ارتقى بالعراق عالياً…. فارتقى شهيداً جميلاً

ارتقى بالعراق عالياً…. فارتقى شهيداً جميلاً

أبو محمد عبد الرحمن

مقدّمة

ليست هذه المقالة دفاعًا عاطفيًا عن رجل، ولا محاولة لتلميع تجربة حكم بكل ما فيها من صواب وخطأ، بل قراءة سياسية عربية هادئة لتجربة دولة، ولطريقة اغتيالها، والمغزى الأعمق من تصفية رمزها. إن توصيف الرئيس الشهيد صدام حسين ليس توصيفًا وجدانيًا ولا دينيًا، بل توصيف سياسي تاريخي علمي يستند إلى حقيقة واضحة: الرجل أُعدم بقرار صادر عن احتلال أجنبي، بعد محاكمة انتقائية، وفي لحظة أراد فيها النظام الدولي أن يبعث رسالة للعرب مفادها أن الخروج عن الطاعة ثمنه الإلغاء الكامل، لا الهزيمة فقط.

من هذا المنطلق، تصبح الشهادة هنا نتيجة موقف سيادي فردي، وليس كما يصوره المغرضون والحاقدون. ويصبح السؤال الحقيقي: ماذا مثّل الرئيس الشهيد صدام حسين في سياق القرن العشرين العربي؟ ولماذا لا يزال اسمه حاضرًا في زمن الإحباط العربي الشامل؟

 

أولًا: ما قبل ثورة البعث … دولة تبحث عن نفسها

حين وصل حزب البعث لقيادة العراق ، لم يكن العراق يعيش حالة استقرار سياسي راسخة. الانقلابات، الصراعات الحزبية، التدخلات الخارجية، وتنازع مراكز القوة كانت سمات مرحلة عربية كاملة، لا عراقية فقط. الدولة الوطنية العربية كانت في طور التشكل، تتأرجح بين التبعية للخارج والعجز عن فرض سيادتها في الداخل.

في هذا المناخ، لم يكن التحدي إدارة الحكم فقط، بل بناء الدولة: دولة القرار، دولة المؤسسات، دولة السيادة. وهو ما يجعل فهم تجربة البعث والرئيس الشهيد صدام حسين مستحيلًا دون إدراك أن مشروعه لم يكن شخصيًا بقدر ما كان مشروع سلطة مركزية قوية في مواجهة التفكك.

 

ثانيًا: صدام وبناء مفهوم الدولة

تميّز عهد الرئيس الشهيد صدام حسين بفهم واضح للدولة كوحدة مركزية قوية تفوق الانقسامات الطائفية والعشائرية، وتهدف إلى فرض القانون وتنمية المؤسسات الوطنية. كان يسعى إلى تكريس التعليم، بناء جيش وطني، واستثمار الثروة النفطية في مشروع تنموي شامل، يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

ينتمي الرئيس الشهيد صدام حسين إلى المدرسة الحزبية البعثية، التي تؤمن بـ العروبة جسد الأمة، والإسلام روحها ورسالتها الخالدة. هذا التوجه منح مشروع الدولة العراقية بعدًا فكريًا وسياسيًا متماسكًا، يجمع بين القومية العربية والموروث الديني، ويضع الدولة في قلب مشروع الحضارة العربية المعاصرة.

دراسة هذه المرحلة تشير علميًا إلى أن العراق لم يكن دولة هامشية في محيطه، بل دولة فاعلة، ذات وزن سياسي وعلمي وعسكري، وهو ما جعلها هدفًا مبكرًا لمحاولات الاحتواء ثم الكسر. فالدولة القوية في العالم العربي كانت ولا تزال فكرة مزعجة لمن يريد المنطقة مفككة، ضعيفة، قابلة للإدارة عن بُعد.

 

ثالثًا: الحرب… فرضت على العراق في مواجهة مشروع فارسي صفوي

لم يدخل الرئيس الشهيد صدام حسين الحرب الإيرانية- العراقية اختياريًا، بل فرضت على العراق نتيجة اعتداء إيراني متكرر على الحدود بعد وصول الخميني إلى سدة الحكم في إيران. الدولة الجديدة لم تكن مجرد خصم جغرافي، بل مشروعًا طائفيًا ومذهبيًا صفويًا يسعى لتمزيق الأمة العربية ونشر الفتن الداخلية. كان هدف هذا المشروع الصعود بالخمينية إلى قيادة المنطقة ونشر الأيديولوجية الفارسية الصفوية على حساب السيادة العربية، فيما العراق يمثل بوابة الأمن القومي العربي الذي يحمي استقرار المنطقة.

في هذا السياق، وجدت الدولة العراقية نفسها مضطرة للدفاع عن أراضيها وحدودها وشعبها، وكانت الحرب اختبارًا قاسياً لقدرة الدولة على الصمود وإدارة التحديات الكبرى. العراق تحمل ثمن الدفاع عن سيادته وأراضيه، وخرج مثقلاً بالجراح، لكنه لم ينهزم داخليًا. الدولة بقيت متماسكة، والقرار بقي وطنيًا، وهو ما مهّد لمرحلة أكثر قسوة: الحصار.

 

رابعًا: الحصار… اختبار الصمود

في زمن الحصار، تحوّل العراق إلى مختبر قاسٍ لإرادة الشعوب. عانى المجتمع، تراجع الاقتصاد، وتضررت البنية الاجتماعية، لكن الدولة لم تتفكك. هنا تحديدًا برزت شخصية الرئيس الشهيد صدام حسين بوصفه رأس سلطة رفض الخضوع الكامل، وفضّل إدارة بلد محاصر على تسليمه طوعًا.

لم يكن الحصار عقابًا لشخص، بل كان عقابًا لنموذج: نموذج دولة تقول “لا” في زمن كانت فيه “نعم” أسهل وأقل كلفة.

 

خامسًا: الاحتلال… إسقاط الدولة لا الرئيس

حين وقع الاحتلال، لم يكن الهدف إسقاط الرئيس الشهيد صدام حسين فحسب، بل تفكيك العراق كوحدة سياسية. تم حل الجيش، تفكيك المؤسسات، فتح الباب للطائفية، وتسليم القرار لقوى ما دون الدولة. وهنا تتوضح المفارقة: كل ما قيل إنه سبب الغزو اختفى، وبقي الخراب.

محاكمة الرئيس الشهيد صدام حسين لم تكن مسار عدالة، بل مسرحًا سياسيًا. الحكم كان جاهزًا، والرسالة كانت أوضح من أي نص قانوني: هذا مصير كل من يحاول الخروج عن النظام المرسوم للمنطقة.

 

سادسًا: معنى الشهادة في الحالة الصدامية

استشهاد الرئيس الشهيد صدام حسين لا يُقرأ من زاوية شخصه فقط، بل من زاوية ما مثّله. لقد أُعدم لأنه رفض الاعتراف بشرعية الاحتلال، ورفض تقديم نفسه كحاكم سابق نادم يطلب الصفح. مات وهو يتمسك بفكرة الدولة، حتى وإن سقطت مؤسساتها.

بهذا المعنى، تصبح الشهادة هنا سياسية بامتياز: شهادة على زمن كانت فيه السيادة تهمة، والاستقلال جريمة، والقرار الوطني خروجًا عن الإجماع الدولي.

 

سابعًا: ما بعد صدام… الفراغ القاتل

بعد غياب الرئيس الشهيد صدام حسين، لم يولد عراق جديد أفضل، بل عراق ممزق: طوائف، ميليشيات، وصاية خارجية، وغياب كامل لمفهوم الدولة. وهذا الواقع لا يُستخدم لتقديس الماضي، بل لمساءلة الحاضر: ماذا خسر العرب حين سقطت الدولة العراقية؟

إن المقارنة بين ما كان وما هو كائن تكشف أن المشكلة لم تكن في صرامة الحكم، بل في غياب المشروع بعد سقوطه.

 

خاتمة: الحاجة إلى المعنى لا إلى التكرار

لا يحتاج العرب اليوم إلى استنساخ أشخاص، بل إلى استعادة فكرة: فكرة الدولة القوية، القرار السيادي، والقيادة التي لا تُدار من الخارج. لقد كان الرئيس الشهيد صدام حسين ، أحد آخر من جسّد هذا النموذج في القرن الماضي.

العبرة ليست في تمجيد التجربة ولا في جلدها، بل في فهم سبب تصفيتها. ففي زمن الإحباط العربي الشامل، يصبح استحضار تجربة الرئيس الشهيد صدام حسين تذكيرًا مؤلمًا بأن الأمة التي لا تحمي دولها، ستبقى تتنقّل بين أنقاضها، تبحث عن قائد، فيما هي أحوج ما تكون إلى وعي سيادي جماعي يعيد للدولة معناها وللسياسة شرفها.