونضالية أخرى. وكان رحمه الله وحالما يستقر لديهم هو من يساعدهم ويكسب ودهم ويكون خبيرهم في التحسب والأمن حيث كان كثير التحسب والانتباه خاصة بعد تجربته الطويلة والكبيرة خلال فترة النضال السري قبل ثورة 17 تموز 1968 أو خلال تسنمه للكثير من المناصب في الدولة العراقية، وأن هذا الجانب لوحده يستحق البحث والتفصيل لصفحات متعددة وعسى أن تسنح الفرصة لمن تولى تلك المهام أن يتمكن من تدوينها وتوضيحها لرجال البعث والمقاومة والمهتمين يوما ما.
ومن القرارات المهمة التي أتخذها الرفيق عزة أبراهيم رحمه الله هو طلبه وموافقته بأن تغادر عائلته ( زوجاته وأبناءه وبناته جميعا) خارج العراق ، وذلك للتخلص من عبئ كبير كان سيؤذيه كثيرا ويشغله في مهمته الجديدة لمواصلة الجهاد والنضال والمرابطة ، وكان يقول بعد أن اشتدت ملاحقة الغزاة الامريكان لأفراد عائلته بأنه عليهم ترتيب وضعهم والسفر خارج البلاد لأنهم إن بقوا داخل البلاد سوف يلاحقهم الغزاة وسوف يعتقل بعضهم أو يخطف أو يصيبه بعض مما حصل للعراقيين وبالتالي سينشغل بهم وبمتابعتهم، وهذا سيعقد عليه مهمة القيادة، وعلى الرغم من بعض الانتقادات التي كانت تطاله في بعض الأحيان حول هذا القرار إلا أن النتيجة أثبتت أن قراره كان سليماً تماماً له ولعائلته ..
يتبع الحلقة الثانية
بغداد
4 كانون الاول 2020