خطاب الأمين العام كوثيقة تحوّل: إعادة تعريف البعث بين الذاكرة والمستقبل
تمهيد: ليس كل خطاب يحمل وزنه في التاريخ. بعض الخطابات تُقرأ وتُنسى، وبعضها يُختزل في شعاراته، وبعضها يتحول إلى وثيقة. خطاب الأستاذ المناضل: الأمين العام بمناسبة الذكرى 79 لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي ينتمي إلى النوع الثالث. إنه ليس خطاباً عابراً، ولا مناسبة احتفالية روتينية. إنه وثيقة موقف في لحظة تتقاطع فيها أزمات الأمة العربية مع محاولات تصفيتها، وتتداخل فيها محاولات اغتيال الفكرة مع إصرارها على البقاء. هذه القراءة تحاول تفكيك الخطاب إلى مستوياته المتعددة: المستوى الفلسفي (رؤية الفكرة ونظريتها)، والمستوى السياسي (تحليل الواقع وتشخيصه)، والمستوى التنظيمي (الآليات والمقترحات)، والمستوى الخطابي (اللغة والأسلوب والتأثير). وهي محاولة لفهم كيف يبني هذا الخطاب شرعيته، وكيف يقرأ الواقع، وكيف يستشرف المستقبل، وأين تكمن نقاط قوته وضعفه.
أولاً: المستوى الفلسفي: (الفكرة بين الوجود والاستمرار):
- البعث ليس غاية في ذاته بل وسيلة تاريخية: في لقطة فلسفية عميقة، يقول الأمين العام، (حزب البعث لم يكن يوماً غاية في ذاته، بل وسيلة تاريخية لنهضة الأمة، وإن استمراريته مرهونة بقدرته على التجدد والتطور). هذه العبارة ليست تواضعاً سياسياً، بل هي إعلان عن فلسفة الأداة. فالحزب، في هذا التصور، ليس صنماً يُعبد، ولا غاية يُوقف عندها التاريخ. الحزب هو الأداة التي تصنع النهضة، وإذا توقفت الأداة عن أداء وظيفتها، فإنها تفقد شرعيتها في الوجود. هذا الموقف الفلسفي يحرر الحزب من مخاطر التقديس والجمود، ويضعه في موقع المساءلة الدائمة، هل ما زال الحزب وسيلة صالحة لنهضة الأمة؟ هذه الرؤية تجيب عن سؤال وجودي عميق، ما الذي يمنح الحزب استمراريته؟ الجواب، ليس الماضي، بل القدرة على تجديد نفسه في الحاضر والمستقبل.
- الفجوات بين النص والممارسة: (كشرط إنساني للتجربة): الخطاب لا يتجنب الحديث عن الإخفاقات، بل يشير إليها بصراحة: (مسيرته النضالية شابتها بعض الإخفاقات لأسباب ذاتية، وأكثر من ذلك لأسباب موضوعية). هذا اعتراف نادر في الخطاب السياسي العربي، حيث تميل النخب إلى تقديس التجارب أو إخفاء عيوبها.
لكن الأهم هو كيف يؤطر هذه الإخفاقات، لا كحوادث عابرة، بل (كتجارب كاشفة لحدود الأدوات وضرورة تطويرها). هذه مقاربة جدلية، الإخفاقات ليست نهاية الطريق، بل هي مواد خام للتجديد. الإخفاق، في هذا المنظور، ليس فشلاً، بل هو كشف لحدود ما هو قائم، ودعوة لتجاوزه. وهنا نصل إلى جوهر فلسفة البعث كما يعرضها الخطاب، فلسفة الاستيعاب والتجاوز. الأمة لا تموت بهزيمة، والحزب لا يسقط بفشل، إذا كان قادراً على تحويل الهزيمة إلى درس، والفشل إلى تجربة، والتجربة إلى برنامج.
- القومية حقيقة خالدة والشعور بها مقدس: في عصر تتقاذف الأمة فيه تيارات الطائفية والمذهبية والجهوية، يعيد الخطاب تعريف القومية ليس كأيديولوجيا، بل كـ (حقيقة خالدة) و(شعور مقدس). هذا الانتقال من السياسي إلى المقدس هو محاولة لاستعادة البعد الرسالي للقومية العربية. الخطاب يقول إن القومية ليست خطاباً سياسياً عابراً، بل هي حقيقة وجودية مرتبطة بجوهر الإنسان العربي. والشعور بها ليس اختياراً أيديولوجياً، بل هو شعور (مقدس)، أي لا يقبل المساومة أو التفاوض.
هذه المقاربة تحاول مواجهة خطابين في وقت واحد، خطاب التفكيك الطائفي الذي يحاول استبدال الهوية القومية بهويات فرعية، وخطاب العولمة الذي يحاول إذابة الهويات الوطنية في هوية كونية سائلة.
- الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً بل شرطاً لتحرير طاقات الجماهير: الخطاب يقدم مقاربة متقدمة للديمقراطية، ليست كقيمة غربية مستوردة، بل كـضرورة عضوية للمشروع القومي. الديمقراطية هنا ليست غاية في ذاتها، بل هي شرط لتحرير طاقات الجماهير، وجعلها فاعلة في المعركة القومية. هذه المقاربة تحل إشكالية ظلت عالقة في الفكر القومي العربي طويلاً، كيف نوفق بين ضرورة المركزية الثورية (في مواجهة التحديات) وضرورة المشاركة الشعبية (لبناء الشرعية)؟ الجواب الذي يقدمه الخطاب هو أن الديمقراطية ليست رفاهية تؤجل إلى ما بعد النصر، بل هي سلاح في المعركة ذاتها. فالجماهير المحرومة من المشاركة لا يمكن تعبئتها لخوض معارك كبرى. وهذا تحول مهم في الخطاب القومي.
ومع ذلك، يظل هذا المستوى الفلسفي (على عمقه)، مطروحاً أمام اختبار حاسم، وهو: هل يستطيع الانتقال من كونه إطاراً تفسيرياً إلى كونه أداة تغيير؟ فالتاريخ لا يقيس الأفكار بقدرتها على تفسير الواقع فقط، بل بقدرتها على إعادة تشكيله. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة فلسفة متماسكة، بل في ترجمتها إلى مؤسسات، وسياسات، وممارسات قابلة للتحقق.
ثانياً: المستوى السياسي: (قراءة الواقع وتشخيص المرض): وإذا ما قورن هذا الخطاب بخطابات سابقة للحزب في مراحل مختلفة، يمكن ملاحظة تحول واضح من خطاب تعبوي تقليدي إلى خطاب أكثر ميلاً للتفكيك الذاتي والاعتراف بالتحديات. وهذا التحول يعكس محاولة للانتقال من اليقين الأيديولوجي إلى الوعي التاريخي.
- تشخيص أزمة الأمة: (التجزئة والتبعية وتغيب الجماهير): يقدم الخطاب تشخيصاً ثلاثياً لأزمة الأمة:
- التجزئة، وتتمثل مظاهرها في دول قطرية ضعيفة، حدود مصطنعة، صراعات داخلية،
- التبعية، وتتمثل مظاهرها في ارتباط الأنظمة الرسمية بمراكز القرار الخارجية،
- تغيب الجماهير، وتتمثل مظاهرها في انعدام الديمقراطية، غياب المشاركة الشعبية.
هذا التشخيص ليس جديداً في حد ذاته، لكن الجديد هو ربطه عضوياً بفكرة (الجبهة القومية الشعبية) كحل. فالخطاب لا يكتفي بالتشخيص، بل ينتقل مباشرة إلى العلاج، لا خلاص بدون جبهة شعبية عريضة تتجاوز الأحزاب إلى كل القوى الحية في الأمة العربية.
- قراءة التحولات الدولية: (أمريكا وإيران ومشروع الهيمنة): الخطاب يقرأ النظام الدولي الجديد قراءة واقعية، بعيداً عن الشعارات الجاهزة. فهو يصف أمريكا بأنها (سلطان آمرة للعالم)، وإيران بأنها تنطلق من (الحقد الشعوبي الدفين ضد العروبة)، والكيان الصهيوني بأنه (محط الاستهداف المركزي للمشروع الاستعماري).
هذه القراءة تتجاوز النمطية السائدة (أمريكا شر مطلق، إيران صديقة وهمية، إلخ) إلى تحليل أكثر تعقيداً:
- أمريكا ليست مجرد عدو، بل هي منظومة تعيد إنتاج هيمنتها بأدوات متجددة (عسكرية، اقتصادية، إعلامية، تكنولوجية).
- إيران ليست مجرد قوة إقليمية، بل هي مشروع معادٍ للعروبة يتخذ من الطائفية غطاءً ووسيلة.
- الكيان الصهيوني ليس مجرد عدو، بل هو رأس حربة المشروع الاستعماري في المنطقة.
- فلسطين: (المركزية غير القابلة للتفاوض): يعيد الخطاب تأكيد مركزية القضية الفلسطينية، لكن ليس بالطريقة التقليدية (شعارات براقة). المركزية هنا تُفهم كـمعيار لصدق أي مشروع قومي، وكـبوصلة توجه الفعل السياسي، وكـجرح مفتوح لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. الخطاب يتجاوز الموقف الرسمي العربي (الذي حوّل فلسطين إلى (ملف) من ملفات التفاوض) إلى موقف جماهيري: فلسطين ليست قضية تفاوض، بل هي قضية تحرر. وهذا الفرق جوهري.
- العراق: (نموذج التحدي والصمود): يخصص الخطاب مساحة مهمة للعراق، ليس كحنين للماضي، بل كـنموذج حي للتحدي والصمود. العراق هنا يمثل ثلاث دلالات:
- دلالة تاريخية: تجربة تنموية فريدة (خمسة وثلاثون عاماً من الإنجاز) أثبتت أن المشروع القومي ممكن.
- دلالة نضالية: مقاومة الاحتلال (انطلاق المقاومة في 9 أبريل 2003، وانسحاب قوات الاحتلال 2011)، أثبتت أن الإرادة العربية قادرة على هزيمة المشاريع الغازية.
- دلالة رمزية: استمرار الحزب في العمل رغم (قرار الحظر والاجتثاث)، أثبت أن الفكرة لا تموت بقرار سلطوي.
- السودان وإريتريا والأحواز: (توسيع دائرة القضايا القومية): الخطاب لا يقتصر على فلسطين والعراق، بل يتعرض لقضايا عربية: السودان (انتفاضة أبريل 1985)، إريتريا (الهوية العربية المهددة)، الأحواز العربية (تحت الاحتلال الفارسي). هذا التوسيع مهم لأنه:
- يفضح محاولات اختزال القضية القومية في بعد واحد.
- يذكر الأمة العربية بأن التحديات متعددة الجبهات.
- يضع الحزب في موقع المدافع عن كل قضية عربية، مهما كانت مغيبة.
ثالثاً: المستوى التنظيمي: (الآليات والمقترحات):
- الجبهة القومية الشعبية: (المبادرة المركزية): المقترح التنظيمي الأبرز في الخطاب هو دعوة القوى العربية التحررية إلى حوار لتشكيل الجبهة القومية الشعبية. هذه الفكرة ليست جديدة (طرحت في المؤتمر القومي الثالث عشر)، لكن الخطاب يعيد إحياءها بلغة أكثر إلحاحاً. ما يميز هذه الدعوة:
- الشمولية: تشمل الأحزاب والهيئات والشخصيات وكل الأطر التمثيلية الناشطة في بيئاتها المدنية.
- المرحلية: تفهم كإطار مرحلي واستراتيجي معاً.
- المرونة: ليست إطاراً حزبياً ضيقاً، بل (مساحة التقاء) لكل القوى الحية في الأمة.
التحدي الذي يواجه هذه الدعوة هو ترجمة الشعار إلى آلية عملية، كيف ننتقل من الدعوة إلى التنفيذ؟ الخطاب يلمح إلى (ورشة عمل حوارية للتوافق حول ثوابت الأمة)، لكنه لا يدخل في تفاصيل الآلية. قد يكون أيضاً مرونة مقصودة تترك المجال للتفاوض بين القوى المدعوة.
- الديمقراطية كأداة وليس كهدف: الخطاب يقدم رؤية عملية للديمقراطية، تتمثل في أنها ليست انتخابات شكلية، بل مشاركة شعبية حقيقية في صنع القرار. وليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحرير طاقات الجماهير وتعبئتها في المعركة القومية. هذه المقاربة تحمي الديمقراطية من مخاطر:
- التحريف: تحويلها إلى إجراءات شكلية تخدم الأنظمة القائمة.
- التسويف: تأجيلها بحجة الأولويات (الأمن، التنمية، محاربة الإرهاب).
- الاستيراد: استنساخ نماذج غربية لا تتناسب مع خصوصية المجتمع العربي.
- الدولة الوطنية والديمقراطية والمواطنة: الخطاب يتبنى مفهوم (الدولة الوطنية الديمقراطية) كإطار سياسي للمرحلة القادمة. هذا المفهوم يحاول التوفيق بين:
- الخصوصية القومية: الدولة عربية، وهويتها قومية.
- العالمية الديمقراطية: الحكم ديمقراطي، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.
- العدالة الاجتماعية: الفقر والجهل والمرض أعداء يجب محاربتهم.
هذا المفهوم يختلف عن النموذج (الاشتراكي) التقليدي (الذي ركز على التأميم والتخطيط المركزي) وعن النموذج (الليبرالي) (الذي يركز على السوق والحريات الفردية). إنه نموذج ثالث: قومي في هويته، ديمقراطي في نظامه، اشتراكي في عدالته الاجتماعية.
غير أن هذه المقترحات، على أهميتها، تظل رهينة بسؤال الواقعية، ما هي الشروط الموضوعية التي تسمح بتشكيل (جبهة قومية شعبية) في ظل الانقسامات الحالية؟ وما هي القوى القادرة على حمل هذا المشروع؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة تمثل الفارق بين المشروع كفكرة، والمشروع كإمكانية تاريخية.
رابعاً: المستوى الخطابي: (اللغة والأسلوب والتأثير):
- لغة التحدي لا لغة الرثاء: الخطاب يخلو تماماً من النبرة الرثائية أو الانكسارية التي تطبع الكثير من الخطابات القومية المعاصرة. لا (ماضٍ ضائع) ولا (أمة منهزمة). بدلاً من ذلك، لغة التحدي والصمود والثقة بالقدرة على النهوض. مثال: (إن أمتكم التي حملت رسالة التوحيد للإنسانية جمعاء ليست أمة ضعيفة). هذه العبارة تستحضر الماضي ليس كحنين، بل كـدليل على قدرة الأمة على تجاوز محنها.
- استحضار الرموز: (بين التقديس والمساءلة): الخطاب يستحضر شخصيات قيادية (ميشيل عفلق، صدام حسين، عزة إبراهيم) لكن بطريقة متوازنة: تكريم وتقدير، لكن دون تقديس. شهيد الحج الأكبر صدام حسين يُوصف بـ(سيد الشهداء)، لكن الخطاب لا يتوقف عنده كرمز نهائي، بل يجعله جزءاً من سلسلة نضالية متصلة. هذا التوازن مهم لأنه:
- يبني الشرعية التاريخية (نحن وريث هذه التجارب).
- يمنع الانغلاق على الماضي (نحن قادرون على تجاوز العثرات).
- يوجه الرسالة إلى أجيال متعددة (لكل جيل قدوته، لكن الجوهر واحد).
- التكرار الجماهيري: (يا جماهير أمتنا العربية المجيدة): تكرار النداء الجماهيري (يا جماهير أمتنا)، ليس حشواً بل هو بنيوي في الخطاب. الخطاب يخاطب الجماهير مباشرة، متجاوزاً النخب والأنظمة. هذا يعكس:
- وعياً بأن التغيير الحقيقي يأتي من الأسفل (الجماهير) وليس من الأعلى (الأنظمة).
- ثقة بأن الجماهير قادرة على الفعل إذا وُجدت القيادة المخلصة.
- محاولة لبناء علاقة مباشرة بين الحزب والجماهير، دون وساطة الأنظمة الرسمية.
- اللغة الفلسفية دون تعقيد: الخطاب ينجح في تقديم أفكار فلسفية عميقة (جدلية الفكرة والأداة، الإخفاقات كتجارب كاشفة، القومية كحقيقة مقدسة) بلغة واضحة ومباشرة. هذا إنجاز كبير، لأنه يتجنب:
- الغموض الأكاديمي (الذي ينفر الجماهير).
- التبسيط المخل (الذي يخون العمق الفلسفي).
السر في هذا هو استخدام الأمثلة والصور مثل (الفجوة بين النص والممارسة)، التي تجعل المفاهيم المجردة ملموسة.
يمكن قراءة الخطاب أيضاً بوصفه ممارسة لغوية لإنتاج الشرعية، حيث تُستخدم مفردات مثل (الأمة)، (الجماهير)، (النضال)، لإعادة بناء هوية جماعية تتجاوز الانقسامات القائمة. كما يعتمد الخطاب على ثنائية ضمنية (نحن/الآخر)، حيث يتم تعريف الذات القومية في مقابل قوى الهيمنة والتفكيك. هذه البنية اللغوية لا تنقل المعنى فقط، بل تُنتج وعياً وتوجهاً سياسياً.
خامساً: نقاط القوة في الخطاب:
- فلسفة الأداة: الحزب ليس غاية بل وسيلة – هذا يحرره من التقديس ويضعه في موقع المساءلة.
- الاعتراف بالإخفاقات: نادر في الخطاب السياسي العربي، يبني المصداقية.
- الإخفاقات كتجارب كاشفة: تحويل الهزيمة إلى درس، والفشل إلى مادة للتجديد.
- القومية كحقيقة مقدسة: تجاوز الأيديولوجيا إلى الوجود، مواجهة الطائفية والعولمة.
- الديمقراطية كشرط وليس ترفاً: حل إشكالية العلاقة بين الثورية والمشاركة.
- تشخيص ثلاثي للأزمة: التجزئة، التبعية، تغيب الجماهير – شامل ومترابط.
- قراءة واقعية للتحولات الدولية: أمريكا، إيران، الكيان الصهيوني – تحليل غير نمطي.
- مركزية فلسطين كمعيار: ليس شعاراً بل بوصلة واختبار صدق.
- العراق كنموذج حي: تاريخياً ونضالياً ورمزياً – لا حنيناً.
- الجبهة القومية الشعبية: مقترح عملي لتجاوز الانقسامات.
- لغة التحدي لا الرثاء: تخلق أفقاً نفسياً إيجابياً.
- التوازن في استحضار الرموز: تكريم دون تقديس، مساءلة دون هدم.
- مخاطبة الجماهير مباشرة: بناء علاقة مباشرة مع القاعدة الشعبية.
- اللغة الفلسفية الواضحة: عمق دون تعقيد، بلاغة دون تكلف.
- توسيع دائرة القضايا القومية: السودان، إريتريا، الأحواز – فضح الاختزال
خاتمة:
في السابع من نيسان 2026، وبعد 79 عاماً على التأسيس، يطل الأستاذ المناضل الأمين العام على الجماهير العربية والإنسانية جمعاء، ليس ليحتفل بماضٍ انتهى، بل ليعلن أن الفكرة ما تزال حية، وأن الحزب ما يزال أداة، وأن الأمة قادرة على النهوض. الخطاب لا يعد بأيام قادمة سهلة، لكنه يعد بأن الطريق ما يزال ممكناً. والسؤال الذي يتركه الخطاب في نفس القارئ ليس، هل كان البعث عظيماً؟ بل، هل نحن قادرون على أن نكون أهلاً لهذه الأمانة؟ الجواب، كما يقول الخطاب، ليس في الكلمات، بل في الأفعال. وفي الأيام القادمة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب لا تكمن فقط فيما قاله، بل فيما فتحه من أفق للسؤال. فهو لا يقدم مشروعاً منجزاً، بل يضع إطاراً لمشروع ممكن، مشروط بقدرة الفاعلين على تحويل الوعي إلى فعل، والفكرة إلى قوة تاريخية.
هذا الخطاب هو خطاب انتقالي بالمعنى العميق. إنه ينتقل بالحزب من، موقع الدفاع إلى موقع الفعل، ومن استعادة الماضي إلى استشراف المستقبل، ومن الخطاب النخبوي إلى الخطاب الجماهيري، ومن النظرة الأيديولوجية المغلقة إلى الرؤية الفلسفية المنفتحة.
وإن قوة الخطاب تكمن في صدقه (الاعتراف بالإخفاقات)، وواقعيته (قراءة التحولات الدولية دون أوهام)، وجرأته (دعوة الجبهة القومية، مخاطبة الجماهير مباشرة)، وعمقه الفلسفي (فلسفة الأداة، الإخفاقات كتجارب كاشفة). فالخطاب يضع الحزب أمام مسؤولية تاريخية، إما أن يكون أداة حية لنهضة الأمة، أو أن يفقد شرعية وجوده. وهذا هو أعلى سقف يمكن أن يضعه حزب لنفسه.