شبكة ذي قار
تحرير الفاو… صفحة خالدة في سجل البطولات العراقية

تحرير الفاو… صفحة خالدة في سجل البطولات العراقية

فاطمة حسين

 

في سجل الأمم صفحات لا تُمحى، تُكتب بدماء الأبطال وتُخلّدها ذاكرة الشعوب جيلاً بعد جيل، وتبقى شاهدة على أن الكرامة لا تُستعاد إلا بالتضحيات. ومن بين تلك الصفحات المضيئة، تبرز ذكرى تحرير الفاو كواحدة من أعظم محطات البطولة في تاريخ العراق الحديث.

لقد كانت الفاو، بموقعها الاستراتيجي وأهميتها الوطنية، هدفاً للاحتلال، فشكّل سقوطها تحدياً كبيراً لسيادة العراق وكرامة شعبه. لكنها لم تبقَ أسيرة طويلاً، إذ نهض أبناؤها ومعهم أبناء العراق من كل المحافظات، يحملون إرادة لا تعرف الانكسار، وعزيمة لا تلين، ليخوضوا معركة التحرير التي ستظل خالدة في ذاكرة الوطن.

إن تحرير الفاو لم يكن مجرد استعادة أرض، بل كان استعادة لهيبة الدولة وثقة الشعب بنفسه. فقد أثبت العراقيون أن وحدة الصف والإيمان بالقضية قادرة على قلب موازين المعارك، وأن الدم العراقي إذا امتزج بتراب الوطن يصنع نصراً لا يُقهر. كانت تلك اللحظة إعلاناً صريحاً بأن العراق عصيّ على الانكسار، وأن أرضه لا تقبل الغزاة.

وقد حمل هذا الانتصار رسالة واضحة لكل من تسوّل له نفسه الاعتداء على أرض العراق. أن أبناءه قادرون على الدفاع عنه، وأن كل شبر من أرضه له رجال يفدونه بأرواحهم. كما أعاد هذا الحدث رسم ملامح الفخر الوطني، وأحيا في النفوس روح الانتماء والاعتزاز بتاريخ حافل بالتضحيات.

ستبقى الفاو، بعد تحريرها، رمزاً للثبات والصمود، ودليلاً على أن الشعوب التي تؤمن بوطنها لا تُهزم. وستظل تلك الصفحة الخالدة في سجل البطولات العراقية مصدر إلهام للأجيال، تذكّرهم بأن الوطن لا يُصان إلا بالإخلاص، ولا يُبنى إلا بسواعد أبنائه.

رحم الله الشهداء الذين كتبوا بدمائهم هذا المجد، وحفظ العراق عزيزاً قوياً، وجعل من هذه الذكرى منارة تُضيء درب الأحرار نحو مستقبل يليق بتضحياتهم.

تَحْريرُ الفَاوْ أكبر نَصْرٍ عَرَبيٍّ فِي التّاريخِ المُعاصِر

تَحْريرُ الفَاوْ أكبر نَصْرٍ عَرَبيٍّ فِي التّاريخِ المُعاصِر

ابو عمر العزي

 

في هذا اليوم يحتفل احرار الامة العربية بذكرى تحرير اكبر مدينة عربية في التاريخ المعاصر وذلك في 17 نيسان 1988 والتي مثلت اكبر عملية سوقية استراتيجية للجيش العراقي الباسل، تميزت بالشجاعة الفائقة و المباغتة الذكية والتخطيط  الدقيق. ولان حجم مدينة الفاو العربية وموقعها واهميتها كهدف قومي كبير وخطير، لذا فان تحريرها يشكل نصراً كبيراً يحتل موقع اعتزاز واكبار لدى الاجيال العربية المتعاقبة.

 فاحتلال الفاو من قبل العدو الايراني كان الحدث الاخطر على كل شرق الوطن العربي وبالذات اقطار الخليج العربي خلال سنوات الحرب الثمانية التي ابتدأها  ذلك العدو اللئيم  في الرابع من أيلول 1980 لتنتهي وهو مجبر وصاغر باعلان الخميني تجرعه كأس السم  والموافقة على وقفها في 8آب 1988  .

 كما وتكتسب عملية تحريرها اهمية قصوى نظراً للهدف الاستراتيجي الكبير الذي اراد النظام الايراني تحقيقه من وراء احتلال الفاو. حيث كان الهدف هو ان تشكل عملية احتلالها مرحلة اولى، تليها  مواصلة عملياته الهجومية حتى احتلال محافظة البصرة لأهميتها السوقية كرأس جسر  حيوي على  الخليج العربي وما فيها من ثروات نفطية هائلة  اضافة الى حدودها الجغرافية الممتدة برا مع اقطار الخليج العربي، وحجمها السكاني ومساحتها الكبيرة. لذا فان احتلال البصرة لاسامح الله يمهد لتحقيق الهدف الاستراتيجي الخطير باحتلال العراق واسقاط نظامه الوطني كما كان يمني نفسه، والاندفاع بعد ذلك نحو اقطار الخليج. لكن القوات العراقية الباسلة وبتضحياتها الجسام في هذه المعركة قد افشلت هذا المخطط العدواني الخبيث،  فاضطر العدو بعد فشله الكبير للتحول الى حالة الدفاع وظل محتفظاً بمدينة الفاو وما حولها. 

 لقد شكّل احتلال الفاو هاجسا كبيرا وقلقا بالغا للعراق قيادة وشعباً ليس فقط لكونها ارضاً عربية عراقية وحسب، وانما لما لهذا الاحتلال من اثر سلبي كبير على معنويات القوات المسلحة و الشعب ايضا ، لهذا وجهت القيادة العراقية  بتحرير الفاو والمباشرة بإعداد الخطط والقوات اللازمة متى ما سنحت الفرصة وهدأت جبهات المواجهة مع العدو، لان التأخير في تحرير الفاو سيدفع العدو بتكرار هجوماته الكبيرة  على مدينة البصرة والاندفاع نحو دول الخليج العربي لتحقيق نفس الهدف الذي ذكرناه سابقا، وهذا  ما حصل فعلا في معركة الحصاد الأكبر في شباط عام 1987 التي اخرت خطط تحرير الفاو لما يقارب العام، وذلك لمشاركة القوات التي تم تخصيصها لتحرير الفاو بواجبات التصدي للعدو في تلك المعركة  .

⁠وجه القائد العام للقوات المسلحة الرئيس صدام حسين رحمه الله اعضاء القيادة العامة باعداد خطة في غاية السرية تميزت بوضوح الفكرة وسهولة التطبيق،  كما وتنطبق فيها كل مبادئ الحرب على ان يتم التركيز في احد مبادئها على مخادعة العدو، مع الاخذ بنظر الاعتبار طبيعة ارض الفاو الشائكة والمعقدة.

في مطلع الثلاثة اشهر الاولى من عام 1988 سنحت الفرصة اللازمة لتحقيق التدريب للقوات المكلفة بواجب تحرير الفاو. واستكمالا لخطط التحرير وطبيعة الارض الموحلة والمائية شديدة التعقيد، تقرر ان تقوم الجهات المختصة بإنشاء ميادين خاصة حسب طبيعة ارض الفاو سواء الموحلة او المائية ليجري التدريب عليها تعبوياً وبتمارين قيام حرب لآمري التشكيلات

 والوحدات ليزادوا خبرة في معالجة المواقف التي قد تحصل في ادارة معارك تشكيلاتهم ووحداتهم. وقد ساعد هذا على رفع كفاءة التشكيلات والوحدات  حيث اكتسبت الخبرات والمهارات العالية في استخدام الارض والسلاح و رفع  معنويات المقاتلين الى ذروتها ، وهو الامر الذي تحتاجه في معركتها المنتظرة وتحقيق النصر فيها  .

17 نيسان 1988يوم التحرير العربي المجيد

 تحركت القوات  المكلفة بواجب تحرير الفاو قبل ثلاثة ايام من اماكن تحشدها الى المواضع الدفاعية للقوات المساندة للمعايشة معها، لمعرفة اماكن شروعها الى اهدافها، ولتأخذ اسلحة الوحدات الساندة مواضعها لتقوم بواجب الاسناد بنيراها المصوّبة على مواضع العدو بكل دقة. فلهذه الاسلحة تأثير كبير في تسهيل واجبات الوحدات باسرع ما يمكن وبأقل الخسائر .

في الساعة (0630) يوم 17 نيسان 1988 بدء  القصف التمهيدي المزلزل العاصف على مواضع العدو الدفاعية ومقراته ومقرات التشكيلات والفرق ومقرات العمليات الاعلى لتلك الوحدات والتشكيلات. وشمل ذلك حتى احتياطات العدو في عمق اراضيه، التي طالتها الحمم البركانية التي شكلت سحابات دخان تتصاعد لعنان السماء. وتعفرت ارض الفاو بغبار المعركة التي دارت رحاها بكل قوة واقتدار قل نظيره في كل سني الحرب الثمانية . وكانت هذه المعركة الفريدة في التخطيط والإعداد والتنفيذ هي الاقوى والاعنف والاكثر نجاحاً وتميزاً. وقد تحققت فيها مبادئ الحرب على احسن وجه وخاصة المخادعة السوقية لعموم جبهات الحرب، حيث كان العدو يتوقع ان المعركة ستقع في شمال العراق، لكنها وقعت على ارض الفاو التي دنسها ذلك العدو اللئيم.

ولم تكن المعركة بواقع الحال سهلة على الإطلاق، فقد كانت التعقيدات الناجمة عن طبيعة الارض المعقّدة والمتباينة من مكان الى اخر هي معركة بحد ذاتها،

فما بال القتال عليها والذي كان على اشده ومن خندق الى خندق اخر، نتيجة لاستماتة العدو بالدفاع عن نفسه ومواضعه التي هو عليها. الا ان الاقتدار العالي للوحدات العراقية المقاتلة تمكن من كسر ارادة العدو الايراني على القتال وتكبيده الخسائر الجسيمة بالارواح والاسلحة والمعدات مما دفع من تبقى منه الى الهروب اوالاستسلام . وهكذا تحررت مدينة الفداء وبوابة التحرير العزيزة من قبضة العدو وعادت الى احضان الوطن العربي الغالي .

استكملت بعد ذلك بعض الوحدات والتشكيلات والفرق مهامها الموكلة اليها وفقا لخطة التحرير في اليوم الاول، لتشرع القوات الاخرى باداء مهامها حسب صفحات المعركة المحددة لها توقيتاً ومكاناً، وليُرفع العلم العراقي على مدينة الفاو من قبل القوات العراقية المحرِّرة ويفاجأ العدو بما انجزه الجيش العراقي من عمل بطولي تاريخي شكل صدمة نفسية لنظامه وانهيار لمعنويات جيشه التي كسرت ظهره هذه المعركة العظيمة، فكانت السبب الرئيسي في تحقيق النصر في المعارك الاخرى على العدو الايراني، والتي دفعت قيادته لأن تطلب من الخميني ان يوقف الحرب والا فان سقوط النظام قد اصبح وشيكاً لما حل بجيشهم من انهيار .

لقد كان تحرير الفاو يوم مبارك، في يوم مبارك، حيث صادف الاول من شهر رمضان الكريم.

 فتحية اكبار واجلال للقيادة العامة للقوات المسلحة وفي مقدمتها القائد العام الرئيس صدام حسين رحمه الله، والى قادة وضباط ومراتب الجيش العراقي الباسل الذين شاركوا في تلك المعارك،  والرحمة والخلود للشهداء الذين ارتقوا في تلك المعارك الباسلة العظيمة في ادائها والرائعة في نتائجها،  والى الشعب العراقي الذي ساند جيشه في اصعب الظروف حتى تكلل النصر .

وعاش العراق  جمجمة العرب ورمح الله في الأرض، وعاش الجيش العراقي الباسل صاحب المنازلات والصولات والجولات الكبيرة، و إلى يوم الفتح المبين لتحرير العراق العظيم  ليعود حراً ابياً وحاميا جسوراً لأمن امته العربية.       

الدولة الوطنية سبيل لبنان إلى التحصين من القضم الصهيوني

الدولة الوطنية سبيل لبنان إلى التحصين من القضم الصهيوني

د.محمد مراد

باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..

 

بعد نحو من مئة وست سنوات مضت على لبنان كجغرافية سياسية واجتماعية واجتماع سياسي، فإنّه بات يقف اليوم أمام مفترق خطير لمواجهة مستقبل وجوده كأرض وإجتماع ديمغرافي ودولة.

يواجه لبنان اليوم لحظة تاريخية حرجة بشأن مآلات الحروب المندلعة على غير جبهة لبنانية وعربية وشرق اوسطية، لاسيّما الحرب بين أميركا و” إسرائيل” من جهة، وإيران ومحورها الإقليمي في لبنان والعراق واليمن من جهة أخرى. ولمّا كانت هذه الحروب مخطّطة في مشاريع استراتيجية لدول ذات نزعات توسّع في النفوذ والسيطرة والتغوّل، وبصورة خاصّة المشروع الصهيوني المدفوع بايديولوجية توراتية تهويدية لقيام دولة اليهود الكبرى على حساب ارض عدد من الأقطار العربية المجاورة لفلسطين، فقد كان لبنان دائماً في عين هذا المشروع الصهيوني المرسوم في مراحل تنفيذية متدرّجة، والتي تلحظ السيطرة على قسم من أرض لبنان في الجنوب والبقاع وفي مياه نهر الليطاني – النهر الأكبر والأغزر طاقة مائية في لبنان.

ثمّة ثلاثة مشاريع مسارية متشابكة في الحدث والنتيجة من حيث تداعيات الحروب التي ما تزال متفجٌرة في المنطقة العربية والشرق أوسطية.

 الأول مشروع  الحركة الصهيونية المتنامي تدريجياً منذ أول مؤتمر في مدينة بازل السويسرية عام ١٨٩٧، والذي ترأسه هرتزل مطلقا، لاول مرة، شعار الدولة اليهودية على أرض فلسطين، وهو المشروع الذي لم يكن بمعزل عن حاجات الرأسمالية الغربية، وفي مقدّمتها البريطانية آنذاك، إلى التوسّع الاستعماري في أماكن الثروة حيث المواد الخام متوفرة لنشاط الراسمال الصناعي ومراكماته، من هنا، بدأ المشروع الصهيوني متقاطعا بقوّة مع ظهور الدولة الكولونيالية في غرب أوروبا لتحقيق مصالحة متداخلة ومتكاملة، وقد استمر هذا التقاطع المتشابك في مؤتمر” كامبل بانرمان”  ١٩٠٧، ثمّ في وعد بلفور ١٩١٧، وصولاً إلى قيام الكيان الصهيوني تحت اسم ” دولة إسرائيل” ١٩٤٨على حوالي ٧٨٪ من ارض فلسطين التاريخية، لتعود لتشمل كل فلسطين في حرب خاطفة عام ١٩٦٧، حيث هزمت ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام فقط.

المشروع الثاني، هو المشروع الفلسطيني- العربي الذي راح يدعو لتحرير فلسطين عبر الكفاح المسلّح بوصفه أكثر ضمانة لتحقيق نتائج ملموسة تعيد للفلسطينيين حقوقهم المغتصبة، لكن هذا المشروع راح يسلك طريق الهزائم المتناسلة ، حيث تحوٌل في كثير من الأحيان إلى أزمات فلسطينية في دول المواجهة العربية من الأردن إلى سوريا ولبنان ودول عديدة أخرى، وصولا إلى تصاعد الهزائم المستمرة لقضية فلسطين ومعها قضايا متلازمة في الأردن ١٩٧٠، ولبنان ١٩٨٢، وحرب حماس في غزة ٢٠٢٣..

وقد استغل التوسع الفارسي في الوطن العربي من خلال نظام ” ولاية الفقيه” كل ذلك ، متغطيا  بدعم القضية الفلسطينية والانتصار لها لاضفاء شرعية ظاهرية على طموحاته التوسعية الحقيقية واضعاف العرب من خلال اقحام  التفتيت الديني والطائفي في المجتمع العربي ، وهو في كل ذلك إنما يخدم و يتكامل مع المشروع الصهيوني الأول. حيث راحت ايران ترفع شعار  المقاومة ” الإسلامية” البديلة للمقاومات العربية .. لكن الدخول الإيراني كان اندفاعا ايديولوجيا اراد ان يستغل بعض الاوساط ليجعل منها بيئات حاضنة له في لبنان وسوريا والعراق واليمن. وبدلا من تحرير فلسطين ونصرة قضيتها ، راحت ايران تحول هذه البيئات إلى ما يشبه الدويلات الموازية للدول القائمة، الأمر الذي زاد في اضعاف الدول العربية المركزية، وأسهم في تفكيك بنياتها الاجتماعية والوطنية، حتى باتت مرهونة إلى الضعف والتشظي من ناحية، والازمات والحروب الأهلية المخزونة بالمذهبيات السياسية من ناحية أخرى..

المشروع الثالث، والمقصود به مشروع قيام الدولة الوطنية اللبنانية على أساس وحدة الجغرافية السياسية والاجتماعية والاستقلال واستعادة قرار السيادة الوطنية في السلم والحرب وتقرير العلاقات مع الخارج الدولي والإقليمي.  واجه هذا المشروع، وما يزال، عقبات قاسية، حالت دون تمكين السلطة المركزية الحاكمة للدولة من تأكيد  احاديتها كشرعية قائدة للدولة ومجتمعها وعلاقاتها الخارجية..

صحيح أن المشروع الصهيوني المدعوم أميركيا قادر على تحقيق اختراقات في لبنان وغيره من الدول المجاورة عبر ما يسمى بالاتفاقات الإبراهيمية  وسياسات التطبيع مع بلدان عربية عديدة، والتي تطمح ” إسرائيل” بأن يكون لبنان الدولة المضافة إلى عمليات التطبيع الجارية، لكن هناك عقبات تجعل من المستحيل التأثير على إحداث تغيير في مسلّمة الدولة اللبنانية، وهذا يعود إلى عوامل عديدة، من أبرزها:

١- قيام الدولة اللبنانية في العام ١٩٢٠ كحاجة جغرافية اقتصادية وسياسية لكل الجماعات التعددية على ارضه، لكن المشكلة في هذه الجماعات انًها استمرٌت جماعات طوائفية ومذاهبية متمايزة، الأمر الذي حال دون قيام الجماعة التكاؤنية الواحدة التي تلتقي على هويّة وطنية ومواطنة ومستقبل جامع وموحّد. إلا أن ثمّة عبرة قد تأخذها هذه الجماعات من مآسي وآلام التجارب والأزمات السابقة بهدف اندفاعها نحو التلاقي والاندماج في مجتمع الدولة الواحدة.

٢ – الوجود المسيحي في لبنان، هو وجود يختلف في بنيته الثقافية التاريخية عن سائر باقي الطوائف الإسلامية التي ارتضت قيام الدولة اللبنانية الحديثة في العام ١٩٢٠، وراحت تجدّد قبولها واندماجها في دولة الإستقلال عام ١٩٤٣، وفي ميثاق الطائف ١٩٨٩. إنّ الوجود المسيحي بكل مقوّماته الثقافية والحضارية ونزعته اللبنانية الاستقلالية هو وجود ضمانة للبنان وبقائه واستقلاله وتطوره. هناك مسألة ثابتة في هذا المجال، وهي أن الوجود المسيحي في لبنان وحتى في المشرق العربي، هو وجود أكثر مناهضة وممانعة للمشروع الصهيوني واطماعه التوسعية في لبنان وباقي الأقطار العربية.

٣- وصول كل الجماعات اللبنانية إلى قناعة حاسمة بالانضواء تحت سقف الدولة الوطنية كهدف استراتيجي وثابت، والتحرر النهائي من الولاءات الخارجية الدولية والإقليمية..

٤- حزم السلطة الحاكمة للدولة بإلغاء مفاعيل الطائفية السياسية من كل مؤسسات وإدارات وتشريعات دستور الدولة، والمناداة بلبنان دولة مدنية ديمقراطية حقيقية..

٦- قانون جديد وجريء للأحزاب يقضي بحل كل الأحزاب ذات اللون الطائفي أو المذهبي الواحد، والمباشرة بالتصريح والترخيص لأحزاب ممتدة في كل الجماعات اللبنانية..

٧- دور النخب الأكاديمية والفكرية والاجتماعية والسياسية من خلال صياغة استراتيجية لبنانية مستقبلية تعتمد الإخلاص للوطن والدولة والمجتمع..

إنّ تضافر العوامل المشار إليها يبقى يمتلك القدرة الوطنية اللبنانية الجامعة للتصدّي للعدوانية الصهيونية ومخططاتها التوسّعية على حساب الأرض العربية في فلسطين ولبنان وسائر الأقطار العربية الأخرى. فإذا كان لبنان الحديث والمعاصر حاجة لمستقبل كل اللبنانيين ، فإنّ المساهمة في تعميق وتعزيز وتقوية البنيان الوطني اللبناني يبقى يمثّل القوّة المانعة القادرة على صدّ نزعات التوسّع الصهيوني الاستيطاني في أرض لبنان ومياهه وموقعه ودوره الحضاري الفاعل وخصوصيته الجامعة بين رسالتي المسيحية والإسلام في  رسالة توليفية واحدة.

خطاب الأمين العام كوثيقة تحوّل: إعادة تعريف البعث بين الذاكرة والمستقبل

خطاب الأمين العام كوثيقة تحوّل: إعادة تعريف البعث بين الذاكرة والمستقبل

  • طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

تمهيد: ليس كل خطاب يحمل وزنه في التاريخ. بعض الخطابات تُقرأ وتُنسى، وبعضها يُختزل في شعاراته، وبعضها يتحول إلى وثيقة. خطاب الأستاذ المناضل: الأمين العام بمناسبة الذكرى 79 لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي ينتمي إلى النوع الثالث. إنه ليس خطاباً عابراً، ولا مناسبة احتفالية روتينية. إنه وثيقة موقف في لحظة تتقاطع فيها أزمات الأمة العربية مع محاولات تصفيتها، وتتداخل فيها محاولات اغتيال الفكرة مع إصرارها على البقاء. هذه القراءة تحاول تفكيك الخطاب إلى مستوياته المتعددة: المستوى الفلسفي (رؤية الفكرة ونظريتها)، والمستوى السياسي (تحليل الواقع وتشخيصه)، والمستوى التنظيمي (الآليات والمقترحات)، والمستوى الخطابي (اللغة والأسلوب والتأثير). وهي محاولة لفهم كيف يبني هذا الخطاب شرعيته، وكيف يقرأ الواقع، وكيف يستشرف المستقبل، وأين تكمن نقاط قوته وضعفه.

أولاً: المستوى الفلسفي: (الفكرة بين الوجود والاستمرار):

  • البعث ليس غاية في ذاته بل وسيلة تاريخية: في لقطة فلسفية عميقة، يقول الأمين العام، (حزب البعث لم يكن يوماً غاية في ذاته، بل وسيلة تاريخية لنهضة الأمة، وإن استمراريته مرهونة بقدرته على التجدد والتطور). هذه العبارة ليست تواضعاً سياسياً، بل هي إعلان عن فلسفة الأداة. فالحزب، في هذا التصور، ليس صنماً يُعبد، ولا غاية يُوقف عندها التاريخ. الحزب هو الأداة التي تصنع النهضة، وإذا توقفت الأداة عن أداء وظيفتها، فإنها تفقد شرعيتها في الوجود. هذا الموقف الفلسفي يحرر الحزب من مخاطر التقديس والجمود، ويضعه في موقع المساءلة الدائمة، هل ما زال الحزب وسيلة صالحة لنهضة الأمة؟ هذه الرؤية تجيب عن سؤال وجودي عميق، ما الذي يمنح الحزب استمراريته؟ الجواب، ليس الماضي، بل القدرة على تجديد نفسه في الحاضر والمستقبل.
  • الفجوات بين النص والممارسة: (كشرط إنساني للتجربة): الخطاب لا يتجنب الحديث عن الإخفاقات، بل يشير إليها بصراحة: (مسيرته النضالية شابتها بعض الإخفاقات لأسباب ذاتية، وأكثر من ذلك لأسباب موضوعية). هذا اعتراف نادر في الخطاب السياسي العربي، حيث تميل النخب إلى تقديس التجارب أو إخفاء عيوبها.

لكن الأهم هو كيف يؤطر هذه الإخفاقات، لا كحوادث عابرة، بل (كتجارب كاشفة لحدود الأدوات وضرورة تطويرها). هذه مقاربة جدلية، الإخفاقات ليست نهاية الطريق، بل هي مواد خام للتجديد. الإخفاق، في هذا المنظور، ليس فشلاً، بل هو كشف لحدود ما هو قائم، ودعوة لتجاوزه. وهنا نصل إلى جوهر فلسفة البعث كما يعرضها الخطاب، فلسفة الاستيعاب والتجاوز. الأمة لا تموت بهزيمة، والحزب لا يسقط بفشل، إذا كان قادراً على تحويل الهزيمة إلى درس، والفشل إلى تجربة، والتجربة إلى برنامج.

  • القومية حقيقة خالدة والشعور بها مقدس: في عصر تتقاذف الأمة فيه تيارات الطائفية والمذهبية والجهوية، يعيد الخطاب تعريف القومية ليس كأيديولوجيا، بل كـ (حقيقة خالدة) و(شعور مقدس). هذا الانتقال من السياسي إلى المقدس هو محاولة لاستعادة البعد الرسالي للقومية العربية. الخطاب يقول إن القومية ليست خطاباً سياسياً عابراً، بل هي حقيقة وجودية مرتبطة بجوهر الإنسان العربي. والشعور بها ليس اختياراً أيديولوجياً، بل هو شعور (مقدس)، أي لا يقبل المساومة أو التفاوض.

هذه المقاربة تحاول مواجهة خطابين في وقت واحد، خطاب التفكيك الطائفي الذي يحاول استبدال الهوية القومية بهويات فرعية، وخطاب العولمة الذي يحاول إذابة الهويات الوطنية في هوية كونية سائلة.

  • الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً بل شرطاً لتحرير طاقات الجماهير: الخطاب يقدم مقاربة متقدمة للديمقراطية، ليست كقيمة غربية مستوردة، بل كـضرورة عضوية للمشروع القومي. الديمقراطية هنا ليست غاية في ذاتها، بل هي شرط لتحرير طاقات الجماهير، وجعلها فاعلة في المعركة القومية. هذه المقاربة تحل إشكالية ظلت عالقة في الفكر القومي العربي طويلاً، كيف نوفق بين ضرورة المركزية الثورية (في مواجهة التحديات) وضرورة المشاركة الشعبية (لبناء الشرعية)؟ الجواب الذي يقدمه الخطاب هو أن الديمقراطية ليست رفاهية تؤجل إلى ما بعد النصر، بل هي سلاح في المعركة ذاتها. فالجماهير المحرومة من المشاركة لا يمكن تعبئتها لخوض معارك كبرى. وهذا تحول مهم في الخطاب القومي.

ومع ذلك، يظل هذا المستوى الفلسفي (على عمقه)، مطروحاً أمام اختبار حاسم، وهو: هل يستطيع الانتقال من كونه إطاراً تفسيرياً إلى كونه أداة تغيير؟ فالتاريخ لا يقيس الأفكار بقدرتها على تفسير الواقع فقط، بل بقدرتها على إعادة تشكيله. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة فلسفة متماسكة، بل في ترجمتها إلى مؤسسات، وسياسات، وممارسات قابلة للتحقق.

ثانياً: المستوى السياسي: (قراءة الواقع وتشخيص المرض): وإذا ما قورن هذا الخطاب بخطابات سابقة للحزب في مراحل مختلفة، يمكن ملاحظة تحول واضح من خطاب تعبوي تقليدي إلى خطاب أكثر ميلاً للتفكيك الذاتي والاعتراف بالتحديات. وهذا التحول يعكس محاولة للانتقال من اليقين الأيديولوجي إلى الوعي التاريخي.

  • تشخيص أزمة الأمة: (التجزئة والتبعية وتغيب الجماهير): يقدم الخطاب تشخيصاً ثلاثياً لأزمة الأمة:
  • التجزئة، وتتمثل مظاهرها في دول قطرية ضعيفة، حدود مصطنعة، صراعات داخلية،
  • التبعية، وتتمثل مظاهرها في ارتباط الأنظمة الرسمية بمراكز القرار الخارجية،
  • تغيب الجماهير، وتتمثل مظاهرها في انعدام الديمقراطية، غياب المشاركة الشعبية.

هذا التشخيص ليس جديداً في حد ذاته، لكن الجديد هو ربطه عضوياً بفكرة (الجبهة القومية الشعبية) كحل. فالخطاب لا يكتفي بالتشخيص، بل ينتقل مباشرة إلى العلاج، لا خلاص بدون جبهة شعبية عريضة تتجاوز الأحزاب إلى كل القوى الحية في الأمة العربية.

  • قراءة التحولات الدولية: (أمريكا وإيران ومشروع الهيمنة): الخطاب يقرأ النظام الدولي الجديد قراءة واقعية، بعيداً عن الشعارات الجاهزة. فهو يصف أمريكا بأنها (سلطان آمرة للعالم)، وإيران بأنها تنطلق من (الحقد الشعوبي الدفين ضد العروبة)، والكيان الصهيوني بأنه (محط الاستهداف المركزي للمشروع الاستعماري).

هذه القراءة تتجاوز النمطية السائدة (أمريكا شر مطلق، إيران صديقة وهمية، إلخ) إلى تحليل أكثر تعقيداً:

  • أمريكا ليست مجرد عدو، بل هي منظومة تعيد إنتاج هيمنتها بأدوات متجددة (عسكرية، اقتصادية، إعلامية، تكنولوجية).
  • إيران ليست مجرد قوة إقليمية، بل هي مشروع معادٍ للعروبة يتخذ من الطائفية غطاءً ووسيلة.
  • الكيان الصهيوني ليس مجرد عدو، بل هو رأس حربة المشروع الاستعماري في المنطقة.
    • فلسطين: (المركزية غير القابلة للتفاوض): يعيد الخطاب تأكيد مركزية القضية الفلسطينية، لكن ليس بالطريقة التقليدية (شعارات براقة). المركزية هنا تُفهم كـمعيار لصدق أي مشروع قومي، وكـبوصلة توجه الفعل السياسي، وكـجرح مفتوح لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. الخطاب يتجاوز الموقف الرسمي العربي (الذي حوّل فلسطين إلى (ملف) من ملفات التفاوض) إلى موقف جماهيري: فلسطين ليست قضية تفاوض، بل هي قضية تحرر. وهذا الفرق جوهري.
    • العراق: (نموذج التحدي والصمود): يخصص الخطاب مساحة مهمة للعراق، ليس كحنين للماضي، بل كـنموذج حي للتحدي والصمود. العراق هنا يمثل ثلاث دلالات:
  • دلالة تاريخية: تجربة تنموية فريدة (خمسة وثلاثون عاماً من الإنجاز) أثبتت أن المشروع القومي ممكن.
  • دلالة نضالية: مقاومة الاحتلال (انطلاق المقاومة في 9 أبريل 2003، وانسحاب قوات الاحتلال 2011)، أثبتت أن الإرادة العربية قادرة على هزيمة المشاريع الغازية.
  • دلالة رمزية: استمرار الحزب في العمل رغم (قرار الحظر والاجتثاث)، أثبت أن الفكرة لا تموت بقرار سلطوي.
    • السودان وإريتريا والأحواز: (توسيع دائرة القضايا القومية): الخطاب لا يقتصر على فلسطين والعراق، بل يتعرض لقضايا عربية: السودان (انتفاضة أبريل 1985)، إريتريا (الهوية العربية المهددة)، الأحواز العربية (تحت الاحتلال الفارسي). هذا التوسيع مهم لأنه:
  • يفضح محاولات اختزال القضية القومية في بعد واحد.
  • يذكر الأمة العربية بأن التحديات متعددة الجبهات.
  • يضع الحزب في موقع المدافع عن كل قضية عربية، مهما كانت مغيبة.

ثالثاً: المستوى التنظيمي: (الآليات والمقترحات):

  • الجبهة القومية الشعبية: (المبادرة المركزية): المقترح التنظيمي الأبرز في الخطاب هو دعوة القوى العربية التحررية إلى حوار لتشكيل الجبهة القومية الشعبية. هذه الفكرة ليست جديدة (طرحت في المؤتمر القومي الثالث عشر)، لكن الخطاب يعيد إحياءها بلغة أكثر إلحاحاً. ما يميز هذه الدعوة:
  • الشمولية: تشمل الأحزاب والهيئات والشخصيات وكل الأطر التمثيلية الناشطة في بيئاتها المدنية.
  • المرحلية: تفهم كإطار مرحلي واستراتيجي معاً.
  • المرونة: ليست إطاراً حزبياً ضيقاً، بل (مساحة التقاء) لكل القوى الحية في الأمة.

التحدي الذي يواجه هذه الدعوة هو ترجمة الشعار إلى آلية عملية، كيف ننتقل من الدعوة إلى التنفيذ؟ الخطاب يلمح إلى (ورشة عمل حوارية للتوافق حول ثوابت الأمة)، لكنه لا يدخل في تفاصيل الآلية. قد يكون أيضاً مرونة مقصودة تترك المجال للتفاوض بين القوى المدعوة.

  • الديمقراطية كأداة وليس كهدف: الخطاب يقدم رؤية عملية للديمقراطية، تتمثل في أنها ليست انتخابات شكلية، بل مشاركة شعبية حقيقية في صنع القرار. وليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحرير طاقات الجماهير وتعبئتها في المعركة القومية. هذه المقاربة تحمي الديمقراطية من مخاطر:
  • التحريف: تحويلها إلى إجراءات شكلية تخدم الأنظمة القائمة.
  • التسويف: تأجيلها بحجة الأولويات (الأمن، التنمية، محاربة الإرهاب).
  • الاستيراد: استنساخ نماذج غربية لا تتناسب مع خصوصية المجتمع العربي.
    • الدولة الوطنية والديمقراطية والمواطنة: الخطاب يتبنى مفهوم (الدولة الوطنية الديمقراطية) كإطار سياسي للمرحلة القادمة. هذا المفهوم يحاول التوفيق بين:
  • الخصوصية القومية: الدولة عربية، وهويتها قومية.
  • العالمية الديمقراطية: الحكم ديمقراطي، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.
  • العدالة الاجتماعية: الفقر والجهل والمرض أعداء يجب محاربتهم.

هذا المفهوم يختلف عن النموذج (الاشتراكي) التقليدي (الذي ركز على التأميم والتخطيط المركزي) وعن النموذج (الليبرالي) (الذي يركز على السوق والحريات الفردية). إنه نموذج ثالث: قومي في هويته، ديمقراطي في نظامه، اشتراكي في عدالته الاجتماعية.

غير أن هذه المقترحات، على أهميتها، تظل رهينة بسؤال الواقعية، ما هي الشروط الموضوعية التي تسمح بتشكيل (جبهة قومية شعبية) في ظل الانقسامات الحالية؟ وما هي القوى القادرة على حمل هذا المشروع؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة تمثل الفارق بين المشروع كفكرة، والمشروع كإمكانية تاريخية.

رابعاً: المستوى الخطابي: (اللغة والأسلوب والتأثير):

  • لغة التحدي لا لغة الرثاء: الخطاب يخلو تماماً من النبرة الرثائية أو الانكسارية التي تطبع الكثير من الخطابات القومية المعاصرة. لا (ماضٍ ضائع) ولا (أمة منهزمة). بدلاً من ذلك، لغة التحدي والصمود والثقة بالقدرة على النهوض. مثال: (إن أمتكم التي حملت رسالة التوحيد للإنسانية جمعاء ليست أمة ضعيفة). هذه العبارة تستحضر الماضي ليس كحنين، بل كـدليل على قدرة الأمة على تجاوز محنها.
  • استحضار الرموز: (بين التقديس والمساءلة): الخطاب يستحضر شخصيات قيادية (ميشيل عفلق، صدام حسين، عزة إبراهيم) لكن بطريقة متوازنة: تكريم وتقدير، لكن دون تقديس. شهيد الحج الأكبر صدام حسين يُوصف بـ(سيد الشهداء)، لكن الخطاب لا يتوقف عنده كرمز نهائي، بل يجعله جزءاً من سلسلة نضالية متصلة. هذا التوازن مهم لأنه:
  • يبني الشرعية التاريخية (نحن وريث هذه التجارب).
  • يمنع الانغلاق على الماضي (نحن قادرون على تجاوز العثرات).
  • يوجه الرسالة إلى أجيال متعددة (لكل جيل قدوته، لكن الجوهر واحد).
    • التكرار الجماهيري: (يا جماهير أمتنا العربية المجيدة): تكرار النداء الجماهيري (يا جماهير أمتنا)، ليس حشواً بل هو بنيوي في الخطاب. الخطاب يخاطب الجماهير مباشرة، متجاوزاً النخب والأنظمة. هذا يعكس:
  • وعياً بأن التغيير الحقيقي يأتي من الأسفل (الجماهير) وليس من الأعلى (الأنظمة).
  • ثقة بأن الجماهير قادرة على الفعل إذا وُجدت القيادة المخلصة.
  • محاولة لبناء علاقة مباشرة بين الحزب والجماهير، دون وساطة الأنظمة الرسمية.
    • اللغة الفلسفية دون تعقيد: الخطاب ينجح في تقديم أفكار فلسفية عميقة (جدلية الفكرة والأداة، الإخفاقات كتجارب كاشفة، القومية كحقيقة مقدسة) بلغة واضحة ومباشرة. هذا إنجاز كبير، لأنه يتجنب:
  • الغموض الأكاديمي (الذي ينفر الجماهير).
  • التبسيط المخل (الذي يخون العمق الفلسفي).

السر في هذا هو استخدام الأمثلة والصور مثل (الفجوة بين النص والممارسة)، التي تجعل المفاهيم المجردة ملموسة.

يمكن قراءة الخطاب أيضاً بوصفه ممارسة لغوية لإنتاج الشرعية، حيث تُستخدم مفردات مثل (الأمة)، (الجماهير)، (النضال)، لإعادة بناء هوية جماعية تتجاوز الانقسامات القائمة. كما يعتمد الخطاب على ثنائية ضمنية (نحن/الآخر)، حيث يتم تعريف الذات القومية في مقابل قوى الهيمنة والتفكيك. هذه البنية اللغوية لا تنقل المعنى فقط، بل تُنتج وعياً وتوجهاً سياسياً.

خامساً: نقاط القوة في الخطاب:

  • فلسفة الأداة: الحزب ليس غاية بل وسيلة – هذا يحرره من التقديس ويضعه في موقع المساءلة.
  • الاعتراف بالإخفاقات: نادر في الخطاب السياسي العربي، يبني المصداقية.
  • الإخفاقات كتجارب كاشفة: تحويل الهزيمة إلى درس، والفشل إلى مادة للتجديد.
  • القومية كحقيقة مقدسة: تجاوز الأيديولوجيا إلى الوجود، مواجهة الطائفية والعولمة.
  • الديمقراطية كشرط وليس ترفاً: حل إشكالية العلاقة بين الثورية والمشاركة.
  • تشخيص ثلاثي للأزمة: التجزئة، التبعية، تغيب الجماهير – شامل ومترابط.
  • قراءة واقعية للتحولات الدولية: أمريكا، إيران، الكيان الصهيوني – تحليل غير نمطي.
  • مركزية فلسطين كمعيار: ليس شعاراً بل بوصلة واختبار صدق.
  • العراق كنموذج حي: تاريخياً ونضالياً ورمزياً – لا حنيناً.
  • الجبهة القومية الشعبية: مقترح عملي لتجاوز الانقسامات.
  • لغة التحدي لا الرثاء: تخلق أفقاً نفسياً إيجابياً.
  • التوازن في استحضار الرموز: تكريم دون تقديس، مساءلة دون هدم.
  • مخاطبة الجماهير مباشرة: بناء علاقة مباشرة مع القاعدة الشعبية.
  • اللغة الفلسفية الواضحة: عمق دون تعقيد، بلاغة دون تكلف.
  • توسيع دائرة القضايا القومية: السودان، إريتريا، الأحواز – فضح الاختزال

خاتمة:

في السابع من نيسان 2026، وبعد 79 عاماً على التأسيس، يطل الأستاذ المناضل الأمين العام على الجماهير العربية والإنسانية جمعاء، ليس ليحتفل بماضٍ انتهى، بل ليعلن أن الفكرة ما تزال حية، وأن الحزب ما يزال أداة، وأن الأمة قادرة على النهوض. الخطاب لا يعد بأيام قادمة سهلة، لكنه يعد بأن الطريق ما يزال ممكناً. والسؤال الذي يتركه الخطاب في نفس القارئ ليس، هل كان البعث عظيماً؟ بل، هل نحن قادرون على أن نكون أهلاً لهذه الأمانة؟ الجواب، كما يقول الخطاب، ليس في الكلمات، بل في الأفعال. وفي الأيام القادمة.

إن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب لا تكمن فقط فيما قاله، بل فيما فتحه من أفق للسؤال. فهو لا يقدم مشروعاً منجزاً، بل يضع إطاراً لمشروع ممكن، مشروط بقدرة الفاعلين على تحويل الوعي إلى فعل، والفكرة إلى قوة تاريخية.

هذا الخطاب هو خطاب انتقالي بالمعنى العميق. إنه ينتقل بالحزب من، موقع الدفاع إلى موقع الفعل، ومن استعادة الماضي إلى استشراف المستقبل، ومن الخطاب النخبوي إلى الخطاب الجماهيري، ومن النظرة الأيديولوجية المغلقة إلى الرؤية الفلسفية المنفتحة.

وإن قوة الخطاب تكمن في صدقه (الاعتراف بالإخفاقات)، وواقعيته (قراءة التحولات الدولية دون أوهام)، وجرأته (دعوة الجبهة القومية، مخاطبة الجماهير مباشرة)، وعمقه الفلسفي (فلسفة الأداة، الإخفاقات كتجارب كاشفة). فالخطاب يضع الحزب أمام مسؤولية تاريخية، إما أن يكون أداة حية لنهضة الأمة، أو أن يفقد شرعية وجوده. وهذا هو أعلى سقف يمكن أن يضعه حزب لنفسه.

      ذِكْرَى المِيلَادِ و إِطْلاق مَعْرَكَةِ الوَعي

      ذِكْرَى المِيلَادِ و إِطْلاق مَعْرَكَةِ الوَعي

 

 تحتفل اليوم قوى الامة العربية الطليعية وفي مقدمتها الرفاق البعثيون ومعهم جماهير ألأمة  كافة بالذكرى التاسعة والسبعين لتأسيس حزب الرسالة الخالدة حزب البعث العربي الإشتراكي، مستعيدين في ذكرى ولادته في ٧/ نيسان / ١٩٤٧م ، تلك الإستجابة الحية لحاجات الامة، فكان الحزب منذ التأسيس ولم يزل، حزب المهمات النضالية الذي انتسب اليه رفاق مناضلون حملوا هموم   وطموح وأماني شعبهم وامتهم لتحقيق وحدتها وتحررها ونهضتها ، والذود عنها فكانوا القاعدة الثورية الأمينة في مواجهة القوى المعادية لها .

 لقد كان ميلاد البعث الانعطافة الكبرى في الوجود العربي المعاصر، ليعلن بداية خروج الأمة من واقعها المرير الذي ساده الاستعمار المباشر والهيمنة الاجنبية وكافة مظاهر الضعف والتخلف . فكان تأسيس الحزب بمثابة الاعلان عن انطلاق ارادة المارد العربي نحو التحرر السياسي والاقتصادي والحضاري وتحقيق النهضة الكبرى في كافة مناحي الحياة.

 وقد تجسد كل ذلك من خلال الأهداف الاستراتيجية والمبادئ التي حددها وأرساها الرفيق القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق ورفاقه المؤسسين الأوائل، معلنين  انطلاق حركة البعث الثورية الشاملة والولوج في عصر جديد يهدف الى تحقيق انبعاث الأمة العربية، وخلعها لباس الذلّ والتخلف والتبعية.

ولقد بقي حزب البعث العربي الاشتراكي وعبر ثمانية عقود من النضال المتواصل وفيّاً لتلك المبادئ التي اعلنها منذ تأسيسه، واضعاً نصب عينيه الدفاع عن قضايا الامة العربية المصيرية وفي مقدمتها تحرير فلسطين التي ستبقى القضية المركزية في نضاله  القومي التحرري، متصدياً لكل اشكال العدوان عليها ايا كان شكله أو مصدره، وباذلاً في سبيل ذلك اغلى التضحيات.

 ان ما أبقى البعث الحركة العربية الأقوى المجسِّدة للوجود الحي للأمة، هو صحة مبادئه التي حددتها عقيدته، والتي تثبت الأحداث كل يوم، ان لا إنتصار للأمة في معركة الوجود التي تخوضها، الا باعتماد تلك المباديء وفي مقدمتها وحدة العرب، وتكامُل قواهم ومواردهم، ازاء شراسة ما يواجهونه من استهداف منقطع النظير، وكأن الاعداء قد تركوا الكرة الارضية برمّتها جانباً، ليستفردوا بالعرب في صفحات تامرية متواصلة ومتجددة.

 كما ان  ارادة مناضليه الصلبة التي برهن التاريخ انها لا تُهزَم مهما اشتدت المحن وكبرت التضحيات،  قد اثبتت هي الاخرى ان البعث هو امل الامة الاكبر في  الانتصار على كل التحديات ومواجهة العدوان والمشاريع الاستعمارية المتجددة التي تستهدف وجود الامة العربية وهويتها ومواردها بالصميم.

  ومنذ تأسيسه، اكد البعث ان انتصار الامة على اعدائها لا يتم الا ببعث عوامل حضارتها العريقة. وقد اثبتت المنازلات التي خاضتها الامة العربية ان الصراع مع اعدائها وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، هو صراع وجودي الأهداف ومتجدِّد الوسائل .  فبعد عقود من حصر الصراع بين طرفين اساسيين هما الامة العربية من جهة، والكيان الصهيوني من جهة اخرى، ادرك الاخير ان ذلك قد وحّد الامة العربية حول العداء له،  مما ادى الى زيادة تمسكها بقضيتها المركزية، لذا كان لابد من استحداث عدو جديد للامة يتولى عنه مهمة اضعافها وتشتيت قواها، على ان يتم كل ذلك تحت شعارات براقة للتغطية على الأهداف الحقيقية. فكان اطلاق المشاريع الإقليمية وفي مقدمتها مشروع الولي الفقيه الفارسي، لبث الفرقة الدينية والطائفية والإثنية، وتقسيم المجتمع العربي، واضعاف دوله. وكان ذلك بدءًا من الحرب الايرانية على العراق عام 1980 ثم احتلاله والقضاء على نظامه الوطني سنة 2003 لينهار الامن القومي العربي و تُفتَح البوابة الشرقية للامة العربية على مصراعيها امام تنفيذ المشروع الجهنمي. وقد اثبتت الوقائع ان المشروعين يخدم احدهما الاخر ويتكامل معه. وهكذا تتجدد المشاريع التآمرية ضد الأمة العربية مع تغير المراحل ، مما يتطلب تجدّد وعي ابناء الأمة وقواها الحرة،  طالما ان الأمة  حيّة تنبض بعنفوان الحياة وتزخر بمكامن القوة.

 ومع ما تتعرض له الأمة اليوم في العديد من أقطارها من هجمة جديدة تشمل العدوان المباشر، وتتجاوزه الى محاولة تغيير الهوية والتركيب الديموغرافي نحو تفريس العراق ولبنان واليمن واقطار أخرى، مقرونة بإعادة التدخل الأمريكي الصهيوني تحت عناوين جديدة تهدف في النهاية القضاء عليها و تقاسم النفوذ فيها بين مشروعي النظام الفارسي والصهيوني المعادين لها .

 لذا فإن الأمة العربية تقف اليوم على مفترق طرق جديد،  فهي  إما أن تواصل خوض معارك المصير والتحرير باستجماع الإرادة العربية نحو اطلاق مشروع عروبي يوحِّد امكانياتها،  ويجَذِّر التكامل بينها، ويتجاوز كافة اخطاء الماضي وعوامل الفرقة فيه، أو سيصيبها الفناء والتشرذم وتسيُّد المشاريع المعادية.

 ومن بين كل ذلك تتصدر اليوم الموقع الاول والمتقدم معركة الوعي التي يجب ان يخوضها المناضلون العرب لإفشال مؤامرات تشويه وحرف النضال الوحدوي التحرري. تلك المؤامرات التي تجري بمختلف وسائل التفتيت والتقسيم متغطية بشعارات مقدسة وعلى رأسها الاستثمار بالقضية الفلسطينية، في حين تُنفَّذ على ارض الواقع كافة استراتيجيات مهاجمة العرب واضعافهم و اعاقة جهودهم في الدفاع عنها .

 وفي ظل جسامة المتغيرات الدولية المتسارعة و شراستها، فإن صمود وثبات البعث ومناضليه على المبادئ عبر ثمانية عقود من الزمن، وفي مقدمتها حمايته للأمن القومي العربي بدفاعه القويّ الجسور عن البواية الشرقية للأمة العربية، يجعله اليوم أمل الأمة الحقيقي لمواجهة كل ما تتعرض له من مخاطر وجودية.  

فحزب البعث العربي الاشتراكي كان منذ التأسيس وما يزال حاملاً اميناً لراية النضال العربي، وما انعقاد المؤتمر  القومي الثالث عشر للحزب رغم الظروف الاستثنائية القاسية الا انعكاس لتلك الإرادة  القوية التي جدد فيها الرفاق من كل اقطار الوطن العربي الشرعية بوصفها أحد أهم عوامل الحفاظ على تماسك الحزب ووحدته الفكرية والتنظيمية، كما انه دليل ساطع  على قدرة الحزب على النهوض والانتصارعلى كل ما يتعرض له من استهداف، وتأكيد مواصلته محاربة مشاريع الإستسلام والتفتيت والطائفية والهيمنة والتشديد على تطوير أدوات النضال القومي وأساليب العمل السياسي والتنظيمي وبما يواكب المتغيرات الراهنة مستنداً على جوهرعقيدته العروبية الموحِّدة، بوصفها منظومة نضالية متكاملة تشكل مشروعاً تحررياً للأمة العربية كلها .

 ولأن ما تواجهه الامة العربية من مشروعين، الصهيوني والفارسي، هما في حقيقتهما وجهان لعملة واحدة، فهما مشروعان متكاملان لإضعاف وتفكيك الوطن العربي وفرض الهيمنة على قراره القومي والإقليمي. لذا فإن المسؤولية جسيمة تقع على كل العرب، شعباً وقوى ودول، في اطلاق مشروع  عربي دفاعي نهضوي. فالمواجهة مع الأعداء لم تعد مجرد خلاف فكري او سياسي بل هي معركة وجود مصيرية.

 كما ان مسؤولية كوادر الحزب هي قيادة معركة الوعي نحو تعزيز العمل الوطني، وتفعيل مشاركة كل القوى الوطنية والقومية الخيّرة لمواجهة العدوان  وتحصين الجبهة الداخلية ضد مشاريع التفتيت بكل اشكالها. مستلهمين من انتصارات البعث السابقة في دحر الهجمات الشبيهة، فالمؤامرات والأحداث التي يشهدها الوطن  العربي اليوم ليست  مختلفة عن هجمات سابقة، بل هي إمتداد لها،  وخاصة العدوان الإيراني الغاشم خلال ثمانينيات القرن الماضي والإصطفاف الأمريكي الصهيوني معه، ضد العراق كدولة عربية وقيادة وطنية حرست الأمن القومي العربي برمته.

 واذ نحتفل اليوم بذكرى التأسيس فانما نستحضر قيم الثبات والصلابة و العطاء النضالي المتميز الذي جسده الرفاق الروّاد الأوائل على امتداد الوطن العربي. فليكن هذا العيد محطةً لشحذ الهمم، وانطلاقةً متجددة ليبقى البعث كما كان دوماً، قائداً، ومنارةً لأحرار العرب، مستندين الى ايمان راسخ بحتمية انتصار الأمة العربية، طالما بقيت أمة تنبض بالحياة والوعي واليقضة.

 تحية للرفاق المؤسسين وفي مقدمتهم الرفيق الاستاذ أحمد ميشيل عفلق.

 وتحية لشهداء البعث والأمة العربية وعلى رأسهم شهيد الحج ألأكبر ألأمين العام للحزب صدام حسين والرفيق عزة ابراهيم رحمهما الله.

 الحرية للأسرى والمعتقلين في معسكرات وسجون العدو الصهيوني والفارسي في فلسطين و العراق.

 وعاشت الأمة العربية، وعاشت فلسطين حرة أبية .

 

مكتب الثقافة والإعلام القومي

7 / نيسان / ٢٠٢٦م

       

 

تهنئة مكتب الثقافة والإعلام القومي إلى الرفيق المناضل علي الريح السنهوري في الذكرى 79 لميلاد البعث العظيم

 

إلى الرفيق المناضل علي الريح السنهوري

الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي حفظكم الله ورعاكم

 

تحية العروبة والنضال

في السابع من نيسان نستعيد لحظةً فارقة في الوجود العربي، يوم انبعثت إرادة الأمة من ركام التجزئة والضعف والتخلف لتعلن للعالم أنها ومهما اشتدت عليها الصعاب ومعاول الهدم والتقسيم، هي أمة واحدة، وأن رسالتها الحضارية للإنسانية هي رسالة خالدة. 

لقد مثّل السابع من نيسان 1947 لحظة الخروج العربي من الجمود التاريخي، إلى الفعل الثوري نحو التحرر والنهضة، حيث استطاع الحزب، بما جسّده من شعارات ومبادئ من خلال فعل نضالي متواصل، أن يحرر الإرادة العربية من قيود التبعية، ويضعها أمام مسؤولياتها التاريخية.

فقد جعلت المبادئ والأسس التي أرساها الرفيق القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق ورفاقه الرواد الأوائل، من البعث حركة ثورية شاملة تهدف إلى تحقيق انبعاث الأمة العربية برمتها، وتقود نضال الأمة نحو تحرير فلسطين التي تبقى قضيتها المركزية، ومحور نضالها الأساس. وقد أثبتت العقود الماضية وما تزال، أن فكرالبعث العروبي النهضوي الجامع، سيبقى هو الأمل الوحيد لمواجهة كل التحديات الوجودية التي تتعرض لها الأمة، من عدوان واحتلال وتفتيت وتبعية وتهجير وإلغاء الهوية واستنزاف الموارد، وذلك تنفيذاً لمشروع (اسرئيل الكبرى) ومشاريع الهيمنة الإقليمية المتكاملة معه، وعلى رأسها المشروع الفارسي للهيمنة على الوطن العربي وإضعافه وتفتيته.

إن صمود وثبات البعث ومناضليه على المبادئ في ظل جسامة المتغيرات الدولية المتسارعة وشدة شراستها من جهة، وشدة استهداف مناضليه من جهة أخرى، يثبت أن الحزب يمتلك القدرات الذاتية فكراً وممارسة، كما الإرادة والوعي، لمواصلة دوره الطليعي في توجيه النضال العربي على طريق تحرر الأمة، مما يجعله أمل الأمة الحقيقي لمواجهة كل ما تتعرض له من مخاطر وجودية.

وإننا بهذه المناسبة نستحضر قيم الثبات والصلابة و العطاء النضالي المتميز الذي جسده الرفاق الرواد الأوائل على امتداد الساحة القومية، وتضحياتهم الجسيمة، كما ونستلهم من تضحيات شهداء البعث والأمة العربية، وعلى رأسهم الرفيق الشهيد صدام حسين، وشيخ المجاهدين الرفيق عزة إبراهيم رحمهما الله تعالى، كل معاني الصبر والصمود والمطاولة.

وإننا في مكتب الثقافة والإعلام القومي إذ نرفع إليكم أجلّ معاني التقدير والإعتزاز بمناسبة حلول الذكرى التاسعة والسبعين لتأسيس بعثنا العظيم، نتقدم إليكم، ومن خلالكم إلى  الرفاق المناضلين اعضاء القيادة القومية وكافة القيادات والقواعد في عموم الوطن العربي، بأسمى آيات التهاني والتبريكات ، مؤكدين العهد على أن نبقى أوفياء لمباديء البعث العظيم، ومؤمنين بحتمية انتصار الأمة العربية، طالما بقيت أمة تنبض بالحياة، والوعي، واليقضة، ومتسلحة بالإرادة الصلبة، وبالعلم، ومواكبة العصر.

وليكن هذا العيد محطةً لتجديد العهد، وشحذ الهمم، وانطلاقةً نحو مزيد من العطاء ليبقى البعث كما كان دوماً قائداً ومنارةً لأحرار العرب والعالم.

عاشت الأمة العربية، وعاشت فلسطين حرة أبية، وعاش البعث العظيم، والرحمة لشهداء الأمة ولرسالتها المجد والخلود.

 

رفاقكم في

مكتب الثقافة والإعلام القومي

3/4/2026

 

ثورة العراق الصناعية العظيمة في ظل ثورة البعث في 17 تموز المجيدة

حزب البعث العربي الاشتراكي                                          أمة عربية واحدة

       القيادة القومية                                                        ذات رسالة خالدة

مكتب الثقافة والاعلام القومي

 

سلسلة منجزات ثورة البعث

بمناسبة الذكرى السنوية لقيام ثورة السابع عشر من تموز المجيدة عام 1968، يسر مكتب الثقافة والاعلام القومي ان يقدم بهذه المناسبة العزيزة على قلوب العراقيين والعرب جميعاً سلسلة من المقالات التي تتناول بعض جوانب التحولات الجذرية التي احدثتها الثورة والانجازات العظيمة التي حققتها خلال قيادتها للحكم الوطني في العراق للفترة 1968 -2003م.

الحلقة العشرون

ثورة العراق الصناعية العظيمة

في ظل ثورة البعث في 17 تموز المجيدة

الأستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس

أرض العراق من الفاو في الجنوب إلى دهوك في الشمال تحمل شهادات الإثبات على ما نحن بصدد استعراض بعض حلقاته، التي نسميها بالثورة الصناعية التي أنجزتها ثورة العراق المجيدة التي خطط لها وفجرها وقاد إنجازاتها حزب البعث العربي الاشتراكي في ١٧ عام ١٩٦٨ واغتالتها حملات عدوان وحرب وغزو، بعد حصار ظالم، أعتى دول الامبريالية والصهيونية والطائفية الفارسية، فنحن لا نسوق هنا كلاماً للإعلام والدعاية التي قد يختلف الناس في قبولها أو رفضها، بل نعيد التذكير بشواهد شامخة بعضها نالت منه وأزالته قوة العدوان وإرادة الظلام الأمريكية البريطانية الصهيونية الإيرانية ومن تعاون معها من أحزاب العمالة والخيانة .

سجل التاريخ عام ١٩٧٠ صدور القانون رقم ٩٠ الذي يعتبره الباحثون والمؤرخون بالطرق العلمية ونزاهة المنطق وصدق التوثيق بداية لانطلاق الثورة الصناعية التي خطط لها رجال ثورة البعث، الرجال الذين بنوا معالم الدولة العراقية الحديثة المتقدمة فعلاً لا قولاً.

طبقا لهذا القانون تم تأسيس مؤسسات صناعية متخصصة نوعية هي:

  • أولاً: المؤسسة العامة لصناعة الغزل والنسيج.
  • ثانياً: المؤسسة العامة للصناعات الكيمياوية والغذائية.
  • ثالثاً: المؤسسة العامة للصناعات الإنشائية.
  • رابعاً: المؤسسة العامة للصناعات الهندسية.
  • خامساً: المؤسسة العامة لصناعة الألبسة والجلود والسكاير.
  • إضافة إلى: المؤسسة العامة للتصميم والإنشاء الصناعي المتخصصة بإعداد البحوث والدراسات، واشتملت إعادة الهيكلة على تحويل مديرية المشاريع إلى مؤسسة عامة للتنمية الصناعية، وهي تهتم بشؤون القطاع الخاص، وتم تأسيس جهاز الرقابة والنوعية الذي أُلحق بوزارة التخطيط.

 

 يمكن تمييز خطين أساسيين في مسار ثورة الصناعات العراقية هما:

١-  خط دراسة التوسعات والتحديث التي قدمتها المؤسسات المتخصصة. 

٢- إقامة صناعات جديدة على ضوء مقترحات المؤسسة العامة للتصميم والإنشاء الصناعي.

بمعنى أن ما يجري هو عمل منظم مخطط له بإتقان من قبل كوادر عراقية مقتدرة وبقيادة رجال دولة احترفوا حب الشعب والأمة ونذروا أرواحهم لبناء تجربة عراقية عربية غير مسبوقة تعز الإنسان وتشمخ بالوطن وتضع الأمة على مسارات وحدتها العتيدة وكرامة أرضها وإنسانها.

سنستعرض أدناه خارطة التطوير والاستحداث بشكل مكثف ومختصر لبعض الصناعات فالمجال لا يسمح بذكرها كلها ، والتي تعرف بعظمة ما تم بناءه من شواهد ثورة صناعية رائدة تعبر عن عقيدة الأمة وجدية أبنائها وحيوية كينونتها.

 

 أولاً: قطاع الصناعات النسيجية

بعض المعامل والمصانع التي شملتها عمليات التوسيع والتطوير هي:

مصانع الغزل و النسيج في العراق

أ – مصانع الغزل والنسيج في مدينة الكاظمية ببغداد.

ب- معامل النسيج الصوفي المعروفة باسم فتاح باشا.

ج- مصانع نسيج الموصل.

د- مصانع النسيج والحياكة في الكوت.

ه- معامل خياطة الوزيرية ببغداد.

ومن بين ما تم استحداثه في هذا القطاع:

  • مصنع النسيج الصوفي في الناصرية.
  • مصنع الأنسجة القطنية في الديوانية.
  • مصنع النسيج الصوفي في أربيل.
  • معمل أقمشة دهوك.
  • مصنع السجاد الأتوماتيكي في بغداد.
  • معمل صناعة الأكياس البلاستيكية الخاصة بتعبئة الحبوب.

ثانياً: قطاع الصناعات الغذائية

شملت عمليات التطوير والتوسيع في هذا القطاع :

  • مصانع ألبان أربيل والعمارة والبصرة وأبو غريب والناصرية.
  • توسيع وتطوير مصانع تعليب كربلاء.
  • تحديث وتطوير معمل سكر الموصل مع إضافة خط لإنتاج الخميرة.
  • تطوير مصنع سكر ميسان وإضافة خط لإنتاج خميرة التوريلا.

 في حين تم بناء المصانع الحديثة الآتية:

  • مصنع ألبان ديالى.
  • مصنع ألبان الديوانية.
  • مصنع ألبان تكريت.
  • معمل تعليب بعقوبة.
  • معمل تعليب بلد.
  • معمل تعليب حرير.
  • معمل تعليب دهوك.
  • مصنع سكر السليمانية.
  • واهتم هذا القطاع بتربية الأبقار ضمن قطاع البيطرة.

ثالثاً: قطاع الصناعات الهندسية والالكترونية

ويمكننا القول إنه من أهم وأخطر القطاعات واشتملت فعالياته على ما يلي:

  • انشاء شركة الصناعات الالكترونية.

 

انتاج الصناعات الالكترونية

  • تطوير وتوسيع معامل الإسكندرية وإقامة خط لتجميع السيارات (اللوريات).

مصانع الإسكندرية

 

  • تطوير معامل البطاريات السائلة والجافة وإضافة خطوط انتاجية جديدة لها.
  • إقامة معمل للمصابيح في التاجي
  • تطوير معامل الصناعات الكهربائية في الوزيرية.
  • إقامة مجمع للصناعات الهندسية الخفيفة في ديالى.
  • إنشاء مجمع نصر الذي يعد قاعدة أساسية للصناعات الثقيلة.
  • إقامة مصنع الحديد والصلب في خور الزبير.

 

              مصنع الحديد والصلب في خور الزبير

 

  • انشاء معمل القابلوات في الناصرية.
  • انشاء معمل رقائق الألمنيوم في الناصرية.

إن إنشاء مجمع نصر العملاق في التاجي والذي خطط له ليكون القاعدة الأساسية التي تستند إليها الصناعات الثقيلة ومنها صناعة السيارات التي تم تشكيل هيئة مستقلة لها، علماً بأن العراق كان يقوم بتجميع سيارات النقل المعروفة باسم باصات (سكانيا) في الإسكندرية في منشآت الفاو.

تصنيع البطاريات

 

رابعاً: قطاع صناعة الألبسة والجلود والسكاير

  • في معمل جلود بغداد، تم تحديث وإنشاء وحدات جديدة للدباغة
  • تم تطوير مصانع جلدية اخرى حيث أدخلت لها خطوط إنتاج جديدة.
  • تم إنشاء مصنع للسكائر في بغداد، وإنشاء مصنع سكائر آخر في أربيل، وتطوير وتحديث معمل سكاير السليمانية.
  • كذلك تم إنشاء مصانع للألبسة الجاهزة، الأول للألبسة النسائية، وتم اختيار السليمانية لإقامته، والثاني للألبسة الولادية، وتم اختيار الموصل لإقامته ضمن مجمع الغزل والنسيج في المدينة، والألبسة الرجالية الجاهزة، وتم اختيار مدينة النجف لإقامته.

 

وهناك صناعات دخلت العراق لأول مرة منها:

  • مصنعين لإنتاج الأسمدة في البصرة.

 

            

             مصنع انتاج الاسمدة العملاق في البصرة

 

  • مصنع إطارات السيارات في الديوانية.
  • مصنع إطارات السيارات في النجف.
  • مصنع ورق الهارثة في البصرة.
  • مصنع ورق العمارة.
  • مصنع للأنابيب البلاستيكية في ميسان.

مصنع الاطارات في الديوانية

 

خامساً: الصناعات الإنشائية

  • كان من بين بعض مساراتها المهمة: تحديث معامل الاسمنت في كل من السماوة، بادوش، حمام العليل.
  • كما وتم تأسيس مصانع ومعامل جديدة في بادوش، حمام العليل، السماوة، كربلاء ، سنجار، الكوفة، القائم، السدة، طاسلوجه.
  • وأقيمت ثلاثة مشاريع لإنتاج الكونكريت الخفيف (الثرمستون)
  • وعدة مشاريع لإنتاج الطابوق الطيني والطابوق الجيري في البصرة والموصل.
  • وتم إنشاء مشاريع لإنتاج الجبس (الجص)،

التصنيع العسكري:

ظهرت بوادر إنتاج هيئة التصنيع العسكري التي تم تأسيسها أواسط السبعينيات في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ضمت الهيئة عشرات الشركات العملاقة والمصانع والمعامل المتخصصة بالإنتاج العسكري والمدني وآلاف العلماء والمهندسين والفنيين والعمال توزعت على كامل مساحة العراق في بغداد والموصل وكركوك والأنبار وصلاح الدين وبابل وكربلاء والبصرة وغيرها من مدن العراق وأدناه بعض منشآت الهيئة:

  • منشأة القادسية.
  • منشأة جابر بن حيان.
  • منشأة المثنى.
  • منشأة القعقاع.
  • منشأة حطين.
  • منشأة الرشيد.
  • منشأة الميلاد للبحوث والدراسات العسكرية.
  • مجمع المعتصم.
  • منشأة حمورابي.
  • منشأة الكرامة.
  • منشأة الربيع.
  • منشأة الحارث.
  • منشأة بدر.
  • منشأة عقبة بن نافع.
  • مصنع الدبابات في الفلوجة

 

بعض منتجات هيئة التصنيع العسكري:

مسدس طارق

١ – مسدس طارق الذي أنتج بترخيص من شركة بيرتا الإيطالية وتم تحسينه إلى مسدس بابل وسمي باسم القائد العربي طارق بن زياد.

دبابة أسد بابل

٢-  دبابة أسد بابل المطورة عن الدبابة الروسية المعروفة تي -٧٢ وزودت بجهاز ليزر لتحديد بعد الأجسام وتم تحسين درعها أيضاً. ويذكر أن العراق قد صنع منها قرابة ٥٠٠ دبابة.

٣- صاروخ الحسين

4- صاروخ العباس

 

 ٥- صواريخ الفتح:

وهي صواريخ عراقية تم تطويرها من صاروخ سكود الروسي، ووصلت مدياتها إلى قرابة ألف كم وبإمكان بعضها حمل رؤوس كيمياوية وبيولوجية ونووية. وهي الصواريخ التي دك بها العراق تل أبيب.

٦- صاروخ العابد الذي نجح العراق في إطلاقه إلى الفضاء.

التطور والتنمية الزراعية  بعد ثورة 17 تموز المجيدة

حزب البعث العربي الاشتراكي                                                    أمة عربية واحدة

       القيادة القومية                                                                    ذات رسالة خالدة

مكتب الثقافة والاعلام القومي

 

سلسلة منجزات ثورة البعث

بمناسبة الذكرى السنوية لقيام ثورة السابع عشر من تموز المجيدة عام 1968، يسر مكتب الثقافة والاعلام القومي ان يقدم بهذه المناسبة العزيزة على قلوب العراقيين والعرب جميعاً سلسلة من المقالات التي تتناول بعض جوانب التحولات الجذرية التي احدثتها الثورة والانجازات العظيمة التي حققتها خلال قيادتها للحكم الوطني في العراق للفترة 1968 -2003م.

الحلقة الحادية والعشرون

التطور والتنمية الزراعية

 بعد ثورة 17 تموز المجيدة

الدكتور أبو محمد عبد الرحمن

مقدمة:

ان هدف ثورة تموز المجيدة تحقيق استراتيجية ومبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي واعادة العراق العربي الى سكة وخطى التاريخ المجيد وجعله منصة للإنطلاق في بعث الأمة العربية و استرجاع اللحمة للشعب العربي واعادة الاعتبار للقومية العربية وموقعها التاريخي والحضاري الرائد وأهمية موقع الوطن العربي كقوة جيوسياسية هامة في الخريطة العالمية. لذا فان بناء ما يسمى “عراق جديد” كنقطة شروع في مخطط اعادة رسم الخريطة السياسية للوطن العربي وفقاً لتصورات المحافظين الجدد في امريكا واحكام هيمنة الشركات الامريكية على ثروة العراق والمنطقة النفطية تطلب ازالة عائق حزب البعث العربي الاشتراكي والقضاء على الحكومة الوطنية في القطر العراقي لما شكلته من تهديد جدي للمصالح الراسمالية الامريكية خلال العقود الثلاث الماضية .

فلقد أولت ثورة 17 تموز المجيدة اهتماماً كبيراً وبالغ الأهمية لتطور العراق وهيأت له كل المستلزمات لتحقيق هذا الهدف، الذي يشمل كافة القطاعات.

 ولأنه لا استقلال حقيقي للبلاد من دون تحقيق الأمن الغذائي للشعب، لذا فقد تم منح القطاع الزراعي المكانة البارزة في التنمية بين القطاعات الاخرى، ورفع نسبة مساهمته في الناتج القومي الإجمالي. فقد تحقق في العراق أكبر حملة للاستصلاح الزراعي والزراعة الحديثة ومشاريع الري  وبناء السدود وإنشاء المراكز البحثية العلمية المتخصصة بالتطوير الزراعي وفتح آفاقه المستقبلية.

 وراعت خطط التنمية الخاصة بتطوير القطاع الزراعي تلبية عدة اعتبارات رئيسة هي :

– زيادة الإنتاج لمواجهة الطلب الاستهلاكي والصناعي المتزايد على المنتجات الزراعية.

– دعم رفع المستوى الغذائي وبالتالي الصحي للمواطنين .  

– زيادة الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني وتطوير مزارع الدولة والاستغلال الأمثل للموارد المائية  .

– تفعيل دور القطاع الزراعي في تحقيق النمو الاقتصادي المطلوب من خلال التوسع في استخدام منتجات القطاع الصناعي الوطني وتلبية احتياجاته من السلع الزراعية.

– توفير فائض زراعي يخدم تطويراً للصادرات العراقية، ويرفد الاقتصاد الوطني بالنقد الأجنبي.

– تغيير الواقع الاجتماعي للريف بما ينسجم ومستلزمات التحول الاشتراكي.

– بذل أقصى الجهود لتغطية الطلب المتزايد على المواد الغذائية والمواد الأولية المستخدمة في النشاط الصناعي .

– تحويل العراق من بلد مستهلك مستورد إلى منتج مصدر لفائض زراعي من الحبوب.

– تفعيل الترابط بين الإنتاج النباتي والحيواني

– تطوير الخدمات الاجتماعية المقدمة، بشكل يقلل من حجم التفاوت بين الريف والمدينة.

– العمل على توفير البنى التحتية اللازمة للتنمية الزراعية وخاصة شبكات المواصلات والطرق الريفية وربطها بالطرق العامة، بشكل يؤمن ربط مراكز الانتاج ومراكز التسويق.

– تطوير الثروة الحيوانية و تطوير الانتاج الحيواني والاهتمام بالثروة السمكية، بالإضافة إلى مواصلة العناية بالمراعي الطبيعية والعمل على تطويرها بتبني احدث التطورات العلمية والتكنولوجية.

– التوسع في استخدام التقنيات الحديثة، واستخدام الأسمدة والمبيدات الكيماوية، والمحافظة على خصوبة التربة ومعالجة ظواهر الملوحة والتعرية بالإضافة إلى معالجة الأوبئة الحيوانية.

– تهيئة الكوادر الفنية والقيادية القادرة على النهوض بالقطاع الزراعي وتأسيس مراكز البحوث، وتشجيع البحث العلمي الزراعي.

– إكمال عمليات استصلاح الأراضي وانجاز شبكات الري مما يحقق أعلى مستوى من الإنتاجية.

– وضع هيكل للسياسة السعرية في السوق الزراعية بصورة تشجع المزارع العراقي على إنتاج المنتجات المطلوبة للاقتصاد الوطني.

 

 وفي موضوع الملكية الزراعية وتطوير العلاقات الزراعية:

– أصدرت قيادة الثورة قانوني الإصلاح الزراعي رقم 117 لسنة 1970 والقانون رقم 90 لسنة 1975 ، حيث تم بموجبهما إعادة تنظيم الحيازة الزراعية، وتصفية الملكية الإقطاعية الكبيرة بشكل نهائي لصالح الفلاحين. قاد هذا التغير المهم في هيكل العلاقات الإنتاجية  إلى زيادة عدد الجمعيات التعاونية من  (410 جمعيات في العام 1968) إلى (1992 جمعية في العام 1980) ، وازدياد عدد أعضائها  من (55 ألف عضواً في العام 1968) إلى (388 ألف عضواً في العام 1980). وشهدت هذه الفترة لأول مرة في تاريخ القطر انبثاق تجربة  المزارع الجماعية.

– إنشاء المشاريع الزراعية الكبرى في : الدجيلة، الحويجة، اللطيفية، شهرزور، الوحدة (خُصِّصت للوافدين العرب، وخاصة المصريين)، 14 رمضان، 30 تموز، الدلمج، 17 تموز، 7 نيسان، ابو بشوت، الشحيمية، الخالص، نهر سعد، المثنى، المسيب، وبمساحة بلغت (2258000) دونماً.

إنشاء السدود ومشاريع الري واستصلاح الأراضي:

 وقد جسد كل ذلك الانتقال العملي لتنفيذ الخطط والعمل على ترجمة الاهداف الى واقع حيّ.

 شملت المشاريع الإروائية التي تحققت من 1968 إلى 1980:

– قناة المغيشي/البصرة،

– قناة الدواية(إسكان 7500 عائلة)،

– جدول الحي الجديد، اسكيكلك/اربيل، الدملج/واسط، ارواء  مندلي، 7 نيسان وسلمان باك،

– نهر سعد/ميسان، ناظم صدراليوسفية، الصدر المشترك/ ديالى،

– مشروع ري كركوك،

– مشروع مبازل ابي غريب واليوسفية،

– مشروع مبازل الدجيلة،

– مشروع بزل الحلة –الديوانية- الدغار

– مشروع بزل الرمادي،

– مشروع سد الموصل/ اسكي موصل،

– مشروع قناة الثرثار، المصب العام، شط البصرة،

– سد حمرين

– سد حديثة، ابو غريب الاروائي،شرق الغراف، الاسحاقي الاروائي. بما تقدر مساحتها بـ ( 7،560،000)  دونماً. إضافة الى بعض ما أنجز بعد المرحلة الأولى كمشروع السد العظيم، والنهر الثالث، ومشروع ري صدام…

  اما السدود التي اقيمت على نهر الفرات فتشمل:

– سد حديثة: ونوعه إملائي ركامي  وحجم التخزين 8,2 مليار م3                    

   أما طوله فيبلغ 9064 مترا                                  

وتم انشائه عام  1987في محافظة الأنبار.

– سد الفلوجة  في عام 1985 محافظة الأنبار

– سد الكوفة في عام 1988 محافظة بابل

– سد الشامية في عام 1988  محافظة الديوانية

– سد الثرثار تبلغ طاقته 80 مليار م³ في عام 1985محافظة الانبار.

 

سدة الكوفة في محافظة بابل

 

 اما السدود التي اقيمت على نهر دجلة وروافده فشملت:

– سد حمرين ركامي ذو لبّ طيني وقشرة حصوية                 

 سعته3,5 مليار م مكعب وارتفاعه 53م وطوله3360م تم انشائه في عام 1981في محافظة ديالى.

– سد الموصل ركامي إملائي حجم التخزين11,11 مليار متر مكعب و ارتفاعه 113 م وطوله 3400 م وتم انشاءه عام 1986في محافظة نينوى

– سد دهوك وهو ترابي املائي حجم التخزين 52 مليون م مكعب 

وارتفاعه 60م ويبلغ طوله 600م وتم انشاءه عام   1988في محافظة دهوك

– سد العظيم وهو ترابي إملائي حجم التخزين 1,5 مليار م مكعب وارتفاعه  76.5م وطوله  3500 م

وتم انشائه عام 2000     في محافظة ديالى.

– سد مكحول على نهر دجلة يبلغ طوله بحدود 3.6 كم وطاقته التخزينية 12 مليون م3 (بدأ العمل فيه سنة 2000 لكنه توقف عام 2003).

سد الموصل

 المشاريع المائية الكبرى المنجزة:

– النهر الثالث :

بُني النهر الثالث بالخرسانة المسلحة بين النهرين، من بغداد وحتى البصرة، بطول قدره سبعمائة كيلو متر، يعلوه ويتخلله خمسة وثمانون جسرا، يصب في الخليج العربي عبر قناة ضخمة حفرت تحت نهر الفرات قرب القرنة ملتقى النهرين·

وظيفة هذا النهر الصناعي الكبير استقبال مياه البزل المالحة (الآتية من عملية غسل الأرض المزروعة)، ويوقف عملية ارتفاع نسبة ملوحة مياه النهرين دجلة والفرات·

وبعد عقود من غسل التربة تطهّر من الملح ولا تصبح في حاجة للغسل·

ومعنى هذا أن العراق بإمكانه استصلاح وزراعة سبعة ملايين هكتاربالري، وبذلك يستطيع بالطاقة التي يملكها من النفط والغاز، والمياه التي تتدفق من نَهريه، تغطية حاجة الأمة العربية كلها من الغذاء.

– قناة الثرثار:

من إنجازات النظام الوطني الكبرى حفر قناة الثرثار، وهو مشروع قام العراق بتحقيقه بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي·

فعلى مدار ثلاثين سنة حولت مياه فيضان نهر دجلة (وتفاديا لفيضان النهر على مدينة بغداد) الى منخفض الثرثار الذي يقع تحت سطح البحر، فتجمعت كميات ضخمة من المياه قدرت بثمانين مليار متر مكعب، وهي نفس كمية المياه المتجمعة في بحيرة ناصر الواقعة أمام السد العالي في القطر المصري· وقناة الثرثار حفرت أمام بحيرة الثرثار بطول اثنين وثلاثين كيلومترا، وبلغت الأتربة التي نزعت منها ضعف الأتربة التي نزعت من قناة السويس· ووظيفتها تحرير المياه المحبوسة في بحيرة الثرثار والمقدرة بثمانين مليار متر مكعب، لِتُغذي النهرين (دجلة والفرات) في موسم الجفاف، وقد استطاع العراقيون بفضل هذا المشروع حل مشكلة شح مياه نهر الفرات الذي تتحكم فيه السدود التركية·    

أهمية هذين المشروعين الضخمين: ان النهر الثالث، وقناة الثرثار، سيبقيان مشروعين لصالح التنمية بالعراق والوطن العربي كله، ولصالح الأمن الغذائي والمائي الذي يعتبر مشكلة الإنسان في الألفية الثالثة·

 زيادة قيمة وكمية الإنتاج الزراعي:

ارتفعت قيمة الإنتاج من (200.8 ) مليون  دينار عام 1968 إلى (354.9) مليون دينار عام 1974 والى (1280 ) مليون دينار عام 1981. وارتفع الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الزراعي من(167.9)  مليون دينار عام 1968الى(278.4) مليون دينار عام 1974، والى (977) مليون دينار عام 1981

مضاعفة الانتاج الزراعي لتحقيق الامن الغذائي

  التوسع  الكبير في استخدام المكننة الزراعية

وللمقارنة بين العامين (1967) و(1980):

– ارتفع عدد الساحبات من (553) إلى (4646).

– ارتفع عدد الحاصدات من (328) إلى (2357).

– ارتفع عدد المضخات من (793) إلى (4679).

– ارتفع عدد السيارات من (388) إلى (18122).

ادخال المكننة الزراعية وخاصة للمحاصيل الاستراتيجية

 

 تطوير الثروة الحيوانية:

عملت الجهات الزراعية الحكومية على توفير مستلزمات النهوض بالثروة الحيوانية عبر إنشاء عديد من المؤسسات الحكومية المتخصصة وإقامة المشاريع الاقتصادية المجدية، وتقديم الدعم المالي والفني للقطاع الخاص. وحققت الثورة نجاحاً ملحوظاً ، فازداد عدد الحيوانات المنتجة بشكل كبير خلال العقد الاول للثورة.

تطوير الثروة الحيوانية كان من اولويات التنمية الزراعية في ظل ثورة 17 تموز

 

 تطوير المحاصيل الزراعية على اسس علمية :

تم انشاء مراكز البحوث والدراسات المتخصصة في تطوير المحاصيل الزراعية ، والتي قامت بانجاز الآلاف من البحوث ذات الفائدة التطبيقية. واهتمت السلطات الزراعية في تطوير نوعية التربة ورفع انتاجيتها وحمايتها من الآفات الزراعية. فاقدمت على توفير البذور والاسمدة الكيمياوية وتوزيعها على الفلاحين وشجعتهم على استخدامها، مع تقديم الارشادات  الخاصة باستخدامها بشكل سليم.

انشاء مراكز البحث والتطوير ومنها مركز اباء للبحوث الزراعية

  توفير المواد الخام  للاغراض الصناعية:

من الاهداف الاساسية لخطة التنمية القومية توفير عوامل الارتباط المباشر بين الانتاجين الزراعي والصناعيين والعمل على خلق قطاع زراعي قادر على توفير المواد الخام للقطاع الصناعي وخاصة في مجال محاصيل : قصب السكر، زراعة البنجر، زراعة الكتان، والسمسم، وعباد الشمس، والتبغ، والقطن. واستصلحت مئات الآلاف من الدونمات لكل نوع من أنواعها.

  وبالإجمال فقد دخل العراق في مشروع النهوض بتحديث الزراعة، حيث ارتفع الإنفاق السنوي من أجل ذلك، فوصل إلى حدود ثلاثين بالمئة من مجمل المدخول القومي سنوياً، وبالفعل ومع استقدام مليون عامل زراعي مصري (ثلاثة ملايين مع عائلاتهم)، فقد انتقل العراق من ثمانية ملايين دونم زراعية ورثها من الماضي إلى ثلاثين مليون دونم زراعية، بفارق خمس سنوات (1971 – 1976) .

 

الخلاصة:

إن تجربة البناء الوطني وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي التي تبنتها قيادة الحزب والثورة في القطر العراق وابتداء من السابع عشر من تموز 1968، ولغاية احتلال العراق   تبقى تجربة رائدة وفريدة وفقا لكل المعاييرالتاريخية والموضوعية، وهي تجربة تستحق التأمل والدراسة, وتستحق الاعجاب والثناء, وقطعا تستحق ان يفتخر بها البعثيين والعراقيين المخلصين لتربتهم وانتمائهم الوطني والقومي .

 

منجزات ثورة تموز الحلقة17 محو الامية

حزب البعث العربي الاشتراكي                                                       أمة عربية واحدة

       القيادة القومية                                                                       ذات رسالة خالدة

مكتب الثقافة والاعلام القومي

 

سلسلة منجزات ثورة البعث

بمناسبة الذكرى السنوية لقيام ثورة السابع عشر من تموز المجيدة عام 1968، يسر مكتب الثقافة والاعلام القومي ان يقدم بهذه المناسبة العزيزة على قلوب العراقيين والعرب جميعاً سلسلة من المقالات التي تتناول بعض جوانب التحولات الجذرية التي احدثتها الثورة والانجازات العظيمة التي حققتها خلال قيادتها للحكم الوطني في العراق للفترة 1968 -2003م.

الحلقة السابعة عشرة

الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية الإلزامي

أ.د.مسارع حسن الراوي

رئيس الجهاز العربي لمحو الأمية وتعليم الكبار سابقا

 

التاريخ خير معلم وخير حكم منصف في تدوين الأحداث والشخصيات

 

الحدث: الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية الإلزامي في العراق سنة 1978

 

نعم إنه حدث ناصع في تاريخ العراق، حدث مميز قام به العراق كله، حكومة وشعبا، من الشعب وللشعب، نحو الحرية والكرامة،

حيث تمت المباشرة بها بتشريع قانون الحملة الوطنية الشاملة لمحو الامية الالزامي رقم (92) لسنة 1978 والذي نصت المادة الاولى منه على :

اولاً – كل مواطن تجاوز الخامسة عشرة ولم يتعد الخامسة والاربعين سنة من العمر ولا يعرف القراءة والكتابة ولم يصل الى المستوى الحضاري يعتبر امياً لأغراض هذا القانون.

ثانياً – ويقصد بالمستوى الحضاري ان يملك الفرد مهارات القراءة والكتابة والحساب على ان تكون هذه المهارات وسيلة لتطوير مهنته ورفع مستوى حياته ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً في سياق المعاصرة من ناحية ولتمكينه من ممارسة حقوق المواطنة والتزاماتها بالاشتراك في صنع القرارات واداء الواجبات العامة من ناحية اخرى وان تكون هذه المعرفة متصلة ونامية وذلك بربطها بحركة المجتمع واهداف الامة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية.

هذا وقد تم بموجب المادة 2 من هذا القانون تاسيس مجلس باسم (المجلس الاعلى للحملة الوطنية الشاملة لمحو الامية الالزامي) و مقره مدينة بغداد ويرتبط بوزير التربية. و يتمتع المجلس الاعلى بشخصية معنوية وباستقلال مالي واداري.

وقد تالف المجلس الاعلى على الوجه الآتي:

آ – وزير التربية – رئيساً.

ب – وكيل وزارة التربية لشؤون محو الامية – نائباً للرئيس.

جـ – الامين العام لادارة التربية والتعليم العالي في منطقة الحكم الذاتي – عضواً,

د – ممثل عن كل من اطراف الجبهة الوطنية والقومية التقدمية – عضواً.

هـ – وكيل او وكلاء وزارة التربية – عضوا.

و – وكيل وزارة الداخلية للادارة المحلية – عضواً.

ز – ممثل عن كل من وزارات التعليم العالي والبحث العلمي والاعلام والثقافة والفنون والتخطيط بدرجة وكيل وزارة – عضواً.

ح – ممثل وزارة الدفاع – عضواً.

ط – ممثل قوى الامن الداخلي – عضواً.

ي – رئيس المؤسسة العامة للتثقيف والارشاد الفلاحي – عضواً.

ك – رئيس مؤسسة الثقافة العمالية – عضواً.

ل – المديرون العامون للتخطيط التربوي للتعليم الابتدائي ورياض الاطفال للاشراف التربوي للمناهج والوسائل التعليمية للاعداد والتدريب، المدير العام للدائرة الفنية، المدير العام للدائرة الادارية من الجهاز التنفيذي للحميلة الوطنية الشاملة لمحو الامية الالزامي – عضواً.

م – ممثل عن كل من الاتحاد العام لنقابات العمال والاتحاد العام للجمعيات الفلاحية التعاونية والاتحاد العام لشباب العراق والاتحاد الوطني لطلبة العراق والاتحاد العام لنساء العراق ونقابة المعلمين – عضواً.

 

وقد نصت المادة 3 من القانون على انه ” يهدف المجلس الاعلى الى تنفيذ ما ورد في التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي فيما يتعلق بالقضاء على الامية في العراق عن طريق حملة وطنية شاملة يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي وتشترك فيها المنظمات الشعبية والقوات المسلحة ومؤسسات الدولة المختصة”.

وقد ترأس العمل الفعلي لهذا الحدث العملاق، واجتماعات المجلس وشؤونه رئيس جمهورية العراق المرحوم أحمد حسن البكر بنفسه واشرف على تفاصيل دعم الحملة وتنفيذها، و تلاه المرحوم وزير التربية.

وقد تشرف الجهاز العربي لمحو الأمية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم؛ أن يكون رئيسه عضوا في هذا المجلس الموقر.

لقد كان هذا الحدث عُرسا عراقيا، بل عربيا، يعتز به الجميع، فما أن تسمع الصوت الجهوري الحماسي لرئيس الجمهورية عند إعلان الحملة الوطنية الشاملة، إلا وتتذكر صوته الحماسي عند إعلان تأميم شركة النفط الوطنية.

فقد اعلن الرئيس احمد حسن البكر الدعم المطلق للحملة بمقولته الشهيرة:” إن العراق كله، بحكومته، وزارات ومنظمات مهنية وعمل شعبي، كله تحت تصرف الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية ” .

 ومن الجهود المميزة في هذا السياق تمكن الوزير محجوب من إقناع الدكتور محي الدين صابر رئيس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم من استضافة الجهاز العربي لمحو الأمية وتعليم الكبار في بغداد، للمساهمة عربيا في الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية.

كما لا بد أن أذكر حماس وإخلاص خبراء الجهاز وموظفيه عرباً وعراقيين ودورهم في الحملة المباركة، من خلال تأليف الكتب الخاصة بمحو أمية الكبار، سواء كانوا في المدن أو القرى والأرياف أو البوادي.

 ولا يمكن أن أنسى، أنا الراوي مسارع رئيس الجهاز العربي (أبو الأمية كما كان يُطلق عليّ)، ذلك المنظر المؤثر لفتاة بدوية تستعين بظهر عنزتها في القراءة والكتابة، إنه الشعب العراقي التواق للتحرر من الجهل والتخلف.

وهكذا توفرت للحملة كل أسباب النجاح المادية والمعنوية: نيّات صادقة، وعمل مخلص جاد، ووفرة مال بكل سخاء وطيب خاطر.

وبعد بضع سنين وبالتحديد عام 1987  تم الإعلان الرسمي بانتهاء الحملة الوطنية لمحو الأمية، بنجاح وتوفيق من الله، حتى كانت نسبة من مُحيت أميتهم 80% من سكان العراق، ولم يبقَ إلا جيوب هنا وهناك، لا سيما في مناطق الشمال العراقي، وقد واكب نجاح الحملة النجاح المميز بإلزامية التعليم الابتدائي ومجانيته بنسبة 100%.

إن هذا النجاح للحملة جاء معزَزا بإقرار اللجنة الفنية لمنظمة اليونسكو العالمية التي تولت عملية التقويم: مناهج وكتب، طرائق تعليم وتعلم (الطريقة الكلية)، واختبار عيّنة عشوائية لمعرفة مدى قدرتهم على القراءة والكتابة.

لقد كان للعراق نبأ سار وبهيج في ترشيح المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس لنيل جائزة اليونسكو المميزة، حيث أقرت اليونسكو أن الحملة الوطنية الشاملة في العراق قد تفوقت على الحملات الناجحة في أمريكا الجنوبية، وحينها نال العراق جائزة اليونسكو بفخر واعتزاز.

اللهم ارحم كل من ساهم في إنجاح هذا الحدث التاريخي الإنساني، إعدادا وتخطيطا وتنفيذا وتقويما.

اللهم ارحم البكر رئيس الحملة، وارحم نائب رئيس الحملة محمد محجوب.

اللهم ارحم محي الدين صابر رئيس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في دعوته المبتكرة: “محو الأمية الحضارية والثقافية” وليس الأبجدية فقط.

اللهم ارحم الأموات ووفق الأحياء في الجهاز العربي لمحو الأمية، رئيسا وخبراء وموظفين، عربا وعراقيين.

 

اللهم ارحم عراق اليوم المنكوب، وأخرجه من محنته القاسية، ورده إلى سابق عهده ومجده.  

الموقف من إيران… من خداع الشعارات إلى ارتهان المواقف: كيف تُستهدف القومية العربية من داخلها

الموقف من إيران… من خداع الشعارات إلى ارتهان المواقف:

كيف تُستهدف القومية العربية من داخلها

 

❍ عثمان الحاج عمر

أمين سر قطر تونس

ليست المواقف السياسية التي نشهدها اليوم تجاه إيران وليدة اللحظة، بل هي في جانب كبير منها امتداد لأنماط اصطفاف قديمة تعود إلى مرحلة العدوان الإيراني على العراق، في ثمانينات القرن الماضي. فالقوى التي ساندت الخميني في حربه ضد العراق، هي نفسها – مع اختلاف جزئي في المبررات – التي تقف اليوم إلى جانب خامنئي.

في ذلك الوقت، تعددت الذرائع واختلفت الخلفيات الأيديولوجية، لكن النتيجة كانت واحدة: الاصطفاف ضد العراق كدولة عربية وقيادة وطنية. فقد دعم حافظ الأسد إيران تحت عنوان “ضرورة احتضان الثورة الإسلامية”، وساندت جماعات من الإخوان المسلمون خميني باعتباره قائدا “لصحوة إسلامية”، في حين تعاملت الولايات المتحدة  مع الحرب كفرصة لاستنزاف الطرفين. كما انخرطت أطراف محسوبة على التيار الناصري، إلى جانب المرحوم معمر القذافي، في تأييد خميني انطلاقًا من عدائهم للشاه واعتبار أنفسهم مناهضين لأمريكا، (ولو أن العقيد القذافي استفاق في 82، وتدارك الأمر، عندما انسحب العراق من الاراضي الإيرانية ورغم اصرار الخميني على مواصلة الحرب، فقال العقيد اما وقد اصبحت حرب توسعية فلن ادعمها وتاكدت له شعوبية نظام الخميني المفعم بالعقد الفارسي على العرب والحقد المجوسي على الإسلام…)، بينما وجدت بعض القوى اليسارية في معاداة نظام صدام حسين مبررًا إضافيًا لهذا الموقف.

اليوم، يتكرر المشهد بصورة لافتة. فمع تغيّر السياقات، بقيت البنية العامة للاصطفاف على حالها: بعض الناصريين وبقايا أنصار النظام السوري يبررون دعمهم لإيران على أساس انها تحارب الولايات المتحدة، وفيهم من يذهب إلى حد التعويل على إيران حتى في تحرير فلسطين وتحقيق الوحدو العربية، (هذا إن كان هو أصلا من دعاة الوحدة العربية)…  بينما تنطلق جماعات الإخوان من منطق “نصرة المسلمين”، فيما تستند قوى يسارية إلى خطاب “مناهضة الإمبريالية” والرأسمالية العالمية..و …و… فرغم اختلاف الشعارات، إلا أن المآلات تكاد تكون واحدة.

غير أن الوقوف عند حدود التوصيف العام لهذه المواقف لا يكفي، لأن ما يبدو اختلافًا في القراءة أو “سوء تقدير سياسي” يتجاوز ذلك بكثير. فنحن أمام نمط متكرر من الوعي الزائف المُنتَج بعناية، تُعاد صياغته في كل مرحلة بأقنعة جديدة، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها: ضرب فكرة القومية العربية في عمقها، وتشويه صورتها في وعي الجماهير، وتقديمها كخيار فاشل أو متجاوز.

هذه الأطراف لم تعد مجرد قوى مخطئة في التحليل، بل تحوّلت – بحكم تراكم مواقفها – إلى عبء ثقيل على أي مشروع عربي وحدوي تقدمي. فهي، عن قصد أو عن ارتهان، تشتغل على تفكيك البنية المعنوية للأمة: تزرع الشك بدل الثقة، وتروّج للهزيمة بدل الفعل، وتعيد تعريف الصراع بما يخدم قوى إقليمية على حساب المصالح العربية.

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يعيش في فراغ، بل يجد له سندًا ماديًا وإعلاميًا. فمن المعروف أن إيران لم تكتفِ ببناء نفوذها عبر الأدوات العسكرية أو السياسية، بل عملت أيضًا على توظيف المال والإعلام والدعم التنظيمي، بشكل معلن أحيانًا ومقنّع أحيانًا أخرى، لاحتضان شبكات من الجماعات والفاعلين الذين يلتقون معها – موضوعيًا أو مصلحيًا – في تقويض أي مشروع عربي مستقل. هذا “الإغداق” ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصر بنيوي في صناعة الولاءات وإعادة تشكيل الخطاب.

وعندما تتقاطع الشعارات – من “مناهضة الإمبريالية” إلى “نصرة المسلمين” – مع هذا النوع من الدعم، فإنها تتحول من مواقف مبدئية إلى أدوات تبرير، تُستخدم لتغطية انحيازات فعلية تضر بالمجال العربي. وهنا تتجلى المفارقة: خطاب يبدو في ظاهره تحرريًا، لكنه في مآله يساهم في تكريس التبعية وتفتيت الإرادة العربية.

لذلك، فإن توصيف هذه القوى كـ“جزء من المشهد” لم يعد دقيقًا؛ هي في واقع الأمر جزء من الأزمة نفسها. بل يمكن القول إنها، عبر دورها المستمر في تضليل الوعي وتبرير الاختراق، أصبحت أحد العوائق الأساسية أمام أي نهوض عربي حقيقي. فالمشروع القومي التقدمي لا يُهزم فقط من خصومه المباشرين، بل يُستنزف أيضًا من داخله، حين تتسلل إليه أو تحيط به قوى تعيد إنتاج الهزيمة تحت عناوين براقة.

ومن هنا، فإن المواجهة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل معركة وعي بالأساس: وعي يميّز بين التحرر الحقيقي والتحرر المزيّف، بين الاستقلال الفعلي والارتهان المقنّع، ويعيد الاعتبار لفكرة عربية قادرة على أن تكون إطارًا جامعًا للنهوض، لا ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.