شبكة ذي قار
ذكرى ثورة  (٨)  شباط عمل بطولي باسل 

ذكرى ثورة  (٨)  شباط عمل بطولي باسل .

د. عامر الدليمي

لم تكن ثورة  ٨  شباط عام ١٩٦٣م عملاً آنياً دون تخطيط ،بل كانت ثورة وفق برنامج نضالي مبدئي مبني على قاعدة من الثوابت الوطنية والقومية لتحرير العراق ، ونضالاً بطولياً اسطوري مقدام ،ضد نظام استبدادي قمعي صادر حرية الشعب وقواه الوطنية والقومية  ،ومارس الظلم والطغيان والقتل والسحل في الشوارع العامة ونفي الوطنيين الذين تعمقت في روحهم ووجدانهم مبادئ حب الوطن ، والنخبة الثورية الوطنية من العسكريين والمناضلين المدنيين  الطليعيين  الذين في وثبتهم الباسلة العزوم أسقطت نظام كان يحكمه ثلة من الفوضويين الذين لم يراعوا حرمة الشعب العراقي وإنتمائه الوطني والقومي لإبعاده عن تاريخه وثقافته بكل الوسائل .

فالثورة كانت نفيضة متقدمة وقاعدة لمبادئ قومية تحررية قادها وخطط لها رجال شجعان أبطال في وثبة عزوم قدموا أرواحهم فداءً من أجل العراق وفي أصعب الأوقات والظروف  لعراق يعربي ،  تحدوهم قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي وطلائعه الثورية وعلى رأسهم الأب القائد المرحوم احمد حسن البكر الشخصية السياسية والعسكرية والقيادية الفذة المحنكة الذي يتصف بالحكمة والرأي السديد وألاقدام والشجاعة ، والمرحوم الفريق الأول الركن صالح مهدي عماش الثائر المقدام الشجاع عضو القيادة وأمين سر المكتب العسكري ، والضباط والقاده والجنود البواسل .

ان ثورة  ٨   شباط أسست لقاعدة ثورية نضالية مبدئية ، ومحطة من محطات تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي في نضاله المجيد على أكثر من سبعين عاماً وهو يناضل بكفاح مستمر لم يكل أو يمل ،ليس من أجل العراق فقط وإنما من أجل الأمة العربية لتكون أمة معززة مكرمة ، وثورة لها بصمة في سجل عالم الثورات الشعبية التحررية، ورمزاً نضالياً يشهد لها تاريخ العراق والأمة في مسيرتهما النضالية . وهكذا ستبقى ثورة  ٨  شباط ومهما طال الزمن ، ثورة قادها نضال البعث العربي الاشتراكي والشعب العراقي نضالاً بطولياً إنسانياً ، لها مفهوم كبير وواسع في وجدان العراقيين والعرب وأحرار العالم . 

بمناسبة ذكرى هذه الثورة العزيزة نسأل الله الكريم الرحمة لكل من  غادر الحياة من قادة وضباط ومراتب القوات المسلحة من الذين ساهموا بالثورة. والحياة المديدة للأحياء.

 عاش البعث العربي الاشتراكي في جهاده وكفاحه المستمر ضد الطغاة والخونة والمرتدين .

  عاش البعث العربي الاشتراكي في جهاده وكفاحه وسيبقى رفاق البعث على العهد والوعد لقيادتهم القطرية المناضلة وفي عطاء أكثر وتضحية حتى تتحقق مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي في الوحدة والحرية والاشتراكية ونضال باسل  وجهاد مخلص حتى التحرير والخلاص .

 والله اكبر والعزة والكرامة والتمكين للبعث والامة ٠

من ذكرى عروس الثورات نستلهم روح الإقتحام

من ذكرى عروس الثورات

نستلهم روح الإقتحام

عبد الكاظم المالكي

تمر علينا الذكرى الثانية والستين لعروس الثورات، ثورة البعث والشعب في الثامن من شباط عام 1963. هذه الثورة التي جسدت تلاحم البعث والشعب لإعادة الوجه الحقيقي للعراق بعد إسقاط النظام الدكتاتوري الشعوبي الذي أغرق العراق في بحر من الدماء والصراعات التي لا مبرر لها، وأبعد الشعب العراقي عن تحقيق الأهداف التي يتطلع إليها من خلال تفجيره ثورة 14 تموز عام 1958 في التحرر من التبعية للأجنبي وتحرير الثروات الوطنية وبناء العراق المتقدم الخالي من الجهل والفقر والتخلف والذي يساهم في تحقيق الأهداف القومية الكبرى.

إن عبد الكريم قاسم (الذي عُرِفَ بالشخصية الموتورة بين زملائه في الكلية العسكرية) كان شخصية معقدة منقبضة يغلب عليها الانفصام ويعاني من احباط شديد كما يحمل حقداً كبيراً على القومية العربية إلى الحد الذي لا يميل لسماع اسم العروبة (كما يصفه سكرتيره الصحفي).

هذه الشخصية المعقدة انتهزت الفرصة التاريخية لثورة 14 تموز لتستفرد بالسلطة وتعزل الثوار وكافة الضباط الاحرار، ثم اخذت تقود العراق إلى منحدر خطير من الفردية والاستبداد في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، معطية الانفلات المطلق للتيار الشعوبي الذي لم يجد غير العنف الوحشي لمواجهة عزلته الوطنية والشعبية بين العراقيين، فاشاع ممارسات قمعية عنيفة يندى لها جبين الانسانية من سحل الابرياء وتعليق المشانق على اعمدة الكهرباء مؤسسين بذلك ممارسة العنف المفرط غير المسبوق لاول مرة في تاريخ العراق المعاصر، لذلك أخذ حزب البعث العربي الاشتراكي على عاتقه العمل على التخلص من هذا النظام الدكتاتوري الشعوبي المستبد الفاشل. وبدأ العمل على إحداث التغيير المنشود الذي يعبر عن تطلعات الشعب ويحقق أمانيه في عراق حر، متطور ومتقدم.

سبق قيام ثورة الثامن من شباط 1963 العديد من المحاولات التي استهدفت رأس النظام القاسمي إلا أنها كانت تؤجل أو تلغى لأسباب أمنية وحفاظاً على أرواح الأبرياء. إلى أن اتخذ المؤتمر القطري الثالث لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1960 قراراً بضرورة البحث عن الوسائل الوطنية الصحيحة لإسقاط النظام القاسمي الدكتاتوري الشعوبي وتحرير العراق من التبعية الاجنبية ومن عزلته الخانقة.

لقد بادر الحزب إلى سلسلة من الخطوات التي سبقت ومهدت لثورة الثامن من شباط منها الانفتاح على ضباط القوات المسلحة وكسب أعداد كبيرة منهم لصالح البعث والتغيير، إضافة إلى قيادة الفعاليات الجماهيرية التي تعبر عن رفض الشعب للنظام القاسمي منها إضراب البنزين وإضراب عمال شركة الدخان والإضراب الطلابي الذي أثمر عن تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق. ونتيجة لتعمق مكانة الحزب بين الجماهير فقد فاز ممثلوه في انتخابات نقابة المعلمين حيث فازت قائمته وهي (الجبهة التعليمية الموحدة). ومع اقتراب موعد تنفيذ الثورة، وضع الحزب خطة التنفيذ التي كانت تتصف بالسرية الشديدة والكتمان نتيجة لشراسة الوضع الامني. كما اتسمت بالدقة واقتضت مشاركة القطاعين المدني والعسكري والاعتماد على استقطاب الجماهير الثائرة وتعبئتها.

وبموجب هذه الخطة تم تكليف كتيبة الدبابات الرابعة في أبي غريب بهذه المهمة لوجود عدد كبير من الضباط البعثيين فيها، وكذلك سلاح القوة الجوية، كما تم تهيئة التنظيمات المدنية لتأخذ على عاتقها السيطرة على المناطق المدنية والشوارع الرئيسة وخاصة جسر الشهداء لمنع أي امدادات لدعم قاسم الذي كان يعرف بالدكتاتور الاوحد، في وزارة الدفاع.

لقد حدد البيان الأول لثورة الثامن من شباط الأهداف الرئيسة التي قامت من أجلها، وتتلخص في القضاء على حكم عدو الشعب عبد الكريم قاسم وزمرته المستهترة بوحدة العراق والعراقيين وتحقيق وحدة الشعب الوطنية والمشاركة الجماهيرية في توجيه الحكم وإدارته، كما عاهد البيان على العمل على تحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين.

اليوم يحتفي البعث وجماهيره وكل القوى العروبية والوطنية بالذكرى الغالية لتلك الوثبة الشجاعة الجسورة التي كانت بجرأتها في الانقضاض على اقوى حكم امني مستبد،  اكبر مثال على ان الظلم لا يدوم مهما طال ليله واشتد ظلامه. وان الاستبداد لا يصمد امام غضبة الشعوب ممثلة بطلائعها الشابة من الثوار الجسورين.

وإذ يشبه اليوم البارحة، حيث تتطابق الظروف الحالية مع ما ساد العراق قبل ثورة رمضان، من عنف وظلم وتبعية للاجنبي وشعوبية تعزل العراق عن امته وعن تطور عالمه المعاصر، فإن مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي الذي صنع أعظم الإنجازات في مسيرته الطويلة الحافلة بالعطاء والتضحية، تتسع وتنتشر على امتداد الساحة العراقية وتحظى بدعم وتأييد ومناصرة الشباب العراقي والعربي والأحرار في العالم. وان هذه الظروف مهيئة للانقضاض على الظلم والفساد كما انقض اسود ثورة رمضان الابطال على الظلم فقبروه.

وبهذا فإن شباب العراق العروبي أصبح أكثر قوة وقدرة على إنهاء الكارثة التي حلت بالعراق وإسقاط النظام الدموي الطائفي العميل صنيعة الاحتلال الإمريكي الإيراني الصهيوني لإعادة العراق إلى سابق مجده ودوره الحضاري في الساحتين العربية والدولية.

تحية اكبار واجلال لقيادة البعث الوطنية التي خططت ونفذت ثورة الثامن من شباط 1963،

 وتحية اكبار واجلال لشهداء هذه الثورة الخالدة.

تحية اكبار واجلال لشهداء البعث وشهداء العراق الذين قاوموا الاحتلال الأمريكي والفارسي يتقدمهم شهيد الحج الأكبر القائد الرفيق صدام حسين، والقائد الرفيق عزة إبراهيم، والرفاق الشهداء من أعضاء قيادة قطر العراق وكوادر الحزب وتنظيماته بمختلف مستوياتها وشهداء العراق والأمة جميعاً.

ثورة الثامن من( شباط/فبراير) 1963 معجزة البعث

ثورة الثامن من( شباط/فبراير) 1963 معجزة البعث

أبو مصطفى

       في صبيحة الرابع عشر من شهر رمضان المبارك عام 1963 كانت جماهير شعب العراق والأمة العربية على موعد مع أول ثورة شعبية عربية مظفرة تطيح بالديكتاتورية المحلية في التاريخ الحديث، حيث تمكن ثوار البعث من إسقاط نظام عبد الكريم قاسم الذي حارب القومية العربية والقوى المعبرة عنها بمعاونة الزمرة الشعوبية الحاقدة في محاولة بائسة لإنكار عروبة العراق وإحباط حلم الملايين في الوحدة العربية. لقد كانت ثورة الثامن من شباط رداً عملياً على انحراف الزعيم الشعوبي وزبانيته عن أهداف ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 والغدر بالضباط الأحرار، كما كانت ثأراً للعرب جميعاً الذين هزتهم نكسة الانفصال بين سوريا ومصر سنة 1961. 

نجحت ثورة الثامن من شباط والتي أطلق عليها الرفيق الاب القائد احمد حسن البكر عروس الثورات الخالدة بإيقاف حمامات الدم التي أغرق بها الشعوبيون العراق، و ما مجازر الموصل وكركوك وبغداد والمسيب سنة 1959 إلا شواهد على جرائم ذلك العهد القاسمي الأسود. لقد تلاحمت كوادر البعث من مدنيين وعسكريين تساندهم كل القوى الوطنية والقومية في عملية التغيير وإسقاط النظام، ومهدت تنظيمات الحزب المدنية ليوم الثورة عبر تصديها البطولي للسلطة القمعية في إضراب البنزين في السابع والعشرين من آذار عام 1961 ومن ثم إضراب الطلبة في العشرين من كانون الأول عام 1962 الذي استمر حتى يوم اندلاع الثورة وشل أركان الحكم القاسمي المستبد وبشر بقرب زوال الديكتاتورية الغاشمة الفردية. وما ان أذاعت إذاعة بغداد البيان الأول للثورة حتى هبت جماهير الشعب لمؤازرة أبطال الجيش والحرس القومي في مواجهة التحركات الشعوبية البائسة التي حاولت الدفاع عن حكم الفرد المستبد.

 لقد حققت ثورة الثامن من شباط الكثير من المنجزات خلال التسعة أشهر التي حكم بها الحزب فارست دعائم العمل القومي العروبي كالتوقيع على ميثاق الوحدة الاتحادية الثلاثية بين العراق وسوريا ومصر في السابع عشر من نيسان، واعلان الوحدة العسكرية بين العراق وسوريا عام 1963 لتوحد الجيشين في جيش عربي واحد، ووضع حجر الأساس للعديد من المشاريع التنموية و المباشرة بإجراء إصلاحات جذرية في نظم الدولة العراقية وقوانينها. ان اندفاع الثورة العروبي وسلسلة الاجراءات التنموية التي بوشر بتطبيقها رغم قصر الفترة الزمنية لم يرق للقوى المتنفذة في المنطقة فعملت على اجهاض ثورة البعث الاولى وفي الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1963. لكن حزب البعث العربي الاشتراكي نهض كطائر العنقاء من تحت الركام وفجر ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز عام 1968، لتبدأ مسيرة التنمية الظافرة والمنجزات العملاقة التي شهدها العراق قبل الاحتلال سنة 2003.

وكان للحزب وقفة شجاعة في مؤتمره القطري الذي انعقد في بغداد عام 1974 حيث شكل وقفة تحليلية لتجربة حكمه لتسعة أشهر عام 1963، لدراستها والاستفادة من تجاربها، في رؤية ثورية ناضجة من حزب عريق واثق من نفسه، لرسم معالم المستقبل على اسس راسخة تسد على الاعداء ابواب التسلل الى التجربة في محاولة لمنعها من تحقيق اهدافها، تمهيداً للاجهاز عليها وقتل الحلم العربي.

ستبقى ثورة الثامن من شباط/ فبراير في العراق محطة بارزة في تاريخ البلاد الحديث، حيث شكلت تحركاً قومياً وحدوياً لإعادة بناء الدولة وفق مبادئ العدل الاجتماعي والتضامن القومي، فجاءت هذه الثورة لإنهاء حقبة الحكم الديكتاتوري الشعوبي، والعمل على تحقيق تطلعات الشعب في الحرية والعدالة والتنمية.

تحية وفخر ووفاء لأرواح قادة الثورة وشهداء الحزب الذين ضحوا بارواحهم في سبيل انجاح الثورة.

تحية لشهداء البعث وفي مقدمتهم شهيد الحج الاكبر الرئيس القائد صدام حسين المجيد وشيخ المجاهدين الرفيق عزت إبراهيم الدوري وكافة شهداء الأمة العربية في العراق وفلسطين وسوريا وفي كل مكان سقط فيه شهيد ليروي ثرى الأرض العربية.

إنها عروس الثورات

إنها عروس الثورات

بقلم: أبو مهدي

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثانية والستين لثورة الثامن من شباط الموافق الرابع عشر من رمضان عام 1963، تلك الثورة الناصعة والانتفاضة الفارقة في تاريخ العراق الحديث لما حملته من معاني ودلالات، وكانت ثورة 14 تموز التحررية عام 1958 قد قامت للقضاء على الحكم الملكي وإقامة النظام الجمهوري البعيد عن الهيمنة الأجنبية وسياسة الأحلاف وصولاً إلى إقامة نظام جديد وفق أطر وملامح وطنية تعيد للعراق مكانته وهيبته في لعب أدوار وطنية ضمن محيطه القومي.

ولكن سرعان ما انحرفت الثورة عن مسارها، وذلك بتبني النظرة التسلطية الشعوبية والتي ساهمت بخلق نظام دكتاتوري تفرد بالسلطة وأصبح يمارس أبشع الجرائم وأقساها بحق القوى الوطنية والقومية وطليعتها حزب البعث العربي الاشتراكي وجماهيره العريضة المؤمنة به وبتوجهاته وأهدافه السامية، وشهدت تلك المرحلة جرائم يندى لها جبين الإنسانية والتي ارتكبت في شوارع الموصل وكركوك بالإعدام والسحل والتنكيل بخيرة رجال العراق ونصب المشانق الميدانية لبث الرعب والخوف بين المواطنين واقصاء القوى الوطنية والقومية، إضافة للظلم والعنف والأحكام الجائرة التي ارتكبتها محكمة المهداوي سيئة الصيت بحق الوطنيين من أبناء العراق الغيارى، لذلك كان لا بد من حصول انتفاضة شعبية وثورة عارمة تعيد العراق إلى مساره الصحيح، فكانت عروس الثورات والتي جسدت أيدلوجية البعث بالثورة على الواقع المريض وتغييره والارتقاء بالواقع الفاسد نحو آفاق وطموحات عليا مشروعة وبكافة مناحي الحياة.

ففي صباح يوم الجمعة المصادف 14 رمضان 1963 انطلقت طلائع من شباب البعث في وحدات عسكرية يقودها ضباط اشاوس بمساندة ومؤازرة ومشاركة شباب البعث من المدنيين يحدوا الجميع الايمان بحتمية التغيير والقضاء على الحكم الدكتاتوري والانحياز إلى تطلعات الشعب.

وبحدود الساعة التاسعة من صباح الثورة قامت أعداد من الطائرات المقاتلة من السربين السادس والسابع المتواجدة في قاعده تموز الجوية في الحبانية بتنفيذ ضربات على مقر وزارة الدفاع، والتي كان يتحصن داخلها الزعيم عبد الكريم قاسم مع زمرة من أتباعه، في حين قامت وحدات مدرعة بتطويق مقر وزارة الدفاع ومن ثم اقتحامها بالتزامن مع اسناد قطعات مدرعة أخرى تمركزت في منطقه الكرخ وهي الجهة المقابلة لوزارة الدفاع عبر نهر دجلة مع قوة أخرى توجهت وسيطرت على مبنى الإذاعة والتلفزيون، وبدأت ببث الأناشيد الوطنية وانتشر شباب البعث في الشوارع والتقاطعات للسيطرة على الأوضاع في بغداد، وتم محاصرة مبنى السراي الحكومي، وبذلك تم تنفيذ الثورة بنجاح باهر والقضاء على الدكتاتورية والشعوبية الحاقدة.

وبعد هذا النجاح المبارك وإنهاء الحكم الدكتاتوري، باشرت الثورة بطرح مشروعها القومي التقدمي وتكلل ذلك بالتوقيع على ميثاق الوحدة الثلاثية بين العراق ومصر وسوريا، حيث تم التوقيع عليه في 17 نيسان/أبريل عام 1963 في قصر القبة في القاهرة، وبذلك كانت خطوة هامة على طريق التعاون العربي و باتجاه تحقيق الوحدة العربية المنشودة.

 من ناحية أخرى وتجسيداً لمبادئ وفكر الثورة فقد بوشر بوضع الخطط الاقتصادية وتشريع القوانين في مجال القطاع الزراعي والسيطرة على الثروة النفطية وسن قوانين حماية العمال والتخطيط لتنشيط الصناعات وإعادة تشغيل المعامل والمشاريع المتوقفة وبوشر بالجهد الوطني اللازم وإصدار التشريعات الاساسية لحل القضية الكردية حلا جذريا عادلا، وبذلك كانت ثورة الثامن من شباط ثورة انتفاضة جماهيرية وشعبية لتغيير الواقع والارتقاء بالبلد نحو مراحل متقدمة، وتحقيق الحلم العربي والمشروع النهضوي، والذي خططت له قيادة الثورة مستنيرة بفكر الحزب ومبادئه الأصيلة، فكانت ثورة فريدة في اقدامها وجسارتها ضد اعتى الانظمة الامنية، ومذهلة في برامجها وأهدافها وتوجهاتها الوطنية رغم قصر الفترة الزمنية، وإن من أبرز ملامحها أنها ثورة شعبية جماهيرية تقودها نخبة من طلائع البعث، شاركت بها أغلب قطاعات وفئات الشعب، من العمال والفلاحين والكسبة ووحدات من الجيش العراقي البطل صانع الثورات وحامي ثغور الوطن بالانتفاض على الدكتاتورية والتخلف والشعوبية الحاقدة على كل ما هو عربي اصيل، واستطاعت الثورة غرس روح التحدي والإقدام والبطولة، وأعادت اللحمة للشعب العراقي الذي مزقته الشعوبية والطائفية وسياسات قاسم المنحرفة والتي عزلت العراق عن عمقه العربي.

فكانت تجربة الثورة وما تلاها من أحداث حافزاً ملهماً ونبراساً لتفجير ثورة 17 تموز المجيدة عام 1968.

تحية اجلال واكبار لقادة الثورة، وفي مقدمتهم الرفيقين أحمد حسن البكر عضو القيادة القطرية وصالح مهدي عماش عضو القيادة القطرية ومسؤول المكتب العسكري رحمهما الله.

وتحية لطلائع البعث التي ساهمت في صنع هذه الثورة المجيدة.

والرحمة لشهدائها الأبرار الذين سقطوا دفاعاً عن عروبة العراق وحرية أبنائه.

لقطات من صباح يوم الثورة المجيدة

لقطات من صباح يوم الثورة المجيدة

محمد دبدب

ان استذكار التفاصيل التي عشناها والمعنية بثورة الرابع عشر من رمضان المجيدة عام 1963 كثيرة ولا مجال لذكرها هنا، لذا سأروي لقطات صباح يوم الثورة والساعات التي بعدها تلك التي عشتها:

كنا وكجزء من الجهاز الحزبي في حالة انذار قبل وبعد انتهاء الفصل الدراسي الأول من العام 1962- 1963م، وعند الإعلان عن الثورة في صبيحة يوم الجمعة من الثامن من شباط 1963م التحقنا بأحد التجمعات الحزبية. وكان من أوائل التبليغات التي وصلتنا من الحزب هي السيطرة على بعض مراكز الشرطة واستلام السلاح الموجود فيها، وكان في غالبيته بنادق. ثم  توزعنا على أكثر من مهمة، وكنت من المجموعة التي تم الايعاز لها بالتوجه إلى  مقر وزارة الدفاع في مركز العاصمة بغداد حيث كان يتواجد عبد الكريم قاسم.

أذكر أننا وفي حدود الساعة الحادية عشرة شاهدنا عند “الجزرة” الوسطية التي تتوسط الشارع العام تجمع لبعض من ضباط الثورة، واتفقوا بعد مناقشات معنية بالخطة، التوجه نحو وزارة الدفاع بالقرب من مركز شرطة العيواضية، وكانت هناك بعض الدبابات المتوقفة وعلى إثرها قاموا بالتحرك.

أما مجموعتنا من شباب الحزب المدني فقد تحركنا مرتين باتجاه مقر وزارة الدفاع، واقتربنا من بناية قاعة الشعب الشهيرة الملاصقة لمقر وزارة الدفاع، حيث عرف لاحقاً ان قاسم لجأ اليها بعد الشروع بقصف مقر الوزارة من قبل الرفاق الطيارين المنفذين للثورة، ولم نتمكن من تجاوز القاعة.

كان الحدث صدمة لأركان النظام والعناصر المساندة له نتيجة لعنصر المباغتة الذي اتُبِع في التخطيط للثورة. ورغم ذلك فقد حاول بعض الشيوعيين المقاومة وكان قسم منهم من الذين صادفناهم في طريقنا وكانوا يحملون منشورات تحريضية لمواجهة الثورة، ويقومون بتوزيعها، فتم الاشتباك معهم وفروا هاربين على الفور.

ثم تواجهنا مرة اخرى واشتبكنا مع عدد آخر من الشيوعيين عند دوّار (فلكة) منطقة باب المعظم في مركز بغداد وذلك بالقرب من نادي كان يعرف بنادي “المهداوي” وهو القريب من كلية البنات التابعة الى جامعة بغداد. كان عددهم بحدود الخمسة عشر شخصاً، ولم يكن احتجاجهم او تظاهرهم سلمي وانما مسلّح اذ كانوا يحملون اسلحة عبارة عن مسدسات وبنادق اضافة الى اسلحة اخرى حادة مثل السكاكين الكبيرة او ما يعرف “بالقامات” وكذلك العصي، ففروا هاربين  إلى الشوارع والأزقة القريبة في المنطقة.

 من المعروف ان الثورة تميزت باقتحاميتها وجسارتها في الانتفاض ضد السلطة المحكمة امنياً، لذا كان فيها تضحيات حيث استشهد بعض الرفاق الثوار من الجانبين العسكري والمدني، لذا و في طريقنا ونحن نؤدي واجبنا في تنفيذ وحماية الثورة المجيدة، وجدنا أحد الضباط البعثيين من الثوار برتبة ملازم وقد أصيب بطلق ناري في كتفه، فقمنا بنقله الى دارنا بعدما أشعرناه باننا بعثيون أيضاً، وتمكنا من معالجته وإنقاذه. ومن الجدير بالذكر انه بعد سنين طويلة في السبعينات التقيته في احدى المناسبات فعرفته وذكّرته بتفاصيل لقائنا الاول وعلاجنا له.

وبالعودة الى ذكريات ذلك الصباح المجيد اذكر انه كان معنا آنذاك المرحوم الفريق الركن (لاحقاً) سعدي طعمة والرفيق كاظم نعمة سلمان.

وعلى ما اذكر انه في عصر اليوم الثاني ونحن ملتزمين بواجبنا ومتواجدين بالمنطقة المطوقة لوزارة الدفاع، وعند المنطقة المعروفة بمكان “موسيقى الجيش” حصراً،  مرت ناقلة أشخاص عسكرية وعلى متنها فاضل عباس المهداوي وهو من كان رئيساً للمحكمة التي اشتهرت باسمه اي  “محكمة المهداوي”  والتي اشتهرت بغوغائيتها ومحاكمتها لكل رموز القوى الوطنية والقومية والضباط الاحرار والتي حكمت عليهم بالإعدام او السجن حيث تم تنفيذ تلك الاحكام الجائرة بدون اي سند قانوني فاستشهد العديد من ابطال الجيش العراقي من الضباط الاحرار.

وكان معه في الناقلة العسكرية صبيحة ذلك اليوم من الثورة اثنين من الضباط لم أستطع التعرف عليهم وكانوا جميعاً منزوعي الرتب وهم في حالة من الهلع والهستيريا حيث كانوا تحت السيطرة التامة لعدد من الثوار العسكريين.

ونتيجة لتلك المواجهات التي نفذنا من خلالها الواجبات صبيحة الثورة المظفرة فقد تعرضت للموت عدة مرات ولم اكن فيها وحدي وانما شاركنا فيها عدد من الرفاق المناضلين، منهم شبيب المالكي ومحمد ناصر وهو من فلسطين الحبيبة وكريم النجار وغيرهم.

هذه بعضٌ من الذكريات التي تحضرني عن يوم تنفيذ عروس الثورات المجيدة.

قيادة قطر سوريا: اسقاط النظام السياسي في سوريا، أسقطه كمنتحل صفة باسم البعث

في بيان لقيادة قطر سوريا لحزب البعث العربي الاشتراكي:

 

اسقاط النظام السياسي في سوريا، أسقطه كمنتحل صفة باسم البعث

بناء الدولة المدنية الديموقراطية مهمة وطنية على قاعدة خطاب التطمين الوطني

دعوة البعثيين للعودة إلى سوريا والمساهمة في ورشة البناء الوطني لسوريا.

اعتبرت قيادة قطر سوريا لحزب البعث العربي الاشتراكي، إن اسقاط النظام في سوريا لم ينهه كنظام سياسي وحسب وإنما أسقطه وبدرجة أولى كمنتحل صفة   لممارسته للحكم تحت شعار البعث الذي تعرض لأفظع عملية تشويه لأهدافه الثورية لأكثر من خمسة عقود   وكانت تداعياتها شديدة الوطأة على سوريا والأمة العربية.

 جاء ذلك في بيان لقيادة القطر فيما يلي نصه:

بعد ٥٨ سنة على الردة الشباطية، سقط النظام السياسي الذي انتحل صفة البعث وحكم باسمه لمدى قارب ستَّ عقود كانت شديدة الوطأة على جماهير سوريا وشديدة السلبية على الأمة العربية وأمنها القومي.

إن  اسقاط هذا النظام لم ينهه فقط كنظام سياسي حكم سوريا بالحديد والنار وألغى الحياة السياسية بمصادرته للحريات العامة، بل أنهاه كمنتحلَ صفةٍ  في أفظع عملية تزوير لأهداف الأمة في الوحدة والحرية والاشتراكية.

لقد عانى مناضلو البعث من عسف النظام وقمعه، كما لم تعانه أيَّ قوة سياسية أخرى، حيث قضى المئات من الرفاق ومن مختلف المستويات الحزبية تحت التعذيب في أقبية السجون والمعتقلات، هذا إلى الذين تمت عمليات اغتيالهم  في داخل سوريا وخارجها والمختفين قسراً إضافة إلى الذين أمضوا عشرات السنين في السجون، لا تهمة  لهم إلا تهمة الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي.

إن اسقاط هذا النظام الاستبدادي ، لم يزل كابوساً ثقيلاً عن كاهل شعب سوريا  وحسب، بل أزال أيضاً كابوساً عن صدر حركة الثورة العربية بكل فصائلها التقدمية وفي الطليعة منها الحزب الذي انطلق من ساحة سوريا إلى رحاب الوطن العربي بعد مؤتمره التأسيسي على ضفاف بردى في السابع من نيسان ١٩٤٧. وعليه فإن اسقاط هذا النظام هو خطوة كان لا بد  منها لإدخال سوريا معطى مرحلة جديدة لجهة بناء دولتها الوطنية الديموقراطية كما لجهة استعادتها لعروبتها التي تعرضت للتشويه والتجويف منذ تسلط نظام الردة الشباطية على مقدرات البلاد وتحكم بمصير العباد.

إن حزبنا، حزب البعث العربي الاشتراكي ، الذي بقي قابضاً على جمر المواقف المبدئية والذي لم يوفر جهداً لحماية شرعية الحزب الذي جسدته القيادة القومية بكل رموزها التاريخية من القائد المؤسس الأستاذ أحمد ميشيل عفلق الذي حكم عليه النظام الأسدي بالإعدام إلى القائد الشهيد صدام حسين  وكل قادة الحزب التاريخيين، كان شديد اليقين، بأن اسقاط النظام سيؤدي حكماً إلى اسقاط مرتكزاته الأمنية وكل الأغلفة التي تغطى بها ومنها تغلفه بشعار الحزب وأهدافه. وهذا ما حصل فعلاً . إذ لم تكد تمضي أيام قليلة على اسقاط النظام ، حتى أُعْلِنَ عن حل الحزب الذي كان حزب سلطة بكل ما تعني به الكلمة من معنى، وبعكس ما تنطوي حقيقة البعث كحزب جماهيري انبثق عن إرادة شعبية.

 فالحزب الذي يتشكل بقرار سلطوي ، يسقط بسقوط السلطة ويغادر الحياة السياسية مع مغادرة رموز النظام لموقعهم في السلطة. وبهذا السقوط للنظام تطوى صفحة التزوير الذي طال البعث اسماً وشعاراً وأهدافاً وهو الذي لم تهتز جذوره العميقة  في البنية الشعبية العربية وخاصة بنية المجتمع السوري الذي كان له فضل السبق في احتضان انطلاقة  البعث لسبعة وسبعين عاماً خلت وكانت مسيرته حافلة بالومضات المضيئة   قبل انقضاض المرتدين عليه والحكم باسمه في تآمر موصوف على الحزب وحركة النضال العربي كما على الأمة العربية.

إن قيادة قطر سوريا  لحزب البعث العربي الاشتراكي، التي تعتبر اسقاط النظام إنجازاً هاماً على طريق استرداد سوريا من  اصطفافها مع القوى المعادية للعروبة، ترى إن تحديات إعادة البناء الوطني تتطلب اطلاق ورشة عمل تشارك فيها كل القوى الحريصة على وحدة سوريا وعروبتها وديموقراطية الحياة السياسية فيها، وخاصة القوى الوطنية والتقدمية والديموقراطية، لأجل إقامة الدولة المدنية التي يجب أن تأخذ دورها وتحتل موقعها في الخارطة السياسية لإقامة الدولة الوطنية الديموقراطية، دولة المساواة في المواطنة بكل الحقوق والواجبات.

 وعليه أن تخليص سوريا، من أعباء التركة الثقيلة التي أثقلت كاهلها على مدى عقود من الزمن والاستجابة للإرادة الشعبية التي عبرت عن نفسها في مشهدية رائعة عمت كل المدن والحواضر السورية  في أول يوم جمعة يعقب سقوط النظام، هي مهمة وطنية توجب  إطلاق خطاب ينطوي على كل عناصر التطمين الوطني لكل الطيف المجتمعي، ويحدد الآليات العملية والسياسية لمواجهة التحديات المتعددة الجوانب سواء المتعلق منها بتحديات الخطر الخارجي وعلى رأسه الخطر الصهيوني، كما التحديات المتعلقة بجانب البناء السياسي الداخلي لإنتاج نظام سياسي جديد تحمكه ديموقراطية وتعددية الحياة  السياسية وتداول السلطة وتطبيق أحكام العدالة الانتقالية.

إن القوى الوطنية والقومية والديموقراطية  وعلى أبواب دخول سوريا الحبيبة  مرحلة الانتقال السياسي، مدعوة إلى توحيد صفوفها ضمن إطار جبهوي على مستوى أطرها التنظيمية ورؤيتها السياسية للتغيير الوطني الديموقراطي. وإن حزبنا، حزب البعث العربي الاشتراكي الذي قدّم ما لم يقدمه حزب آخر في مواجهة استبداد النظام وقمعه وشعوبيته لن يوفر جهداً لتشكيل الإطار الوطني الجامع ويدعو كافة الرفاق الذين سَلِموا من الاغتيال والاخفاء القسري  والاعتقال  والذين دفعهم استبداد نظام الردة الشباطية إلى الابتعاد طويلاً عن بلدهم وحاضنتهم الشعبية، العودة إلى سوريا والانخراط في ورشة العمل الوطني مع سائر القوى التي ساهمت بإسقاط النظام والمعنية ببناء الدولة الوطنية الديموقراطية  وإعادة الاعتبار لموقع ودور سوريا القومي.

تحية لشهداء البعث الذين قضوا في أقبية نظام الردة الشباطية.

 وتحية لكل المناضلين الذين تحملوا عسف النظام وقمعه واستبداده.

عاشت الأمة العربية وعاشت سوريا حرة عربية موحدة الأرض والشعب والمؤسسات.

قيادة قطر سوريا لحزب البعث العربي الاشتراكي

 

في 15-012-2024

فِي إِشْكَالِيَّةِ التَّجْميدِ والتَّجْدِيدِ فِي المَنَاهِجِ المَعْرِفِيَّة العَرَبِيَّة تَبْقَى الحَرَكَة النَّقْدِيَّة الحَكَم الفَيْصَل

 

فِي إِشْكَالِيَّةِ التَّجْميدِ والتَّجْدِيدِ فِي المَنَاهِجِ المَعْرِفِيَّة العَرَبِيَّة تَبْقَى الحَرَكَة النَّقْدِيَّة الحَكَم الفَيْصَل

حسن خليل غريب

 

تمهيد في الانتقال المعرفي الفكري من منهج معرفي جامد إلى منهج معرفي قومي متطور:

على الرغم من أن الإمبراطورية العثمانية دخلت في مراحلها الأخيرة حقل تطوير النظام السياسي، وعلى الرغم من أن الحركة الثقافية العربية دخلت مرحلة النهضة على أيدي مفكرين كبار، انتقلت البيئة المعرفية العربية من مرحلة النظام السياسي الإسلامي العثماني إلى مرحلة النظام السياسي العالمي بخطوة سريعة.  وكان الانتقال في جانب منه نتيجة عمل عسكري اعقب انتهاء الحرب العالمية الاولى وليس نتيجة  تطور معرفي طبيعي. ثم تلاه بلورة فكر نتج من رحم معاناة الامة العربية مع الاستعمار والنفوذ الغربي . ولم تترافق النقلات الناتجة عن التغييرات السياسية بنقلة ثقافية فكرية بنفس المستوى.  فكان الانتقال من عصر إلى عصر آخر سياسياً أكثر منه فكرياً وثقافياً. فالانتقال المعرفي من التجميد إلى التجديد له أسسه وشروطه. ومن أهمها البدء في نقد الثقافة السابقة: استخلاص الإيجابي منها ورفض السلبي وتأسيس للبديل، بحيث تنعكس التغييرات على بنية الثقافة الشعبية. وبغير ذلك ينقطع حبل العلاقة بين الإنتاج الفكري الجديد وميدانه الشعبي.

 كانت الثقافة الشعبية والنخبوية قبل مرحلة التحرر القومي والوطني ذات طابع وجذور دينية وغالباً ما كانت ثقافة المذاهب هي السائدة، لا يميزها التجميد والتقليد فحسب، بل ومنع التجديد أيضاً. وكان إنتاج الثقافة خاضعاً

لسلطتين: سياسية تقود واخرى دينية تُخضع إنتاجها الثقافي لمصلحة السلطة السياسية.

 وقد تزامن مع ذلك وخاصة في الربع الأول من القرن العشرين، ان مهَّدت القوى الغربية لدخولها بتعزيز الإرساليات الأجنبية الى بعض الاقطار العربية ، وكان دورها الثقافي وعاءً ينقل في الكثير منه ثقافة أُعدَّت لمجتمع آخر غير المجتمع العربي. وتواجهت الثقافة القادمة مع الثقافة المقيمة، فلا الثقافة المقيمة نقدت قديمها ولا الثقافة القادمة أخذت الواقع العربي الاجتماعي الثقافي بعين الاهتمام.  وهكذا كان مشهد البيئة الثقافية في تلك الاقطار العربية، في مثل تلك المرحلة، منفعلاً إما بتقليد التراث من دون إغناء وتجديد، أو بنقل الفكر الغربي من دون نقد و تمحيص.

ذلك السبب أدَّى إلى خوض صراعات مريرة بين التيارين. وقلائل هم الذين انخرطوا في التأسيس لورشة بناء معرفي جديد، ينقد التراث ويجدد فيه، ويستفيد من الفكر الغربي بما يتناسب مع خصوصيات وحاجات المجتمع العربي وقيمه. فكانت تلك القلة، ولا تزال، غريبة عن بيئتها لا تجد من يقف إلى جانبها إما خوفاً من التقليديين التجميديين تحت شعار الخوف من خيانة التراث، وإما اتهام من التغريبيين الذين يقيسون التقدمية بمكيال الثقافة المستوردة حصرياً.

ظهور الفكر القومي العربي:

سبقت الحركة القومية العربية ، حركة إصلاح نتجت عن صدمة الوعي بحجم التخلف العلمي والحضاري الذي يعاني منه الوطن العربي بالمقارنة مع الغرب، والذي كان احد اسبابها حملة نابليون على مصر، واتجهت تلك الحركة إلى إنقاذ الإسلام السياسي من التخلف مثل حركة المفكرين العرب الإصلاحيين وكذلك جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده و عبدالرحمن الكواكبي ، حيث رأوا  وجوب إحياء التراث العربي كمقدمة لمشروع النهضة ، كما اشروا الى ان غياب الدولة المستندة إلى الحرية وغياب إحكام العقل كان سببا في هذا التخلف، وكان الاهتمام باللغة العربية في مقدمة الجهود لاستنهاض مفهوم وقيم العروبة.

 وقد أسهمت الأحداث الطائفية في لبنان وسوريا (1860-1861) بتعزيز الوعي الى الحاجة الى المواطنة على أساس القومية العربية بعيداً عن الانتماءات الطائفية. وقد تعزز ذلك بعد ظهور الحركة القومية التركية المتعصبة مثل تركيا الفتاة والنزعة الطورانية فتطور موقف غالبية المثقفين العرب باتجاه بلورة المشروع القومي العربي الذي تميز بكونه غير عنصري،  حيث لم يشترط صلة الدم في الانتماء القومي للامة العربية وانما ركز على اللغة والثقافة والماضي والمصير المشترك . وكان من ابرز مفكريه وروّاده هو القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق.

 وفي القرن العشرين تم تكريس الهوية الثقافية والسياسية القومية، ورغم انتشار الفكر القومي والنظم العربية التي تبنته ، الا انه يسجل على الانظمة العربية ثلاثة قضايا رئيسية :

  • فشلها في بناء الدولة القومية
  • اخفاق اغلب التجارب الوحدوية التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين. ورغم حقيقة محاربة الغرب الاستعماري الشرسة لاي مشروع وحدوي عربي و دور الكيان الصهيوني المتقدم في هذا المجال ، الا ان الأسباب الداخلية لم تكن قليلة بل كانت احيانا هي الطاغية.
  • الاخفاق الخطير في ترسيخ وممارسة الحريات العامة وقيم الديموقراطية وقبول الاخر وعدم بلورة دساتير دائمة وراسخة في هذا المجال.

ان هذا يحتم المواجهة التحليلية الجريئة مع الذات للاجابة على السؤال المهم : لماذا نجح الآخرون وفشل العرب؟

لقد تميزت تلك المرحلة في النصف الثاني من القرن العشرين بغلبة ( السياسي والأمني) في الفكر القومي وقواه ودوله، وبالتالي انعكس ذلك على طبيعة العلاقة بين الانظمة العربية فكان من ابرز اسباب الخلل. فبقي ما تحت السطح الامني – السياسي تتجاذبه تركيبة معينة من المصالح الصغيرة للقوى السياسية والطائفية والتركيبة العشائرية، وليس بنى راسخة للدولة القومية او الوطنية العصرية.

على الرغم من انه على الصعيد الشعبي والجماهيري كان العمل الوحدوي هو امل الجماهير ورغبتها الملحة.

ان كل ذلك افضى الى القناعة بان تجديد المشروع العربي عموماً والفكر القومي بالذات يحتاج إلى ثلاث ركائز هي :

  • تطوير مفهوم وصيغة الدولة وتغليبه على مفهوم السلطة والنظام
  • توسيع نطاق المشاركة السياسية وممارسة الديمقراطية الحقيقية و الحريات العامة والفردية
  • التركيز مجدداً على خطط التنمية واستنهاضها عبر اقتصاد حديث ومعاصر

ونتيجة لغياب او ضعف ذلك فقد غرقت الأكثرية الساحقة من النخب العربية في خطابية الشعار السياسي، لأنها تعتبر أن المهمة الأكثر إلحاحاً هي مهمة النضال من أجل إنجاز مرحلة التحرر الوطني. وفي غمرة هذا الانغماس في إنجازها، تجاهلت التيارات والأحزاب السياسية أهمية العمل الفكري ودوره، فغرقت في السياسة على حساب إنتاج الفكر العربي الجديد وتعميقه. وإذا كنا نعطي أولوية لمعركة التحرر الوطني، فنرى أيضاً أن القيام بالمهمة الفكرية لن يعيق معركة التحرر السياسي على الإطلاق وإنما يزودها بسلاح لا يقل أهمية كي تكون اكثر وتأثيراً وفعالية.

ضرورة اعتماد الحركة القومية بعد مرحلة الانطلاق على معايير التحليل والنقد العلمي

عندما هيمنت الثقافة السياسية على الحركة التحررية، ولا تزال، افتقدت بوصلتها الفكرية وقلَّلت من شأنها، وتحت وطئة الشعارات التي غلبتها السمة العاطفية ، أهملت العناية بمنهجية التحليل والبحث الأكاديمي او العلمي عموماً. وليس ذلك فحسب، بل  نال التحليل والبحث الأكاديمي أيضاً بعض اللوم بسبب صراحته وعقلانيته وايضا تحت حجة أنه خال من “القلب”ومن حرارة النضال!

إن المصالح الحقيقية للامم ومنها الامة العربية واعتماد البحث والتحليل الواقعي العلمي سواء من خلال العمل الأكاديمي او غيره  يجب ان يستند الى العقل والى الواقع فعلاً بعيداً عن العاطفة، لان الاخيرة تمنعه من البحث عن الحقيقة المجردة، فالحقيقة إذا خضعت لمقاييس العاطفة ستظهر بثقل غير حقيقي وبمظاهر متعددة الألوان والأحجام، أما الحقيقة المجردة عن العواطف فهي الحقيقة الأساسية، وهي التي تعبِّر عن الكليات الإنسانية وليس عن الخصوصيات الفئوية. وإذا أغرقت حركة التحرر الوطني بخصوصياتها وأهملت العموميات الإنسانية فلن تجد ما يمنعها من الانحدار نحو التقوقع. لذا نرى أنه يمكننا الاعتماد على البحث العلمي والأكاديمي والوثوق به، وبغيره تكون الحقائق غير مكتملة وغير واضحة، فهي إذا بقيت خاضعة للمصالح المحدودة تبقى عاجزة عن اكتساب أهدافها ووظائفها الإنسانية.

لتلك الأسباب لا ينبغي أن يُفهم من دعوتنا إلى البحث عن الحقيقة الواقعية بطريقة مجردة، خاصة تلك التي لها علاقة بمشروع التطويرالقومي، بأنها دعوة إلى إلغاء قيمة العواطف او الحماس  التي يجب أن تتوفَّر للمناضلين. فإن قضايا الأمة، كي تبقى ذات علاقة وثيقة مع عمقها الإنساني، لا بُدَّ من أن يخضع البحث عنها لمقاييس جادة بالتجريد والتجرد عن الأهواء، ومن بعدها يأتي دور حرارة الإيمان بها.

لم تعط النقلة المفاجئة، التي واجهتها الأمة من حال إلى حال، الفرصة للقيام بما يُسمّى بمرحلة الانتقال الطبيعي في التفتيش عن الحقائق بتجرد، أي للانتقال بالأمة من مرحلة معرفية إلى أخرى، بل وجدت نفسها وجهاً لوجه مع خصم جديد، فراحت تعد نفسها لمواجهته. فكان السلاح المتيسِّر هو سلاح التعبئة الفكرية والسياسية حسب المناهج الإيمانية المكتسبة من عجينة الثقافات السابقة. وإن ما أضاف قوة لتلك المناهج هو فشل التيارات التي استندت إلى نظريات مستوردة جاهزة كانت سبباً لاتهامات نال منها التعقل والعمل العلمي و الأكاديمي نصيبه من الاتهام بالقصور عن فهم طبيعة المرحلة الاستثنائية في حياة الأمة ومتطلبات النضال الاستثنائية.

ولما انتشر تأثير الحركات السياسية والحزبية ذات النظريات الجاهزة، ولما تكاثرت الدعوات المشبوهة لمهادنة الاستعمار الجديد تحت حجة غياب تكافؤ القوى، كانت الدعوات إلى تعبئة الأمة بمناهج الوجدان والضمير قد أخذت تسن أسلحتها المنهجية، فبدا وكأن الأمة قد انقسمت إلى دعاة طوباويين والى دعاة علميين، فكانت أسلحة تلك المعركة تبدو وكأنها قائمة على الاستفزاز من خلال اتهامات يوجهها البعض إلى قصور مناهج الآخر.

فليس إذن، من منطلق التوفيق والمجاملة، أن نقول بأن مناهج المعرفة السياسية تتكامل وتتعاون وتصبح أهدافها أكثر قرباً للتحقق إذا تكافلت تلك المناهج وتعاونت، بدءًا من معرفة الحقائق الواقعية العلمية وصولاً إلى التعبئة والحشد في سبيل تحقيق النجاح لاهداف واقعية تستند الى تلك الحقائق التي ينبغي ان تخدم قضايا الأمة العربية  ومصالحها واهدافها الاستراتيجية.

من بديهيات الأمور أن تستعين الحركات الثورية التقدمية بمختلف الوسائل الثورية شرط ان تنسجم مع ما تدعو اليه من مبادئ تقدمية لتحقيق أهدافها. على أن لا يشكل تحفيز الجماهير بمناهج محددة صفة المناهج الجامدة الثابتة على اساس انها تصلح لكل زمان ومكان.

وهنا من الضرورة بمكان التمييز بين التراث العربي المُلهِم من الحضارة العربية وانجازاتها الانسانية، الذي يشكل  قواعد ودعامات ضرورية نستند عليها في خلق الثقة اللازمة بين ابناء الامة لتحقيق الانطلاق الجديد نحو بعثها ونهضتها المعاصرة ، وبين الثقافة الشعبية التي تستخدم للتعبئة او التحريض، فهما شيئان مختلفان. وفي ثقافة الحزب القومية فان تراث الحضارة العربية وانجازاتها العلمية والانسانية الرائعة التي اغنت بها الحضارة الانسانية،هي حقائق علمية تاريخية راسخة، وهي ليست للتعبئة ، وانما قواعد ثقة للانطلاق في بعث الامة.

نلاحظ، من خلال مراقبة علمية، أن الطبقات المثقفة في الأمة، في المراحل الراهنة، تتحوَّل إلى مزيد من تجذير مستواها الثقافي والاتجاه به نحو المعرفة الأكثر عمقاً من السابق، السبب الذي يوجب على التيارات الثورية فيها أن تعيد صياغة وسائلها في التعبئة لمواصلة النضال. فلا ضير، هنا، من أن نعمل على تعميق المعرفة إلى جانب العمل من أجل تغذية النضال بأكثر ما يمكن من الاندفاع والحماس.

 فدعوة الحب أولاً ثم المعرفة، يجب ان تُعزَّز بالحقائق الواقعية بموجب البيئة الثقافية الجديدة المتطورة . وإن أساليب التخويف من نقد المناهج الفكرية السياسية المستندة الى المناهج الدينية، لم يعد صالحاً، خاصة في هذه المرحلة التي انكشف فيها زيف أكثر التيارات الدينية الإسلامية الأصولية.

 إنكشاف أهداف حركات الإسلام السياسي يساعد على نقد الثقافة التقليدية:

ان البيئة الثقافية الجديدة والمتطورة، وانكشاف الغطاء عن حركات الإسلام السياسي الرسمي وغير الرسمي، تشكل بدايات على الحركة القومية العربية أن تستفيد منها للبدء في تأسيس مرحلة لنقد الفكر المذهبي التفتيتي. على أن تبدأ المرحلة التأسيسية داخل الحركة القومية العربية نفسها على مستوى الإعداد لمشروع نقدي موضوعي يستهدف، في بدايته تعويد العقل الأيديولوجي القومي على أسلوب النقد ومكاشفة الذات والتحليل العلمي الواقعي.

وبالمقابل فان شدة الاستهداف او خطورة المرحلة التي تمر بها الامة العربية منذ قرن من الزمان ومتطلبات النضال التحرري يجب ان لا تكون سبب لإعاقة المراجعة النقدية لتجارب الفكر القومي نفسه وتطبيقاته على ارض الواقع. ولا ان تُستَخدَم كحجة لمصادرة الحريات او اشاعة الاستبداد ، او تكون مدعاة للمزايدة باستخدام اولوية قضايا الامة الملحة، اوتضليل الجماهير بها على اساس ان النضال يقتضي تاجيل القضايا الجوهرية الاخرى .

لان هذه المراجعة التحليلية النقدية تشكل خطوة حيوية لا غنى عنها من اجل ديمومة الفكر القومي وقوَّتَه، كما انها ضرورية لكي تكون الجماهير كما يكون الفكر القومي نفسه، أكثر وثوقاً بمبادئه الفكرية والسياسية والمجتمعية.

مناهج المعرفة الغربية لا تؤخذ بكاملها أو تُرفض بكاملها:

 كان الانتقال المعرفي في بداية القرن العشرين انتقالاً سياسياً، ولهذا انقسمت المناهج المعرفية إلى جزئين متناقضين: إما منبهر بالمنهج الغربي الجديد، وإما متمسك بالمنهج القديم ، فسادت ثنائية «الغربة والتغريب».  وتناسى الطرفان أن مناهج المعرفة الغربية ليست ثنائية «الغزو والإشعاع»، إما أن تُؤخذ بكاملها أو تُرفض بكاملها. بل يمكن اعتبارها تراثاً إنسانياً أصبح ملكاً للإنسانية يمكن الاستفادة من المفيد منه والملائم لواقع امتنا وقيمها ، وترك ما لا يصلح منه.

 لقد طال انتظار البدء بمرحلة نقد المناهج الفكرية والممارسات التطبيقية لها للمرحلة السابقة، وإن ظهرت، حتى في لحظتنا الراهنة، فإنها لا تخرج عن كونها خجولة خوفاً من سيف التقليديين، ورهبة من الاصطدام بعقول العامة السهلة الاستثارة والتحريض. وأصبحت المهمة التحليلية النقدية أكثر صعوبة بعد أن أطلت اصوليتان متوازيتان هما الأصولية الإسلامية حاملة سيف التكفير، واصولية الجمود الفكري المتغطي بشعارات خطورة المرحلة او المتحجج باولوية قضايا الامة المصيرية للحيلولة دون المواجهة والتطوير . وقد تطول المسافة ويمتد الزمن أكثر إذا لم نعمل على ولادة الحركة النقدية اليوم قبل الغد، وتضيع من الأمة فرص الإسراع في التغيير.

 إن خوفنا من ضياع الفرص والوقت ناتج عن أن التغيير الحقيقي، خاصة على الصعيد المعرفي، لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، لأن من شروط نجاحه أن يتعمَّق في عقل مجموعات واسعة من الذين نذروا أنفسهم للتغيير، ولا يمكننا أن نتوهَّم بأن التغيير يمكن أن يتم من خلال بحث من هنا أو مقال من هناك أو محاضرة من هنالك، فالتغيير هو عملية تربوية مستمرة تستهلك، أحياناً كثيرة، حياة أجيال تتبعها أجيال.

 فإلى دعاة تأخير المرحلة النقدية تحت ذريعة أن المرحلة غير مناسبة، لارتباطها بمرحلة التحرر الوطني والقومي خوفاً من انعكاس سلبياتها على علاقات القوى المتحالفة في معركة التحرر، نقول إن فكر او حركة بيزنطية تسقط كل يوم ونحن لا ندري، وسقوطها غير مرتبط بالتفرغ لتحديد مسارات جديدة للفكر القومي. وهي غير مرتبطة أيضاً بمسألة الصراع الفكري، والصراع الفكري لا ينتظر وهو بالفعل غير منتظر، لأن الرجعيات التقليدية والأصوليات التقليدية مما اشرنا اليه اعلاه، لا تعطينا أية هدنة بل هي تصارعنا في كل لحظة، فالفكر الأصولي بكل اشكاله ودوافعه يتابع معركته سواءٌ أعملنا على تجنبها أم لم نعمل.

 أما من ناحية أخرى، فيمكننا ونحن نؤدي مهمتنا التحليلية النقدية، أن يكون خطابنا مرناً وموضوعياً ووحدوياً. فانفتاح الخطاب السياسي ومرونته هو من المسائل المطلوبة ولكن ليس على حساب المبادئ. فالمبادئ، بالنسبة لتيارات التغيير هي أكثر من ضرورية، ووضوح المبادئ هو حصانة لها من الانحراف، لأنه على هديها يمكن تصحيح المسار إذا ما حصلت انحرافات، أما في ظلال غيابها فإنه لا يمكن تصويب المسارات هذا إذا لم نضيعها بالكامل.

 الفكر القومي منهج صادق لا يقبل التجميل والتزويق:

 من اجل ان يستعيد الفكر القومي مكانته وريادته ومصداقيته بين الجماهير ، لا بُدَّ له من أن يكون واضحا وحاسماً في خياراته الفكرية وإلاَّ فسوف يدع شتى تياراته السياسية تسير على غير هدى. وسينعكس التردد في حسم الخيارات على مسار  الجماهير العربية ومواقفها. ولن تكون البنى الفكرية لتيارات التطوير بمنأى عن البلبلة.

 ولان الجماهير تكون ، في الواقع، أقرب إلى سلوك الطريق الفكري الذي يتطلَّب عناءً أقل، لذا يكون طريق الفكر الغيبي أكثر قرباً  من عقول الجماهير لأنه لا يتطلَّب منهم سوى التصديق والتسليم. وفي هذا المجال يستطيع دعاة النهج الأصولي ايا كان أن يصل إلى قلوبهم بشكل أسرع وأيسر من السالك لطريق الفكر القومي المتطور.  وهنا يفقد المشروع القومي التوازن في المقدرة على إيصال المعرفة الإيمانية العقلانية  مع الأصولي الذي يتقن فن تفسير الفكر الغيبي او العواطف أكثر بكثير من الذي يقوم منهجه الفكري على المنهج العلماني العلمي والعقلاني.

توضيح مصدر مسؤول في قيادة قطر العراق

 أدلى مصدر مسؤول في قيادة قطر العراق بما يلي:

تتداول بعض وسائل الإعلام المرئية والمقروءة مقابلات وتحليلات منسوبة إلى العلاقة مع البعث من قبل أشخاص أو جهات. كما تتداول بعض وسائل التواصل الاجتماعي، تقريراً يفيد أنه منسوب إلى مصدر في حزب البعث – قطر العراق يبني تقديراته على تصورات افتراضية تتناول الوضع السياسي في العراق وانهيار نظام العملية السياسية التي أفرزها الاحتلال، وتربط هذه التصورات الافتراضية بما تنشره بعض القنوات والصحف من مقالات وتحليلات ومقابلات مع بعض الأشخاص ذات صلة بوضع العراق.

 وهنا يهم قيادة القطر في العراق أن توضح ما يلي:

إن من يعبرّ عن موقف حزب البعث العربي الاشتراكي بما يتعلق بالوضع الداخلي للعراق أو العلاقة مع الخارج هو قيادته، وهي عندما تريد أن تعلن موقفاً أو أن تحدد مساراً، تعلنه بشكل واضح لا لبس فيه ولا التباس حوله ولا تنسبه إلى شخص ما أو مصدر مجهول الهوية بقصد إحداث التشويش على مواقف الحزب وعلاقاته الوطنية ودوره في مقاومة العملية السياسية التي أفرزها الاحتلال.

إن قيادة قطر العراق تهيب بكل الغيورين على العراق وتوقهم لرؤيته حراً عربياً متحرراً من كل أشكال الاحتلال والارتهان للخارج الدولي والإقليمي ألَّا يقعوا في مطب التسريبات الإعلامية المفبركة وترويجات وسائل التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام بخصوص ما يروجه بعض الأشخاص، وألَّا يبنوا على تقديرات افتراضية بكل ما يتعلق بمعطى الوضع السياسي في القطر.

بيان قيادة قطر سوريا حول دعوة الرفاق للعودة الى سوريا

في بيان لقيادة قطر سوريا لحزب البعث العربي الاشتراكي :

اسقاط النظام السياسي في سوريا ،اسقطه كمنتحل صفة باسم البعث

بناء الدولة المدنية الديموقراطية مهمة وطنية على قاعدة خطاب التطمين الوطني

دعوة البعثيين للعودة الى سوريا والمساهمة في ورشة البناء الوطني لسوريا.

 

اعتبرت قيادة قطر سوريا لحزب البعث العربي الاشتراكي   ، ان اسقاط النظام في لم ينهه كنظام سياسي وحسب وانما اسقطه وبدرجة اولى كمنتحل صفة   لممارسته  للحكم تحت شعار البعث الذي تعرض لا فظع عملية تشويه لاهدافه الثورية  لاكثر من خمسة عقود   وكانت تداعياتها شديدة الوطأة على سوريا والامة العربية.

 جاء ذلك في بيان لقيادة القطر في مايلي نصه.

 

بعد ٥٨ عاما على الردة الشباطية ، سقط النظام السياسي الذي انتحل صفة البعث وحكم باسمه لمدى قارب  الستة عقود كانت شديدة الوطأة على جماهير سوريا وشديدة السلبية على الامة العربية وامنها القومي. إن  اسقاط هذا النظام لم ينهه فقط كنظام سياسي حكم سوريا بالحديد والنار والغى الحياة السياسية بمصادرته للحريات العامة  ، بل انهاه كمنتحلَ صفةٍ  في افظع عملية تزوير لاهداف الامة في الوحدة والحرية والاشتراكية.

لقد عانى مناضلو البعث من عسف النظام وقمعه ،كما لم تعانه اية قوة سياسية اخرى ، حيث قضى المئات من الرفاق ومن مختلف المستويات الحزبية تحت التعذيب في اقبية السجون والمعتقلات ،هذا الى الذين تمت عمليات اغتيالهم  في داخل سوريا وخارجها والمختفين قسراً اضافة الى الذين امضوا عشرات السنين في السجون ، لاتهمة  لهم الا تهمة الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي.

ان اسقاط هذا النظام الا ستبدادي ، لم يزل كابوساً ثقيلاً عن كاهل شعب سوريا  وحسب ، بل ازال ايضاً كابوساً عن صدر حركة الثورة العربية بكل فصائلها التقدمية وفي الطليعة منها الحزب الذي انطلق من ساحة سوريا الى رحاب الوطن العربي بعد مؤتمره التأسيسي على ضفاف بردى في السابع من نيسان ١٩٤٧. وعليه فإن اسقاط هذا النظام هو خطوة كان لا بد  منها لادخال سوريا معطى مرحلة جديدة لجهة بناء دولتها الوطنية الديموقراطية كما لجهة استعادتها لعروبتها التي تعرضت للتشويه والتجويف منذ تسلط نظام الردة الشباطية على مقدرات البلاد وتحكم بمصير العباد.

ان حزبنا، حزب البعث العربي الاشتراكي ، الذي بقي قابضاً على جمر المواقف المبدأية والذي لم يوفر جهداً لحماية شرعية الحزب الذي جسدته القيادة القومية بكل رموزها التاريخية من القائد المؤسس الاستاذ ميشيل عفلق الذي حكم عليه النظام الاسدي بالاعدام الى القائد الشهيد صدام حسين  وكل قادة الحزب التاريخيين   ، كان شديد اليقين ، بأن اسقاط النظام سيؤدي حكماً الى اسقاط مرتكزاته الامنية وكل الاغلفة التي تغطى بها ومنها تغلفه بشعار الحزب واهدافه. وهذا ماحصل فعلاً . اذ لم تكد تمضي ايام قليلة على اسقاط النظام ، حتى أُعْلِنَ عن حل الحزب الذي كان حزب سلطة بكل ماتعني به الكلمة من معنى ، وبعكس ماتنطوي حقيقة البعث كحزب جماهيري انبثق عن ارادة شعبية.

 فالحزب الذي يتشكل بقرار سلطوي ، يسقط بسقوط السلطة ويغادر الحياة السياسية مع مغادرة رموز النظام لموقعهم في السلطة. وبهذا السقوط للنظام تطوى صفحة التزوير الذي طال البعث اسماً وشعاراً واهدافاً وهو الذي لم تهتز جذوره العميقة  في البنية الشعبية العربية وخاصة بنية المجتمع السوري الذي كان له فضل السبق في احتضان انطلاقة  البعث لسبعة وسبعين عاماً خلت وكانت مسيرته حافلة بالومضات المضيئة   قبل انقضاض المرتدين عليه والحكم باسمه في تآمر موصوف على الحزب وحركة النضال العربي كما على الامة العربية.

ان قيادة قطر سوريا  لحزب البعث العربي الاشتراكي  ،التي تعتبر اسقاط النظام انجازاً هاماً على طريق استرداد سوريا من  اصطفافها مع القوى المعادية للعروبة ، ترى ان تحديات اعادة البناء الوطني تتطلب اطلاق ورشة عمل تشارك فيها كل القوى الحريصة على وحدة سوريا وعروبتها وديموقراطية الحياة السياسية فيها، وخاصة القوى الوطنية والتقدمية والديموقراطية ، لاجل اقامة الدولة المدنية التي يجب ان تأخذ دورها وتحتل موقعها في الخارطة السياسية لاقامة الدولة الوطنية الديموقراطية ، دولة المساواة في المواطنة بكل الحقوق والواجبات .

 وعليه ان تخليص سوريا ، من اعباء التركة الثقيلة التي اثقلت كاهلها على مدى عقود من الزمن والاستجابة للارادة الشعبية التي عبرت عن نفسها في مشهدية رائعة عمت كل المدن والحواضر السورية  في اول يوم جمعة يعقب سقوط النظام  ، هي مهمة وطنية توجب  اطلاق خطاب ينطوي على كل عناصر التطمين الوطني لكل الطيف المجتمعي ، ويحدد الاليات العملية والسياسية لمواجهة التحديات المتعددة الجوانب سواء المتعلق منها بتحديات الخطر الخارجي وعلى رأسه الخطر الصهيوني ، كما التحديات المتعلقة بجانب   البناء السياسي الداخلي لانتاج نظام سياسي جديد تحمكه ديموقراطية وتعددية الحياة  السياسية وتداول السلطة وتطبيق احكام العدالة الانتقالية .

ان القوى الوطنية والقومية  والديموقراطية  وعلى ابواب دخول سوريا الحبيبة  مرحلة الانتقال السياسي ، مدعوة الى توحيد صفوفها ضمن اطار جبهوي على مستوى اطرها التنظيمية ورؤيتها السياسية للتغيير الوطني الديموقراطي . وان حزبنا ، حزب البعث العربي الاشتراكي الذي قدّم مالم يقدمه حزب اخر في مواجهة استبداد النظام وقمعه وشعوبيته  لن يوفر جهداً لتشكيل الاطار الوطني الجامع و يدعو كافة الرفاق الذين سَلِموا من الاغتيال والاخفاء القسري  والاعتقال  و الذين دفعهم استبداد نظام الردة الشباطية  الى الابتعاد طويلاً عن بلدهم وحاضنتهم الشعبية ، العودة الى سوريا والانخراط في ورشة العمل الوطني مع سائر القوى التي ساهمت باسقاط النظام والمعنية ببناء الدولة الوطنية الديموقراطية  واعادة الاعتبار لموقع ودور سوريا القومي.

تحية لشهداء البعث الذين قضوا في اقبية نظام الردة الشباطية

 وتحية لكل المناضلين الذين تحملوا عسف النظام وقمعه واستبداده

عاشت الامة العربية وعاشت سوريا حرة عربية موحدة الارض والشعب والمؤسسات.

قيادة قطر سوريا لحزب البعث العربي الاشتراكي

 في ٢٠٢٤/١٢/١٥

 

العَهد الجَديد والثُلاثيّة المَطلوبَة للبِناءِ الوَطَنيّ للدَولَة

العَهد الجَديد

والثُلاثيّة المَطلوبَة للبِناءِ الوَطَنيّ للدَولَة

بقلم المحامي حسن بيان 

 

بعد سنتين وشهرين وعشرة ايام على الفراغ الرئاسي في لبنان، انتخب المجلس النيابي قائد الجيش العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية باكثرية مريحة في الدورة الثانية من الجلسة الانتخابية التي عقدت في التاسع من كانون الثاني ٢٠٢٥ بحضور كافة اعضاء المجلس كما بحضور دبلوماسي ملفت للنظر.

بعد اداء القسم الدستوري ، وجه  الرئيس المنتخب خطاباً الى المجلس والرأي العام ، حدّد فيه عناوين مايعتبره برنامج حكم ، بعضٌ مما انطوى عليه من بنود سبق وتم تناولها في كل خطابات القسم التي سبقت ، وكان اللبنانيون ينظرون اليها بارتياح لما تنطوي عليه نظرياً من توجهات اصلاحية، لكن الاحباط سرعان ما كان يخيم على الواقع السياسي بعد التربع على كرسي الرئاسة وبدء ادارة الحياة السياسية على قواعد المحاصصة .

 بعد الانتهاء من عملية ملء الشغور في موقع الرئاسة انطلقت عجلة اعادة    الانتظام لعمل مرافق الدولة انطلاقاً  من تشكيل حكومة جديدة وفق ماينص عليه الدستور اللبناني. بعد استشارات  يوم ماراثوني ، اسفر “البونتاج “، عن تسمية رئيس محكمة العدل الدولية القاضي نواف سلام لتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة.

وفي كلمته التي وجهها بعد الاجتماع الثلاثي في قصر بعبدا وتسلمه كتاب التكليف ، لاقى خطاب رئيس الجمهورية في العناوين الاساسية لما يمكن اعتباره خارطة حكم للعهد الجديد ، وموجهاً رسالة لمن اعتبر نفسه “وقع في كمين ”  ، بعكس ماكان سبق وتم التفاهم عليه مع الرئيس المنتخب قبل انطلاق الدورة الثانية من التصويت ، بأن لا اقصاء لاحد وان اليد ممدودة للتعاون مع الجميع تحت سقف الدستور او ما درج على تسميته “بالكتاب “.  وقد دخل الى الاجتماع الثلاثي متأبطاً به وبعد خروجه شاهر  به الى الصحفيين عند توجيه رسالته من على منبر القصر الجمهوري.

 

وبعيداً عن السجالات ووجهات النظر التي اثيرت حول دستورية انتخاب قائد الجيش ، التي ينطلق بعضها  من حسن نيةٍ وتمسكٍ بالنص الدستوري ، وبعض اخر يستبطن خلفيات لاعلاقة لها بالانتظام الدستوري ، فإن ملء الشغور ، حصل على وقع شبه اجماع نيابي ، بحيث لم يعد بالامكان تقديم مراجعة طعن بالعملية ، وبالتالي تصبح النتيجة مبرمة . واستطراداً ، و حتى لو اقتضى الامر البحث في مطابقة دستورية العملية الانتخابية بمقدماتها ونتائجها وتطلب الامر ايضاً تفسيراً لدستوريتها، فان صلاحية تفسير الدستور مناطة بالمجلس ، وهو حكماً لن يعطي تفسيراً يناقض ما قرره   وبما يؤدي الى اعتبار العملية غير دستورية وبالتالي القضاء  ببطلانها ، وهو الذي صوت باكثرية تفوق الثلاثة ارباع لصالح الرئيس المنتخب.

 بغض النظر عن كل هذا، لان لبنان ومنذ نيله استقلاله، لم يكن النص الدستوري هو الناظم الوحيد  لادارة  الشأن العام ، بل كانت تنشأ على جوانبه دائماً ماعرف بالاتفاقات التي ترتقي حد الميثاق  او الاعراف والاخذ بها على قاعدة “المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً” ، او مابات يعرف بالسوابق ، بحيث يبنى اللاحق على السابق وهلم جراً.

  المهم ، ان ملء الشغور في المرافق الدستورية والادراية وكل ماله علاقة بتسيير المرافق العامة، افضل من الفراغ وانفع للعامة التي تعطلت مصالحها من جراء الخلل في بنية الدولة وهو ما ادى الى الغاء وظيفتها الحمائية والرعائية.

 مما لاشك فيه، ان ماورد في خطاب القسم وخطاب التكليف ، ترك ارتياحاً لدى ” العامة ” وان لم يكن الامر كذلك لدى “الخاصة ” ، التي استمرأت ادارتها للسلطة على قواعد المحاصصة ، ومارست الزبائية في الادارة بكل مراتبها ، وانتفخت جيوبها على حساب جيوب الناس وجني عمرهم. وهو ماحوّل الفساد الى سمة من سمات الحكم الاساسية ، بحيث لم تعد السلطة معنية بادارة البلاد على قواعد الشفافية والحوكمة، بل ادارتها على قواعد السمسرة والصفقات والتهريب وتجارة الممنوعات ، واخر موبقاتها السطو على اموال المودِعين.

 هذه السمات الاساسية لمن امسك بمفاصل السلطة على مدى عقود ، جعلت الفساد يعشعش في مفاصل الدولة العميقة ، وان المنتفعين والمستفيدين من ذلك ،  هم ما باتوا يعرفون باطراف المنظومة الحاكمة، وبالتالي فإن هذه الاطراف ستقاوم اية عملية تغييرية في حدها الاقصى او اصلاحية في حدها الادنى ويكون من شأنها ان تمس مصالحهم  وما اعتادوا عليه خلال ممارستهم للحكم وفي مواقعهم الادارية.

 ولهذا، فإن مهمة الرئيسين ليست مهمة سهلة،  وطريقهما ليس مفروشاً بالورود، بل المهمة صعبة والاشواك مغروزة على جوانب مسار الحكم، والمطبات اكثر من ان تحصى على خط السير العام .

 واذا كان يسجل للرئيس المنتخب ، كما الرئيس المكلف ،  انهما لم يأتيا الى الحكم بالاستناد الى كتل نيابية تسعى لحصص في السلطة، بل انهما جاءا من رحم مؤسسات تحكمها قواعد الانضباط والانتظام والعدل والمساواة ، وهما بما انطوى عليه خطابيهما حاكا التوق الشعبي للتغيير، فهذه  ستكون عاملاً مساعداً للتحرر من ضغط الكتل التي تحيط بالموقعين .

 لكن مع التشديد على اهمية المواصفات والمعطيات الشخصية لدى رئيس الجمهورية كما رئيس مجلس الوزراء ، فإنها لن يستطيعا ان يترجما خطابيهما الى مفردات عملية بسلاسة في ظل بنية السلطة القائمة ، لارتباط ذلك بالواقع الفاسد الذي يضرب في بنية الدولة وطريقة الحكم التي ادارت البلاد بالعقلية الميلشياوية .

 وبالتالي ، فإن الاصلاح والذي هو هدف شعبي منشود ، لا تحققه الرغبات الشخصية ، بل لابد من حاضنة شعبية ، كما رافعة سياسية.  واذا كانت  الحاضنة الشعبية  متوفرة ، فإن الرافعة السياسية وضعها ملتبس كون  القوى التي تمتلك قوة تمثيل نيابي ، قادرة على تعطيل ومقاومة اية عملية اصلاحية في ظل غياب تنظيم الحركة الشعبية المعترضة على اداء المنظومة لغياب  تنظيم صفوفها وتقديم نفسها رافعة سياسية للحكم الجديد بالعناوين الاصلاحية التي طرحها.

 من هنا ، فإن على اهمية القضايا التي تم التطرق اليها في الخطابين، خطاب القسم وخطاب التكليف ، إلا أن  المدخل العملي  للاصلاح في ظل تعقيدات الواقع الراهن ، إنما يكمن في مدى القدرة على  اعادة تكوين السلطة والتي نقطة  الارتكاز فيها هو التمثيل الشعبي الصحيح. 

 قد يكون مهماً ، ملء الشواغر في الادارة ، وتطبيق اللامركزية الادارية ، وفتح نافذة امل للمودعين وكشف الحقيقة في جريمة تفجير مرفا بيروت وانصاف الضحايا وغيرها من القضايا الحياتية . لكن الاهم من كل  ذلك هو اعادة تشكيل السلطة  التي تحاكي في اداءها البرنامج الاصلاحي ، وهذا لن يتحقق الا عبر السير على خط “ثلاثية” ،تندرج تحت ثلاثة عناوين. بحيث يكون تحقيقها هو المفتاح لباب الانسداد امام الاصلاح والتغيير في العقلية والاداء. وهذه العناوين هي :

 اولاً ، اقرار قانون استقلالية القضاء ، وثانياً ، اعادة النظر بقانون الانتخاب الحالي ووضع قانون اكثر عدلاً وصدقية للتمثيل الشعبي ، وثالثاً ، تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية واسقاط التمثيل الطائفي عن النيابي وتطبيق احكام المادة ٢٢ من الدستور والتي تنص على استحداث مجلس للشيوخ ، تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية. كانتخاب الرئيس واقرار الموازنة واعلان الطوراىء وقضايا الحرب والسلم.

 ان هذه الثلاثية ، هي التي يرى فيه دعاة التغيير والاصلاح ، كما العامة من الناس الذين اكتووا بنيران المحاصصة سبيلاً للخلاص الوطني بعد مرحلة من المعاناة واختبار الصبر والمصابرة.  وهذه لن تتم بين ليلة وضحاها ، بل تتطلب جهداً وعملاً ، والفرصة مؤاتية امام العهد لان يؤسس لنظام جديد تحكمه قواعد العدل والمساواة والاسراع  في ولوج هذا المسار مستفيداً من زخم القاعدة الشعبية العريضة التي تلتف حول العناوين الاصلاحية .

 ولهذا يجب التقاط الفرصة في زمن التحول الداخلي كما على مستوى الاقليم والمبادرة فوراً لاطلاق  ورشة العمل لاعادة بناء الدولة بناء وطنياً.  وقبل ان تتمكن  قوى المنظومة التي “اعادت انتشارها”، من الخروج  من تأثير الصدمة التي اصابتها بالارتجاج النفسي والسياسي وتعاود الهجوم بعد اعادة ترتيب صفوفها ودفاعاتها ووضع العصي في دواليب عجلة الاصلاح.