شبكة ذي قار

أرشيفات 2025

خطاب صدام حسين رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة- أواخر عام 2006

نص خطاب الرئيس العراقي صدام حسين

بسم الله الرحمن الرحيم

“قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم”

“فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون”

صدق الله العظيم

أيها الأخوة، أيها السادة، أيها الذوات،

وكلّ على استحقاقه وصفته، وإلى أولئك الذين لم يخونوا العهد ولم يتناسوا الوعد والود، محبتي وعهدي، وسلام إلى شعبنا العزيز المبتلى، رجال وماجدات، وإلى قواتنا المسلحة المجاهدة ومنهم رجال المهمات الصعبة، وقوى الأمن القومي، وسلام إلى من أخطأ وتراجع، أو ظن وصحح وإلى المجاهدين والمجاهدات أكرم وأجزل السلام.

أيها الأخوة: ليس فيما أريد التحدث عنه تحت عنوان الدفاع، أو آخر الأقوال قبل إعلان الحكم، هو الدفاع عن صدام حسين، لأن ذات صدام حسين وموقفه لا يقبلان الدفاع عنه، وإنما عن الشعب والوطن والمسيرة.

ولذلك فلن أنشغل بالجزئي عن الكلي، ولا بالمحدود عن الشمول، إلا كمثله يستدل منها على الحقائق الأعم الأشمل لمن يجهلها أو نساها، وفي كل الأحوال لا يهمني أصحاب المواقف المسبقة الذين وسخوا حتى الضغينة من فرط حقدهم حتى وصلوا إلى الوصف الميئوس منه ولا يرجى شفاؤه ولذلك ليس لي فيها إلا الدعاء إلى رب العالمين أن يصلح من يشاء ويسحق من يشاء بغضبه وسخطه.

أيها الأخوة: ليس تقضي المداخلة في أمر إلى نتائج صحيحة إن لم يكن المدخل إليها صحيح، وعلى هذا أقول مثلما قلت من قبل شِفاها أو في مذكرات عديدة قدمتها إلى ما سُمي بهيئات تحقيق أو إلى المحكمة، ومثلما قال محامو الدفاع الشجعان، ومنهم شهداء الحق والقانون يتقدمهم الشهيد المحامي الغيور الشجاع خميس العبيدي، طيّب الله ثراهم.

أما رجال القضاء والقانون أو مَن حسبوا عليهما في هذه الهيئة وما حولها فلا تستبعد ان يظهر منهم مَن هو عفيف نظيف وطني شريف وقبلوا ان يكونوا على الصفة التي قبلوها لأمر ولظرف بعينه مثلما قبل الأستاذ الكريم، ابن الوطن والشعب الأستاذ رزكار ذاك في حينه، ولكنه وعندما اصطدم الحق بالباطل، وأصر ممثلو الباطل ان يعاكسوا الحق وتصوروا واهمين أنهم قادرون على ان يفرضوا الباطل على الناس الشرفاء، رفض الأستاذ القاضي الأول روزكار محمد أمين، الباطل وأهله بشرف وأعلن استقالته من رئاسة هذه المحكمة لكي لا يتحمل هو وعائلته ثقل الرضوخ لإرادة الباطل، فكان على ما تعرفون، وهكذا انتصر الأستاذ رزكار ليس لشرف المهنة التي انتسب إليها وسمعة القضاء العراقي فحسب وإنما انتصر لحق شعبه الحر الأبي ولكل شريف يرفض الغزو والباطل الذي لولاه لما ذرّ بقرنه في عراق الفضيلة والمجد السوء على ما انتم تعرفون.

فإليه منّا خالص التقدير وإننا لنهنيء ضميره الوطني الحي النظيف الذي دلّه على السبيل المنقذ للروح من أن تتلوث والأخلاق من أن تخضع لمساومة رخيصة، ومن خلاله نهنيء شعبنا الكردي فيه بل كل رجال القانون وشعبنا العراقي المجيد، وأرفق نص استقالته ليطلع عليها مَن لم يقرأها، واعتبرها جزءا من دفاعي هذا أمام الحاضر والتاريخ.

حملوا الذمة عهدا في قضائنا *** من يخزي العهد فهو خزيان

ناس وناس ألوان صفاتهم *** فمن هائن أو لجين وعقيان

أيها الأخوة… السادة… الذوات

يمكن للناس أن يخطئوا وأن يعودوا عن خطأهم ويصلحوا ويعفو الله وذوو الأمر من الخيرين عن ذاك، أما من يرتكب جريمة مخلة بشرف المهنة وقدسية مبادئ الشعب الوطنية والقانون قاصداً متعمداً وهو يعرف آثارها الآنية والبعيدة، فهو غير ذاك الذي لم يخطئ عن دراية أو أخطأ وإن عن دراية ولكنه تراجع ولم تفته فرصة التراجع، وإن مَن يعرف القانون في الحق والواجبات معرفة المختص، غير مَن تكون معرفته في ذاك معرفة المكلف بعدم خرقه فحسب، وإن الإنسان المؤمن في دينه كعقيدة عامة غير رجل الدين المسؤول عن تبيان تفاصيل الدين، حقوقا وواجبات، مع تفاصيل أخرى معلومة، وها قد جاء دور مَن يقول بأنه رجل قانون في هذه القاعة، ومنهم، بل في مقدمتهم من يجلسون على المنصة أمامي ليقولوا رأيهم الحاسم، فإن أبطلوا فإلى جحيم الدنيا والآخرة، وإن أعدلوا فقد أنصفوا أنفسهم مع مَن ينصفون، ويحمون شرفهم، وسمعة القضاء العراقي وحق العدل عليهم، ولكنهم عندما لا ينصفون فلن يؤثروا سلباً في شرف أحد من الناس ولن ينتزعوا منه شيئاً مما هو أغلى من الحياة.

نعم أيها الأخوة… الأصدقاء… وأيها الذوات في الهيئة التي أمامنا في هذه القاعة، وحيث يبدأ القول بأن جلساتها تفتتح باسم الشعب. نعم إن الشرف أغلى من الروح، وإن الوطن أغلى من الدم، وإن الشعب أغلى من النفس، وإن المال ليس إلا في سبيل الله والندا.

حلت أو اقتربت اللحظات التي توجب أن تعبر الكلمات والمصطلحات عن معناها بفعلٍ ذي تجسيد حي، وصار الحسم قريبا فيمتحن شرف أهل الشرف الذين لا ينسون الله ولا التاريخ، ويتشرف التاريخ ويتمجد بهم ولا ينساهم… لقد دافعنا عن كل عراقي صميم في الشعب وعن شرفه الوطني ومصالحه الرئيسية، ومن هم أمثالهم في هذه القاعة وحفظنا العهد الذي قطعناه بقسم جليل أمام الشعب، بعد إذ اختار صدام حسين رئيسا للجمهورية باستفتاء عام، ولم نخون إرادتكم ولم نتنازل عن دور إرادة الشعب الوطنية التي ضحى من أجلها العراقيون من ثورة العشرين 1920 وحتى الآن أنهار من الدم، ولذلك رفضنا إرادة الغزاة قبل الغزو وأثناء الغزو وعبّرنا بصدق وفضيلة، أنا وإخواني المسؤولين الذين حافظوا على شرف المسؤولية ومعنى العهد والوعد، ولقد جاء دور الإرادة على الوصف الذي بيّنا لتمحن في هيئة المحكمة، فإن فازوا، فقد فازوا، أمّا نحن فإننا فائزون في الدنيا والآخرة، إن شاء الله، على وفق معاني الجهاد. لذلك فإننا نبصر ونشجع ونحث أنفس قد تحتاج قولنا هذا، ومن أجلها، وليس من أجلنا وفي كل الأحوال ليس من أجل نفس صدام حسين، حيث صيغت مثلما أراد الله وقضى بذلك قانون الوراثة والالتزام بشرف المبادئ الغراء، ولذلك فإنها، أي نفس صدام حسين، تستغرب لو أن صدام أطلق فكرة من أجل نفسه، لا سمح الله بل وتثور عليه وتنهيه.

من أجلكم أقول، ومن أجل غير نفسي أُنبّه وأدعوا، وأعمل، وفي سبيل ربي وشعبي ووطني وأمتي أموت ولهم أعيش حيث أعيش… والله أكبر…

عليةٌ نفسي والفصل فيها عليُ *** ومن صلب جدي الحسين العليُ

ما دنت في موحشة نفسي إلى خائب *** وترّفع عزمي في الهيجاء أبيُ

ولا غرق خبئي من سيلً جارفً *** أو أزاح عدوّي رجال نؤيُ

وما ندّت من حر ولا برد *** أو آوارها دون ربعها الفيُ

سخية دمائنا حيث اشتد أوارها *** وفي العطاء حيث دلج العفاة سخيُ

أذبّ فيها وإن طال مداها *** وليّ الناس والرب لي وليّ

ترّف راياتنا رغم أنف العدا *** قد رآها الشهيد ومثله الحيُ

إذ تبرق غيوثنا تهطل زخّا *** ولرعودها صوت يتفرقع ودويُ

عُمّرت من بعد نوح أرضنا *** قد باركها إبراهيم النبيّ

ترفض خائنها وكل غريب *** فيقفو فيلهم وثعلبهم والمطيّ

تكسحهم عواصفها وإن تشبثوا *** هم صراخ يستغيثون عويّ

شدّوا رحالكم قبل أن يغمركم جارفها *** فجارفنا ليس كجارفكم غبيّ

ونعّمر أرضنا وإن خربوها *** فلا يبني في الصعب الوفيّ

أيها الذوات، في هيئة المحكمة: هل انتم فاعلون ما ينبغي وما يجب وكبح أي هوى أسرته الضغينة وأستودع الشره والطمع التافه في أكناف النفس!؟

أيها الذوات، في هيئة المحكمة ورئاستها جاء الوقت لتمتحن عراقيتكم ووطنيتكم وأصالة من يقول بهذا، وهي أمام مفترق فإما أن يمثلها أو يخونها، وعندما أقول هذا لا لكي أخلص من حكمٍ أعرف أنه صدر علي كهوى نفسً خبيثةً حاقدة منذ عشرات السنين وأعرف أن الصهيونية وممثلي الاستعمار والصفويين وسيدتهم لا يرتاح لهم بال إلا أن تتهيأ الفرصة لمن يطبّقه، وها قد جاءت فرصتهم فإنهم فاعلون، ولو سمح الله لموج شرورهم أن تغرق من تغرقهم، وإذا منعهم الله فهو القوي المكين. (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون).

ولقد، بيّنت لكم من قبل كيف ساومني أحد الجنرالات الأمريكان على حياتي مقابل أن أخون نفسي لا سمح الله، فأدعو الشعب إلى إلقاء السلاح بلا شروط، وكيف أخزيت نواياهم وأعليت راية شعبي وجيشي وأمتي عندما رفضت ذلك الطلب الخسيس. وإنكم تعرفون في تمام اليقين أن محاكمة صدام حسين رئيس الجمهورية وإصدار قانون مرتب خصيصا في ظل الاحتلال وسريانه بأثر رجعي عليه وعلى رفاقه وهم معتقلون وأسرى حرب بالطريقة التي حصلت تعّد خرقا للقانون الدولي، إنني عندما أدعو قانونيين في هذه المحكمة إلى أن يعدلوا فإنني أدعو طبقا لصفتي العادلة وما اتصل بممارسة مسؤوليتي على أساسها، وإلى ديننا الحنيف وتراثنا الخالد، وتعرفون ويعرف الشعب الوفي الأمين، بأنني لست من النوع الذي يضع نفسه وعائلته ومن يحبهم، على وفق خصوصيته، قبل الشعب ومبادئه فإذن، فإن هذا الذي أقوله ليس لكي يخلص صدام حسن من شيء ذلك لأنني لا أخشى المواجهة وأعرف أن الطريق الذي اخترته وقدت شعبي عليه يتضمن التضحية، ولأن في عرف مبادئي وإيماني، فإن من يقود، أوّل من يضحي وآخر من يستفيد، فإن التضحية لا توجعني مثلما يتوجع منها آخرون.

وعلى هذا فليس هناك، ما يجعلني جافلا على نفسي من شر الأشرار، وأمامكم سفر حياتي واضحا جليا في هذه المنازلة أو قبلها، وإنما أحاول لأغّير مَن قد يتغير لأخرجه من الظلام إلى النور، وهو واجبي الأخلاقي والمبدئي والدستوري، إزاء شعبي، ولذلك فإنني عندما أحاول لأجعل المخطئ يعود عن خطئه وخطيئته ويملأ المتحين فرصته بشرف فلا تفوته، فإنّ نفسي تمتلئ بالسرور، وهي دعوة ليست موجهة إلى رجال القانون والقضاء فحسب، وإنما إلى الشعب أيضا بكل ألوان الطيف الذي هم عليه، بما في ذلك من اختلفوا أو قد يختلفون معن في اجتهاد أو لون.

جاء الوقت لمَن فيه بقايا خير أن يؤسس عليها ليساعدوا، فتندمل الجراح لا لتتفتق جراح جديدة، وإذا كان لي أن أطلب من هيئة المحكمة، وهو أبسط حقوق في القانون، إذا ما وسوس شيطان من يوسوس له داخل صدره، أو شياطين الأنس له فتقرر على صدام حسين مثلما صرح بذلك الصفويّون تنفيذ حكم الإعدام فعليهم أن لا ينسوا إنني القائد العام للقوات المسلحة وأحمل أعلى رتبة عسكرية، لذلك فإن تنفيذ الإعدام بي ينبغي أن يكون رميا بالرصاص وليس شنقا، أتراه ثقيلا عليك طلبي أيها القاضي رؤوف، وأيها الذوات على منصة المحكمة؟ حسبي الله ونعم الوكيل… والله أكبر…

أيها الأخوة… أيها الأصدقاء… يا أبناء شعبنا العظيم رجالا ونساءً، وبكل عناوينهم ومسمياتهم: إن محرك أساسيات الظواهر في العراق، أو من يوحي بها بصورة مباشرة مثلما كان قد فعل بريمر وَمن يأتمر بأوامره، بما في ذلك سنّ قوانين نسبها إلى العراقيين ومنها القانون المسخ لهذه المحكمة، هم الغزاة الأمريكان ومَن صار لهم مطيةً يرفعون على ظهره “جزماتهم” لكي لا تظهر طبعات أحذيتهم على الطريق، وإنكم تعرفون هذا. أمّا قولهم بثورة الثائرين ضد نظام البعث ألصدامي الدكتاتوري كما يحلو للبيادق الملطخة أيديها بدماء الشعب أن تقول، فهو الآخر هراء، ذلك لأن جدار الثورة ومسيرة الشعب المظفرة على خط سيرها أشمخ من أن يتسوّرها الأقزام، ولقد حاولوا عام 1991 وباتفاق مسبق مع أمريكا وإيران، حاولوا في أواخر شباط، في 29 شباط وفي 1 آذار وما بعدهما وطيلة شهرين كاملين، ورغم أن طائرات العدو كانت آنذاك لم تترك بعد أجواءنا بما في ذلك فوق بغداد العزيزة، فقد أخزاهم وعي الشعب وصلابة جيشنا البطل بعد إرادة الله، ولكنهم في هذه ليس إلا كلابا ضعيفة رافقت ضعنا أجنبيا ودخلت من البوابات التي دخلها وما زالوا به يُحمون ويُحرسون، ويستقوون على شعبنا البطل وتشكيلات جيشنا الشجاع وقيادته العامة.

أيها السادة… الذوات… الأخوة كلّ على صفة نفسه، كانت فكرة المحكمة أساسا فكرة أمريكية طرب لها الصفويون وناقصو الصفاة ودُفع إلى آتونها من أريد أن لا يطلق سراحه من الأسرى والمعتقلين ليبقوا أيدٍ يختارونها مقيدة في المعتقل، ثم امتد خيال الغزاة وأهل الضغينة من الأذناب إلى أن يجعلوا المسيرة الغراء وقادة وقياديين فيها ولقد أعلن المتوحشون المسؤولون الأمريكان ذلك قبل الغزو وفي ظنهم قادرون على ما خططوا له، بل وعلى الإساءة إلى المسيرة كلها، معتمدين ومتصورين خطأ بأننا غير قادرين لمواجهة التزييف بالحقيقة الناصعة، وأرادوا كذلك واهمين أن يثلموا اعتبارنا، فجاؤا بنا في الجلسات الأولى في التحقيق والمحاكمة، وقد أرسلت شعور رؤوسنا على غير انتظام، وقد حجبوا عنا كل الوسائل التي تذكرنا بأي معلومات مفيدة يمكن أن تذّكرنا وتدعم حجّتنا من راديو أو تلفاز أو صحف، بل حتى بالنسبة لي حجبوا عني خطب وأحاديث صدام حسين، وربما فعلوا نفس الشيء مع أخواني المحالين إلى المحاكم الصورية هذه أو المحاكم الأخرى، ومع أن إخواني في معسكر الاعتقال الآخر، زوّدوهم بصحف محلية مرتين في الأسبوع وتسجيل تلفزيوني لمختارات بعينها ومحطة راديو بعينها، أما أنا فبقيت على الوصف المتقدم سوى أعداد لا تزيد على احد عشر أو اثني عشر نسخة من صحف عراقية جاء مقص ”الرقيب الديمقراطي” على القسم الأكبر منها، وحتى آخر جلسة حضرتها قبل الامتناع عن حضور الجلسة الأخيرة… رغم ان تلك الصحف كلها صحف محلية صدرت بعد الغزو وخلع العذار عن ناس بعينهم في هذه القاعة ليطلقوا أوصافا مسبقة واتهامات تنطبق عليهم، لا على من أسموهم خلافا للقانون الدولي والعراقي والدستور، بالمتهمين وعلى سبيل التذكير وليس حصر كل ما قالوه.

قال أحدهم معلقا على قول الأستاذ طه ياسين رمضان عن التنمية التي ابتدأت في منتصف السبعينات على نطاق واسع مما عملنا قبلها وأكثر اقتدارا وسميت في حينه بالتنمية الانفجارية نظرا لشموليتها وسرعة إنجاز المشاريع فيها، علّق قائلا التنمية المصيبة التي خرّبت العراق. وقال آخر واصفا في لائحة الاتهام، من أسموهم بالمتهمين “الذين عاثوا في الأرض فسادا” وبذلك نضح الإناء عما فيه، وينطبق على القولين المثل العربي “أحشفاً وسوء كيلة”!

ويبدو أن لهذه المباراة مَن يشجعها في القاعة التي تطل على قاعة “المحكمة” “كمايسترو” ومستوحى من علاقته الجديدة مع الأمريكان كنسيب ومقّرب ليغرف من شطّي السوء الصفوي، الإيراني، والأمريكي الصهيوني، فبانت حقيقة الناس، وعُرف مَن هو مسك وريحان، أو مَن هو على الوصف الرديء.

ولكي نقارع الحجة المتهافتة بالحجة الصحيحة والصميمة، ولكي نقارع الحجة المتهافتة تقديرا لشعبنا العظيم ومَن يهمه معرفة الحقيقة مثلما هي، بما في ذلك ناس في هذه القاعة فلنأخذ ثلاث سنوات أو أقل من عمر ثورة 17-30 تموز المجيدة إبتداءً من يومها الأول يقابلها أكثر من ثلاث سنوات من غزو بغداد والعراق، ودور رجال المسيرة الغرّاء فيها، ودور الغزاة وعملائهم في الثلاث سنوات المقبلة لتعود الحقيقة المشرقة واضحة بهية، بعد أن حاول الظلام أن يسدل عليها أستاره، أقول لكم شذرات موثقة من تلك السنوات الثلاث تموز/1986، وآذار0 1970 وجدنا في ميزانية الدولة ثلاثة ملايين دينار فقط، مما جعلنا نحير بعض الأشهر في تدبير رواتب الموظفين ورواتب الجند، حتى أن المرحوم الرئيس البكر فكّر بأن يبيع للمواطنين معسكر الجيش في الوشاش بعد أن يقطعه بمساحات لأرض سكنية يفيد ثمنها جانبا من نشاطات الدولة، وقد عارضته واقترحت عليه وعلى مجلس قيادة الثورة في اجتماع رسمي، أن نحوله إلى متنزه للشعب، حيث يعّز أن تتهيأ مثله فرصة في المستقبل، بعد أن يتحسن حال الدولة المالي، ولكن كان مع رأيي الأقلية وصار إلى جانب المرحوم البكر الأغلبية من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وكلف المرحوم صالح مهدي عماش، وكان نائبا لرئيس الوزراء، ووزيرا للداخلية في حينه أن يعاونه أمين بغداد ليقّطعوا المعسكر إلى قطع سكنية ويعلنوا بيعها للمواطنين، وكان ذاك في أوائل عام 1969 على ما أذكر، وقد باعوا من المعسكر كل مساحة الأرض الواقعة إلى الغرب من شارع الزيتون، فقط، بعد مضي ستة أشهر على إعلان البيع، وكان مجموع قيمة القطع المباعة بحدود المئة والثمانين ألف دينار فقط. أكرر مئة وثمانين ألف دينار فقط، فطلبت ان يعاد مناقشة الفكرة مرة أخرى في مجلس قيادة الثورة وبعد أن قدم المرحوم صالح عماش تفاصيل واقع البيع والمبلغ المتحقق اقترحت إيقاف البيع وتحويل ما تبقى من أرض المعسكر إلى حديقة ومتنزه عام فحصلت على تأييد من كل أعضاء مجلس قيادة الثورة تقريبا بما في ذلك المرحوم الرئيس أبا هيثم حيث كان في المناقشة السابقة من بين الأكثر حماسة لفكرة البيع.

وفي ذاك الزمن القصير مما ذكرنا وفي الأيام الأولى بعد الثورة مباشرة أطلقنا سراح كل المعتقلين السياسيين الذين كانوا معتقلين من النظام السابق الذي أقصته الثورة وكان المعتقلون آنذاك، طيفاً من الناس تحت مسميات شتى، وكلهم كانوا معادين لحزبنا وثورتنا، ولم نبقِ في السجن أحداً منهم بما في ذلك الكرد الذين كانوا في المعتقل.

وأعدنا كل المفصولين من وظائفهم لأسباب سياسية مع حقوقهم، ومنهم الكرد والشيوعيين.

وحققنا السلام في شمال الوطن وأنهينا القتال على أساس بيان 11/آذار/1970، بعد قتال استمر من عام 1961 وعجزت كل الحكومات المتعاقبة على إيقافه باتفاق.  ذلك الاتفاق الذي وقعنه مع المرحوم ملاّ مصطفى البارزاني.

وبدلا من الانفراد بالسلطة، وهو حق لو أريد الانغلاق نظرا لأن الثورة قادها وخطط لها ونفّذها حزب البعث وحده، ولكننا بعد أن استقر لنا الحال تماما، أقمنا جبهة وطنية وشاركنا كل الأطراف المؤثرة وفي المقدمة منهم من مثل البارزاني في حينه في الحكم، وقد بدأ الخير يتدفق باستحياء على العراق والعراقيين لأن النفط كان في قبضة الشركات الاحتكارية والدول الكبرى, حتى أممنا نفط الشمال في 1 حزيران عام 1972، وبعده أممنا نفط الجنوب وكنا سبقنا هذه الخطوة بالمباشرة لاستثمار النفط وطنيا، خارج الامتياز من حقول نفط شمال الرميلة.

وقد أنجزنا ثورة تموز بصفحتيها في 17 وفي 30 تموز عام 1968، ولم ُيرَق فيهما إلا دم جندي واحد في الخطأ، ولم يفقد أي مواطن من أقصى العراق إلى أقصاه في الثورة ولا حتى قلم رصاص أو درهم، وعلى هذا سميت الثورة البيضاء، وهو عهد قطعناه على أنفسنا بقرار من القيادة سبق تنفيذ الثورة بعدة أيام فقط، وباقتراح مني أن نعمل على استقرار البلد ونبذ الثارات وعدم المحاسبة على ما سلف ولم نعتقل بعد الثورة مباشرة أياً من المسؤولين، بما في ذلك رئيس الجمهورية. ولا أي مواطن على فعل سابق للثورة.

هذا مختصر لما كنا عليه في السنوات الثلاث من عمر ثورة الشعب والجيش، ٠ فأي شيء حقق أسياد المتطاولين وأذناب أمريكا وإيران وخدمهما في السنوات التي أعقبت احتلال بغداد العزيزة من الغزاة؟ وهل ثمة مجال للمقارنة بين ثلاثٍ…  وثلاثٍ.

يا لشقاء من يدّعون، أيمكن أن تقارن الثريا بالحضيض الآسن!؟ ومَن يا ترى يعيث في الأرض الفساد.

وهل هذا الوصف ينطبق على الأزنام وأسيادهم أم علينا نحن وشعبنا وجيشنا!؟

هذه شذرات من بحر الخير الصاخب الذي أنجزته الثورة وكلما توغلنا أكثر في سنواتها اللاحقة يصبح الخير بِحارا ويتحول إلى محيط زاخر، حتى دهمنا الشر من أم الأزنام ولكن الخير لم يتوقف ودهمنا بعد ذاك ش الغرب على ما تعرفون ويكفي في هذا أن نقول كان ريف العراق قبل الثورة يندر فيه من بنى بيته بالطابوق أو الحجر، وقد لا يزيد في كل ما في ريف العراق من بيوت من الطابوق والحجر آنذاك على مئة بيت أو أكثر، رغم أن الريف العراقي يسكنه الملايين.

وقد قلت هذا الرقم من غير إحصائية وإنما على القياس المتخذ من محافظة صلاح الدين، حيث كان في كل ريف المحافظة بيت واحد من الطابوق، هو بيت المرحوم غازي العلي الكريم في ريف سامراء، ناحية مكيشيفة الآن وقد كان نائبا في مجلس النواب قبل ثورة تموز عام 1958، وكانت نسبة الأمية في العراق حتى عام 1969 أو عام 1970 هي 73%، وكان عدد من تراه يحتذي حذاءً في الريف نادرا إلا إذا كان يهّم بسفر إلى مدينة.  وكان في بغداد فندق واحد من طابقين يوصف من فنادق الدرجة الأولى وليس غيره في كل العراق من هذا الوصف، وكان مصعد القصر الجمهوري إذا توقف ليس في العراق من يصلّحه، وكان يشغّله هو وأجهزة التكييف في القصر الجمهوري والمجلس الوطني مهندس واحد.  وإذا توقف المصعد نأتي بمن يصلحه في طائرة من الشركة الإنجليزية التي بنتهما، وكانت بغداد على أشّد تناقض بينها وبين تأريخها.  وكانت مدن العراق الأخرى، وريفه مهملين وحتى أواسط الثمانينات ليس هناك في العراق مَن يجرؤ ويعرف كيف يُنصب مصعد جاهز، حتى طلبت من المهندسين أن يستقدموا من يركّب لهم مصعدا واحدا أو مصعدين، وعليهم بعد ذاك أن يتعلموا هم من غير مساعدة أجنبية حتماً في تركيب المصاعد وتشغيلها، وكان في الدولة قصران هما: القصر الجمهوري وهو القسم الأوسط بين الجناحين المستحدثين من قبلنا وبناية حمورابي المسماة المجلس الوطني.

أما في الصناعة والزراعة والثقافة والصحة والتعليم، فحالٌ يرثى لها. فهل تعرفون وإذا عرفتم هل تذكرون أم أن الخائبين ينكرون ويتناسون؟

استدّت عزائمنا فجال الحسام *** يواجه رماح صفّق لها الأزنام

وحيث تعالى في الساحِ عقوبها *** كان لنا في ساح الوغى قُحّام

تمادت كانونة النار من شرقنا *** وتمادى مثلها الأطلسي السّخام

فجاءت أمواجه تزاحم بظلمته *** فما أخاف إذ ازدحم الظلام

فاقتربوا وسددوا رماح إلينا *** انزاح الغبار فخفقت أعلام

فثبت في صدور أهلها عزائمهم *** ولم يضطرب من السيل السّنام

وانتخت همم غرّا تواجههم *** فتخالف رمحهم وحسامنا والسهام

فتصاهلت الخيول تعقبها أمهارها *** واضطربت النياق وغزاها السقام

فطاش الرمح وأعيته مخاضتها *** واخترق صدر العدو الحسام

هكذا تالدٌ عن تالدٍ أهلنا *** فسجّل التاريخ وعرفتنا الأنام

ذاكرتها المقداحة تذكره *** إن نسى من نسى الأقلام

قداحة الروح محبتنا لأمتنا *** نصوم ونفطر ومن الإيمان الصيام

وشعبنا فيه عزيز أمانينا *** فحتما ينهزم العاتي الظلام

نصوغ بالشرايين عزّته وسعادته، *** وإن كان في ذاك الحِمام

فتلد في العراق شمس جديدة *** وتلّذ وتحلو به الأنسام

فنسمع زقزقة *** ويُسمِعُنا الهديل الحمام

فتميس شواطئها فخورة *** ويضجّ بالترحيب الأنام

أيها الشعب العظيم يا رجال القضاء الحقيقيين، هذا هو الوقت، الذي وإن ادخر مَن ادخر كل شيء فقد حلّ ما يتوجب أن يبذل من غيرما يتردد، بما في ذلك الدم الزكي.

وما زال رجال نجوم في القانون، يواكبون معاني الشعب والأمة والإنسان، أبرزهم الرجل الفاضل الأمين، والقاضي الأول، ابن العراق البار وابن الكرد البار رزكار، حفظه الله ومكّنه على طريق الإنصاف والفضيلة بما يعّز القانون والقضاء وبما يعّز الحق ويخزي الباطل، إنه سميع سبحانه مجيب.

كان ذاك الرجل الوقور عندما تبين الحقيقة، وعرف إن الغزاة والمزورين يريدون أن يدفعوه إلى الظلام لارتكاب الخطيئة وليس تطبيق القانون، أبى لنفسه أن تتلوث والشرف أن يتدنس، فنزع عنه ما أرادوا أن يلبسوه إياه واستقال فإليه تحيتي وتقديري.

أيها الأخوة والذوات أيها الشعب العظيم

إننا على ثقة بأن سندان الحق في صدور شعبنا الوفي الغيور.

سيعمد الحق إزاء مطارق الغش والتزوير والدنيّة، وستتهشم مطارق الباطل وتعيا أذرع الشر ويتفوق الحق، وسيضاف صمودنا إلى البحر الزاخر لما في صدر شعبنا وصدر كل مؤمن غيور.

عاش شعبنا

عاش جيشنا الأغّر الباسل

عاش المجاهدون، عاش المؤمنون الصادقون، عاش محبّوا السلام

عاشت أمتنا المجيدة

والخزي والعار والشنار لأهل العار

قلت وما زلت أكرر القول بأنني عندما أوضح الحقائق وفق رؤيتي واجتهادي، أو حسب ما يتيسر لي في الذاكرة من مفردات، فإنني لا أدافع عن صدام حسين لإزالة أو تخفيف عقاب يريده ويسعى إليه المجرمون، تحت عناوينهم ومسّمياتهم، إنما لأوضح الحقيقة حسب، وإنّ هذا حق شعبنا علينا وهو واجبنا تجاههم وتجاه مسيرة عظيمة ظافرة حاول الأقزام أن يشوشوا عليها ليظلموها، بما في ذلك حق من يحتاج رأيه ليتكون في هذه القاعة وفي هذه الهيئة إلى أن نقول رأينا وندلي بدلائنا، وإننا إن شاء الله فاعلون وبما يشاء لنا ربنا من مصير قانعون وبانتصار شعبنا ووحدته متيقنون.

أيها الشعب الكريم الوفي، أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة

أيها المجاهدون

كنتم دوما متسامحين مع الخطأ، بل وحتى مع الخطيئة، لمن يصلح ويعود عن طريق السوء والتبعية والخيانة، وكانت قيادتكم الغراء التي هي جزء منكم وتفكر وتعمل بإرادة وطنية حرة ليس مرهونة للأجنبي إنما محّركها رضا الله والشعب وسبيلها المصلحة العامة وليس الأهداف الذاتية ولا كرسي الحكم، كانت وعلى أساس خلفيتها متسامحة حتى إزاء من يركبه خيال هواه فيتمرد بدفع خارجي أو دفع ذاتي، وعلى هذه الخلفية ينبغي أن تعّدوا النفس للتسامح ليحّل بهياً مقتدراً معافى مع أبناء جلدتكم، بدل الثأر والضغينة والبغضاء إلا من يقف عقبة كأداء في طريقها جهادكم ضد الأجنبي فذنبه هو ذنبه.

أقول هذا الآن وقد عملت به على قدر ما ترى رايتي أو يصل رمحي وسيفي اعتبارا من لجوئي السياسي المعروف إلى سوريا ثم مصر العروبة بين 1959-1963 وطيلة خمسة وثلاثين عاما في قيادة السلطة مع إخواني ورفاقي، وأقول به الآن وبعد الآن بتشديد مضاعف لطبيعة المحنة التي يواجهها شعبنا، ليس خوفا من أحد أو استجابة إلى مساومة رخيصة على حساب مصلحة الشعب والوطن، وليس أيضا التماس فعلٍ من غير أهله، وإن أهل الفضيلة يعرفون أنفسهم ويعرفون السبيل، وسبحان من لا٠ يخطئ، ولكن ثمة فرق بين من يكون خطأه عامدا مع سبق إصرار، ثم إصرار لاحق من غير أن يرعوي وبين خطأ على حال هفوة عابرة، أو ما هو من طبيعة خطأ من يعمل بما في ذلك من هم الأكثر إخلاصا ودقة.

ومن هواه نفسه، صار ريح نتنة مع الممارسة وتراكمها، على هذا.

أيها الأخوة… أيها الشعب العظيم يقاس خطو الناس في النضال وفي الحكم، وعلى هذا تُعرف نتيجة أفعالهم وطبيعتها قبل أن يبدؤوا الخطوة الأولى في سدّة الحكم أو المسؤولية، وعلى ذا تكون الغربان على وصفها والصقور على وصفها، فلا الصقور تصير غرباناً، ولا الغربان تصير صقوراً، ولا الضفادع تسابق مع الأصائل.

أيها الأخوة: مهما يكن من أمر، وفي كل الأحوال والتطور داخل العراق، والسبيل الذي يزاح بح الغزاة والمبطلون والنتيجة التي يصل إليها الحال بالنصر المبين إن شاء الله، ورغم أن العراق بحر زاخر بالعمل السري والحركات السرية منذ قديم الزمان، وإن لأنواع من العمل السري هالات هي أكبر من حجمها، وأقل مستوى من الآمال التي يعلقها عليها أعضاءها وجماهيرها أحيانا، فقد اختبرت كل الحركات السياسية المعروفة بعد عام 1958 حتى الغزو الأجنبي، وعرفت بعد الغزو، وبعضها ذيله، حركات أخرى، فصار الشعب على بيّنة ليقرن الشعارات بالعمل ويقرن الإعلان والنية بالخطوة، وبانت أوزان الجميع، في فعلهم ومسالكهم، ومثلما تعرف المصاهر والمختبرات المعادن، فكذلك بانت وعرفت معادن الناس وأسبر غور منبتهم ومآل ولاءهم، وإن السلطة من أعظم المصاهر والاختبارات ومثلها الظرف الصعب كظرفنا، لاكتشاف ومعرفة الناس وبواطن ما كانوا يخفون ويضمرون، ومن هو بن الوطن عقلا وضميرا وقلبا أو رجليه في العراق وعقله وقلبه خارج الوطن، وإن شعب العراق، عظيم وخبير في الناس، فإذا خدعه من خادعه، فإن ارتداداته ستكون عنيفة عليهم، ولقد عرف شعبنا الغثّ المزيف مثلما كان قد عرف الأصيل والسمين، وعرف الأوزان والنوايا والعقول على حقيقتها وعرف القلوب، وعرف ما يضره وما ينفعه، ولقد نزف دما طهورا من أجل ارتقائه، ونزف دما طهورا ممزوجا بما يراق من دم المحتل وركاب حذاءه ولذلك لم يعد في قوس الغزو والظالمين ذيله، ثمة منزع، وتكسّرت سهامه، ليشقى الأجنبي والأغراب بسرعة أعلى وتعود إلى شعبنا وحدته وتراصّه في الخير والعمل، وإن ما يطيل زمن الغزو، بل أطاله هو عمل الأشرار داخل بعض الصفوف، آن للجميع أن يقبلوا بعضهم شرط أن يقلع من تورّط كدليل للأجنبي أو إنرصف مع مخالبه ببرهان، وآن لمن هواه خارج الحدود أن يعرف بأن لا مرونة ولا تسامح مع الذين يقّدمون مصلحة ألأجنبي على مصالح شعبنا أو ينظرون إليها بمنظار واحد وعيار واحد، وفي كل الأحوال فإن العراقي مطالب أن يختار عراقيته دون شريك، فإذا اختار شريك انتفت عراقيته عليه ولا تعارض أو تناقض بين هذا المبدأ والمصير المشترك مع الأمة، المجيدة. فمن يختار العراق باستحقاقه يبقى متساويا في الحقوق والواجبات، ومن يزّوجه مع غيره أو يجعل غيره رديفا أو بديلا فلا مكان له على أرضنا وعليه أن يرحل وكلّ يعرف عمامة أن لم ينصهر قلبا وقالبا.

أيهم برّنا وأمه يهماء *** خنجر أدمى شعبنا الداء

رديف حراب قرّت في خاصرته *** ساحت بعمق الكلوم منه الدماء

وعزّة الأنفس فينا سجية *** وحادينا والربع أعزاء

وقد ورثناها تالدا عن تالد *** ورثها عن آباء غرّ أبناء

نواجههم حتى تفصد دماؤهم *** وتعدل إذ تنفصد العرجاء

حملوا آثام تنوء بها جبالهم *** يذكرها الثرى وتنئن بها الأنواء

أصابتهم مصائب ما زالوا بأولها *** يصيبهم إذ يطبق النصفان إعياء

وإذ يطبق النصفان فتلك أيامنا *** يزَيًن النصر بها والحِداء

تسامحوا بينكم فيعّم أريجها *** فإنه دين اللهِ ومِنّا رجاء

حلّ أوانها لاح إشعاعها *** فليس يقبل إذ يلح إرجاء

ومن أجل أن يعرف من يرغب في معرفة جانب من حقائق ثورة تموز المجيدة، نقول أن ثورة تموز التي نحن بصدد مسيرتها قامت في 17 تموز 1968، وأن الثورة انتفضت على تسلل بعض المنحرفين إليها، في 30 تموز من نفس العام أي بعد ثلاثة عشر يوما، وفي اليومين المشار إليهما وما بينهما وما بعدهما لم يفقد أي مواطن من أقصى العراق إلى أقصاه أي شيء من ملكيته ولم ينتزع من مواطن أو مسؤول سابق في السلطة أي شيء من ملكيته، ولم تفقد الدولة أي شيء من ممتلكاتها، وقد عمّ الأمن العراق كله.

هذه هي نزاهة ثورة تموز وإخلاص قيادتها وجدّيتهم، وفي الوقت الذي لم نجد في خزينة الدولة آنذاك عام 1968، إلا ثلاث ملايين دينار ما يساوي إثنى عشر ألف دولار، تركنا في خزينة الدولة حتى يوم دخول قوات الغزو بحدود ثلاث مليارات دولار، لابد أنها نهبت من النهابين، أمّا الآن فإن المعنيين وأعوانهم أخبر بالناهب والمنهوب والحصص الموزعة على أساس “القدرات المجرمة” فهل هنالك مجال لتقارن الغربان بالأسود!؟

بحر الأسنة وأمواجك الدم

زاخرٌ أنت، المحيط… يلتطم

لو غيرك باس أيدي متوسلا بالمدفع

يابن الفراتين توسِمُ

عرمةٌ همّتك في كل حين أبية

وسيلك حيث إشتّد غيثك عَرِمُ

ياسيف أم المعارك والقادسية،

فما التوى، وما وهنت في عزمك الهمم

هذه أوصاف شعبنا وجيوشنا

فأي وصفٍ لك أيها القزم

جئت تزيّن بغزوك العراق

وستعجز كما عجز قبلك العجم

                 

التوقيع

صدام حسين

رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة

أواخر عام 2006

من وحي خطاب الرفيق أبو جعفر في ذكرى ثورة ١٧ تموز الخالدة

من وحي خطاب الرفيق أبو جعفر

في ذكرى ثورة ١٧ تموز الخالدة

 

د- فالح حسن شمخي

 

استمعت جيدا لخطاب الرفيق أبو جعفر أمين سر قيادة قطر العراق ، لمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لثورة ١٧-٣٠ تموز في العراق.ويمكن أن نطلق عليه خطاب المرحلة ،  فالمنطق العلمي يقول ان لكل مرحلة تاريخية اسلوبها في الخطاب السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفلسفي والفني   .

 

الخطاب بدأ بالحديث عن الصبر والتضحية  :

بدأ الخطاب بقول الله جلت قدرته :

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ

وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

    صدق الله العظيم

والصبر  كما هو معروف يقترن بأركان الإسلام ومقامات الإيمان، فقٌرن بالصلاة في قوله تعالى : {وَاستَعِينُوا بِالصّبرِ وَالصّلاةِ} [البقرة: 45]، وبالتقوى في قوله تعالى: {إنّهُ مَن يَتَقِ وَيَصبِر} [يوسف: 90]، وبالشكر في قوله تعالى: {إن فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور} [لقمان: 31]، وبالرحمة في قوله تعالى: {وَتَوَاصَوا بِالصّبرِ}.  

  التضحية :

حدثنا الخطاب عن رفاقنا الذين فجروا ثورة ١٧ تموز ١٩٦٨  والذي أطلق عليهم ( الرعيل الأول )، ذكرنا بتضحياتهم الجسام التي قدموها لإنجاز مشروعهم الثوري الذي سماه ( الوليد  الجديد ).

التضحية هي  أن يدافع الانسان  عن نفسه وعرضه وماله،، فواجب  المناضل الثوري هو صيانة  نفسه وعرضه، وماله، وهنا نشير إلى ان االمقصود بالنفس والعرض والمال ، هو مال ونفس وعرض الشعب العراقي الذي حافظ عليه الثوار على مدى ٣٥ عاما من الحكم الوطني في العراق ، لقد قدموا العراق على أنفسهم وعوائلهم وهذه هي التضحية  .

يروى ان رجُلًا قال: يا رسولَ الله، أرأَيْتَ إنْ جاءَ رجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مالِي؟ قال: “فَلا تُعْطِه مالَك”، قال: أرأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قال: “قاتِلْهُ”، قال: أرَأَيْتَ إن قَتَلَنِي؟ قال: “فأنت شهيدٌ”، قال: أرأيْتَ إن قتلتُه؟ قال: “هو في النار.

 ويروى ان المصطفى صلى الله عليه وسلم قال : “مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِه فَهُوَ شهيدٌ“.

 وقال شاعر من شعراء العرب :

 يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ جُسُومُنَا ..  وَتَسْلَمَ أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ

 

 العراق هو الطليعة:

 لقد آمنت قيادة الحزب في العراق بأنها عليها كطليعة ثورية أن تتصدى لسبات وكبوات الأمة العربية المجيدة وتأخذ على عاتقها شرف المسؤوليه في اعادة أمجاد الأمة التي تكالبت عليها القوى المعادية ، بمشروع نهضوي حضاري جديد ، بعيد عن التجريب الذي ساد في تلك الأيام.

  الانشطار العمودي:

 نتيجة للهيمنة الامبريالية الاستعمارية انقسم العرب الى كتلتين الأولى تشد المجتمع العربي الى الماضي ، وبحجة ضياع الهوية القومية والوطنية ، والأخرى تدعو الى اللحاق بالغرب بحجة الحداثة والمعاصرة ، والتخلي عن التاريخ العربي الخالد الذي يحمل بين طياته الكثير من الدروس والعبر التي تخدم الحاضر والمستقبل، لقد لخص الخطاب الصراع الذي تخوضه النخبة المثقفة في أمتنا العربية مابين الثابت والمتحول ، والحداثة . والمعاصرة .

فالخطاب يعيب  على القوى العربية المتنورة فكريا عدم امكانياتها أو ضعفها واستكانتها نتيجة ماتعرضت له من هجوم القوى المعادية الذي  يصل الى مستوى الحرب ، فاكتفت هذه القوى المتنورة بإثارة التساؤلات التي لاتجدي نفعا ، لأنها لم تصل الى إجابات علمية وعملية شافية في الوصول الى الهدف المنشود وهو اللحاق بالركب ، واحياء الماضي الحضاري الإنساني للأمة .

  طبيعة الانسان العراقي بين الغضب والثورة  :

 تناول الخطاب طبيعة الإنسان العراقي والتي هي نتاج الموقع الجغرافي وكثرة الأطماع التوسعية فيه ، والحروب التي خاضها ، والحضارات التي تعاقبت عليه ، وهنا لابد أن نشير الى ان الخطاب قد تناغم مع نظريات علم الاجتماع الحديثة ولخصها والتي تناولت الشخصية العراقية    .

 صراع القوى بعد العام ١٩٥٨ :

حمل الخطاب القوى الوطنية العراقية التي كانت مؤتلفة بجبهة الإتحاد الوطني والتي تشكلت قبل عام ١٩٥٨ مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع بعد ذلك ، وهنا لم يستثني أحداً ، وهذا هو الرقي بتناول التاريخ .

  البعث برنامج سياسي واضح المعالم:

 يستند البرنامج السياسي للبعث الى تاريخ طويل نضالياً وفكرياً ، ويستند عقائديا الى تاريخ حضاري إنساني سطره الأجداد ، تعامل البعث مع التاريخ بمفهوم ، ( الإستلهام )، أي الأخذ بما هو جيد ومبدع ويصلح أن يكون نموجاً ورمزاً لإتباعه ، وترك مادون ذلك .

   نجت ثورة تموز لتضع الحلول للمشاكل المتراكمة :

 ان أول ما تحدث عنه الخطاب هو تعامل الثوار مع القضية الكردية ، فكان الحل هو بيان 11 آذار الخالد . وثاني ماتعامل الثوار معه هو الثروة النفطية فكان تأميم النفط الخالد ، والذي كان له الأثر على التنمية الشاملة في مجال الصحة والتعليم وبناء القاعدة الصناعية والزراعية وغيرها .وثالث ماتعامل معه الثوار هو القضاء على شبكات التجسس التي كانت تعيث بالأرض فسادا .

 توطين التكنلوجيا :

عبارة جاءت في الخطاب علينا التركيز عليها طويلا ، فنقل التكنلوجيا الغربية من دون فهمها وتفكيكها وتركيبها كما فعلت ثورة تموز التي أنتجت آلآف العلماء الذين  تعاملوا مع تكنلوجيا الغرب . إن نقلها حرفيا ومعها الخبراء والاكتفاء بأن نضع حرس على بوابات المصانع والمعامل كما هو الحال في بعض الاقطار العربية يعتبر عملا مشيناً،  وهنا نفهم ان التوطين هو المشاركة والمعايشة والبدأ بالتعامل مع التكنلوجيا .

  الحديث عن الاعتقال والتعذيب والتغييب:

 حديث الرفيق أبو جعفر عن الممارسات التي تتنافى مع حقوق الإنسان في العراق على يد الاحتلال وذيول ايران ، تحمل مصداقية عاليه لأنها تأتي من رجل عانى الإعتقال والتعذيب وهو شاهد عيان على تلك الممارسات الوحشية القذرة التي تمارسها الحكومات العميلة في العراق ، ومارسها الاحتلال الأمريكي .

  تحية المقاومة وثوار تشرين بعيد عن الوصاية والتعالي  :

 لقد حيا الرفيق أبو جعفر المقاومة العراقية التي عاش فاعلا فيها وعرفها عن قرب ، المقاومة التي أجبرت المحتل الأمريكي على الهروب ، حيا الجيش العراقي بكل تشكيلاته والذي كان هو النواة في تشكيل فصائل المقاومة ، وحيا فصائل المقاومة الأخرى ، ولم يدعي أن المقاومة كانت حكراً على حزب البعث العربي الإشتراكي .

 أما ثوار تشرين فقد تبنى الخطاب طروحاتهم وأهدافهم وتطلعاتهم بعيداً عن الوصاية أيضاً.

  مالم يذكر في الخطاب وتم التسامي عنه :

 أترك الأمر للقراء ولكني أٌذكر بقول شاعر العرب ابو الطيب المتنبي:  

  عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ

وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها

وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

 

قِرَاءَةٌ فِي خِطَابِ الرَّفيقِ عِزَّة إِبرَاهِيم….

قِرَاءَةٌ فِي خِطَابِ الرَّفيقِ عِزَّة إِبرَاهِيم….

حسن النويهي

بداية لا بد من الإجابة على مجموعة من الأسئلة، أبدأها بسؤال:

هل عزة إبراهيم حي أم إنه من زمان انتقل إلى الرفيق الأعلى؟

هل عزة إبراهيم ما زال مهماً وهناك من يستمع له ويهتم لما يقول، أم إنه يقول كلاماً مرسلاً لا يهتم به أحد؟

هل ما يقوله عزة إبراهيم مهم، وبه رسائل، أم مجرد حكي؟

هل الرجل يقول أم يقال له؟

هل ما زال البعث ورقة مهمة ولاعباً أساسياً، أم مجرد اسم ويافطة من الماضي؟

لماذا كل هذه الملاحقة للبعث والبعثيين إذا كان لا يمثل على أرض الواقع شيئاً؟

لماذا لا تجد إيران وعملاؤها في العراق غير البعث لتكيل له الاتهامات وتحمله مسؤولية ما يجري، وإن كل هذه الانتفاضة، أو الهبة، أو الثورة، يقف خلفها البعث أو يحركها؟

لماذا لم تجد العصابة الحاكمة في الخضراء من الحزب من يتعاون معها أو يعطيها شرعية أو يكون جزءاً من عمليتها السياسية؟

على ضوء هذه الأسئلة سأناقش خطاب الرفيق عزة إبراهيم، وصولاً إلى استخلاص رؤية مما جاء في الخطاب، وما الذي يرمي إليه؟

بداية أدعوا بطول العمر والصحة والعافية للرفيق عزة شيخ المجاهدين والأمين العام للحزب، رفيق الشهيد البطل صدام حسين وأخيه ونائبه ومحط ثقته واحترامه، قائد المقاومة باقتدار رغم كل ما يحيط به من صعوبات ومشاق وعقبات ومخاطر.

وأوجه له كل التحية والتقدير وأشكر له رده على رسالتي المرسلة له، ولا أذيع سراً بأنها تؤكد بأن الرفيق أبو أحمد على قيد الحياة، بخير ومتابع بدقة لأدق التفاصيل، فقد أجاب في رسالته التي لن تُنشر، على كل ما جاء فيها حرفاً بحرف بكل صدقية وشفافية وموضوعية وثقة القائد البعثي، وأسجل اعتزازي وتقديري لما جاء فيها من معان سامية وكلمات طيبة وروح رفاقية عالية، أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية.

وبهذه المقدمة أكون قد أجبت على السؤال الأول بتأكيد لا يقبل الشك.

السؤال الثاني وبدون مواربة، وبكل ثقة أقول نعم، ما زال عزة إبراهيم مهماً، ويمثل رقماً صعباً ويَسمع ويُستمع له، ويحسب له ألف حساب، وجانبه مهاب، ويخافه الصديق قبل العدو، وترتعد فرائس البعض ممن يجلسون على كرسي الحكم في بلدان مجاورة لو سمعوا باسمه يتردد فجأة، ولو صرخ أحدٌ في مجلسهم فجأة باسم عزة إبراهيم لبالَ بعضهم في ثيابه أو هرول تاركاً نعاله.

الخوف من عودة البعث وعلى رأسه عزة إبراهيم هو ما يؤرق العديد من العرب والعراقيين والعالم، لذلك لا يجد البعث نصيراً ولا داعماً ولا سنداً، وسيبقي البعث يدق مضاجعهم حتى يعود حاملاً مشعل الحرية والتحرير بعون الله.

عزة إبراهيم ما زال يقول كلمة البعث مؤمناً بمبادئه مخلصاً لها، لم يغير ولم يبدل، لم يساوم ولم يتنازل، لذلك لا يطلق كلاماً مرسلاً أو على عواهنه، فكل كلمة تحتل موقعها، وما يغيظ الأعداء إنه ما زال يؤكد على ثوابت البعث، ولم يحيد عنها، لذلك يتابعونه باهتمام لمعرفة هل من تغيير في المواقف أو ليونة يمكن الاعتماد عليها.

عزة إبراهيم يقول ولا يقال له، وله بصمة واضحة ولغة معروفة، يستطيع من يتابعه معرفة إن كان هذا الخطاب بيده أو مكتوباً له.

لماذا يبتعدون عنه ويطاردونه، لأنه شريف حر، ولأنهم أدوات لا يملكون إرادتهم ولا قرارهم، لو زمر لهم ترامب، أو أشار لهم بإشارة استدارة نحو عزة إبراهيم لهرعوا حفايا، لكنهم لا يملكون من أمرهم شيئاً.

 يعلمون مدى قوة الحزب معنوياً، وأثره وطموحه وبرنامجه، لذلك يهابونه ويخافونه، ولا يريدون دعمه للعودة رغم معرفتهم بأنه سيكون سنداً ودعماً لهم، لكن عندهم العبودية للفارسي ولا الحرية في ظل البعث العربي الحر.

بعد سبعة عشر سنة من الاحتلال ما زال البعث حاضراً بقوة رغم الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين والمشردين والمجتثين، ما زال البعث الكلمة الأكثر تداولاً، والشعار الأكثر رفعة والأمنية التي يتمناها الكثيرون، لذلك تتم كل هذه المطاردة!

لم تنجح كل المحاولات لشق عصا البعث، أو انسلاخ جماعة مهمة من صفوفه لتعطي الشرعية لعصابة الخضراء، وإن تساقطت بعض الأوراق الصفراء، فقد ازدانت شجرة البعث بالآلاف من الأوراق الخضراء، واشتدت أعواد أغصانها، وأثمرت، واستعاد الحزب حضوره ومكانته ولياقته، ولا يمكن الإفصاح أكثر بما قد يضر بسلامة الحزب على أرض الواقع.

للاختصار وعدم الإطالة، سأنتقي ٣ محاور أكتب فيها عن الخطاب:

المحور الأول: لماذا استهدف العراق؟

المحور الثاني: غياب البعد الفلسطيني عن الخطاب؟

المحور الثالث والأخير: ماذا بعد؟

في المحور الأول جاء في الخطاب: لم نستهدف بسبب أخطائنا، بل بسبب انجازاتنا….

مهم هذا القول، أن هناك أخطاء ارتكبت، ومنها أخطاء استراتيجية، ومنها انفعالية ومنها عفوية وتحدث في كل الأنظمة.

البعض لا يريد الاعتراف بالخطأ، والبعض الآخر لا يريد وضع الخطأ في مكانه وظرفه الموضوعي والزماني، أي يقاس الخطأ بما له وما عليه، وهل كان بالإمكان أفضل مما كان؟

والبعض يضخم الأخطاء ويلبسها ثوباً آخر وهو ما لا يستحق القراءة.

يقول الرفيق عزة: أخطأت القيادة، بمعنى أن الخطأ مسؤولية جماعية، وليس قرار فردي كما يحلوا للبعض أن يصور طبيعة القرارات التي كانت تؤخذ أيام الحكم الوطني في العراق، وبأن الرفيق صدام حسين رحمه الله كان يتفرد بالقرارات صغيرها وكبيرها، وهذا غير صحيح، فالقرارات جماعية، ومن حول صدام كانوا كباراً كذلك ولهم مواقفهم المشهودة.

ستحتاج المرحلة إلى نقاش لأخذ العبر والاستفادة من الدروس، وكم كانت دروساً صعبة وقاسية دفع ثمنها العراق والأمة….

لماذا استهدف العراق؟

هل بسبب أخطائه أم بسبب إنجازاته، وقفزاته أم بسبب مواقفه وطموحه وبرنامجه ومشروعه القومي؟

حمل العراق بعد ثورة السابع عشر-الثلاثين من تموز الراية وبدأ مشوار البناء والتنمية والنهضة على كل الصعد، وعلى أساس نظرته للأمة مجتمعة، وأن العراق قاعدتها الصلبة، ويجب أن يمتلك من أدوات القوة والمنعة ما يمكنه من تحقيق أهداف الحزب المعلنة إضافة إلى وقوفه في مقدمة الصفوف لتحرير فلسطين ومقارعته للاستعمار والاحتكار، والعمل على الاستفادة من الثروات القومية كالنفط وغيره من المعادن الاستراتيجية.

 كل ذلك لفت انتباه العالم وفتح عيونه على  هذا البلد، وقرأ تاريخ هذه القيادة، وحاول معها في الاحتواء والشراء والضغط ومصادرة القرارات ولم يفلح، مما أدى إلى اتخاذ قرار أمريكي بضرورة احتلال العراق وإسقاط نظامه الوطني، وقد عززت إنجازات العراق وقفزاته العلمية والتكنولوجية هذا القرار، وبدأ زج العراق في قضايا ومعارك جانبية، كان أولها أن جاؤوا بالخميني وأعلن عداءه المبيت للعراق، واستفزه على أكثر من صعيد، أمني وحدودي وإعلامي وتحريضي حتى وصلت إلى حد الاشتباك المباشر والاندفاع نحو الحرب دفاعاً عن السيادة الوطنية وكرامة الأمة وبوابتها  الشرقية.

 وخرج العراق بعد حرب الـ ٨ سنوات قوة إقليمية وعربية يشار لها بالبنان، رغم تدمير الكيان الصهيوني لمفاعله النووي خلال فترة انشغاله بالحرب، وكان لا بد من اشغاله بحرب من نوع آخر وكانت اقتصادية لحرمانه من ثرواته ووقف عملية إعادة البناء التي شنها عليه الأشقاء الذين طالبوا كذلك بسداد الديون التي كانت هبات ودفع العراق مقابلها من دماء شعبه ومقدراته.

لقد تم نصب فخ الكويت بجدارة، ووقع العراق في الفخ، ووجدت كل قوى العدوان مبررها للانقضاض عليه، وما زالت حربهم على العراق مستمرة حتى اليوم….

هل كان يمكن تجاوز المخطط؟ نعم، ولكن الثمن يساوي ثمن المواجهة، بل قد يزيد، لكن اليوم هناك من يزايد لأنه لم يتم تجريب الشق الآخر وهو الاستسلام، ويتهمون العراق وقيادته بالتهور وعدم الخبرة والغرور.

كان رأس العراق مطلوباً لهذه الأسباب وليس بسبب الأخطاء، بل كانت الأخطاء جزءاً من مخطط العدوان لتبريره….

لكل مرحله ظروفها ورجالها، رحم الله الرجال الرجال، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبارك فيمن ينتظر وما بدلوا تبديلا….

شُعَاعُ نُورٍ مِنْ خِطَابِ المَوْجِ البَعْثِي الهَادِر فِي سِفْرِ التَّارِيخِ الخَالِدِ: القَائِدُ التَارِيخِي فِي الزَمَنِ الاستِثْنَائِي

شُعَاعُ نُورٍ مِنْ خِطَابِ المَوْجِ البَعْثِي الهَادِر

فِي سِفْرِ التَّارِيخِ الخَالِدِ: القَائِدُ التَارِيخِي فِي الزَمَنِ الاستِثْنَائِي

ناصر الحريري

 

الإنسان يصنع التاريخَ بفكره وعقله وعمله وسيره في سبيل الحق، ولا يمكن للتاريخ أن يصنع إنساناً، في يوم الولادة المجيد ومن فوق ثرى أرض الرافدين وبلاد الخصب وموطن الأبجدية الأولى، أطلَّ الرفيق الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، قائد الجهاد والتحرير، الرفيق عزة إبراهيم بكلماتٍ انتظرها العراقيون والعرب بلهفة وشوق لأمرين:

أنه يأتي في ظرف استثنائي عالمياً، وعربياً، وعراقياً، فالأحداث المتتالية التي مر بها العالم خلال الشهر الأخيرة تجعلنا ننتظر تشخيصاً وحلولاً لها من القائد المجاهد.

الأمر الآخر لتغرف من معين القائد ومن فكره، وتتلقى منه مباشرة ما يكون لها نبراساً ومنهاجاً خلال القادم من الأيام، في ضوء ما يمر به العراق من أحداثٍ جسام، وأهمها الثورة العراقية البطلة.

    كما هو نهج المؤمن الواثق بالله الذي يمنح هداه ورشده من يشاء من عباده، بدأ القائد كلمته بإعادة التأكيد على أن الأمة العربية تمر بأخطر مراحل كينونتها، بما يهدد وجودها، وما تواجهه من أخطار وتحديات من أكثر من جهة، وأوضح العلاقة التي تربط هذه الجهات ذات المصلحة بتدمير الأمة العربية وتفتيتها.

العلاقة واضحة وبشكل جلي بين هذه الأطراف الممثلة بالإمبريالية العالمية أمريكا والصهيونية وإيران المجوسية، وهذه العلاقة لا يعبر عنها الظاهر من اختلاف، بل يعبر عنها ما يقوم به كل طرف لتحقيق مصلحة الطرف الآخر.

فلولا أمريكا والصهيونية ما استطاعت إيران التوغل والتمكين في العراق والأمة، رغم الكذب المستتر والمنفعة المبطنة بينهما، (بين هذه الأطراف الثلاثة التي عَقَدت عَزمَها على تصفية حساباتها القديمة والحديثة مع أمتنا العربية، فدخلت في صراعٍ مصيريٍ ومتواصل مع الأمة منذ بداية القرن الماضي إلى اليوم وهو في تصاعد).

إذاً فالصراع كما يؤكده القائد عزة إبراهيم هو صراع مصيري، بين الأمة العربية وبين الأطراف الثلاث مجتمعة، أي أنه لا صراع بينهم، وهذه الحقيقة أكدها القائد في أكثر من خطاب سابق، حيث أشار أيضاً إلى استحالة قيام نزاع عسكري بين أمريكا وإيران، لأنهما متفقان على هدف واحد وهو تدمير الأمة العربية والسيطرة على مقدراتها.

لقد أشار القائد إلى نقطة جوهرية، تغيب عن الكثير، وهي أن قدر حزب البعث العربي الاشتراكي أن يولد من رحم الأمة ومعاناتها، يعبر عن آمالها وطموحاتها، ولكنه وُلد أصلاً لمواجهة هذه التحديات والدفاع عن الكرامة العربية، (وأنتم تعلمون أن حِزبَنا حزبُ الرسالة الخالدة الذي ولد أصلاً  للتصدي للتحديات المصيرية التي واجهت الأمة العربية، ولازالت تواجهها، وتزداد قساوة وضراوة،  ولإنقاذ الأمة وتحقيق ثورتها الكبرى التحررية النهضوية الإنسانية، لإعادة الأمة إلى دورها التاريخي الطليعي  في مسيرة الإنسانية نحو التحرر والتقدم والتطور والتحضر).

فالدور المنوط بالحزب منذ ولادته وحتى الآن هو التصدي لكل التحديات والمصاعب التي تواجه الأمة، وتقف حجر عثرة في سبيل تقدمها وتطورها.

واستعرض القائد ما تعرضت له أمتنا العربية من مؤامرات وتحديات منذ مطلع القرن الماضي، وتحديداً منذ إفشال مشروع الوحدة الثنائية المصرية السورية، مروراً إلى التكالب على القضية الفلسطينية، والعدوان الفارسي المجوسي على الأمة والعراق منذ ثورتهم المزعومة عام 1979.

لقد عانت الأمة الكثير من الويلات، وواجهت المزيد من التحديات، وفي كل تلك المراحل كان حزب البعث العربي الاشتراكي في طليعة القوى القومية المدافعة عن الأمة العربية.

إن البعث هو الصورة المصغرة عن الأمة، ولأن محاولة القضاء على الأمة مستحيلة، كذلك فإن محاولة القضاء على البعث مستحيلة أيضاً، فقد حاولوا خلال السبعة عشر سنة الماضية ولم يفلحوا، بل ازداد ثباتاً ورسوخاً في وجدان الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.

لقد قدم البعث من خلال أمينه العام رسالة واضحة المعالم للأمة العربية شعوباً وحكاماً أن بقاء الأمة ونهضتها لا تكون بالركون والانصياع للخارج، بل إن الاعتماد على الشعب الذي هو مصدر القوة الوحيد هو السبيل في البقاء والنهضة والتقدم، ولا يمكن مقاومة المشاريع الفارسية والإمبريالية والصهيونية إلا بتقديم المساعدة والعون للمقاومة حتى تتمكن من مواجهة المشاريع الاستعمارية التي تستهدف كينونة ومصير الأمة.

طوفان الأقصى يُسقِط خطاب “إيران الثورة” الذي اخترَق أمتنا لصالح “إيران الدولة” المتماهي مع العدو

في ضوء بيان القيادة القومية الاخير،

محور مقاومة سليماني إذ يدخل مرحلة “الغيبة الكبرى”

 طوفان الأقصى يُسقِط خطاب “إيران الثورة” الذي اخترَق أمتنا لصالح “إيران الدولة” المتماهي مع العدو

 مصطفى كامل

 

منذ 44 سنة سمع العرب وقرأوا عشرات آلاف التصريحات الإيرانية من مختلف مستويات النظام الحاكم في إيران عن “تحرير فلسطين” وعن “مواجهة الاستكبار العالمي” وعن “محاربة العدو الصهيوني” وغير ذلك من الشعارات الدعائية.

 فقد بنى هذا المحور كلَّ فلسفته في اختراق قطاعات من أمتنا طيلة أكثر من أربعة عقود على هذه القضايا، ولكن عندما حانت لحظة الحقيقة في أهمِّ مواجهةٍ مباشرةٍ وشاملةٍ وعميقةٍ بين قوة فلسطينية كانت ايران تدعمها- لغرض الاستخدام الدعائي- والعدو الصهيوني، وهي مواجهةٌ حقّقت نتائج فعلية على الأرض، اتّضح أن قضية “الصراع مع العدو” والعمل على “تحرير فلسطين” و “مواجهة الاستكبار العالمي” إنما كانت كلّها فريات بائسة تهاوَت وسقطَت على نحوٍ مريع في الميدان، وبدا يقيناً أن شعار المناداة بموت (إسرائيل) “مرگ بر إسرائيل” كان يعني في الحقيقة “مرگ بر فلسطين” لكن

  آذان بعض العرب وبعض المسلمين كانت تسمعه بشكل خاطئ ، وتقرأه على نحوٍ مغلوطٍ اعتماداً على ما قد بُرمجِت عليه عقائدياً أو ضُلّلت به سياسيا.

 فلا إيران، وهي تعلن لنا كل أسبوع عن (إنجازٍ عسكريٍ باهر) وعن (صاروخٍ قاهر) حرّكت جندياً واحداً أو أطلقت طلقةً واحدةً نحو فلسطين المحتلة، ولا ذراعها في لبنان أطلقَ واحداً مما كان يهدّد به من صواريخ قال عنها إنها بعشرات الألوف وإنها ستصل إلى “حيفا وما بعد حيفا”، ولا ذراعها في اليمن الذي قتل عشرات الألوف من شعبها وهو يصرخ “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل” أطلق واحدةً من صواريخه بعيدة المدى أو مسيّراته الهجومية التي طالما وجّهها إلى مدن العرب.  وحتى نكون في جانب الدقة أكثر فإن كل ما جرى في هذا المقام ليس سوى عمليات دعائية ومزايدات ومشاغلات وهمية حدثت في بعض المناطق .

 أما في العراق فلا الحشد الشعبي الذي نهب ثروات البلد بزعم الاستعداد للملحمة المصيرية الفاصلة مع العدو الصهيوني فعلَ شيئاً يُذكر، ومن أسّس ميليشيا جيش المهدي لمقاومة أميركا والصهيونية كما يزعم، لم يجد سوى (صلاة جمعة) مليونية يحشُد فيها مئات الألوف من أتباعه في وسط بغداد ثم يدعوهم بعدها للانصراف إلى بيوتهم، مأجورين (من الأجرة لا من الأجر) وبضعة سطورٍ على وسائل التواصل يُطلقها بين حينٍ وآخر. فإذا كان قادراً على حشد الأتباع بمئات الألوف فعلاً، فلماذا لم يحشد منهم بضع مئات لمقاومة المحتلين الأميركيين على سبيل المقاومة الحقّة، لا على سبيل المماحكات والابتزاز والمزايدات، كما جرى سنة 2004، أو مقاومة الصهاينة فعلا.

  وغيرها ممن يُزعَم أنها تستطيع تحشيد الملايين بفتوى لإعلان الجهاد ضدّ المحتل، وهي التي لم تفعل ضد العدو الأميركي المحتل للعراق بل على العكس تآمرت معه لاستكمال غزوه ثم تعاونت معه لتحقيق مشروع احتلاله، حتى هذه ، لم تفعل شيئاً سوى قصاصة من بضعة سطور تطالب بالدعاء لأهل فلسطين.

 ونحن هنا لا نقلّل من أهمية الدعاء، لكن دعاء المؤمنين إنما ينبغي أن يكون مرتبطاً مع الفعل الحقيقي لا بديلاً عنه، فالدعاء مع الفعل توكلٌ على الله والدعاء بلا فعلٍ تواكل، والله سبحانه يحبُ المتوكلين عليه ويبغض الجبناء المتواكلين.

 

والحقيقة أن إيران أظهرت لعملائها وأصدقائها والمضلّلين بدعايتها الغوغائية، وجهاً آخر جديداً غير مألوفٍ في خطاب الدعاية الإيرانية بشأن قضية فلسطين ومواجهة “الاستكبار العالمي” الذي صدّع رؤوسنا لأربع وأربعين سنة.

 فقد اختفى وجه “إيران الثورة” من الوجود كلياً وغاب خطابها الدعائي التهييجي تماماً، وبرز وجه “إيران الدولة” التي تراقب وتحذّر وتندّد فقط، ولعلها، وهذا وارد جداً، تساوم على القضية الفلسطينية وتسمسر على أهل فلسطين في الخفاء.

 لقد غاب عن المشهد الإعلامي الايراني خطباء الجمعة الغوغائيون وأعضاء البرلمان التحريضيون وممثلو الولي الفقيه الشعبويون وظهرت وجوهٌ دبلوماسية ناعمة برّاقة حليقة اللحى تدقّق في كل كلمة وتحسب حساب كل خطوة وتراقب كل حركة.

 كما غاب قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال إسماعيل قاآني عن المشهد تماماً وكأنه في مرحلة الغيبة الكبرى، فلا هو ظهرَ بشخصه ولا هو أرسلَ نواباً عنه ولا سفراءَ له ولا وكلاءَ ولا ممثلين، وهو الذي كان على خطى سلفه قاسم سليماني يتناول فطوره في دمشق ويتغدّى في بيروت ويتعشّى في بغداد وينام ليلته في كربلاء، ومنها إلى طهران ليبدأ بعدها بأيام جولة تفتيشية أخرى لميليشياته في سوريا ولبنان والعراق.

  بل إن زيارة أمير حسين عبد اللهيان إلى بغداد وبيروت ودمشق كانت لإبلاغ عملاء إيران في تلك العواصم أن “إيران الدولة” لا تسمح لهم مطلقاً بالتحرّك على النحو الذي كانت “إيران الثورة” تسمح لهم به، وأن المسموح لهم في هذه المرحلة هو فقط ترديد بيانات وزارة الخارجية الإيرانية وضبط أصواتهم على ايقاعها، ولا بأس ببعض المظاهرات والتجمعات الدعائية التي لا تردعُ صهيونياً ولا تغيثُ فلسطينياً. وانضبط الجميع حسب القرار، فايران الولي الفقيه لا تسمح بالعبث في هذا الوقت أبدا.

 و “إيران الدولة” إذ تفعل هذا فإنها تدرك أن بقاء نظامها مرهونٌ فقط بهذه البراغماتية القبيحة، وليس بخطاب “إيران الثورة” الدعائي الغوغائي المخادع، كما أن عملاءها وأذرعها ومليشياتها في العراق وسوريا واليمن ولبنان يدركون هذا فلا يتجاوزون إلى غير المسموح به ولا يخلطون الأوراق لأن بقاءهم هم أيضاً مرهونٌ في الحقيقة ببقاء “إيران الدولة” لا بخطاب “إيران الثورة” فالأخير يُستخدم للدعاية السياسية والآيديولوجية لا غير، وهم ليسوا إلا أدوات تستخدمهم “إيران الدولة” من خلال خطاب وأذرع “إيران الثورة” لصالح مشروعها الاستراتيجي العنصري التوسعي الذي لا مكان فيه لفلسطين ولا محلّ فيه لمقاومة “الاستكبار العالمي”. وأعتقد أن هذه قضية بالغة الأهمية يجب أن يتناولها خبراء الشؤون الإيرانية بما يناسبها من البحث والدراسة.

 فهل يفهم المخدوعون والمضلَّلون أن إيران دولة تُمارس البراغماتية في أقبح أشكالها، تبيع وتشتري بفلسطين والفلسطينيين، وبشعارات المقاومة والممانعة وهي في نفس الوقت تعقد الصفقات مع الصهاينة محتلي فلسطين وقاتلي شعبها، مباشرة أو عبر وسيط ؟

 أما نحن فلنا في تاريخ صفقاتها مع الكيان الصهيوني خلال الحرب ضد العراق ما يُسعفنا في فهم هذه الازدواجية التي سمحت للنظام في طهران لا أن يبقى في المنطقة طيلة أكثر من أربعة عقود فحسب بل أن يؤثر في المنطقة ويكسب

 مزيداً من الأرجحية على حساب مصالح شعوبها وعلى حساب أمنها الوطني والقومي عبر أذرعه الإرهابية وأدواته الإعلامية والمضلّلين بشعاراته الغوغائية.

 ان فلسطين، وشعبها الأبي، ومقاومتها الباسلة منتصرة لا محالة، بقواها الحيّة الصادقة، وصبر ومطاولة ابنائها، ومساندة ودعم ابناء الامة العربية الشرفاء الواعين والمخلصين، فهي قضيتهم المركزية، وبوابة وحدتهم وتحررهم ونهضتهم.

 

 

خطاب الرفيق ابو خليل امين سر قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي في الذكرى 55 لثورة 17-30 تموز 1968

بسم الله الرحمن الرحيم

بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق

صدق الله العظيم

أيها العراقيون الأماجد

يا أبناء الأمة العربية المجيدة

أيها البعثيون البواسل

في فجر السابع عشر من تموز 1968، انطلق رفاقكم من مناضلي الحزب، بقيادة الرفيقين الخالدين أحمد حسن البكر وصدام حسين، ليعيدوا للعراق مكانته وموقعه في مكان معلوم تحت الشمس، ففي ذلك الفجر التقى ألق صبح العراق بإشراقته بألق البعث العربي الاشتراكي، لتبدأ مسيرته بقوة وعزم في دروب النضال العربي المجيد، لتحقيق مجتمع العدل والرخاء والفضيلة في العراق، حادي ركب الأمة نحو العلياء.

وبعد أن طهَرت قيادةُ الحزبِ، الثورةَ من الجيب الذي حاول التسلق وركوب قطارها في غفلة غير محسوبة ، بدأت مسيرة النهوض من عقد حافل بالصراعات وانهيار منظومة القيم الاجتماعية السامية . لقد أوقفت ثورة السابع عشر من تموز، التداعي الذي أدى إلى سلسلة من الاحترابات الداخلية التي كادت أن تعصف بوحدة المجتمع العراقي المجبول على التسامح والتعاضد والنضال المشترك في كل ميادين العمل السياسي والتطوير الاقتصادي.

ومنذ الأيام الأولى للثورة، سعت قيادة الحزب بالعمل الدؤوب على أكثر من جبهة ، فوضعت جدولا للأولويات على قدر أهميتها وتماسها بحياة العراقيين بصورة مباشرة، وتوفير مستلزمات العيش الكريم، وبعد مرور أشهر معدودات من عمر الثورة، كان آلاف الموظفين المفصولين في ظروف التقلبات السياسية السابقة، يعودون إلى دوائرهم تباعا.

يا أبناء شعبنا العظيم

أيها العراقيون الأبطال

يا أبناء الأمة العربية المجيدة

 مع كل ما أنجزته الثورة في أيامها الأولى فإن قيادتها ما كانت لتمنح نفسها استراحة بعد كل خطوة تنجح في إنجازها، على الرغم من تراكم الكم الهائل مما وجدته أمامها من ملفات  تتطلب حلولا عاجلة غير قابلة للتأجيل وكانت تتطلب تخصيصات مالية كبيرة من ميزانية بلد كانت شبه خاوية على عروشها، جراء السياسات الاقتصادية والمالية المرتجلة التي سادت لأكثر من عقد من الزمان، ومن أجل البدء بتنظيف العراق مما شابه من أدران، يممت قيادة الحزب وجهها نحو مشكلةٍ تراكمت سلبياتها لحقبة طويلة، وهي الملف الأمني وما يرتبط منه بالأمن الوطني العراقي والأمن القومي العربي، وهي مشكلة شبكات التجسس التي نشطت على نحو واسع وبعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية التي كانت مشغولة بملاحقة القوى الوطنية والقومية التقدمية، فتفاجأت بقيام الثورة بملاحقة أنشطتها ، ثم قدمت عناصرها لينالوا جزاءهم العادل وهو ما حصل لأول مرة في العراق، فتقطعت خطوط ارتباط العملاء، بعد أن اطمأنت أن الأعداء الخارجيين لم تعد لهم أذرع وعيون داخل الساحة العراقية، انطلقت خطط البناء الاقتصادي وإحداث ثورة تنموية شاملة لتشمل كل أنحاء العراق، فكان طبيعيا والحال هذه، أن يتم التركيز على أهم ثروة طبيعية يمتلكها بلدنا، ألا وهي الثروة النفطية، التي بقيت منذ العام 1927 عنوانا للنهب المنظم الذي مارسه الكارتل النفطي الدولي المالك لأسهم الشركات العاملة في العراق، فتم تفعيل قانون تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية الذي ظل حبيس الأدراج زمنا طويلا، ولهذا وبعد انطلاقة الشركة بنشاطها الأول، باشرت في السابع من نيسان من عام 1972 باستثمار حقل الرميلة الشمالي بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي السابق، فكانت هذه الخطوة الثورية هي البداية العملية لقرار الأول من حزيران في العام نفسه وذلك بصدور القانون رقم 69 في الأول من حزيران، القاضي بتأميم عمليات شركة نفط العراق الاحتكارية، فكان ذلك القرار وكما وصفه الأب القائد الرفيق أحمد حسن البكر، مؤشر خط الانتقال بالعراق نحو التنمية والتقدم وبدء مرحلة البناء الشاملة على كل الأصعدة في قطاعات الزراعة والصناعة وحل المتراكم من التخلف العمراني وبناء الطرق والجسور وحل مشكلة السكن المزمنة.

ومنذ اليوم الأول لقرار التأميم الخالد، انطلقت خطتان في تزامن عجيب، الأولى الشروع من قبل القيادة في خطط تنموية وُصفت لضخامتها بأنها خطط انفجارية لم تترك ركنا إلا ودخلته وتركت فيه لمساتها ويدها البيضاء، وبالمقابل بدأت مراكز التخطيط المعادي بدراسة الخطط الكفيلة بتطويق الثورة بسلسلة من الأزمات التي تحد من المضي بمشاريعها التي لو انتفعت منها الدول المالكة للثروة النفطية، فإنها كانت كفيلة بإعلان الكارتل النفطي الدولي افلاسه التام مع كل ما يعنيه ذلك من انعكاس سلبي على اقتصادات الدول المالكة لذلك الكارتل.

وبعد أن استقرت الثورة على قواعد راسخة، انطلقت في خطط سياسية تستند على اسس فكرية تنبع من عقيدة البعث الإنسانية، لذا أولت قيادة الثورة مشكلة شعبنا الكردي التي ظلت دون حل لحقب طويلة أدت إلى إفقاد العراق، الاستقرار المطلوب والتنمية الشاملة لكل ربوعه، فكان بيان الحادي عشر من آذار 1970 إيذانا بوضع الحل الذي يمنح شعبنا الكردي حقوقه السياسية والثقافية من دون نقصان، وهذه الخطوة الكبيرة ألبت على العراق دول الجوار التي فسرتها بغير مقاصدها، فأضافت لرصيدها من أسباب التحريض السياسي على العراق الشيء الكثير.

أيها العراقيون الأماجد

أيها البعثيون أينما كنتم

في الذكرى السادسة والخمسين لثورتكم المجيدة في مثل هذا اليوم، حري بكل عراقي شريف أن يستذكر ما رافقها من ألق ومجد ومنجزات شاملة، مقابل الخطط التي وضعتها قوى الشر والعدوان المتمثلة بالإمبريالية والصهيونية العالمية، كان لا بد للعراق أن يتعامل بمنتهى الدقة والحذر مع المطلوبين لمواجهة الأخطار التي بات التحالف الدولي المضاد لوطننا يعد لها ما يناسب الأهداف التي كان يسعى إليها، فكانت خطط إعادة تأهيل القوات المسلحة الوطنية، من خلال توفير كل المستلزمات المادية والعلمية المطلوبة لبناء جيش وطني يستند على أرقى الكوادر والكفاءات الوطنية وإقامة المعاهد العليا في شتى صنوف الجيش، وكذلك بتوفير الأسلحة الحديثة من كل المناشئ التي لا تتقاطع مع أهداف الحزب والثورة وطموح بناء جيش وطني يدافع عن حياض الوطن والأمة العربية، لا سيما فلسطين، والتي سجل أبطال العراق في حرب تشرين عام 1973 صولات في سوريا حيث حمى العراقيون بأجسادهم وصدورهم دمشق من السقوط بيد العدو الصهيوني بعد أن كانت قواته قد وصلت مشارف دمشق ولولا بطولات اللواء الثاني عشر المدرع الذي صال على قوات العدو صولة عزوما ألحقت بقوات العدو خسائر كبرى جعلته ينكفئ ويرتد على أعقابه، كما صال صقور العراق الشجعان على مواقع العدو في سيناء فدمروا قواعده المضادة للجو ومواقعه الحصينة في خط بارليف الذي ظن أنه مانعه من أي خطر خارجي، فكانت ضربات صقور العراق هي خط الشروع الأول لصولة القوات المسلحة المصرية في عبورها التاريخي لقناة السويس وتدمير خط بارليف.

ثم انتقل العراق في ظل ثورتكم المباركة إلى المرحلة الثانية من البناء العسكري المتين، فقد شرع بإقامة قواعد راسخة لصناعات عسكرية وطنية عملاقة، تطورت مع الوقت تحت قيادات وعقول عراقية مبدعة.

ومن هنا بدأت أجراس الإنذار تدق بقوة في كثير من عواصم القرار في الغرب والشرق، لأن ثورة تموز أدخلت العراق في منطقة الخيار المحظور، فلم يجد الشرق والغرب على حد سواء غير نظام الخميني، الذي خرج لتوه من مخلفات قرون التخلف والخرافة، فرفع شعار تصدير الثورة سيء الصيت، ظن الخميني بما رَكبهُ من وهم ومن جنون العظمة الجوفاء، أنه قادر على احتلال العراق في غضون سويعات أو أيام معدودات، ولكن العراقيين الذين دافعوا عن شرف الأمة في ساحاتها العربية، فكانوا يمتلكون الحافز الأقوى للدفاع عن أرضهم  بوجه الرياح الصفراء الآتية من الشرق، وهكذا سجل العراقيون في القادسية الثانية أعظم نصر عرفته الأمة العربية في تاريخها المعاصر، عندما جرعت خميني كأس السم بعد أطول منازلة عرفها القرن العشرين، فخرج العراق قويا مالكا لأقوى قوة عسكرية في المنطقة مسلحة بأعظم الخبرات القتالية الحديثة، لهذا أخذ التآمر على العراق منحى جديدا، وذلك بتغيير بعض أدواته الإقليمية، فبعد أن عجزت إيران وهي تمتلك خامس اقوى جيش في العالم في وقف مسيرة العراق، كان لابد من أن يأتي الإمبرياليون بأنفسهم، بعد تمهيد الأرضية المناسبة لمثل هذا العدوان، فدفع التحالف الأطلسي، إمارة الكويت للعبث بالسوق النفطية الدولية، وصعدّت من مطالبها باسترداد الأموال التي كانت في ظروف القادسية قد اعتبرتها هبات للعراق، لأنها أحست بأنها مهددة بعد العراق مباشرة وخاصة عندما أعلن أكثر من مسؤول إيراني، إن الكويت هي على مرمى حجر من نيران الحرب وأنها ستكون الخطة التالية بعد الانتصار على العراق.

ومع أن حقائق التاريخ القريب، تؤكد العلاقة الجغرافية التأريخية للعراق بالكويت، إلا أن قيادة البعث لم تألو جهدا إلا وطرقت أبوابه بحثا عن حل شامل يرضي الطرفين، ولكن الاخوة الكويتيين أشاحوا بوجوههم وصمّوا آذانهم عن سماع صوت العقل والحكمة، لأنهم لا يريدون التعامل مع عراق قوي موحد يأبى لنفسه التبعية لأحد مهما كان وأيا كان، فأوغلوا في كل ما من شأنه إلحاق الأذى بالعراق، وهو ما اضطر العراق وتحت ضغط الظرف الصعب إلى الذهاب إلى استراتيجية الدفاع المتحرك عن أبنائه وأرضه وثرواته، فاختار مضطرا الحرب الاستباقية لحماية مصالحه وأمنه القومي، لذا كان العدوان الثلاثيني الذي تظافرت فيه جهود الأشقاء العرب والأصدقاء البعيدين والأعداء الكبار، فقد قدم كل طرف أقصى ما عنده من مال وأرض وقواعد عسكرية لهزيمة العراق، ولكن العدوان خاب في مسعاه، ثم طفق العراقيون بإعادة بناء ما دمره مغول العصر، ونجحوا في ذلك أيما نجاح.

ولكن نوايا الشر لم تتوقف عند هذا الحد، فقد لجأ التحالف الأطلسي الصهيوني الصفوي إلى لعبته القديمة في توظيف مهاراته في اختلاق الأزمات وتسويغ أسباب عدوانه على دول العالم، بالزعم أن العراق يمتلك ترسانة من أسلحة الدمار الشامل، فيما لو استخدمها فإنه قادر على تدمير دول متعددة بحجم الولايات المتحدة الامريكية ودول الاتحاد الأوروبي معا وبوقت قياسي، فتم تنفيذ الصفحة الثانية من العدوان الثلاثيني الذي كان قد انطلق ليلة السادس عشر على السابع عشر من كانون الثاني عام 1991، فتعرضت بغداد عاصمتنا الحبيبة ليلة التاسع عشر من آذار 2003، لوابل غير مسبوق من صواريخ الغدر وقنابل اليورانيوم المنضّب والقنابل الفوسفورية التي حملتها الطائرات المقاتلة والاستراتيجية الأمريكية والبريطانية، لتلقي من أسباب الدمار ما فاق ما استخدم في الحرب العالمية الثانية من متفجرات، وبعد معركة غير متكافئة خاضها العراق لأنه لم يجد مناصا من خوضها، تم احتلال العراق في التاسع من نيسان الأسود عام 2003، ولتنطلق كائنات بشرية من جحورها فراحت تطبق على ما تربت عليه من فساد وانهيار لمنظومة القيم والأخلاق السامية، فنهبت ودمرت ممتلكات الشعب بلا وازع من أخلاق أو ضمير، فلم تسلم المستشفيات ودور العلم والتربية والتعليم والثقافة، وحتى المكتبات والنفائس والآثار لم تنجُ من أيدي العابثين واللصوص وقاطعي الأثداء التي أرضعتهم ومنحتهم الحياة الحرة الكريمة، ولكنهم أبوا بكل صلف إلا أن يرتّدوا إلى أصلهم الفاسد ومنبت السوء الذي نشأوا فيه.

أيها العراقيون الشرفاء

اليوم وقد تم تنفيذ مؤامرة إسقاط دور العراق عربيا ودوليا وإخراجه من منظومة الأمن القومي العربي، كي يعبث به تحالف الشر الأطلسي الصهيوني الصفوي، وعملائهم الصغار، وحققوا لأنفسهم كسب الجولة الأولى من المنازلة، فإنهم سيواصلون العبث بمقدرات العراق وقدراته المادية والبشرية وإشغاله بنفسه في معارك الانقسام الداخلي وتغليب المشكلات الصغيرة التي يمكن أن يواجهها أي بلد في مرحلة من المراحل، فإنهم سيواصلون التمسك بما تحقق لهم بكل طاقتهم وما توفر لهم من قوة، ولكن إرادة الشعب العراقي الذي انطلق في أسرع مقاومة عرفها تاريخ الشعوب في العصر الحديث في اليوم الثاني للاحتلال، وألحقت هزيمة نكراء بقوات الاحتلال الأمريكي البريطاني مما اضطر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى الاعتراف بأن بلاده لم تعد قادرة على خوض حربين في وقت واحد، هذا الشعب الباسل قادر اليوم على العودة إلى ساحات الشرف مرة تلو الأخرى، وتحرير بلده من كل الاحتلالات الكبيرة والصغيرة، المباشرة وغير المباشرة، ويعيد للعراق وجهه العربي ودوره القومي على الوجه الأكمل.

المجد والخلود لشهداء البعث وفي مقدمتهم رموز الثورة وقادتها الرفيق الاب القائد

(احمد حسن البكر) والرفيق شهيد الحج الأكبر القائد (صدام حسين) والرفيق قائد الجهاد والتحرير (عزة إبراهيم) والرفيق (صالح مهدي عماش)رحمهم الله جميعا.                                                                                           

عاش العراق وعاشت الأمة العربية المجيدة

وتبقى تجربة النظام الوطني الذي كان وليدا ومنجزا لثورة تموز المجيدة منارا يقتدى بها… والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرفيق أبو خليل

امين سر قيادة قطر العراق

لحزب البعث العربي الاشتراكي

بغداد الرشيد في السابع عشر من تموز 2024

 

خِطَابُ المَوْجِ البَعْثِي الهَادِر-4

خِطَابُ المَوْجِ البَعْثِي الهَادِر

(الجزء الرابع)

 

المقاومة العراقية مستمرة

استهلالاً، لابد من التذكير بحقيقة مهمة في عراق ما بعد الغزو والاحتلال، وهي إن بعض العراقيين الرافضين والمقاومين للغزو والاحتلال قد اضطرتهم الظروف لمغادرة العراق والعيش في بلاد مختلفة، وبعض آخر كان أصلاً موجود خارج العراق لزمن ما قبل الغزو، واستمر بالبقاء حيث هو، ولهؤلاء جميعاً حق اتخاذ الموقف الوطني الرافض والمقاوم، ولكن يقتضي الواجب أن يكون للمقاوم موقف عملي معبر عنه بصيغة مادية لدعم المقاومة في الداخل، وفوق هذا أن يكون موضوعياً في التعاطي مع مسيرة وحيثيات العمل المقاوم وما تقتضيه من تكتيكات وتنوع فعل تفرضه الساحة وليس الأمنيات ولا التنظير.

أما الذين لا يقدمون غير المطالبة اللفظية دون اسناد فعلي عملي مادي أو دبلوماسي عبر العلاقات مع الناس والأحزاب والمنظمات والدول، فإن المقاومين النازفين في الداخل سيضطرون إلى وصف مواقف هؤلاء بالفارغة أو المشبوهة.

الأمر الاخر المهم والخطير الذي يجب استحضاره عند الحديث عن المقاومة العراقية ومطالبتها ووضعها أمام حقوق وواجبات وطنية، هو إن المقاومة العراقية تفتقر إلى الدعم الدولي بسبب الحصار الأمريكي البريطاني الصهيوني من جهة، وبسبب الاحتلال الإيراني الذي كان له دور خطير في تشظية وفي التأثير على الموقف الشعبي من المقاومة عبر تكوين الأحزاب والمليشيات الطائفية المنضوية تحت خيمة العملية السياسية المجرمة والمؤيدة لها.

فالمقاومة العراقية تتفرد بين كل المقاومات الوطنية في العالم بعدم وجود داعم مادي ولا إعلامي ولا سياسي لها على الاطلاق إلا من بعض شعبنا وبعض أخوتنا وأشقائنا العرب.

للتذكير فقط:

لنتذكر مع بعضنا البعض قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليقومه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وبشكل متزامن، لننظر في العنوان القيادي للرفيق المجاهد عزة إبراهيم، ألا وهو القائد الأعلى للجهاد والتحرير، إلى جانب كونه الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومن حديث الرسول الكريم والواجب المعلن للرفيق عزة إبراهيم، ومما جاء في خطاب الموج البعثي الهادر سوف نطل على محور المقاومة العراقية الباسلة في خطاب ذكرى ميلاد الحزب الثالثة والسبعين الذي ألقاه الرفيق القائد عزة إبراهيم يوم م ١١ نيسان ٢٠٢٠م.

فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم فتح ثلاث سبل لمقاومة المنكر، والمنكر هو الفعل المرفوض والمدان، والذي يتطلب المقاومة، تبدأ ذروة الفعل باستخدام القوة المعبر عنها باستخدام اليد، ومسار ثاني معبر عنه باستخدام اللسان الذي يناظره في لحظتنا الراهنة الثقافة والإعلام، والمسار الثالث كان يقضي بأن الرفض والتقويم يتم عن طريق اتخاذ موقف مضموم في ذات الإنسان في صدره، وربما ينتظر الفرصة المناسبة للتبدل والتطور إلى ما هو أعلى منه في درجات الإيمان، الذي هو الآخر في هذا الحديث قد عبر عنه المعلم الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة وتعبيرات تقويم المنكر (الإيمان = تقويم المنكر)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الرفيق عزة إبراهيم كان ولا زال بوسعه أن يكون الأمين العام للبعث دون أن يقرن هذه الأمانة العظيمة بثقلها وسعتها وخطورتها بأمانة أخرى هي الجهاد والتحرير، ولما جعل نصف خطابه موضوع بحثنا هذا، هو حديث مقاومة قال عنها بوضوح لا لبس فيه إنها مقاومة سلاح ومقاومة سلمية حيثما حكمت الظروف الملجئة.

((أما بعد الغزو والاحتلال فقد صَنَع حزبُنا حزبُ الرسالة تاريخاً جديداً مجيداً للأمة، وأدى دوراً جهادياً وبطولياً لم تشهده الأمة العربية منذ عصر الرسالة الأول، فالبعث بعد الاحتلال كان ولا يزال معجزة الأمة العربية في قدرتها على البقاء والثبات والنهوض والعطاء والتجدد)).

حيث يقرن الجهاد والمقاومة بالمعجزة، ويصفها بأنها هي التي مثلت قدرة الأمة على البقاء والثبات والنهوض، ذلك لأن الغزو والاحتلال قد صمم بقوته الغاشمة وإرادته الإجرامية لتقويض كل مرتكزات وجود الأمة العربية عبر تقويض دولة العرب في العراق.

فكيف يمكن لقائد همام أن يتخلى، كما يحاول البعض الإيحاء والتخرص، عن هذه المعجزة وعن مكاسبها وانجازاتها التي لازال هو من يقودها ويجدد مساراتها؟

إن الذين يريدون للبعث أن يركن إلى المقاومة المسلحة فقط في ظروف لم يشهد لها بلد وشعب مثيل وبلا دعم بالسلاح ولا بالمال، ودون حساب لاعتبارات داخلية برزت بعد الهروب الأمريكي عام ٢٠١١، ودون أن يحسبوا التكتيكات المطلوبة لحقبة ما بعد داعش الإرهابية ومسؤولية الحزب الأخلاقية تجاه شعب العراق، وما يواجهه من مؤامرات وممارسات التشظية الطائفية والفقر والفاقة وانعدام الأمن والخدمات، هم المنفصلون عن الواقع العراقي، ولهذا الانفصال أسباب عدة لسنا بصدد الخوض فيها، وبعضهم لا يجيدون غير الثرثرة والتشويش والوقوع بوعي أو دون وعي في برامج الاجتثاث والتبشيع والشيطنة الموجهة ضد البعث وقيادته.

وفي وقفته التاريخية في الخطاب النيساني المقاوم، فصل الرفيق شيخ الجهاد والمجاهدين إنجازات مقاومة العراق العظيمة، مؤكداً أن البعث لم ولن يلق السلاح، وفي هذا القول إعلان صريح على أن المقاومة مستمرة وفقاً لتكتيكات محسوبة تصب في الاستراتيج الثابت، ألا وهو استراتيج تحرير العراق، وفي كل التوصيف المعبر عن الحب والاعتزاز والفخر والزهو بمقاومتنا وانجازاتها ينطلق القائد من أرض الواقع بلا أمنيات فارغة ولا تصورات قافزة على الحقائق ولا عزف على أبواق الدعايات الجوفاء، إنه حديث قائد المقاومة من أرض المقاومة، ومن بين بنادقها ورجالها وحقولها وفصولها، وتلكم لعمري هي الوقفة الحق، والواقع الذي يعلن عن نفسه بلا مناورات ولا لف ولا دوران، ومن يريد أن يفهم تحت أنوار الله فهذا نص ما قاله القائد في خطابه، ومن يريد أن يثرثر في الظلمات فذاك شأنه:

 (يا رفاق العقيدة والسلاح والدرب الطويل:

هكذا كان البعث قبل الغزو، وهكذا كان البعث قبل الثورة والحكم مناضلاً عنيداً وجسوراً ثابتاً في ميادين النضال والكفاح، مبدعاً في أدائه وسخياً في عطائه على طريق تحرير الأمة وتوحيدها، وبناء مستقبلها وإقامة مجتمعها الاشتراكي الديمقراطي الحر الموحد.

أما بعد الغزو والاحتلال فقد صَنَع حزبُنا حزبُ الرسالة تاريخاً جديداً مجيداً للامة وأدى دوراً جهادياً وبطولياً لم تشهده الأمة العربية منذ عصر الرسالة الأول، فالبعث بعد الاحتلال كان ولا يزال معجزة الأمة العربية في قدرتها على البقاء والثبات والنهوض والعطاء والتجدد والانبعاث مهما جار عليها الزمن ومهما تكالب الأعداء.

أيها الرفاق المناضلون في حزبنا…. أيها الأصدقاء والحلفاء…. يا جماهير أمتنا العربية:

اعلموا أن البعث العربي الاشتراكي بقيادته الباسلة وبجيشه العظيم لم يسلم ولم يستسلم للغزاة ولم يُلقِ السلاح في معركة التصدي للغزو والعدوان، وإنما انتقل من الحرب الرسمية إلى حرب التحرير الشعبية فوراً، وبدأت عمليات المقاومة النوعية منذ اليوم الأول لاحتلال بغداد وتصاعدت بشكل سريع، وهب شعب العراق العظيم وقواه الوطنية والقومية والإسلامية إلى حمل السلاح والالتحاق بالمقاومة فرادى وجماعات، وبدأت بتشكيل الفصائل والجيوش والكتائب حتى وصل عددها إلى أكثر من مئة فصيل، وصار العدو الغازي يُضرب حيث يتواجد على أرض العراق، من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله، وانتشر جيش العراق المجيد على جميع هذه الفصائل يدرب ويخطط ويقود حتى وصلت عمليات المقاومة إلى أكثر من خمسمئة عملية في اليوم، واعترف بوش، أقول للتاريخ لكي لا يزور لقد قاتلت إلى جانب البعث وجيشه  وقواته المسلحة  الكثير من الفصائل، وخاصة الإسلامية، وكانت تحظى بدعم مادي ومعنوي  وسياسي وإعلامي وحتى أمني من جهات دولية وعربية عدة، إلا البعث ومقاومته  وقواته المسلحة  كانوا موضوعون ولا يزالون تحت الاجتثاث والحصار من جميع القوى  التي اشتركت في غزو العراق واحتلاله أو معاونة الغزاة، عراقية وعربية ودولية، ولم يحظ  البعث بأي دعم ولا مساعدة  ولا تأييد  ولا مهادنة  إلا من شعب العراق العظيم، الذي فاض على الحزب ومقاومته وقواته المسلحة بأكثر ما تجود به النفس البشرية، الكثير من المواطنين باعوا منازلَهم ومزارعَهم وقدموها إلى جيش رجال الطريقة النقشبندية، ولذلك كانت مقاومة البعث معجزة من معجزات العصر، إن مقاومة البعث كانت ولا زالت متفردة في تاريخ الشعوب، ليس لها مثيل على الإطلاق  كل حركات التحرر في العالم  وكل حروب التحرير في العالم  كانت تتميز بأمور أساسية  لا يمكن لأي مقاومة أن تظهر على الأرض بدونها، وهي العامل الأول، أن مقاتليها غير معروفين  لدى الغزاة المستعمرين وعملائهم، تبدأ الحرب بعدد من المقاتلين لا يتجاوز عدد أصابع  اليد  أو أكثر بقليل في أغلب الأحوال،  ثم تنمو وتكثر، العامل الثاني تحظى بدعم دولي وإقليمي مالي وسياسي وإعلامي وأمني واقتصادي واسع، وتسليح وتدريب وتجهيز  لكل متطلبات الحرب الشعبية، كما حصل للجزائر وفيتنام  وأفغانستان وحتى المقاومة الفلسطينية، العامل الثالث الأرض وطوبوغرافيتها المساعد على الحركة في الظهور والاختفاء.

لا تمتلك مقاومة البعث أي من هذه المرتكزات، بل قاتلت وانتصرت  في بحر خضم  من الأعداء، وفي أرض مكشوفة ومواجهة مباشرة، وبمقاتلين معروفين وقيادات معروفة، حتى كان لها أعداء ممن كان يقاتل الغزاة إلى جانبها، وقد حوصرت مقاومتنا حصاراً شديداً  من قبل كل القوى الرسمية العراقية والعربية والدولية وبدون استثناء أي جهة منها، لكنها  ورغم كل تلك المعوقات والمصاعب الكبيرة  حطمت جيوش الغزاة بإيمانها بالله والوطن  وبثباتها وبتضحياتها السخية، قدم البعث أكثر من165ألف شهيد مدني وعسكري على مذبح الانتصار التاريخي على جيوش الغزاة.

 لقد قرر بوش الصغير كما قال عام (2006) الانسحاب هرباً من العراق، فأنقذتهم الصحوات  حتى عام الهروب المخزي في زمن أوباما، ونكاية في شعب العراق ومقاومته وجيشه سلمت الإدارة الأمريكية المهزومة العراقَ لإيران الفارسية الصفوية، لكي تستمر بتنفيذ مشروعهم  بتدمير العراق وتجريده من كل أسلحته المادية والمعنوية، وتدمير كل عوامل حياته الإنسانية، فمسيرة البعث بعد الغزو والاحتلال لا تقارن بحروب التحرير في العالم، ولا تقارن بمسيرة الحزب قبل الاحتلال وقبل ثورته وحكمه، وإنما تفردت في تاريخ البشرية، ولم يتقدم عليها إلا مسيرة جيل وحزب الرسالة الأول، لقد بلغت الخسائر الأمريكية المعلن عنها من منظمات ومراكز بحوث ومعلومات أمريكية رسمية، في عدد القتلى 75 ألف قتيل من الجيش والقوات التي رافقت الجيش، وأكثر من مليون معوق جسدياً ونفسياً، وفي الجانب المالي  طبقاً للخبراء الاقتصاديين الأمريكيين3 ترليون دولار، أما ترامب فقد أعلن رسمياً  أن خسائر أمريكا في العراق بلغت 7 ترليون دولار، وقد وصل الاقتصاد الأمريكي إلى حافة الانهيار، هذه هي المقاومة العراقية المعجزة، لقد أعلن بوش رسمياً  في بداية الغزو  أن قواته ستبقى في العراق نصف قرن على الأقل، أذكر بهذا التصريح الرسمي لبوش الصغير، لكي لا تسمحوا أيها المناضلون أيها المجاهدون يا أبناء العراق ويا أبناء العروبة لأحد من العملاء والخونة  أو من المضللين أو من المتخاذلين أن يقول أن أمريكا انسحبت من العراق، أمريكا هربت من العراق، ولو لم تهرب في ذلك الوقت لانهارت من الداخل  كما انهار الاتحاد السوفيتي ولتشظت وتفتت.

أيها المناضلون في حزبنا…. يا جماهير أمتنا العربية.

هذا هو حزب البعث العربي الاشتراكي بعد الغزو والاحتلال، إن من المآثر العظيمة  لحزبنا ومقاومته وقواته المسلحة بعد غزو العراق واحتلاله كتبت لحزبنا وأمتنا تاريخاً بأحرف من نور،  إنه انجاز تاريخي متفرد في تاريخ الأمم كلها، إذ لم يسبق لا حاضراً ولا ماضياً في جميع الحروب الكونية وحروب التحرير الوطنية لشعب مثل شعبنا ولحزب مثل حزبنا ولجيش مثل جيشنا العظيم أن يفعلوا مثل ما فعل حزبنا وشعبنا وجيشنا، لقد خضنا حرباً عالمية  بكل معاني شمولها وعمقها وقوتها وعالميتها مع أقوى دول العالم، وأقوى الجيوش على الاطلاق، ولم نستسلم، ولم يتوقف القتال ومقاومة الغزو لا ساعة من الليل ولا ساعة من النهار، في نفس اليوم الذي أُحتلت فيه بغداد التحم الجيش مع الحزب ومع الشعب لمواصلة القتال طبقاً لقواعد حرب التحرير الشعبية، فانطلق في اليوم الثاني لاحتلال بغداد آلاف من المقاتلين ولم تمض إلا أشهر معدودة حتى وصل عدد المقاتلين من الحزب والجيش وقوى الأمن الوطني أكثر من ربع مليون مقاتل، وكانت الجيوش الغازية تتلقى الضربات في كل مكان تتواجد عليه في أرض العراق.

هذا هو حزب البعث ودوره وتجربته قبل الاحتلال، وهذا هو حزب البعث بعد الاحتلال، تحت الاجتثاث وتحت الحصار والحظر أدى البعث دوره التاريخي الرسالي، ولا يزال ثابتاً وراسخاً في أرض العراق الطاهرة ولا زال شامخاً شموخ نخيل العراق يلاحق العملاء ليل نهار، من ظله ومن اسمه ومن عنوانه ترتجف فرائسهم، وكلما عثر أحدهم أو جفل، صرخ بصوت عالي جاءنا البعث، ويقول هذه العثرة والجفلة بسبب البعث.)

إننا نثق ثقة مطلقة بأن المقاومة والكفاح والجهاد والنضال هي جزء من تكوين البعث الفكري والعملي، وتاريخه كله يشهد بذلك، وما تمسكه بفلسطين وحق تحريرها إلا دليل ساطع على إيمانه بطريق المقاومة، وجاء غزو العراق ليضع أمام البعث مهمة تحرير العراق، والتي لن يتخلى عنها بكل السبل والطرق، ومع هذا اليقين على كل عراقي وعربي شريف أن يمنح قيادة الحزب حق تقرير التكتيك واللعب في الزمن لأنها مؤمنة ثابتة وشجاعة، ولأنها هي الأكثر دراية بالمهم والأهم وبالأرجحيات.

تم بعون الله تعالى.

خِطَابُ المَوْجِ البَعْثِي الهَادِر-3

نَحْنُ نَنْهَلُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِع

(الجزء الثالث)

البعثُ حزبٌ عربي بأدواتٍ عربية

لم تنتج الأمة العربية في تاريخها الحديث حزباً عربياً منطلقاته فكرية أصيلة نابعة من صميم حاجات الواقع العربي مدركة لتناقضاته وارهاصاته المختلفة، ودارسة مجتهدة لوضع الفكر في خدمة التغيير المنشود إلاَّ حزب البعث العربي الاشتراكي.

 فالبعث حركة تغيير ثوري جذري شامل، تهتدي بفكر قومي حضاري علمي موضوعي يتسم بالأصالة، والمقصود بالأصالة هنا، أن النظرية تنبع من الواقع العربي من جهة وأن البيئة العربية مستجيبة لهذه النظرية وأدواتها التنظيمية الثورية من جهة أخرى، حيث تواجه الفقر لتبدله بثراء مادي وروحي، وتقاتل الاستغلال بقوانين الاشتراكية العربية وتصوب بجهدها الاستلابَ الذي حل بالعرب لتُحِل محله الحرية والكرامة والديمقراطية عبر تأكيد الذات الإيجابية.

البعث أول حزب عربي ذو فكر عربي وأدواتٍ عربية، وطرائقه في التطبيق تنفتح على ثوابت العلم والبحث العلمي التي تقول وتقضي بالإفادة من موروث الأمة العربية ومن النظريات والمعارف الإنسانية بكل سبل الأخذ والعطاء المعروفة.

نَظْرَة في المُرتَكَزات النَّظريَّة للبَعْثِ ومُناضِلي البَعْث:

عمل البعث جاهداً على توحيد الفكر البعثي مع ممارسات البعثيين الميدانية، أفراداً وتشكيلات تنظيمية مختلفة، عبر عمل وبرنامج ثقافي دؤوب ومتواصل يؤكد أن الحزب مدرسة حياتية نضالية، ولذلك نجد أن البعثيين عموماً يمتلكون المعرفة بالأسس الفكرية والنظرية لعقيدتهم ومضامينها الوحدوية القومية الاشتراكية التحررية، مثلما يمتلكون أيضاً قدرات مشهودة على تطبيق عقيدتهم عملياً.

البعثي يدرك عادة سمات البعث التي حددتها أدبيات الحزب بالعلمية والشعبية والثورية والأخلاقية، ومستوعب تماماً لجدل الترابط العضوي بين الأهداف الثلاثة المقدسة (الوحدة والحرية والاشتراكية).

 ويجادل البعثيون بكفاءة وعمق في موضوع العلمانية المؤمنة وافتراقها والبون الشاسع بينها وبين العلمانية الغربية الملحدة، ويدركون الحدود الأساسية للاشتراكية العربية تفريقاً لها عن الاشتراكية الشيوعية، ويفهمون في أسس الانقلاب على الذات، ويميزون بين هذا الانقلاب التربوي السلوكي الأخلاقي المنبثق والمتحقق في ذات الإنسان، ويقود إلى إنتاج الثورة العظمى التي تتحقق فيها التغيرات الجذرية لكل مكونات التخلف والجهل واليأس والقنوط وبين الانقلاب العسكري الذي يغير عادة السلطة ويستبدلها بسلطة أخرى.

 ويمكن لأي بعثي أن يحدد صلة البعث بالدين والتراث، وأن يطلق العنان للتعبير عن زهوه بالربط البعثي المبدع لصلة الحزب بالدين كرسالة وجذور للارتواء بالإيمان أثناء عملية صناعة الإنسان وصناعة التنظيم الرسالي دون أن يسعى الحزب لمنافقة الدين، كما فعلت الأحزاب الإسلاموية، ولا يوظفه في الكسب والانتشار.

البعثي، عموماً، يمكنه التنظير ولو بأدنى حدود مقومات التنظير لقضايا مثل صلة القومية بالإنسانية وصلة الحاضر بالتاريخ، ويفهم التنمية بروافدها المختلفة ودورها في بناء الإنسان الذي يعتبره الحزب هدفاً ووسيلة وغاية.

والبعثيون يعرفون تماماً لماذا اعتنقوا مبادئ البعث وعقيدته ورسالته القومية الخالدة كطريق لا بديل عنه لتحقيق دولة الوحدة الكبرى.

إن من يعتمد القراءة الموضوعية والدقيقة الفاحصة المتأنية المستندة إلى ثوابت التقصي والتحليل العلمي لخطاب الرفيق القائد عزة إبراهيم، في ذكرى ميلاد البعث الثالثة والسبعين، سيجده يغوص في بحور الفكر التي ذكرنا بعض موضوعاتها ومساراتها أعلاه، ليوضح ويثري ويغرف في ذات الوقت من هذه البحور ومن إنجازات وتطبيقات ومواقف وقرارات تم تحقيقها عملياً، وأكدت أن الفكر ينتج الوقائع وأن الوقائع تثري الفكر وتجدده وتوسع روافده وتفتح المزيد من النوافذ على انفتاحه على القريب والبعيد في عمليات النسغ المتبادلة، من جهة أخرى دون تكبر ولا مكابرة قد تفضي إلى الوقوع في متاهات الإحساس بالتخلف والضعف وجلد الذات.

خطاب نيسان ٢٠٢٠ م وثيقة بعثية قومية إنسانية فكرية، عرضت أخطر ما تعرضت له الأمة في العصر الحديث والمعاصر، بربط فكري ينساب برشاقة، تستنهضُ القارئ المتعمق وتحرك أعماقه وظاهره في آن واحد ليتصدى ويبث إرادة التغيير.

لقد تمكن القائدُ الأمين عزة إبراهيم في خطابه أن يجعل واقع الأمة العربية يبرق جلياً واضحاً بغثه وسمينه لكل ذي بصر وبصيرة، وعرض الخطاب –الوثيقة-وتطرق إلى أخطر وأعظم ما أنتجته الأمة، وخاصة في تجربة البعث في العراق، بروح مرتكزة إلى فكر البعث ومستعينة به، وتضيف له إضافات كمية هائلة ونوعية جديدة متجددة باقتدار لا تنتجه إلا عرين الأسود ومعاناة الجهاد ومن توسد البندقية وتوسد كتابين هما القرآن المجيد، في تعبيرات الصلة بالله والإسلام الحنيف، وفي سبيل البعث في تعبيرات النهل من أصول العقيدة وجذورها.

وعلى هذا فالخطاب إثراء للفكر والثقافة البعثية، ولثقافة البعثيين ووعييهم، وإضافة نوعية لتعميق صلتهم بالعقيدة فهماً وتطبيقاً ميدانياً.

الربط بين أهداف البعث في خطاب القائد:

يقول الرفيق القائد في خطاب الموج البعثي الهادر:

((البعث عبر مسيرته الطويلة التي مضى عليها ثلاث وسبعون عاماً قد حقق انتصارات فكرية وعقائدية وثقافية وتربوية هائلة …. فهو الوحيد في الأمة من ربط ربطاً عضوياً بين وحدة الأمة وحريتها وعدالتها الاجتماعية، أي ربط بين الاشتراكية والقومية، وأكد على حقيقة أن الاشتراكية يجب أن تكتسب سماتها ومعالمها وحيويتها وتراثها من ظروف الأمة الزمانية والمكانية ومن بيئتها الوطنية والقومية)).

وأول ما يلفت الانتباه في هذا النص هو استخدام القائد لعملية ربط بين كلمة (انتصارات) وبين مصطلحات محددة هي مصطلحات ومفردات فكرية، أي أنه أكد على أن للفكر والعقيدة انتصار، أي أن ثمة نصر تحققه العقيدة، وانتصارات أخرى ثقافية وتربوية يحققها نضال الحزب، مثلما يكون للمعارك العسكرية انتصارات.

يؤكد القائد هنا على أن البعث قد حقق انتصارات في الثقافة والتطبيقات والنظرية البعثية، أي في جوانب لا يمكن قياسها مادياً كما تقاس انتصارات التنمية التي لها حواضر منظورة يمكن عدها وإحصاءها.

إن هذا الاستخدام الذي يتسم بكونه استخداماً خلاقاً مبدعاً هو نقل خلاق لهذه المفردات، ذات الآفاق النظرية أو التي يطغى عليها السمة النظرية، إلى بيئتها الميدانية التنفيذية من جهة ومن جهة أخرى فهو استخدام إبداعي كونه يؤشر الصلة العضوية بين فكر البعث ممثلاً في تعبيراته ومصطلحاته المتداولة، كالفكر والعقيدة والثقافة والنظرية والتربية، وبين سعيه الحثيث ونجاحه في تطبيقه التي تقاس اعتبارياً وبين المنجزات الشاخصة القابلة للقياس والاحصاء الكمي.

ثم يجدد القائد، في النص أعلاه، إحدى علامات التفرد الفكري لحزب البعث العربي الاشتراكي ألا وهي نظرية ربط الحزب العضوي الجدلي بين أهدافه الثلاثة ربطاً عضوياً جدلياً، حيث لا وحدة عربية دون حرية الإنسان والوطن وديمقراطية منبثقة من الإرث الاجتماعي الأخلاقي للأمة تنأى عن الديمقراطية الليبرالية، حيث تتسم بثوابتها الأخلاقية والدينية، ومرتبطة ارتباطاً كلياً بإرث الأمة الاجتماعي والحضاري، وكذلك لا وحدة دون قواعد عدل تحقق رفاه الفرد والمجتمع وتنمي الدخل القومي وتطور مؤسسات الإنتاج العام والخاص المحدد بتعريف عدم العبور إلى مستوى استغلال الآخرين.

البعث، هنا، وحدوي دون انغلاق على حدود المشتركات القومية من جغرافية وتاريخ ولغة وثقافة، بل يتعداها إلى تأطيرها بالحرية والاشتراكية التي تنبع وتنمو وتتطور من ثنايا وطيات الواقع العربي القائم وبصلة حية بإرثه وبمنتجاته الثقافية التي لا تلغي الفرد لتنتج ديكتاتورية الجماعة، ولا تحبس النظام العام كنظام شامل بقيود تكبل انطلاقته الحية التي تخدم العام المجتمعي غير المتجاوز لحقوق الفرد الشخصية، على خلاف تجارب أخرى تسحق الفرد، فاشتراكية البعث العربية أيضاً هي قومية، لا تأخذ كامل مدياتها إلا بتكامل ثروات الأمة البشرية والاقتصادية، ماءً وأرضاً وسماء.

إن إثارة الرفيق القائد لوحدة الأهداف هي لفتة أخرى لاستثارة اهتمام البعثيين وشعبنا العربي بفكر حزبهم وإطلالاته المتفردة على متناقضات الواقع العربي وتنير آفاق إمكانية وواقعية تطبيق أهداف البعث كلاً موحداً، أو تحقيق جزء منها حيثما أتيحت الفرصة والظروف دون أن يحصل أي شرخ ولا انفصام في الأهداف.

إن انفتاح آفاق تطبيق الاشتراكية مثلاً لا يؤجلها بانتظار الوحدة، بل يستثمر الفرصة بكل قدراته وبكامل مساحتها، لأنه يؤمن أن الاشتراكية منصهرة مع الوحدة والتطبيق الاشتراكي سيفضي إلى فتح مسارات وحدوية تلقائياً بحكم نظرية الترابط الجدلي التي أحكمت التداخل العضوي بين الأهداف.

ويقول الرفيق القائد في الاقتباس أدناه من الخطاب:

 ((إن اشتراكية البعث قومية عربية، مؤمنة أن عقيدة البعث مرجعيتها عقيدة الأمة العربية، وفكر البعث هو فكر الأمة المتجذر والمطبوع والمولود من عقيدتها وفكرها ومبادئها وقيمها وتراثها وهو منفتح على فكر الأمم كما هي اشتراكيتنا منفتحة على تجارب العالم)).

فهو يؤكد هنا، حماه الله، على صلة الاشتراكية بالإيمان، لإبعاد النظرة الالحادية التي ارتبطت بالاشتراكية الماركسية، فاشتراكيتنا ليست شيوعية، والاشتراكية ليست فكراً شيوعاً في الأساس، بل إننا نجد له قوائم ومكونات في تراث الأمة وفي الرسالات السماوية المباركة التي حملتها أمتنا، وخاصة رسالة الختم المحمدية المباركة، والاشتراكية بمعناها ومضامينها العلمية هي منتج بحثي علمي إنساني، قابل للتعديل والإضافة والتبديل والاشتقاق منه في مفاصل معينة، أي إن النظرة إلى الاشتراكية على أنها بنت عقيدة اسمها الشيوعية هي نظرة قاصرة تماماً.

لقد برهن البعث، قطعاً، أن الاشتراكية العربية هي مسار قومي، يعبر عن حاجات العرب، وينبع من بيئتهم وإرثهم وتطلعاتهم لحياة حرة كريمة مزدهرة، وهذا ما بلغه خطاب القائد.

خِطَابُ المَوْجِ البَعْثِي الهَادِر-2

نَحْنُ نَنْهَلُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِع

(الجزء الثاني)

 

الحزبُ الذي يناضل لا تعنيه السلطة

بعد أن لخص الرفيق القائد عزة ابراهيم سلسلة المحن والمعضلات التي سلطت على أمتنا بـ:

أولاً: اغتيال وحدة مصر وسوريا التي كانت بداية انطلاق المشروع القومي الوحدوي العربي.

ثانياً: اسقاط تجربة مصر الناصرية القومية الوحدوية.

ثالثاً: اغتيال سلطة البعث في سوريا في ردة الثالث والعشرين من شباط.

رابعاً: تطويق المقاومة الفلسطينية لإنهاء دورها المفصلي في تحرير فلسطين.

خامساً: اتفاقات كامب ديفيد ١٩٧٧ التي رسمت نقطة انطلاق التطبيع الباطل الحرام مع الكيان الصهيوني.

سادساً: فرض الحصار على العراق عام ١٩٨٩.

سابعاً: غزو العراق واحتلاله وتسليمه للاحتلال الإيراني.

وعلينا أن نقف هنا لنؤكد أن هذا ليس سرداً مجرداً وضعه القائد لأحداث جسام مرت بها الأمة بل هو يحمل جوهر عقيدة البعث التي ترى فيما تعرضت له الأمة في مختلف بقعها الجغرافية على أنه كل مترابط غير معزول الأهداف والغايات والأدوات، من جهة، ومن جهة أخرى فهو يلخص أيضاً وحدة التتالي الزمني للأحداث وتصاعدها تماهياً مع تصاعد همة العرب وازدياد وعيهم بحقوقهم وارتقاء وسائلهم الميدانية والتي كانت أعظمها تجربة العراق الوحدوية الثورية التقدمية الاشتراكية.

لم يكن التآمر وحلقاته معزولاً ولا بصيغة استهداف فردي ضد قطر بعينه بل كان مصمماً ضمن حلقات مترابطة ولمواقع تمثل وزن الأمة الأثقل كمصر وسوريا والعراق التي لولا تلك المؤامرات وتنفيذها العدواني لكانت قد اتحدت ولصار للأمة شأن آخر، من بين ملامحه الأهم تحرير فلسطين، ولذلك كان التآمر على المقاومة الفلسطينية هو تتويج للتآمر على أقطاب الأمة الثلاث وبؤر وعيها وفعلها القومي، فتحجيم المقاومة الفلسطينية وانهاؤها هدف يعزز سياسات عزل مصر والعراق وسوريا القومية واستهداف حراكها الشعبي حيثما بان منه ما هو مخيف لقوى التعاضد والتساند ضد الأمة، ألا وهي الامبريالية والصهيونية والفارسية المجوسية، ثم كان على الثلاثي المجرم أن يصل إلى ذروة التحطيم بحرب إيران على العراق ومحاصرته تمهيداً لغزوه واحتلاله.

وفي الوقت الذي يرسم فيه القائد رؤيته العلمية العميقة لما حل ويحل بالأمة فإنه لا يكتفي بالتشخيص لمواضع العلل والكسور المركبة المضاعفة بل يمضي قدماً ليستكمل شروط العلاج والمواجهة، لأن الأمة لا تستسلم ولا تخنع، فتأتي الوصفة من العراق، أي من القلعة التي ظنوا إنهم قد هدموها والسد الذي ظنوا، واهمين، أنهم ثقبوا قلبه ليمضي السيل جارفاً مغرقاً كل الجسد العربي.

إنه مقاومة البعث في العراق ونضاله وجهاده الذي يمثل بكل جدارة الرد الوطني والقومي على حزمة العداء والتآمر بكل توصيفاتها المترامية على زمن بدأ بمؤامرة افشال الوحدة وانتهى بغزو العراق، فالبعث هو الأمة، ليس لفظاً يردده عشاق البعث والأمة، بل هو واقع يتجسد بوجود البعث منافحاً ومناضلاً ومجاهداً في كل محطات ووقائع العدوان على الأمة ولأنه حمل السلاح في يوم دخول الغزاة إلى بغداد الحبيبة ليطلق المقاومة العراقية المعجزة، ولأنه الحزب الذي لم ينشأ مثل باقي القوى التقليدية الباحثة عن النفوذ والسلطة ومغرياتها بل لتحقيق آمال العرب وطموحاتهم في الوحدة والحرية والاشتراكية.

والحزب الذي يناضل لتحقيق مثل هذا الثالوث المقدس لا تعنيه السلطة وتبديل الحكام، بل يعنيه صناعة الواقع النقيض لما هو سائد ويتسم بالتخلف والانحطاط والرداءة، إننا نقول برسالية البعث وهدفه الأسمى بإقامة دولة العرب الواحدة، وهذا هو بالضبط ما يقوم به البعث ويقدم من أجله التضحيات الجسام حيث إنه يعلن عن استمرار وجود الأمة وأهدافها الإنسانية السامية العظيمة، ليس ببيانات ولا اجتماعات وندوات بل بعمل ميداني بدأ ولن يتوقف ويتصاعد ذروة بعد ذروة وقمة بعد قمة.

 ودعونا نطالع معاً هذا المقطع من خطاب الشيخ العراقي العربي المقاتل المجاهد المؤمن الذي رسم فيه ما نهلناه من موجه البعثي الهادر في سطورنا أعلاه:

((أيها الرفاق المناضلون، يا أبناء أمتنا العربية المجيدة:

كلُ تلكَ المؤامرات والتحديات والمواجهات كانت مصممة لإيقاف واجهاض أي نهوض عربي تقدمي تحرري حضاري إنساني ينهي حالة التخلف والتشرذم ويمهد لقيام كيان عربي موحد وقوي في عالم لا يرحم الضعفاء.

 من هنا أيها الرفاق تفرضُ علينا ضَرورات المرحلة وخطورتها وتحدياتها المصيرية  ونحن في العراق بفضل الله وبأصالة شعبنا وعمقه التاريخي والحضاري نخوض معركة الأمة كلها، علينا أن نُعيدَ التذكير بمسارات الخلاص الوطني والقومي، فنقولُ إن البعث العربي الاشتراكي لم يكن ظُهورهُ حاجةً سياسية مرحلية  كغالبية الأحزاب السياسية التقليدية التي كانت ولا زالت تَظهرُ مَرحلياً ثم تختفي، أما حزبنا فقد كان وسيبقى حزباً رسالياً خالداً أبد الدهر لأن الرسالية تعني الديمومة ما دامت الأمة العربية، وتعني التطور والتجدد والانبعاث والنهوض الحضاري الإنساني الشامل والعميق للأمة وحسب متغيرات البيئة الوطنية والقومية والدولية، وهكذا يبقى البعث الرسالي ملبياً لتطلعات الأمة بكلِ عُمقِها وشمولِها وفق ضرورات ومتغيرات العصر، ولذلك يجب على الحزب الثوري الرسالي أن يضع استراتيجيات لمراحل مُتعددة وفي جَميعِ الميادين  للتنفيذ وانجاز المهام الملحة  وفقاً لعقيدته ومبادئه وأهدافه، وأن يضع استراتيجية عامة بعيدة المدى تحدد الخطط المرحلية المطلوبة ما دام الصراع  بهذا المستوى من التعقيد والخطورة ولا يتحمل الهبات  والمواقف الآنية المجتزأة، ولهذه الحقيقة فإن بعث الأمة الرسالي  الحضاري الإنساني اليوم  يناضل ويكافح ويجاهد ويقدم التضحيات السخية ليس من أجل استبدال نظام بنظام، وليس من أجل الترقيع والتلميع لأنظمة بالية أكل عليها الدهر وشرب، بل من أجل التغيير الشامل والعميق  لواقع فاسد ومتخلف ومريض، وأمراضه مزمنة، وصولاً إلى إقامة حياة  سليمة ومتجددة وناهضة  نحو التطور والتقدم والازدهار، فالبعث ووفقاً لما تقدم ووفقاً لعقيدته حدد هدفه الأساس الرئيس وهو انبعاث الأمة  من رقادها وسباتها الطويل والمخيف والقاتل  الذي تعج  فيه الأمراض  والفساد والتخلف والتفتت  والعمالة والخيانة  والتسليم المطلق المذل المهين للأجنبي والاستسلام له، وأعلموا أيها الرفاق أن أهداف البعث  وطبيعته وسمته الثورية التحررية الرسالية  هي التي حددت أعداءه وخصومه وأصدقاءه وحلفاءه ومؤيديه، فالأعداء والخصوم هم من يتضرر ويخشى ويخاف حد الرعب من تحقيق أهداف البعث الرسالية، ومن استئناف الأمة العربية لدورها الحضاري الإنساني بين الأمم، تلك الأهداف السامية التي حددها البعث بدقة وعن علم ووعي وحكمة، وهي الوحدة العربية والحرية والاشتراكية، ثالوث البعث المقدس، إن أهدافَ البعث  في وحدة الأمة الشاملة من محيطها إلى خليجها وحسب معطيات التطور الإنساني والبيئي والحضاري  لمسيرة الانسانية، ثم حرية الأمة وتحررها واستقلالها، وحرية أبنائها، ثم نظام حياتها الشامل القائم على العلم والمعرفة  وتجارب الأمة وتجارب الأمم الأخرى، وكل ذلك كفيل  بتسريع مسيرة الأمة نحو استعادة دورها الحضاري الإنساني بين الأمم)).

خِطَابُ المَوْجِ البَعْثِي الهَادِر-1

المقدمة

خطاب تاريخي شامل للرفيق القائد عزة إبراهيم، الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، القائد الأعلى للجهاد والتحرير بمناسبة الذكرى الثالثة والسبعين لميلاد الحزب، ألقاه عند الساعة السادسة من مساء اليوم السبت 11-04-2020.

  كان الخطاب بحراً هائجاً، تمثل روح البعث في ولادته وانجازاته العظيمة للأمة، وخاصة في تحقيق تجارب وحدوية تاريخية أهمها تجربة الوحدة المصرية السورية.

   أنار الخطاب مسيرة الحزب النضالية كقائد للفكر والعقيدة القومية الوحدوية التحررية الاشتراكية بمنظورها العربي، وأكد على دوره الرسالي الذي بث عطاءه وسيبقى يبث حتى تحقق الأمة أهدافها الرسالية التي تحقق إرادة العرب وتنفتح على الإنسانية.

  شرح القائد أسباب العداء الخارجي والداخلي للبعث، وأكد أنه ليس أخطاء البعث ولا هفوات قيادته، بل لأن البعث قد وضع الأمة على طريق تحقيق ذاتها القومية وعلى مسارات التطور والرقي.

  أوضح الرفيق القائد انجازات البعث العظيمة في العراق، التي حولت العراق إلى بلد منتج للتكنولوجيا الثقيلة والصناعات المدنية والعسكرية وامتلاكه لنواصي العلم وجيوش العلماء.

   بين الرفيق القائد خطورة الاحتلال الفارسي المجوسي للعراق وعدد من أقطار الأمة وتهديده لباقي أجزائها، وأكد على أن تحرير العراق هدف مركزي إلى جانب قضايا الأمة المركزية في فلسطين والأحواز والخليج والجولان.

   تحدث القائد الحبيب عن دور البعث قبل غزو العراق وبعده، وأفاض في تفاصيل مقاومته المعجزة وتفردها وسماتها وانجازاتها وتضحياتها.

  أكد على أن ثورة تشرين السلمية هي تعبير عن نضج عوامل الثورة الشعبية، وهي امتداد لكل العمل المقاوم الجبار الذي سبقها.

  نوه القائد إلى خيانة قوى محلية وعربية وإقليمية قبل غزو العراق وبعده.

 أشاد حفظه الله بالمقاومة الوطنية الشعبية، وبمن التحق بها من رجال القوات المسلحة، التي شكلت أكثر من مئة فصيل مقاتل، وخص رجال الطريقة النقشبندية بالاعتزاز والثناء. وذكر خسائر الغزاة الفادحة في الأرواح والمعدات وارغامهم على الهرب من العراق.

خطاب الموج البعثي الهادر، الذي ألقاه الرفيق عزة إبراهيم، بمناسبة ميلاد البعث العظيم، رسم أكثر من خارطة طريق للعرب لكي ينهضوا ويوقفوا تداعي أحوالهم، ويوقفوا العدوان الإيراني والأمريكي الغربي على حياتهم وثرواتهم وجغرافية وطنهم.

العربي الغيور سيتوقف طويلاً أمام ما جاء بالخطاب في مختلف شؤون السياسة والمقاومة والعلاقات والاقتصاد، والعرب الغيورون كثر، وعلى البعثيين في الوطن العربي إيصال الخطاب مكتوباً وعبر الوسائط الالكترونية إلى ملايين العرب والتحرك دون خوف ولا تردد على القوى السياسية الوطنية والقومية والإسلامية الوسطية في مبادرات شجاعة لتنفيذ خارطة طريق إنقاذ الذات القومية التي تغوص الآن في أكثر من مكان تحت سطوة فارس المجوسية المستقوية بأميركا وأوروبا.

شيخ المجاهدين أعاد إضاءة المسارات وفتح هذه المسارات لخطاب متجدد متوازن، وفعل مقدام يعبر روتين القوالب الجاهزة، ويحافظ على الرسالة والعقيدة والأهداف والمبادئ، لأنها هي بوصلة العرب في الركوب إلى قوالب النجاة.

كتبنا بعون الله سلسلة مقالات تنهل من سلسبيل هذا الخطاب العذب الواسع العميق، وتتوقف عند محاوره الرئيسية بما يحقق هدفه الأغلى في التوثيق والتاريخ والتشخيص الشجاع المصوب المبصر الحكيم والمُثَوِّر للعرب وقواهم الخيرة.

نَحْنُ نَنْهَلُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِع

(الجزء الأول)

ونحن نستمع إلى خطاب الرفيق القائد المجاهد عزة إبراهيم الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، القائد الأعلى للجهاد والتحرير، في الذكرى الثالثة والسبعين لميلاد حزب البعث العربي الاشتراكي انتابتنا مشاعر كثيرة وذات اتجاهات متعددة في مقدمتها أننا نستمع لكلام يصدر من رجل استثنائي في زمن استثنائي وفي ظروف استثنائية الله يعلمها، ونحن متأكدون إنها عسيرة وليس لها مثيل، وفي سياق مشاعرنا وأحاسيسنا تقف أيضاً صورة المجاهد عزة إبراهيم يتحدث بشمولية وعمق وقوة وشجاعة عن أحوال العراق وأحوال الأمة العربية، وهو مطلوب، وتبحث عنه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والكيان الصهيوني وإيران الصفوية منذ ما يزيد على ستة عشر سنة، ومع هذه الدول بكل قضها وقضيضها وامكاناتها آلاف من العملاء الخونة المحليين ويعجزون بإرادة الله فقط لا غير من اعتقاله أو اغتياله.

 يتحدث بمصالح الأمة وحقوقها وسبل تحقيقها كما لا يمكن أن يفعله أي رجل غيره من العرب أو المحسوبين عليهم من المرفهين القاطنين في القصور الفارهة وتحيط بهم كل ممكنات الحياة المرفهة وتنافقهم آلاف القنوات الفضائية والصحف والمجلات وجيوش من الإعلام المرتزق.

نعم، الشيخ المجاهد الأسد الهصور عزة إبراهيم يقول ما لا يستطيع غيره أن يقوله، وقوله الجسور الشجاع يأتي من عرين أسد في جبل أو تلة عراقية أو مزرعة أو بستان في ديالى أو من أحد أهوار الجنوب، وربما من مرقد من مراقد أهل بيت الرسول عليه وعليهم سلام الله في الدجيل أو سامراء أو الكاظمية أو كربلاء أو النجف، ألا يحق لنا إذن نحن المستمعون إلى هدير الموج البعثي القادم من أرض العراق، ومعنا كل ابن حرة رضع من صدر أم طاهرة عفيفة أن نعانق الزهو والفخر ونتباهى بمعجزة وجود عزة إبراهيم قائداً لتحدي العراق والأمة للفناء والردى وعواصف وبراكين القوة الغاشمة والمكر والخبث والكيد الذي تصدى له الله سبحانه في القران المجيد وفي كل رسالات السماء، ألا يحق لنا أن ننهل من هذا السيل من المنطق والفعل والتوثيق السابح في بحر واسع عميق من السهل الممتنع العجيب؟

في استهلال الخطاب التاريخي يشخص الرفيق قائد نضال العرب وجهادهم الذي يمثل معجزة العصر ثلاث قوى أساسية ناصبت العرب العداء وتآمرت عليهم وغزتهم واحتلت أرضهم، ويعيد التأكيد بما لا يقبل لبس ولا اجتهاد ولا ركون إلى التحليلات التي تُسيِّرها أهواء مختلفة ومتضاربة:

(أيها الرفاق المناضلون في حِزبِنا حيثُما كُنتم في وطنِنا العربي الكبير، وفي بلادِ المهجر، أيها الأصدقاء والحلفاء.

يا جماهير أمتنا العربية المجيدة

اليوم تمرُ الذكرى الثالثةُ والسبعون لتأسيس حِزبِنا حزبُ البعث العربي الاشتراكي ، وأمتُنا العربية تمر بأخطرِ وأدقِ مَراحِل نِضالِها وكِفاحِها وأشدها تعقيداً ، وسَطَ تحدياتٍ خطيرة للغاية وغير مسبوقة منذ قرون مضت وفي مُقدمتِها التَحدي الاستعماري الفارسي الاستيطاني الذي تمادى في غيه وأوغل في جرائمه ومعه وبنفس المستوى التحدي الصهيوني العنصري البغيض، ثم التحدي الاستعماري الغربي القديمُ والحديث، ومن أهم عوامل التحدي هو ظاهرة التلاقي الاستراتيجي بين هذه الأطراف الثلاثة التي عَقَدت عَزمَها على تصفية حساباتها القديمة والحديثة مع أمتنا العربية، فدخلت في صراعٍ مصيريٍ ومتواصل مع الأمة منذ بداية القرن الماضي إلى اليوم، وهو في تصاعد، ولو نظر أي إنسان منصف سَليم الفطرة إلى ما جرى ويجري في العراق وفلسطين وسوريا واليمن وفي ليبيا وفي الأحواز، وفي بقية الأقطار العربية، لهالهُ الحجم الضخم للظلم الواقع على شعبنا وأمتنا، و من أبرز مظاهره هو التدمير الشامل لحياة شعبنا وفي كل مناحي الحياة وميادينها وتلغيم وتفخيخ مُستقبَلهِ بالكثير من القنابل المدمرة، وأنتم تعلمون أن حِزبَنا حزبُ الرسالة الخالدة الذي ولد أصلاً للتصدي للتحديات المصيرية التي واجهت الأمة العربية ولازالت تواجهها وتزداد قساوة وضراوة ولإنقاذ الأمة وتحقيق ثورتها الكبرى التحررية النهضوية الإنسانية لإعادة الأمة إلى دورها التاريخي الطليعي في مسيرة الإنسانية نحو التحرر والتقدم والتطور والتحضر، ولكن القوى الاستعمارية الكبرى المهيمنة على العالم تتعمد وبإصرار تعبئة كل قوى الشر في الأرض خَلفَها للتصدي لثورتِنا وإيقافِ نهضتِنا الوطنية والقومية والإنسانية، فكلما نهضنا وظهرت في أمتنا مراكز وقواعد تقدم علمي وحضاري تعرضت للتخريب والتدمير وَوضَعتْ أماَمها عشرات التحديات المصطنعة والمفبركة).

 القوى الثلاث التي حددها مجدداً الرفيق القائد إذن هي:

– الغزو والاحتلال الاستيطاني الإيراني.

– الاحتلال الصهيوني الاستيطاني المجرم.

– التحدي الاستعماري الغربي.

وبكل روح الحرص الوطني والقومي وتواضع الشجعان الصناديد المؤمنين يجدد الرفيق الأمين ويؤكد بقوة على التلاقي الاستراتيجي بين العدوان الإيراني الفارسي المجوسي الصفوي وبين الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وعدوانه الدائم الممنهج على الأرض والإنسان والوجود العربي برمته، وكذلك يرسخ الرؤية إلى تخادم هذين العدوانين على العرب مع العدوان الغربي بما فيه من تحالف شرير ظالم بين الولايات المتحدة وأوروبا.

المجاهد عزة إبراهيم يلقي الحجة مجدداً، وينير الكواليس، ويكشف عنها، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم التي تخلوا عنها، أو التي لم يمارسوها أصلاً، وهو هنا يمسك بأصابعه الكريمة ليفتح العيون التي تغمض، عدا عن حقيقة الترابط الاستراتيجي بين عقيدة الغزو والاستيطان الفارسية والصهيونية والامبريالية الغربية، إن هذا التجاهل للترابط والتخادم غير الأخلاقي الذي تكمن فيه المتناقضات الكثيرة وتطفو على سطحه وتسيير حيثياته التكتيكية الآنية والمتقاربة زمنياً مصالح تقويض الوجود العربي والقوة العربية عبر بعثرة جهود العرب للوحدة وأسباب المنعة والاقتدار بالسيطرة على ثروات الأمة وجغرافيتها الاستراتيجية الخطيرة.