شبكة ذي قار

أرشيفات 2026

عروس الثورات التاريخ الخالد

عروس الثورات التاريخ الخالد

افتتاجية العدد 426

حين ينتخي الوطن بأبنائه الغيارى، حين تصير حاجة الوطن للتغيير من حاله البائس مطلباً تجيش به صدور الرجال، مدنيين وعسكريين، يكون الحدث المصنوع بسيوف الفرسان حدثاً للتاريخ يسجل في وجه الشمس وفي وجه الأقمار، وتحمل سفره وتحفظ أحداثه وذاكرته نجوم الوطن الأبهى والأجمل والأعظم بريقاً.

هذا هو وصف ثورة البعث الشعبية العراقية المجيدة، التي فجرها الأمناء على الوطن ومصالح الشعب، وهم رجال منزهون مبرؤون من أية نزعات ومصالح غير مصلحة الشعب والوطن والأمة، لأنهم شجعان بواسل عقائديون، تتوزع أرواحهم بين الإيمان بالله وبين الإيمان بحق الشعب، فتنهل الثانية من الأولى كما تنهل النباتات ماء حياتها عبر نسغ رباني لا ينقطع.

ثورة الثامن من شباط، الرابع عشر من رمضان المباركة، هي ثورة شعب العراق، ذات الأبعاد الوطنية والقومية والسياسية والاقتصادية، حملت أهدافاً عظيمة لتخليص العراق من سلطة دكتاتورية شعوبية تترجرج بين مشرق السياسة وبين مغربها، لا يقر لها قرار إلا في حالة السباحة في دماء العراقيين وشقائهم وبؤسهم، حيث يقتتل أبناء الشعب تحت ألوان سوفياتية وأخرى أمريكية في معارك كانت غاياتها الظاهرة صناعة البغضاء والباطنة تمزيق الشعب وقواه الوطنية لكي يتضرر المد الشعبي القومي الوحدوي وتنتكس راياته وأهدافه النبيلة.

فجر رجال العراق ثورة شباط، عروس الثورات، لإلغاء الجهل والأمية والجوع والتخلف والاضطرابات السياسية بين القوى الوطنية وتحرير الإرادة العراقية وثروات العراق، لإنهاء الأمية والبطالة وتهالك الإنتاج الوطني والارتقاء بالتعليم والصحة والخدمات، ليتطور العراق ويصبح بقعة الأمة المحررة ومنها يصدر ضوء الوحدة والحرية والاشتراكية إلى كل بقاع الوطن.

ثورة الثامن من شباط: أول ثورة لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق

ثورة الثامن من شباط: أول ثورة لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق

فاطمة حسين

 

تمر علينا ذكرى ثورة الثامن من شباط المجيدة، تلك المحطة المفصلية في تاريخ العراق السياسي والوطني، والتي جسّدت لأول مرة وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى سدة الحكم عبر ثورة وطنية هدفت إلى تحرير الإرادة العراقية واستعادة القرار الوطني من هيمنة الفساد والتبعية والانحراف عن ثوابت الأمة.

ورغم قصر الفترة الزمنية التي استمرت فيها الثورة، إلا أنها تركت بصمات واضحة ومنجزات نوعية تؤكد صدق التوجه الوطني والقومي لقيادة الحزب آنذاك، وإيمانها العميق بقدرة الشعب العراقي على النهوض وبناء دولته على أسس العدالة والسيادة والاستقلال.

لقد عملت ثورة الثامن من شباط على ترسيخ الهوية العربية للعراق وتعزيز دوره في محيطه القومي، وسعت إلى بناء مؤسسات دولة قوية تستند إلى مبدأ سيادة القانون وهيبة الدولة. كما أولت اهتماماً ملحوظاً بالقطاعات الحيوية، فدعمت التعليم، وشجعت التنمية الاقتصادية، ووضعت اللبنات الأولى لإصلاحات اجتماعية تهدف إلى تحسين أوضاع الفقراء والكادحين وتعزيز العدالة الاجتماعية.

كما كان من أبرز منجزات الثورة سعيها الجاد لتقوية الجيش العراقي بوصفه درع الوطن وسنده في الدفاع عن قضايا الأمة، إلى جانب تعزيز الحس الوطني ومواجهة مشاريع الهيمنة الأجنبية ومحاولات تفتيت وحدة العراق والنيل من سيادته.

إن قصر عمر الثورة لم يكن دليلاً على ضعف مشروعها، بل كان نتيجة لتآمر القوى المعادية للمشروع القومي والتقدمي، تلك القوى التي رأت في ثورة الثامن من شباط تهديداً لمصالحها ونفوذها، فسعت إلى إفشالها وإجهاض أهدافها الوطنية.

وفي ذكراها اليوم، نستحضر دروس ثورة الثامن من شباط بروح الوفاء والاعتزاز، ونؤكد أن مبادئها في الحرية والوحدة والاشتراكية والسيادة الوطنية ستبقى نبراساً للأجيال، ودليلاً على أن إرادة الشعوب لا تنكسر، وأن المشاريع الوطنية الصادقة وإن تعثرت مؤقتاً فإنها تبقى حيّة في ضمير الأمة.

المجد لثورة الثامن من شباط،

الخلود لشهدائها،

والنصر للعراق والأمة العربية.

بيان قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لعروس الثورات

بيان قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي

           بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لعروس الثورات

 

يا أبناء الشعب العراقي العظيم

يا أبناء الأمة العربية المجيدة

أيها البعثيون الأشاوس في العراق المحتل وعلى امتداد الوطن العربي

في ضحى مثل هذا اليوم قبل ثلاثة وستين عاماً، انطلق رفاقكم من الرعيل الأول من جيل البطولة، لينفذوا الصفحة الأولى من صفحات متعددة في ثورة الشعب العراقي وجيشه الباسل وطلائعهما الثورية في الثامن من شباط 1963، بصدور مفتوحة وقلوب صلبة، تتطلع لنيل شرف الشهادة في سبيل المبادئ التي نذروا أنفسهم على طريق تحقيقها، فكان انتشارهم في بعض شوارع بغداد الحبيبة علامة مضيئة في سجل الأحداث المفصلية من تاريخ العراق الحديث، وكانت مؤشراً على أن ما شهده العراق في ذلك اليوم سجلَ أول تحرك شعبي حقيقي في التغييرات السياسية التي عاشها الوطن العربي في عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

يا أبناء شعبنا الأبي

أيها المناضلون البعثيون

إن رفاقكم من جيل التضحية والفداء الذين انطلقوا في ضحى يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان 1382 هـ، ليرسموا مؤشر خط الانتقال من ظاهرة الانقلابات العسكرية التي شهدتها الساحة العربية بعد نكبة العرب بضياع فلسطين سنة 1948، والتي تعكزت على تلك المأساة لإدخال الوطن العربي في دوامة الانقلابات العسكرية، ولكن حقيقة نوايا الانقلابيين كانت تنطلق من رغبة جامحة في الحكم والإمساك بمقاليد السلطة بلا برامج سياسية تؤشر لمستقبل أفضل، فكانت ثورة شباط بحق أول ثورة شعبية في تاريخ الوطن العربي الحديث.

ثورة شباط ورغم اختلال موازين القوة العسكرية التي كانت سائدة من بعد 14 تموز 1958 نتيجة تفرد تيارات شعوبية تتبادل الدعم مع الدكتاتورية الجديدة التي طفت على سطح الأحداث، فكانت تخطط لإدخال البلد في فوضى عابثة ستضرب أطنابها في أعماق المجتمع العراقي، نتيجة غياب الوعي والتخطيط السليم، فتراصفت معها قوى داعمة للدكتاتورية من منطق انتهازي، تلك القوى التي تنكرت لالتزاماتها العقدية، التي قامت عليها جبهة الاتحاد الوطني التي ضمت الأحزاب الوطنية التي كانت تعمل لتصحيح المسار السياسي للعراق وإلغاء الارتباط بالأحلاف العسكرية، وإزالة القواعد العسكرية من العراق وسائر الاقطار العربية.

لكن تلك القوى والتي كانت جزءاً من جبهة الاتحاد الوطني سرعان ما انقلبت عليها ولما يزل حبر البيان الأول للثورة لم يجف بعد، فطفقت في مسيرة تصفيات مشؤومة وممنهجة لحلفاء الأمس، وذلك عندما شعرت بأن الحكم الدكتاتوري الفردي منحها ما يكفي من الضوء الأخضر للهيمنة على الشارع العراقي، في لعبة سيئة تجسد عملياً شعار “فرق تسد” سيء الصيت، من أجل اللعب على توازن القوة بين الشركاء الذين فرقت بينهم أحداث ما بعد ثورة 1958، فاطمأنت إلى أنها تحظى بدعم من مركز الدكتاتورية الذي عطل السلطات الثلاث، فبعد أن شعرت بغياب المحاسبة القانونية عن أفعالها، مارست إرهاباً مزدوجاً ارتكبت بموجبه الفظائع، مدعومة ببعض الجهات النافذة.

فتحول العراق إلى ساحة صراع  لم يعرف لها مثيلاً منذ قيام الحكم الوطني فيه في العقد الثاني من القرن الماضي، ذلك أنها استظلت بما وفره لها غياب حكم القانون من أسيجة الحماية من المساءلة القانونية، فعاثت في الأرض فساداً وانتهكت الحرمات وسفكت الدماء تحت نظر السلطة الدكتاتورية وتغطيتها، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل تحولت المحاكم العسكرية الصورية، إلى سيف بيدها للقمع والبطش، فسيق العشرات من المعارضين للحكم الفردي من البعثيين وغيرهم من القوى الوطنية والقومية، إلى ساحات الإعدام وسط تململ مكبوت ولكنه كان يتعاظم مع كل جريمة تضاف إلى السجل الأسود للقوى المتسلطة على رقاب العراقيين.

لهذا كله ولأن تلك القوى المنحرفة أرادت ربط العراق مرة أخرى بسياسة المحاور والأحلاف العسكرية مع تغيير في بوصلتها، فقد توصل البعث إلى معادلة إنقاذ العراق من المنحدر الذي وصل إليه، وفي تخطيط حاذق رسمت قيادة البعث خطة الثورة لتفاجئ الحكام الذين ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم، لتنفذ في يوم الجمعة وفي وقت لم يخطر ببال أحد من قادة النظام، فأدت صدمتهم الكبيرة إلى فقدان القدرة على القيادة والسيطرة على مسار الأحداث.

لقد أسقط انتشار مناضلي البعث على كثير من شوارع مدينة بغداد، وإحكامهم السيطرة على مداخلها، قدرة السلطة الحاكمة على التحكم بمسار الأحداث اللاحقة بعد أن فقدت عامل المبادأة فأصيبت بالشلل التام عن أي فعل أو رد فعل مضاد، وهذا ما سهل دخول القوات الداعمة للثورة إلى بغداد من أكثر من محور، وبعد حرب شوارع استمرت ثلاثة أيام، كتب مناضلو البعث فيها آخر سطر في سفر عروس الثورات، فانتصرت ثورة الشعب والبعث والجيش العراقي الباسل، رغم كل المحاولات اللئيمة لجر العراق إلى حرب أهلية تؤدي إلى جر العراق إلى شلالات من الدم.

إن إحياءنا لهذه الذكرى المجيدة، تعبير صادق عن الوفاء لتاريخ الحزب وتراثه الأصيلين والتمسك البطولي بفكر الحزب الذي يؤكد حضوره كل يوم في ضمير قياداته وفي إصرار مناضليه على المضي في طرق النضال حتى آخر الشوط، ولعل في انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب ما يجسد هذه المفاهيم، لا سيما التأكيد على أن حكمة الشيوخ وروح الشباب الوثابة، هما المحرك الذي يوجه السفينة إلى شواطئ النصر النهائي وحفظ تراث البعث وتضحيات الرعيل الأول من قادة الحزب الذين تحملوا الوزر الأعظم من تضحيات التأسيس والبناء المنهجي على أسلم الطرق وأوضحها.

تحية لأرواح شهداء عروس الثورات الذين ارتقوا سلم المجد صبيحة يوم الثورة وفي المواجهات العنيفة مع آخر ما بقي من حصون أعداء البعث وثورة رمضان المجيدة، وتحية لأرواح شهداء البعث عبر مسيرته الطويلة منذ أن تأسس في السابع من نيسان الخير إلى آخر من اختار الدفاع عن مبادئه واقفاً مقبلاً غير مدبر.

ولا يسعنا في ذكرى ثورة شباط إلا أن نحيي المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب، الذي انعقد في ظل ظرف عصيب يعيشه مناضلو البعث في العراق وبقية الساحات، لا سيما تلك الساحات التي تحمل اسم البعث فيها وزر جرائم مروعة ألحقت باسمه ظلماً وعدواناً، ارتكبها طارئون على المسيرة من لصوص العصر الذين سطوا على اسم الحزب فأساؤوا إلى مبادئه وتاريخه النضالي عن نية مبيتة وسوء قصد، هذا المؤتمر الذي جسد الشرعية بوجه عمليات التحريف وتزييف الشعارات والسطو المتعدد المحاور على اسم الحزب وتاريخه المشرف المشرق.

تحية لأرواح قادة عروس الثورات ولكل مناضل ساهم في اغناء مسيرتها ووقفة خشوع أمام تضحياتهم الجسام وتحملهم العبء الأكبر في مواجهة سهام الغدر التي وجهها أعداء الأمة إلى صدورهم.

تحية وفاء ومجد لشهيد الأضحى القائد البعثي الكبير الرئيس صدام حسين، الذي صان المبادئ وجسدها في وقفته التي سيخلدها تاريخ الرجال إلى الأبد، عندما ضرب أنصع مثل في الإقدام والتضحية والفداء في مواجهة الموت بوقفة لن تتكرر، من أجل أن تنتصر الأمة على أعدائها التاريخيين وترتفع عالياً مبادئ البعث العظيم.

الله أكبر وليخسئ الخاسئون.

قيادة قطر العراق

لحزب البعث العربي الاشتراكي

بغداد الرشيد 8  شباط 2026

قراءة في البيان الختامي للمؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي

قراءة في البيان الختامي للمؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي

28-1-2026

ناصر الحريري

 

يمثل هذا البيان وثيقة سياسية تحاول إعادة تموضع الحزب في خارطة الصراع الإقليمي والدولي المعاصر، معتمداً على “تأصيل الفكر” لمواجهة متغيرات جيوسياسية شديدة التعقيد.

أهم المحاور التي وردت في البيان:

 

  • تشخيص البيئة الاستراتيجية: “الأمة بين المطرقة والسندان

يرسم البيان صورة قاتمة للواقع العربي، واصفاً إياه بمرحلة “بالغة الخطورة”. ويمكن اختزال رؤية الحزب للتحديات في عدة جبهات:

. التحدي الصهيوني: تجاوز مفهوم “الاحتلال” التقليدي إلى “الاستيطان التوسعي” الذي يشمل جبهات متعددة (فلسطين، لبنان، سورية، اليمن).

. التغلغل الإقليمي (المشروعان الإيراني والتركي): يركز البيان بشكل لافت على ما يسميه “الاحتلال الإيراني من الباطن للعراق” والتغيير الديموغرافي في سورية، معتبراً أن القوى الإقليمية تستغل الفراغ العربي لتنفيذ أجنداتها.

. الهيمنة الدولية: الإشارة إلى “التفلت الأمريكي” من المواثيق الدولية ودعمه لما وصفه بـ “الرأسمال المتوحش”.

. داخلي (التفتيت الطائفي): تشخيص “الصراعات المذهبية والجهوية” كأداة لتفكيك الدولة الوطنية من الداخل.

 

 

  • مشروع الاستنهاض القومي (القوى والآليات)

ينتقل الحزب هنا من “النظرية” إلى “العملانية”.

المدخل للرد ليس مجرد شعارات، بل:

تفعيل طاقات الجماهير: إعادة الاعتبار للشارع العربي كقاعدة ارتكاز.

بناء الجبهة العربية: الإقرار بضرورة التحالف مع “القوى العربية التحررية” لبناء ميزان قوى شعبي وسياسي قادر على وقف التراجع.

 

إن أهم ما يميز هذا المؤتمر هو التركيز على التحالفات والجبهات:

الجبهة القومية التقدمية: يقر الحزب ضمناً بأن تشرذم القوى التحررية أضعف الموقف العربي، لذا يدعو لبناء جبهة عريضة تضم قوى مختلفة تتجاوز الإطار الحزبي الضيق.

ثنائية التحرير والتغيير: يربط البيان بشكل عضوي بين مقاومة المحتل الخارجي وبين النضال الداخلي من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، معتبراً أن أحدهما لا يكتمل بدون الآخر.

المراجعة الفكرية والسياسية: “المرونة والديمقراطية”

ثمة نبرة “براغماتية” جديدة في أدبيات الحزب تظهر من خلال:

المرونة التنظيمية: منح التنظيمات القطرية استقلالية في تقدير مواقفها وفق بيئاتها المحلية (السياسية والاقتصادية)، مع الحفاظ على “الثوابت القومية”.

المسألة الديمقراطية: يشدد البيان على “التعددية وتداول السلطة” و”الدولة المدنية” والإيمان بالمواطنة المتساوية تحت سقف القانون.

توسيع مفهوم “القضية المركزية: بينما تظل فلسطين “بوصلة النضال”، أحدث البيان توسيعاً استراتيجياً لمفهوم المركزية:

العراق كقضية مركزية: نظراً لما اعتبره البيان آثاراً تدميرية للاحتلال على الأمن القومي الشامل.

وحدة الأمن القومي: طرح فكرة أن أي تهديد لأي قطر (السودان، ليبيا، الأحواز، اليمن) هو تهديد للكل، مما يعيد الاعتبار لنظرية “الأمن القومي العضوي”.

 

أدوات المواجهة الحديثة

لم يكتفِ البيان بالجانب العسكري أو السياسي، بل انتقل لميادين القوى الناعمة:

حرب الوعي: التحذير من “خطاب اليأس والعجز” والضخ الإعلامي الذي يروج لثقافة الاستسلام.

العمق الشعبي: العودة إلى “القاعدة الجماهيرية” والتركيز على الشباب والطلاب (مستشهداً بمقولات قادة البعث) لضمان ديمومة الفكر.

الاستثمار في الرأي العام العالمي: الإشارة إلى التحولات الدولية الداعمة لفلسطين وضرورة التواصل مع القوى العالمية المناهضة للإمبريالية.

 

البيان يعكس محاولة “انبعاث جديد” لحزب البعث في ظل ظروف قاسية، حيث يحاول التوفيق بين إرثه القومي التصادمي وبين ضرورات المرحلة التي تفرض عليه الانفتاح الديمقراطي والعمل الجبهوي. هو بيان “صمود واشتباك” يسعى لاستعادة الثقة بالجماهير العربية في مواجهة ما يراه مشاريع “تفتيت وتقسيم“.

كما ركز البيان على الديمقراطية وحماية الدولة الوطنية

واعتبر أن الديمقراطية كناظم، فالحديث عن التعددية وتداول السلطة يمثل استجابة لمتغيرات العصر

حماية الدولة الوطنية: في السابق، كان الفكر القومي يرى في “الدولة القطرية” عائقاً أمام الوحدة. اليوم، يرى المؤتمر أن حماية هذه الدولة (بمؤسساتها وحدودها) هي “مهمة نضالية” لمنع الانزلاق نحو الفوضى والتقسيم الطائفي.

البرنامج المرحلي والعمل العربي المشترك (الواقعية السياسية)

يدرك الحزب أن “الوحدة الشاملة” هدف بعيد المنال حالياً، لذا يقترح آليات “تكاملية” بديلة:

المشاريع المادية: ربط الأقطار بشبكات مواصلات، رفع الحواجز الجمركية، وحرية تنقل الأشخاص والبضائع.

المؤسسات التقنية: تفعيل السوق العربية المشتركة ومراكز البحوث العلمية، وهي “وحدة وظيفية” تسبق “الوحدة السياسية”.

 

القيادة القومية الجديدة ومواجهة خطاب اليأس

انتخاب قيادة جديدة في 2026 يعطي إشارة “ديناميكية” تهدف إلى:

ضخ روح جديدة قادرة على محاكاة جيل الشباب.

محاربة “سيكولوجية الهزيمة”: التصدي إعلامياً وثقافياً لتيار التطبيع واليأس، واعتبار أن موازين القوى الحالية ليست “قدراً نهائياً”، بل هي لحظة صراع قابلة للتغيير بفعل المقاومة المنظمة.

 

البعث عصي على الاجتثاث (البقاء الأيديولوجي)

هذا العنوان يحمل رسالة تحدٍّ، خاصة فيما يتعلق بـ “اجتثاث البعث” في العراق:

الشرعية الشعبية مقابل القرار السلطوي: يجادل الحزب بأن وجوده نابع من حاجة اجتماعية وقومية وليس بقرار سياسي يمكن إلغاؤه.

الرمزية والنضال: استخدام إرث “الشهداء” كوقود لاستمرارية التنظيم، والتأكيد على أن الحزب لا يزال يمتلك القدرة على التأثير في مسار الصراع العربي-الصهيوني والصراع على هوية العراق.

 

هذه العناوين التي ناقشها البيان تعكس محاولة البعث للحفاظ على جوهره القومي (فلسطين، الوحدة، المقاومة) مع تبني أدوات عصرية (الديمقراطية، العمل الجبهوي، التكامل الاقتصادي) لمواجهة التهديدات الوجودية التي تحيط بالمنطقة.

 

بيان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي حول عقد المؤتمر القومي الثالث عشر

تحت شعار ” استنهاض الامة والثبات على العهد النضالي والوفاء لشهداء الحزب والامة “،

 

 

عقد حزب البعث العربي الاشتراكي مؤتمره القومي الثالث عشر في ظل حضور شامل تمثلت فيه كافة تنظيمات الحزب في الوطن العربي وخارجه ، مستعرضاً واقع الأمة العربية وما واجهته وتواجهه من تحديات  منذ انعقاد مؤتمره السابق  وخلص الى تحديد الثوابت  في إعادة تأصيل فكر الحزب وبرنامج العمل النضالي والسياسي في بعديه الاستراتيجي والمرحلي ، وأصدر في نهاية أعماله البيان التالي :

 

تمر الامة العربية بمرحلة تاريخية بالغة الخطورة في تاريخها المعاصر ، مع تصاعد العدوان والاستيطان الصهيوني في فلسطين وتوسعه ليشمل لبنان وسورية واليمن ، وتفلت النظام الأميركي من كل الضوابط القانونية التي تفرضها المواثيق والأعراف الدولية ،واستمرار الاحتلال الايراني من الباطن للعراق وهيمنته على كل مفاصل الحياة فيه ،مترافقاً مع مشاريع تفتيت البنيات الوطنية العربية من خلال اغراقها بالصراعات العسكرية والطائفية والمذهبية والجهوية التي تتغذى بأشكال مختلفة من التدخلات الاقليمية والدولية في الشؤون العربية الداخلية .

ان هذا الذي تتعرض له الامة العربية من اطباق شامل على واقعها القومي الراهن  وارتفاع منسوب تهديد أمنها القومي والمجتمعي من الداخل والمداخل ، يضع الحزب ومعه القوى العربية التحررية في الموقع الذي تمليه عليهم المسؤولية التاريخية لوضع الآليات العملية لاستنهاض المشروع القومي المستند الى تفعيل طاقات الجماهير وقواها الطليعية لبناء جبهة عربية تأخذ على عاتقها التصدي لمشاريع العدوان ،عبر اعادة ادخال القضية القومية في قلب الصراع السياسي والاجتماعي اليومي ولبناء ميزان قوى شعبيسياسي يكون قادراً على وقف مسار التراجع في واقع الأمة  وفتح أفق جديد للمسار القومي  التحرري.

وفي مجال تحديده استراتيجية العمل ، اعتبر المؤتمر بأن الامة العربية ليست موضوعاً للهيمنة ولا ساحة مفتوحة للتدخلات الاجنبية في شؤونها ، وهي قادرة على استعادة المبادرة إذا ما توفرت لها معطيات الوعي والتنظيم والقيادة ، كشروط لابد منها لنقل نضال الحركة التحررية العربية والحزب في طليعتها  من موقع المتلقي ورد الفعل الى موقع الفعل النضالي الاستباقي والمنظم  ببعده القومي ومضمونه الاجتماعي ، والاندفاع في المواجهة مع اعداء الأمة المتعددة المشارب والمواقع وعلى رأسهم قوى التحالف الصهيواستعماري بكل الامكانات والأشكال المتاحة الى مستوى الالتحام السياسي استناداً الى قاعدة الحراك الجماهيري كقاعدة ارتكاز أساسية للتصدي  للاحتلال ولمشاريع العدوان والتفتيت والتطبيع وانطلاقاً من  اعادة الاعتبار لخيار المقاومة القومية الشاملة ، بوصفه خياراً جذرياً قابلاً للتراكم وتحقيق الانتصار.

 وفي مجال تطرقه  لخصوصيات البيئات الوطنية العربية الحزب ، أكد المؤتمر القومي  على ضرورة منح تنظيمات الحزب التي تعمل في إطار هذه البيئات مرونة تتناسب مع واقع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون التفريط بالثوابت الأساسية التي يرتكز عليه  الحزب  في نضاله القومي على كافة الصعد والمستويات والعمل ما أمكن لتفعيل أدوات النضال في الميادين القانونية والاعلامية والثقافية كمساحات اشتباك رديفة للصراع السياسي ببعديه القومي والاجتماعي.

لقد أفرد  المؤتمر حيزاً واسعاً للمسألة الديمقراطية في الحياة السياسية العربية ، وشدّد  على أهميتها في إدارة الاجتماع السياسي العربي  على قاعدة  التعددية وتداول السلطة ، واعتبار حماية مقومات الدولة الوطنية  ،مهمة أساسية من مهام النضال الوطني في مواجهة مشاريع التقسيم والنزول بالواقع العربي  دون ما هو قائم  . وفي مقاربته لدولة الوحدة القومية اعتبر  الامة العربية قادرة على استنباط  النظام الدستوري  الاكثر ملائمة للواقع العربي في اطار التنوع الذي يختلج به والذي  يمنحها  قدراً من المرونة تمكنِّها من امتصاص  الازمات التي تعصف بها في سياق مسار التطور العام لاوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إن الحزب الذي توقف مؤتمره أمام  التحديات الراهنة التي تواجه الامة بدءاً من تداعيات الاحتلال الصهيوني وتوسعه  ، كما مشاريع قوى الاقليم التي ترى في الفضاء العربي مجالاً حيوياً لتنفيذ اهدافها الخاصة على حساب الامن القومي العربي وأمن مكوناته الوطنية والمشروعين الايراني والتركي نموذجين ، اعتبر ان ثمة تحديات اخرى ترتقي في تأثيراتها حدّ تهديد الامن القومي للأمة من ارتفاع منسوب الضخ الاعلامي المعادي لتشويه الوعي القومي الى اعادة  انتاج الهويات الطائفية والجهوية على حساب الهوية الوطنية الجامعة ، وهو الذي اوجد مناخاً لدى قطاعات شعبية واسعة  اضعف  ثقتها بالعمل المنظم بعدما اصبح خطاب العجز واليأس والتكيف مع الهزيمة كما هو حال واقع النظام الرسمي العربي حالة  سائدة ومؤثرة على الرأي العام ، وهذا ما يعبتر من اخطر الاسلحة التي توظف لتفكيك الوعي القومي والترويج لثقافة الاستسلام للأمر الواقع وكأن الذي تفرضه موازين القوى في لحظات احتدام الصراع يتسم بالنهائية وهو بمثابة القضاء والقدر الذي لا يمكن رده.

 إن المؤتمر القومي الثالث عشر ، الذي اشار الى هذه التحديات ، لم يعف الحركات التحررية العربية من مسؤولياتها والحزب واحد منها ، لان تشرذمها وتشتتها وانكفائها ادى الى تراجع دورها في مجال مواجهة التحديات سواء في ميدان المقاومة ضد الاحتلال او في سياق النضال الوطني لإحداث التغيير السياسي بالوسائل الديموقراطية تلبية لحاجات الجماهير في تحقيق عيش حر كريم وفي مجتمع تسوده العدالة وتكافؤ الفرص وشروط المواطنة في دولة مدنية يتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون. ولهذا اعتبر الحزب  ان تكوين الرافعة السياسية للنضال العربي ، يتطلب الارتقاء بصيغ العمل الوطني الى مستوى التوحد الفعلي على قاعدة برنامج موحد يربط بين اهداف التحرير والتغيير الوطني الديموقراطي. ولا سبيل لذلك الا بتشكيل جبهة قومية تقدمية تحررية على المستوى القومي كما تشكيل جبهات وطنية بين القوى التي تجمعها المشتركات السياسية حول اهداف التغيير والياته.

ان اطلاق المشروع القومي التحرري هو وحده الذي يجيب على تساؤل ما العمل للتصدي  للتحديات التي تعترض مسيرة النهوض القومي في اطار توق الجماهير العربية لانهاء كل اشكال استلابها القومي والاجتماعي ، وعليه فإن المبادرة لوضع الاليات التنفيذ لهذا المشروع يجب ان  تحتل اولوية في البرنامج المرحلي لحركة التحرر العربية،  وان الحزب الذي يعتبر قيام الجبهة القومية العربية من مندرجات استراتيجيته للعمل القومي سيضع امكاناته لجعل هذا المشروع يشق طريقه للتحقق وفرض وجوده كقائد لحركة النضال الجماهيري في مواجهة اعداء الامة المتعددي المشارب والمواقع.

إن بلورة هذا المشروع وترجمته في مفردات عملية هو الذي يعيد لقضية فلسطين مركزيتها في صلب قضايا النضال العربي وهو الذي يضع قضية العراق في مصاف القضية المركزية بالنظر الى النتائج المدمرة التي ترتبت عن احتلال العراق وتدمير بنيته الوطنية على الواقع القومي برمته . واضافة الى ذلك فقد أكد  المؤتمر ان كل قضية وان تشكلت عناصرها في اطار الدولة الوطنية ، وانطوت  على تهديدٍ  للأمن القومي هي قضية ترتقي حدّ القضايا المركزية انطلاقاً من كون الامن القومي هو وحدة عضوية ، واي تهديد لاي من المكونات الوطنية العربية بوحدة ارضها وشعبها ومؤسساتها هو تهديد للأمن القومي  ، وهذا بقدر ما ينطبق على فلسطين والعراق ينطبق على الاحواز العربية وكل كيان وطني مهدد بمخاطر التقسيم والتفتيت والتشظي ، كحال السودان الذي ينوء تحت تأثيرات  حرب عبثية افرزت واقعاً مأسويا  كتلك التي  تعيشها غزة وادت الى تعطيل  عملية التحول الديموقراطي ، كما ليبيا التي َتقوَّض  بنيانها الوطني وباتت اسيرة الصراعات الجهوية التي افسحت المجال لكل اشكال التدخل الاقليمي والدولي في شؤونها ومعهما اليمن المهدد بوحدته الوطنية بعد اسقاط مشروع الحل الانتقالي بمرجعياته الثلاث واوضاع سورية الصعبة  التي تواجه تحديات اعادة توحيد ارضها ومؤسساتها وما خلفه التغول الايراني من تدمير في مرافقها الحيوية  وتغيير في ديمغرافيتها ، كما تحدي تصاعد العدوان الصهيوني عليها وعلى لبنان  لتوسيع مساحة احتلاله لهذين القطرين  وفرض احزمة امنية  تحد من سيادة الدولتين السورية واللبنانية  على اراضيهما. وهذا كله ادى ويؤدي الى اضعاف المركز الوطني الجاذب الذي تجسده الدولة بكل وظائفها الحمائية والرعائية.

لقد وجهّ المؤتمر بضرورة وضع برامج تنفيذية لكل مسار نضالي ، وخاصة تلك المتعلقة بفتح الحوارات مع القوى والشخصيات الوطنية للإسراع بوضع الأسس لقيام الجبهة الشعبية القومية على المستوى القومي والجبهات الوطنية على مستوى الأقطار التي تتوفر فيها المعطيات الذاتية والموضوعية لقيام هذه الجبهات. وبالتوازي مع هذا المسار النضالي لتشكيل الإطار القادر على تعبئة الجماهير حول قضاياها الحيوية من قومية ووطنية واجتماعية ، شدّد على ضرورة تضمين برنامج العمل القومي إطلاق مبادرات قومية لدعم مقاومة شعب فلسطين في مواجهة الاحتلال وتوسع الاستيطان ومخاطر التهديد بتهجير شامل وتوفير مقومات الصمود للجماهير في الأرض المحتلة وعالم الشتات ، ومقاومة كل اشكال التطبيع وتفعيل إجراءات المقاطعة للبضائع الصهيونية  واعتبار الحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة من حق تقرير المصير الى إقامة الدولة المستقلة  على كامل التراب الوطني حقوق غير قابلة للمساومة او السقوط بالتقادم .

ومع اعتبار المؤتمر بأن الوحدة وقيام دولتها تبقى هدفاً استراتيجياً ، الا انه  وبسبب  ما افرزه واقع التجزئة الكيانية من معطيات وبروز معوقات بعضها يعود لأسباب  ذاتية تتعلق بطبيعة القوى المستفيدة و المنتفعة من واقع التجزئة سواء كانت في السلطة او خارجها وبعضها يعود لحجم الضغط الذي تمارسه القوى المعادية لتطلعات الامة نحو الوحدة ، فإن تحقيق الوحدة وان بدا ابعد منالاً في اللحظة الراهنة الا أنه  لا يلغي ولا يسقط  تفعيل صيغ العمل العربي المشترك عبر جملة إجراءات مادية تعزز من الروابط العربية ، بدءاً بربط البلاد العربية بشبكة مواصلات تربط  الأقطار في مابينها وتسّهل عملية نقل البضائع وتنقل الاشخاص دون سمات دخول ، وهو الذي يفترض ان يكون مترافقاً مع رفع الحواجز الجمركية واطلاق حرية الحركة والعمل والاقامة والتملك للمواطنين العرب في مختلف الاقطار العربية.

ان إطارات العمل العربي المشترك ،  باتجاه التكامل الاقتصادي العربي عبر اقامة السوق العربية المشتركة وتدعم المؤسسات العربية مثال المنظمة العربية للتنمية الزراعية ونظيرتها للتنمية الصناعية و اللتين تحتاجان لإنشاء مجلس عربي للبحوث العلمية ، لا تلغي الخصوصيات الوطنية .ولهذا رأى  المؤتمر ان التركيز  على القضايا القومية بعناوينها الفكرية الأساسية من الوحدة والحرية والاشتراكية والديمقراطية  واعادة تأصيلها كي تستجيب والمتغيرات الحاصلة ، كما القضايا النضالية بعناوينها الأساسية من فلسطين الى العراق والاحواز وكل ارض عربية محتلة ،توجب  على  قيادات الأقطار أن تولي  اهمية خاصة لنضالها الوطني على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية بوصفها مدخلاً أساسيا ًلاستنهاض الجماهير من اجل التغيير ولأجل رفد قضايا النضال القومي بروافد اضافية لجدلية العلاقة بين الوطني والقومي في سياق المواجهة الشاملة ضد الاعداء القوميين للامة وضد المنظومات السلطوية الحاكمة  التي تصادر الحريات العامة  وتمارس الاستبداد والاستغلال على جماهير الشعب.

وفي السياق نفسه ، وجّه المؤتمر  بإيلاء القطاع الطلابي والشبابي كما النسوي اهمية في مسيرة الحزب النضالية ، عملاً بمقولة الرفيق القائد صدام حسين ،نكسب الشباب لنضمن المستقبل.” 

لقد توقف المؤتمر امام  التحول الإيجابي الذي حصل في الرأي العام العالمي دعماً لشعب فلسطين وحقه في تقرير مصيره. فوجد في هذا التحول فرصة يجب استثمارها في الحد الاقصى الممكن لحشد مزيد من التأييد للقضايا العربية وخاصة قضية فلسطين التي يواجه شعبها حرب ابادة ومحاولات محمومة لإسقاط هويته الوطنيةولذلك ، فإن الانفتاح على المواقع الدولية التي بدت أكثر تقدماً من بعض دول النظام الرسمي العربي في اتخاذ مواقف المقاطعة والإدانة والمساءلة للكيان الصهيوني وللعربدة الأميركية التي لم تعد تقيم اعتباراً للشرعية الدولية ، هو هدف سيعمل الحزب عبر مؤسساته المعنية وذات الصلة بإدامة التواصل مع  الأحزاب والقوى والشخصيات وكل الأوساط الدولية التي رفعت شعار الحرية لفلسطين ووقف حرب الابادة الجماعية وادانة سياسة  التطهير العرقي والفصل العنصري اللتين يمارسهما الكيان الصهيوني ولأجل توفير  أوسع مروحة دعم لقضايا الأمة العادلة في التحرر من أشكال الاستعمار والهيمنة على مقدراتها خدمة للرأسمال المتوحش الذي تديره الدولة العميق في أميركا.

لقد اعتبر المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب ، ان الأمة العربية اذ يرتفع منسوب استهدافها ، فلانها  تختزن طاقات جبارة ، وهي قادرة على الدفاع عن وجودها وهويتها ومشروعها المستقبلي ، وان الحزب كما القوى العربية التحررية الاخرى والتي تؤمن بأن طريق التحرر طويل ومكلف ، هم معنيون بالتعامل مع الحروب النفسية والاعلامية التي تروج للاستسلام ،والتصدي لهذا النهج بالمقاومة لمحاصرة خطاب الهزيمة واليأس والتطبيع الظاهر والمقنع ، وهو الذي يعيد الثقة للامة بقدرتها على الصمود على طريق الانبعاث المتجدد وانطلاقاً من إدراك بأن خيار التراجع هو خيار المهزومين ، وهذا لا يعيد حقاً مستلباً ولا يحمي الهوية  القومية للامة العربية  التي كانت وستبقى الثابت التاريخي الذي لا تسقطه تأثيرات موازين القوى المادية في لحظات الصراع المحتدمة.

ان المؤتمر الذي استعرض بإسهاب حال الامة في واقعها الراهن ، اعتبر ان ما تعرض الحزب  من استهداف بوجوده التنظيمي ومنظومته الفكرية وخاصة في العراق بعد اصدار المحتل الاميركي قرار الاجتثاث ، لا ينفصل عن الاستهداف العام الذي تتعرض له لامة. فالحزب الذي اطلق حركة النضال الجماهيري ضد الصهيونية والاستعمار وقوى التخلف والتجزئة ، لم يتشكل بقرار سلطوي كي يسقط بسقوط السلطة التي يديرها ، بل هو حزب منبعث من ارادة شعبية وهو  كان وسيبقى في الموقع النضالي المتقدم دفاعاً عن قضايا الأمة في التقدم والتحرر والوحدة والديمقراطية. وان حزباً يرتقي قادته حتى الاستشهاد في معارك المواجهة مع أعداء الامة ويقدم مئات ألوف الشهداء في ساحات النضال ضد الاحتلال بكل اشكاله سيبقى في الموقع النضالي الطليعي وسيبقى  يقبض على جمر المواقف المبدئية لأجل تحقيق الاستنهاض الشامل للامة ، مشدداً على وجوب تحويل مواجهة خطط الاجتثاث للبعث الى قضية رأي عام عربية ، باعتبارها قضية تندرج في إطار الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها  وفق مقتضيات حاجاتها الوطنية والقومية ، وباعتبارها واحدة من التعبيرات الديموقراطية التي تمكن الجماهير من الإفصاح عن خياراتها في ادارة شؤونها العامة

وختم المؤتمر اعماله ، بتوجيه التحية لجماهير الامة التي كانت وستبقى تجسد الحضن الدافئ  لكل قضايا التحرر القومي والتقدم الاجتماعي ،مقرونة  بالتحية لشهداء الأمة على مساحة الوطن العربي الكبير ،وهم الاكرم منا جمعياً كما وصفهم شهيد الحج الاكبر الأمين العام للحزب وقائد العراق الرفيق صدام حسين.

ومن تحت  الشعار الذي انعقد المؤتمر تحت عنوانه ، تجدد العهد النضالي للاستنهاض القومي انتصار لفلسطين والعراق وكل قضايا الامة دفاعاً عن وجودها وهويتها وحقها في الحياة الكريمة المتحررة من كل أشكال الاستلاب القومي والاجتماعي.  

  حزب البعث العربي الاشتراكي

القيادة القومية.

٢٠٢٦/١/٢٨

 

العراقيون: جائزة نوبل في “فن البقاء” فوق رمال متحركة

العراقيون: جائزة نوبل في “فن البقاء” فوق رمال متحركة

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

 

لا يقاس عمر العراقيين بالسنوات بل بالحروب والأزمات التي عبروها. إذا أردنا كتابة السيرة الذاتية لجيل عراقي واحد عاصر فترة الثمانينيات وصولاً إلى يومنا هذا فنحن لا نكتب تاريخاً عادياً !!! بل نكتب ملحمة لنيشان الصمود المستحيل. إن التسلسل الزمني الذي عاشه العراق منذ ان فرضت عليهم الحرب مع نظام ايران عام 1980 وحتى التوقعات المستقبلية لعام 2026 يمثل “مختبراً بشرياً” فريداً من نوعه ؟؟!! حيث تحول المواطن من مشروع “جندي” إلى مشروع “نازح” ثم إلى “متظاهر” وصولاً إلى كونه “دافع ضرائب” في بيئة منهكة.

 

عقود النار والحصار: من الاستنزاف إلى التجويع

بدأت الرحلة بثماني سنوات عجاف (1980-1988) من الحرب التي فرضت من نظام الخميني على العراق استنزفت زهرة شباب العراق في خنادق الدفاع في الحرب مع إيران. لم يكد المواطن يلتقط أنفاسه في “عام الاستراحة” الوحيد (1989)… حتى انزلق العقد التسعيني نحو الهاوية. كانت سنوات الحصار (1991-2002) هي الاختبار الأقسى !! حيث لم تكن الحرب بالرصاص ؟ بل برغيف الخبز والكرامة. في تلك الفترة تعلم المواطن العراقي كيف يصنع من اللاشيء شيئاً ؟وكيف يواجه العزلة الدولية بصلابة نادرة ؟ ليخرج من الحصار إلى زلزال الاحتلال عام 2003 الذي دمرت الدولة والنظام وتم تغيير وجه الهوية الوطنية.

 

فوضى التغيير: الرصاص الذي لا ينتهي

ما بعد الاحتلال في التاسع من نيسان 2003 لم يكن الاحتلال الموعود سوى بوابة لنوع جديد من الموت. دخل المواطن العراقي في نفق الطائفية والإرهاب الذي حصد الأرواح بالجملة. ثم جاءت ذروة التحدي الوجودي مع المليشيات المسلحة التابعة للنظام في ايران ثم فتحت الابواب (لداعش 2014) وتركت محافظات كثيرة تحت سيطرة داعش وتم هروب فرق كثيرة من الجيش والاجهزه الامنية !؟….حيث تحول المجتمع بأسره إلى سد منيع للدفاع عن البقاء. ورغم دحر الإرهاب عسكرياً بالتنسيق مع القوى الأمريكية وحلفائها … اصطدم المواطن العراقي المغلوب على امره بجدار الفساد المؤسساتي المنظم الذي كان أشد فتكاً من المفخخات !!! لأنه سرق أحلام جيل كامل وهو ما فجر انتفاضة الشعب العراقي في 2019 التي كانت صرخة ومطالبة نريد وطن في وجه الفساد والمحاصصة.

 

عهد “الجسور” والمواجهة الاقتصادية

مع هدوء المدافع انتقل العراق إلى مرحلة الإعمار الشكلي أو ما يصفه الشارع بدگ الجسور والمقرنص 2022-2025). ورغم أن هذه المشاريع أعطت اشكالاً بصرياً للمدن إلا أن التحليل المنطقي يشير إلى فجوة عميقة فالجسور لا تطعم الجائعين إذا ما اقترنت بغلاء المعيشة وازدياد عدد العاطلين وهبوط العملة وتصاعد الضرائب. يجد العراقي البسيط نفسه اليوم أمام تحدٍ من نوع آخر بما وصل اليه  بالاستنزاف المالي فبعد أن عانى من الرصاص والحصار بات عليه مواجهة تغول الجبايات والغرامات في ظل حكومات فاسدة وفاشلة ومتخلفة تبحث عن إيرادات لزيادة رصيدها من جيب المواطن المنهك أصلاً.

 

معجزة البقاء

إن القول بأن من بقي حياً يستحق جائزة نوبل ؟! ليس مجرد دعابة سوداء بل هو توصيف دقيق لحالة بيولوجية ونفسية نادرة. العراقي المغلوب على امره منذ ٢٣سنة سوداء من المعاناة هو الكائن الوحيد الذي يستطيع التخطيط لمستقبله في بلد يتغير فيه المصير كل عقد من الزمان. إن القدرة على التكيف مع مافرض عليه من الحروب ثم الحصار ثم الانفجار  ثم الوباء والاحتلال وأخيراً الضغط الاقتصادي والفساد المنظم تجعل من الإنسان العراقي رمزاً عالمياً للمقاومة.

 

ويبقى السؤال المعلق في أفق 2026: هل ستتحول هذه الجسور المحطمة والمقرنصات إلى ركيزة لبناء دولة حقيقية ؟!أم أنها مجرد ديكور وضحك على ذقون العراقيين ومرحلة فساد جديد لمرحلة أخرى من الضرائب والجبايات والاستنزاف؟ أياً كانت الإجابة سيظل العراقي الذي يعاني الأمرين ويقاوم ليكون هو الناجي الأبدي الذي يبتسم مضطرا بمرارة وسط الزحام منتظراً ما ستجود به الأيام المتقلبة بالهموم وبقلب لا يعرف اليأس.

قفاز التحدي

قفاز التحدي
مهند أبو فلاح

 


‏في الثامن عشر من كانون الثاني يناير 1966 اي قبل ستين عاما وقف الاستاذ احمد ميشيل عفلق في فرع أطراف دمشق لحزب البعث العربي الاشتراكي ليلقي خطابه الأخير في سورية والذي حمل عنوان النضال ضد تشويه الحزب و ينزع الشرعية الحزبية عن اللجنة العسكرية السرية التي كانت تتحكم بمقاليد الامور في ذلك القطر العربي منذ الثامن من آذار مارس 1963 .

‏لم يكن اختيار المكان في ريف دمشق عفويا اعتباطيا بل جاء ليحمل معه دلالات عميقة جدا كمؤشر على تحدي مؤامرة التشويه العقائدي التي تعرض لها الحزب الذي أسسه الاستاذ عفلق شخصيا قبل ذلك التاريخ بقرابة عشرين عاما في شهر نيسان ابريل من العام 1947

‏عفلق الباحث المختص في تاريخ الأديان المقارن و الحاصل على شهادة الدبلوم العالي في هذا المجال من أعرق جامعات العالم في العلوم الإجتماعية و الإنسانية اي جامعة السوربون في العاصمة الفرنسية باريس في ثلاثينيات القرن الماضي كان قد اطلع على تفاصيل خطيرة حول هذه المؤامرة من خلال الاعترافات التي أدلى بها اللواء محمد عمران وزير الدفاع أبرز أعضاء هذه اللجنة التي تشكلت في القاهرة خلال فترة الوحدة بين مصر و سورية .

‏اللواء عمران الذي وقع اغتياله لاحقا في مدينة طرابلس الفيحاء شمال لبنان في العام 1972 على يد أفراد موالين للنظام الأسدي الحاكم في دمشق يقول عنه باتريك سيل الصحفي البريطاني المرموق في كتابه ” أسد سورية – الصراع على الشرق الأوسط ” : – ( عندئذٍ قام عمران بحركة خاطئة ، فحنث بيمين المحافظة على السرية و كشف الغطاء عن اللجنة العسكرية و باح لعفلق و جماعته بخططها القديمة التي وضعت في القاهرة ، و اساليب عمل اللجنة الداخلية و طموحها في السيطرة السرية على قواعد و أجهزة الحزب و تكتيكاتها في التحرك من وراء الكواليس ) .

‏يضيف سيل قائلا معلقاً ” لا بد أن عفلق كان اصلا يشك في الكثير من هذه الأمور …………….. ، و لقي عمران عقوبة فورية فجردته اللجنة العسكرية من مسؤولياته الحزبية و الحكومية …………….. ، و كان إذلال عمران إذلالا لعفلق ، و في محاولة فاشلة لتأكيد سلطته كأمين عام طلب من القيادة القومية أن تحل القيادة القطرية التي يسيطر عليها الضباط ، و لكن الحزب هب ضده في القطر – سورية – فأرغمه على الرجوع عن قراره ، و في هذا الوقت سأل بعثي قديم عفلق عن الدور الذي يلعبه حزبه في الحكومة ، و يقال أن عفلق أجاب (( حوالي واحد على ألف من واحد بالمائة )) ” .

‏على اية حال كان ذلك الأمر دافعا كافيا لعفلق ومحفزا قويا جدا ليختار غوطة دمشق لتكون مسرحا لكلمته الأخيرة في سورية و يرتدي قفاز التحدي في 18/1/1966 و يعلن من هناك ” لقد تبدلت صورة هذا الحزب وتبدلت نفسية أعضائه وإذا كان التعميم غير جائز فان هذا يصح على الكثيرين.. تبدلت معالم هذا الحزب لا بل بُدلت وفق مخططات وتصميم وعمل دائب، حتى يتحول هذا الحزب في عقيدته وفي سياسته وفي تنظيمه وفي أخلاقيته، وزيادة في التضليل وفي الإجرام بحق الأمة العربية احتفظ باسم الحزب.. باسم الحزب الذي هو معروف لدى الشعب العربي منذ ربع قرن بوحدويته وثوريته ونظافته وبتميزه عن كل ما سبقه، حتى تطعن الأمة في أملها، في ثقتها بنفسها، في عقيدتها القومية الاشتراكية، ولكي يعم اليأس ” .

‏إن هذه الأيام التي تحل فيها الذكرى السنوية لميلاد الاستاذ عفلق مؤسس حزب البعث تستحق أن تروى فيها سردية مختلفة لما حدث في سورية قبل أكثر من ستة عقود لتبرئة ساحة هذا الرجل الحر الاصيل من فرية المسؤولية عما أصاب الشعب العربي السوري الشقيق من جرائم على يد الطغمة الأسدية .

٢٣ سنة من ديمقراطية الدبابات بالعراق

٢٣ سنة من ديمقراطية الدبابات بالعراق
الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

سنة اخرى مضت من حياة العراقيين واخرى حلت علينا ولازلنا نعيش تحت ستار “نشر الديمقراطية” و”التحرر” ولازلنا نعيش تلك الايام عندما ارتكبت الولايات المتحدة اكبر جريمة اخلاقية وقانونية بغزوها للعراق عام 2003 مقدمةً للعالم وعوداً بتحويل بلاد الرافدين إلى واحة للديمقراطية الليبرالية في الشرق الأوسط. إلا أن الواقع كشف عن “أكذوبة” سياسية كبرى فلم تكن الديمقراطية المصدرة عبر فوهات المدافع سوى غطاءً لمصالح جيوسياسية وتخريبٍ ممنهج لبنية الدولة. إن الديمقراطية الأمريكية في العراق لم تكن بناءً وطنياً نابعاً من الداخل بل كانت اعادة تركيبة الهندسة الاجتماعية القسرية للعراق وبدأتها بتفكيك مؤسسات الدولة (والجيش الذي حل بمقترح السيستاني حسبما يدعي المجرم بريمر )واستبدلتها بنظام “المحاصصة الطائفية” الذي كرس الانقسام بدلاً من الوحدة. هذا النموذج لم ينتج تداولاً سلمياً للسلطة أو رفاهية اقتصادية …بل أنتج بيئة خصبة للفساد المستشري وصراعات دموية مخططة وظهور جماعات إرهابية لم يعرفها العراق من قبل.
لقد أثبتت التجربة العراقية المأساوية أن الديمقراطية لا يمكن استيرادها كسلعة جاهزة ؟! وأن النموذج الأمريكي الذي يُروج له عالمياً كمعيار وحيد للحرية سقط في العراق باختبار الأخلاق والسيادة. فالديمقراطية التي تُبنى على ركام المدن وأشلاء المدنيين ليست سوى استعمار بزيّ جديد ترك وراءه عراقاً مثقلاً بالجراح شاهداً على زيف الشعارات التي تضحي بالشعوب من أجل الهيمنة.
حيث المفارقة بين “الوعود” و”الواقع”بين الديمقراطية المستوردة ووعود واشنطن وحطام العراق

اكذوبة الوعود الوردية
سمع العراقيون وابل من الشعارات مثل الحرية الدائمة والوعد بنظام ديمقراطي ليبرالي يكون نموذجاً للشرق الأوسط وشعار التحرير ((من ماذا لاندري ))؟! وبناء دولة المؤسسات والقانون.وشعار الرفاه وتحويل الثروة النفطية إلى نهضة اقتصادية وحياة كريمة.
الواقع الصادم
انتج الاحتلال صور لظلال الدبابات والمؤسسات المحطمة وديمقراطية المحاصصة واستبدال المواطنة بنظام طائفي وعرقي فكك النسيج المجتمعي.
كما أدى تفكيك الدولة وحل الجيش والمؤسسات إلى فراغ أمني وسيطرة المليشيات على مقدرات الدولة والمجتمع ناهيك عن الفساد المستشري حيث تحول النظام السياسي إلى مغانم حزبية أضاعت ثروات البلاد.
كانت الحصيلة المأساوية مثلا :امنيا ظهور الجماعات الإرهابية (المليشيات الإيرانية والقاعدة وداعش ) كأثر لفقدان وزعزعة الاستقرار امنيا وسياسياً وهذا ما اظهر واضحا ان الديمقراطية الموعودة هي ديمقراطية شكلية دعائية على الورق بعيدة عن الواقع تفتقر للسيادة الوطنية والقرار المستقل.وإنسانياً أدت إلى مئات الآلاف بل ملايين من الضحايا وهو تعبير عن حقيقة زيف الديمقراطية التي تأتي عبر الغزو العسكري.
فالديمقراطية التي تُبنى على ركام المدن.. ليست حرية !!!بل استعمار بزي آخر؟؟؟واصبح العراق مستباح من قبل ملالي طهران وتركيا وغيرهما من كل من هب ودب ؟!

حُماة الدار والديار: في ذكرى تأسيس الجيش العراقي الباسل

حُماة الدار والديار: في ذكرى تأسيس الجيش العراقي الباسل
الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

 

تحلّ علينا ذكرى السادس من كانون الثاني، يوم تأسيس الجيش العراقي الأبي عام 1921 لتعيد إلى الأذهان سيرة “سور الوطن” الذي لم يكن مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان رمزاً للسيادة والشموخ العربي. منذ ولادة النواة الأولى بفوج موسى الكاظم خطّ هذا الجيش ملاحم بطولية تجاوزت حدود الجغرافيا لتكتب تاريخاً من الوفاء للقضايا المصيرية.
قبل عام 2003 صُنّف الجيش العراقي كواحد من أقوى خمسة جيوش في العالم من حيث العدد والعدة والجاهزية القتالية. بمليون مقاتل وترسانة ضخمة وخبرات ميدانية متراكمة …كان يمثل صمام الأمان الإقليمي والقوة التي يُحسب لها ألف حساب. لم يقتصر دوره على تأمين الحدود، بل كانت دماء أبطاله حاضرة في خنادق الدفاع عن الكرامة العربية في فلسطين والجولان وسيناء، مسطرةً دروساً في التضحية والفداء.
إن استذكار هذا الجيش اليوم هو احتفاء بالعقيدة الوطنية الصارمة وبالمهنية التي اتسمت بها الكلية العسكرية العراقية، “مصنع الأبطال”. سيبقى الجيش العراقي، بمختلف صنوفه، محفوراً في ذاكرة الأجيال كقوة لا تلين، ودرعاً حصيناً حمى الأرض والعرض عبر العقود، محافظاً على هويته كمؤسسة وطنية جامعة لكل أطياف الشعب.

“سور الوطن”
يا جَيشَ مِصرَ وشامِنا وعِراقِنا .. يا درعَ أُمّتِنا الذي لا يُكسَرُ
فيكَ المروءةُ والشّهامةُ والفِدا .. وبِعزمِ أبطالِكَ الظّفرُ يُمطِرُ
سَطّرتَ في التّاريخِ أعظمَ قِصةٍ .. عَن فيلقٍ في النائباتِ يُزمجِرُ
من مَوجِ دجلةَ للصّحارى لوعةٌ .. تشكو الفِراقَ وللأصيلِ تَنظرُ

ملاحم الجيش العراقي في الدفاع عن الأمة
لم يكن الجيش العراقي جيشاً محلياً فحسب، بل كان “جيش الأمة” الذي ترك بصماته في كل شبر دافع فيه عن الكرامة العربية:
١-حرب فلسطين 1948: كانت القوات العراقية على أعتاب تل أبيب، ولا تزال “مقبرة الشهداء العراقيين” في جنين ونابلس شاهدة على استبسالهم حيث رُدت الهجمات الصهيونية بعبارة “ماكو أوامر” الشهيرة التي تعكس رغبتهم في مواصلة القتال.
٢-حرب تشرين (أكتوبر) 1973: سطّر سلاح الجو والمدفعية العراقية بطولات لا تُنسى في الجبهة السورية (هضبة الجولان)، حيث ساهم التدخل العراقي السريع في حماية دمشق من السقوط ومنع تقدم القوات الإسرائيلية.
٣-الدفاع عن البوابة الشرقية (1980 – 1988): خاض الجيش العراقي واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين، وأظهر قدرة تنظيمية ولوجستية هائلة، ممتلكاً حينها رابع أكبر قوة جوية في العالم.
٤-التصنيف العالمي قبل 2003: كان الجيش يُصنف كقوة إقليمية ضاربة بامتلاك تكنولوجيا عسكرية متطورة وصناعة حربية محلية، ومؤسسات أكاديمية عسكرية تخرج منها كبار القادة العرب.
ثالثاً: وقفة إجلال واكبار لجيشنا البطل في السادس من كانون الثاني ننحني إجلالاً لذكرى المقاتل العراقي الذي عُرف بالانضباط والشجاعة والارتباط الوثيق بتراب الوطن. سيبقى هذا الجيش هو العمود الفقري للدولة العراقية والرمز الذي يلتف حوله العراقيون بمختلف انتماءاتهم.

القيادة العامة للقوات المسلحة بيان رقم (179) في الذكرى (105) لتأسيس الجيش العراقي
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ * وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [ الأنفال: 60] صدق الله العظيم
القيادة العامة للقوات المسلحة
بيان رقم (179) في الذكرى (105) لتأسيس الجيش العراقي
يا أبناء شعبنا العظيم
أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة
أيها الأحرار في كل مكان
نستذكر والأحرار في كل العالم الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الجيش العراقي الباسل، هذا الجيش الذي مثل الامتداد الأصيل لجيوش الحضارات العراقية عبر التاريخ المجيد لعراقنا الجريح، كما أنه مثل أخلاق وأعراف وتقاليد وتراث ونبل وشجاعة جيوش الفتح الإسلامي في صدر الرسالة الإسلامية السمحة وما بعدها، أما في العصر الحديث فقد جسد رجاله الأشاوس العنوان الأبرز لطليعة الشعب الرائدة التي ساهمت في بناء وتطوير الدولة العراقية الحديثة، وفي الدفاع عنها وعن منجزاتها واستقلالها وسيادتها، كما كانوا على الدوام العنصر الأبرز الذي مثل وحدة الشعب المتجانسة وعنصر قوته العظيمة.
أيها الأحرار في كل مكان
إن جيش العراق الذي نحتفي بذكراه اليوم كان بيرقاً عالياً وسوراً منيعاً للدفاع عن العراق وأمة العرب، ومثل شعب العراق العظيم بكل أطيافه ومكوناته، وكان حقاً ابن الشعب البار والمدافع القوي عن حدوده وأرضه ومائه وسمائه، وأثبت رجاله ولاءهم المطلق للوطن في ملاحم ومواقع ومواقف عديدة، كما قدم أبطاله الميامين أروع صور التضحية والفداء للوطن، فساهموا في رفع اسم العراق عالياً، لما حملوه من سمات الشجاعة والنخوة والثبات والبطولة، فاستحق أن نحتفي بذكراه المجيدة ويومه الأغر. وقد سطر رجال جيش العراق ملاحم بطولية مشهودة منذ تأسيسه وحتى اليوم، وصارع كل قوى الشر والعدوان، مثلما ساهم في واجبات الأمن الداخلي والمساهمة في مجابهة الكوارث الطبيعية المخلفة.
لقد قاتل جيش العراق العظيم بمختلف المناطق الجبلية والصحراوية وأراضي الأهوار والمستنقعات، فلرجاله أثر على كل ثرى العراق وحدوده، وله مساهمات كبيرة ودور طليعي مشهود في مساندة الأشقاء العرب في معاركهم القومية ضد الكيان الصهيوني والاعتداءات الأخرى التي تعرضت لها أمة العرب، لذلك لا يمكن للحاقدين ومزوّري التاريخ وعملاء الصهيونية والاستعمار مهما حاولوا أن يزوروا هذا التأريخ العظيم لرجاله الأشاوس، كما قارع هذا الجيش الباسل أعتى الدول الاستعمارية وأقواها على الإطلاق في تاريخه الطويل الذي يقارب القرن من الزمن، فلا يوجد جيش خاض معارك بجدارة واقتدار ضد قوى شريرة بالغة القوة مثله.
أيها الأحرار في كل مكان
في هذا اليوم المبارك لا يمكن إحصاء كل بطولات ومآثر جيشنا العظيم، ولعل بإمكان أي مراقب منصف استعادة ذاكرته القريبة ليستذكر جزءاً يسيراً من ملاحم القادسية المجيدة، فيتذكر عدد الخنادق الشقية والملاجئ ومواضع الآليات والدبابات والناقلات والمدافع وغيرها والتي ملأت حدود العرق مع إيران من الشمال إلى الجنوب وبعمق يزيد عن مئة كيلومتر وكذلك شبكة الطرق الواسعة الطولية والعرضية والتي أنشأتها سواعد الأبطال ليتمكنوا من تحقيق النصر العظيم، بعطاء وبسالة فائقة.
إن جيشاً باسلاً وصاحب إرث عظيم وأداء وطني وقومي مشهود مثل جيش العراق لا بد أن يثير حسد الأعداء والمستعمرين، ويستفزهم أداؤه الثر وروحه الوطنية الوثابة ومستوى إعداد رجاله، فأضحى هدفاً للغزاة للوصول إلى حله بعد الاحتلال الغاشم في قرارهم المشؤوم، ولكن لم يفت بعضد رجاله فانخرطوا في ملحمة التصدي للغزو والاحتلال وشكل رجاله البواسل ولا زالوا نواة المقاومة العراقية والعصب الحقيقي والجوهر الأساسي لهياكل قوى الرفض والمقاومة الوطنية الباسلة فكراً وتخطيطاً وإدارة وتنفيذاً وتثويراً لكل أبناء شعبنا المجيد.
وفي ذكراه العطرة لا بد لنا من الإشادة بكافة التضحيات التي بذلت وما زالت تبذل من قبل الجميع قادة وآمرين وضباطاً ومراتب، واستذكار الأكرم منا جميعاً شهداء العراق الذين عبدوا طريق المجد والإباء بدمائهم الطاهرة والجرحى الميامين الذين فقدوا أجزاء من أجسادهم فداء للوطن الذي لن ينسى تلك التضحيات الكبيرة، فتحية لكافة صنوف الجيش المفدى من قواته البرية والجوية والبحرية ولكل من ساهم في بناء وتطوير هذا الجيش العظيم.
المجد للعراق العظيم ولجيش القادسية المجيدة وأم المعارك الخالدة ولكل المجاهدين الذين يقتفون آثار هذا الجيش العقائدي المؤمن ويسطرون ملاحم البطولة في مقارعة المحتل الغازي وأذنابه الدجالين.
الرحمة لشهداء العراق العظيم والأمة العربية المجيدة يتقدمهم شهيد الأضحى السعيد القائد الرمز صدام حسين رحمه الله .
التحية والمجد لكل قادة الجهاد والتحرر الوطني في بلادنا قادة وآمرين ومقاتلين ولهم منا كل التقدير والاعتزاز
تحية إلى شعبنا العراقي العظيم من أقصى شماله إلى أقصى الجنوب
تحية إلى شهداء العراق العظيم
والمحبة والتقدير والاعتزاز لكل من آمن بالعراق العظيم واحداً موحداً مستقلاً..
القيادة العامة للقوات المسلحة
بغداد المنصورة بإذن الله
6 كانون الثاني 2026