شبكة ذي قار
ذكرى ثورة  (٨)  شباط عمل بطولي باسل 

ذكرى ثورة  (٨)  شباط عمل بطولي باسل .

د. عامر الدليمي

لم تكن ثورة  ٨  شباط عام ١٩٦٣م عملاً آنياً دون تخطيط ،بل كانت ثورة وفق برنامج نضالي مبدئي مبني على قاعدة من الثوابت الوطنية والقومية لتحرير العراق ، ونضالاً بطولياً اسطوري مقدام ،ضد نظام استبدادي قمعي صادر حرية الشعب وقواه الوطنية والقومية  ،ومارس الظلم والطغيان والقتل والسحل في الشوارع العامة ونفي الوطنيين الذين تعمقت في روحهم ووجدانهم مبادئ حب الوطن ، والنخبة الثورية الوطنية من العسكريين والمناضلين المدنيين  الطليعيين  الذين في وثبتهم الباسلة العزوم أسقطت نظام كان يحكمه ثلة من الفوضويين الذين لم يراعوا حرمة الشعب العراقي وإنتمائه الوطني والقومي لإبعاده عن تاريخه وثقافته بكل الوسائل .

فالثورة كانت نفيضة متقدمة وقاعدة لمبادئ قومية تحررية قادها وخطط لها رجال شجعان أبطال في وثبة عزوم قدموا أرواحهم فداءً من أجل العراق وفي أصعب الأوقات والظروف  لعراق يعربي ،  تحدوهم قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي وطلائعه الثورية وعلى رأسهم الأب القائد المرحوم احمد حسن البكر الشخصية السياسية والعسكرية والقيادية الفذة المحنكة الذي يتصف بالحكمة والرأي السديد وألاقدام والشجاعة ، والمرحوم الفريق الأول الركن صالح مهدي عماش الثائر المقدام الشجاع عضو القيادة وأمين سر المكتب العسكري ، والضباط والقاده والجنود البواسل .

ان ثورة  ٨   شباط أسست لقاعدة ثورية نضالية مبدئية ، ومحطة من محطات تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي في نضاله المجيد على أكثر من سبعين عاماً وهو يناضل بكفاح مستمر لم يكل أو يمل ،ليس من أجل العراق فقط وإنما من أجل الأمة العربية لتكون أمة معززة مكرمة ، وثورة لها بصمة في سجل عالم الثورات الشعبية التحررية، ورمزاً نضالياً يشهد لها تاريخ العراق والأمة في مسيرتهما النضالية . وهكذا ستبقى ثورة  ٨  شباط ومهما طال الزمن ، ثورة قادها نضال البعث العربي الاشتراكي والشعب العراقي نضالاً بطولياً إنسانياً ، لها مفهوم كبير وواسع في وجدان العراقيين والعرب وأحرار العالم . 

بمناسبة ذكرى هذه الثورة العزيزة نسأل الله الكريم الرحمة لكل من  غادر الحياة من قادة وضباط ومراتب القوات المسلحة من الذين ساهموا بالثورة. والحياة المديدة للأحياء.

 عاش البعث العربي الاشتراكي في جهاده وكفاحه المستمر ضد الطغاة والخونة والمرتدين .

  عاش البعث العربي الاشتراكي في جهاده وكفاحه وسيبقى رفاق البعث على العهد والوعد لقيادتهم القطرية المناضلة وفي عطاء أكثر وتضحية حتى تتحقق مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي في الوحدة والحرية والاشتراكية ونضال باسل  وجهاد مخلص حتى التحرير والخلاص .

 والله اكبر والعزة والكرامة والتمكين للبعث والامة ٠

من ذكرى عروس الثورات نستلهم روح الإقتحام

من ذكرى عروس الثورات

نستلهم روح الإقتحام

عبد الكاظم المالكي

تمر علينا الذكرى الثانية والستين لعروس الثورات، ثورة البعث والشعب في الثامن من شباط عام 1963. هذه الثورة التي جسدت تلاحم البعث والشعب لإعادة الوجه الحقيقي للعراق بعد إسقاط النظام الدكتاتوري الشعوبي الذي أغرق العراق في بحر من الدماء والصراعات التي لا مبرر لها، وأبعد الشعب العراقي عن تحقيق الأهداف التي يتطلع إليها من خلال تفجيره ثورة 14 تموز عام 1958 في التحرر من التبعية للأجنبي وتحرير الثروات الوطنية وبناء العراق المتقدم الخالي من الجهل والفقر والتخلف والذي يساهم في تحقيق الأهداف القومية الكبرى.

إن عبد الكريم قاسم (الذي عُرِفَ بالشخصية الموتورة بين زملائه في الكلية العسكرية) كان شخصية معقدة منقبضة يغلب عليها الانفصام ويعاني من احباط شديد كما يحمل حقداً كبيراً على القومية العربية إلى الحد الذي لا يميل لسماع اسم العروبة (كما يصفه سكرتيره الصحفي).

هذه الشخصية المعقدة انتهزت الفرصة التاريخية لثورة 14 تموز لتستفرد بالسلطة وتعزل الثوار وكافة الضباط الاحرار، ثم اخذت تقود العراق إلى منحدر خطير من الفردية والاستبداد في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، معطية الانفلات المطلق للتيار الشعوبي الذي لم يجد غير العنف الوحشي لمواجهة عزلته الوطنية والشعبية بين العراقيين، فاشاع ممارسات قمعية عنيفة يندى لها جبين الانسانية من سحل الابرياء وتعليق المشانق على اعمدة الكهرباء مؤسسين بذلك ممارسة العنف المفرط غير المسبوق لاول مرة في تاريخ العراق المعاصر، لذلك أخذ حزب البعث العربي الاشتراكي على عاتقه العمل على التخلص من هذا النظام الدكتاتوري الشعوبي المستبد الفاشل. وبدأ العمل على إحداث التغيير المنشود الذي يعبر عن تطلعات الشعب ويحقق أمانيه في عراق حر، متطور ومتقدم.

سبق قيام ثورة الثامن من شباط 1963 العديد من المحاولات التي استهدفت رأس النظام القاسمي إلا أنها كانت تؤجل أو تلغى لأسباب أمنية وحفاظاً على أرواح الأبرياء. إلى أن اتخذ المؤتمر القطري الثالث لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1960 قراراً بضرورة البحث عن الوسائل الوطنية الصحيحة لإسقاط النظام القاسمي الدكتاتوري الشعوبي وتحرير العراق من التبعية الاجنبية ومن عزلته الخانقة.

لقد بادر الحزب إلى سلسلة من الخطوات التي سبقت ومهدت لثورة الثامن من شباط منها الانفتاح على ضباط القوات المسلحة وكسب أعداد كبيرة منهم لصالح البعث والتغيير، إضافة إلى قيادة الفعاليات الجماهيرية التي تعبر عن رفض الشعب للنظام القاسمي منها إضراب البنزين وإضراب عمال شركة الدخان والإضراب الطلابي الذي أثمر عن تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق. ونتيجة لتعمق مكانة الحزب بين الجماهير فقد فاز ممثلوه في انتخابات نقابة المعلمين حيث فازت قائمته وهي (الجبهة التعليمية الموحدة). ومع اقتراب موعد تنفيذ الثورة، وضع الحزب خطة التنفيذ التي كانت تتصف بالسرية الشديدة والكتمان نتيجة لشراسة الوضع الامني. كما اتسمت بالدقة واقتضت مشاركة القطاعين المدني والعسكري والاعتماد على استقطاب الجماهير الثائرة وتعبئتها.

وبموجب هذه الخطة تم تكليف كتيبة الدبابات الرابعة في أبي غريب بهذه المهمة لوجود عدد كبير من الضباط البعثيين فيها، وكذلك سلاح القوة الجوية، كما تم تهيئة التنظيمات المدنية لتأخذ على عاتقها السيطرة على المناطق المدنية والشوارع الرئيسة وخاصة جسر الشهداء لمنع أي امدادات لدعم قاسم الذي كان يعرف بالدكتاتور الاوحد، في وزارة الدفاع.

لقد حدد البيان الأول لثورة الثامن من شباط الأهداف الرئيسة التي قامت من أجلها، وتتلخص في القضاء على حكم عدو الشعب عبد الكريم قاسم وزمرته المستهترة بوحدة العراق والعراقيين وتحقيق وحدة الشعب الوطنية والمشاركة الجماهيرية في توجيه الحكم وإدارته، كما عاهد البيان على العمل على تحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين.

اليوم يحتفي البعث وجماهيره وكل القوى العروبية والوطنية بالذكرى الغالية لتلك الوثبة الشجاعة الجسورة التي كانت بجرأتها في الانقضاض على اقوى حكم امني مستبد،  اكبر مثال على ان الظلم لا يدوم مهما طال ليله واشتد ظلامه. وان الاستبداد لا يصمد امام غضبة الشعوب ممثلة بطلائعها الشابة من الثوار الجسورين.

وإذ يشبه اليوم البارحة، حيث تتطابق الظروف الحالية مع ما ساد العراق قبل ثورة رمضان، من عنف وظلم وتبعية للاجنبي وشعوبية تعزل العراق عن امته وعن تطور عالمه المعاصر، فإن مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي الذي صنع أعظم الإنجازات في مسيرته الطويلة الحافلة بالعطاء والتضحية، تتسع وتنتشر على امتداد الساحة العراقية وتحظى بدعم وتأييد ومناصرة الشباب العراقي والعربي والأحرار في العالم. وان هذه الظروف مهيئة للانقضاض على الظلم والفساد كما انقض اسود ثورة رمضان الابطال على الظلم فقبروه.

وبهذا فإن شباب العراق العروبي أصبح أكثر قوة وقدرة على إنهاء الكارثة التي حلت بالعراق وإسقاط النظام الدموي الطائفي العميل صنيعة الاحتلال الإمريكي الإيراني الصهيوني لإعادة العراق إلى سابق مجده ودوره الحضاري في الساحتين العربية والدولية.

تحية اكبار واجلال لقيادة البعث الوطنية التي خططت ونفذت ثورة الثامن من شباط 1963،

 وتحية اكبار واجلال لشهداء هذه الثورة الخالدة.

تحية اكبار واجلال لشهداء البعث وشهداء العراق الذين قاوموا الاحتلال الأمريكي والفارسي يتقدمهم شهيد الحج الأكبر القائد الرفيق صدام حسين، والقائد الرفيق عزة إبراهيم، والرفاق الشهداء من أعضاء قيادة قطر العراق وكوادر الحزب وتنظيماته بمختلف مستوياتها وشهداء العراق والأمة جميعاً.

ثورة الثامن من( شباط/فبراير) 1963 معجزة البعث

ثورة الثامن من( شباط/فبراير) 1963 معجزة البعث

أبو مصطفى

       في صبيحة الرابع عشر من شهر رمضان المبارك عام 1963 كانت جماهير شعب العراق والأمة العربية على موعد مع أول ثورة شعبية عربية مظفرة تطيح بالديكتاتورية المحلية في التاريخ الحديث، حيث تمكن ثوار البعث من إسقاط نظام عبد الكريم قاسم الذي حارب القومية العربية والقوى المعبرة عنها بمعاونة الزمرة الشعوبية الحاقدة في محاولة بائسة لإنكار عروبة العراق وإحباط حلم الملايين في الوحدة العربية. لقد كانت ثورة الثامن من شباط رداً عملياً على انحراف الزعيم الشعوبي وزبانيته عن أهداف ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 والغدر بالضباط الأحرار، كما كانت ثأراً للعرب جميعاً الذين هزتهم نكسة الانفصال بين سوريا ومصر سنة 1961. 

نجحت ثورة الثامن من شباط والتي أطلق عليها الرفيق الاب القائد احمد حسن البكر عروس الثورات الخالدة بإيقاف حمامات الدم التي أغرق بها الشعوبيون العراق، و ما مجازر الموصل وكركوك وبغداد والمسيب سنة 1959 إلا شواهد على جرائم ذلك العهد القاسمي الأسود. لقد تلاحمت كوادر البعث من مدنيين وعسكريين تساندهم كل القوى الوطنية والقومية في عملية التغيير وإسقاط النظام، ومهدت تنظيمات الحزب المدنية ليوم الثورة عبر تصديها البطولي للسلطة القمعية في إضراب البنزين في السابع والعشرين من آذار عام 1961 ومن ثم إضراب الطلبة في العشرين من كانون الأول عام 1962 الذي استمر حتى يوم اندلاع الثورة وشل أركان الحكم القاسمي المستبد وبشر بقرب زوال الديكتاتورية الغاشمة الفردية. وما ان أذاعت إذاعة بغداد البيان الأول للثورة حتى هبت جماهير الشعب لمؤازرة أبطال الجيش والحرس القومي في مواجهة التحركات الشعوبية البائسة التي حاولت الدفاع عن حكم الفرد المستبد.

 لقد حققت ثورة الثامن من شباط الكثير من المنجزات خلال التسعة أشهر التي حكم بها الحزب فارست دعائم العمل القومي العروبي كالتوقيع على ميثاق الوحدة الاتحادية الثلاثية بين العراق وسوريا ومصر في السابع عشر من نيسان، واعلان الوحدة العسكرية بين العراق وسوريا عام 1963 لتوحد الجيشين في جيش عربي واحد، ووضع حجر الأساس للعديد من المشاريع التنموية و المباشرة بإجراء إصلاحات جذرية في نظم الدولة العراقية وقوانينها. ان اندفاع الثورة العروبي وسلسلة الاجراءات التنموية التي بوشر بتطبيقها رغم قصر الفترة الزمنية لم يرق للقوى المتنفذة في المنطقة فعملت على اجهاض ثورة البعث الاولى وفي الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1963. لكن حزب البعث العربي الاشتراكي نهض كطائر العنقاء من تحت الركام وفجر ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز عام 1968، لتبدأ مسيرة التنمية الظافرة والمنجزات العملاقة التي شهدها العراق قبل الاحتلال سنة 2003.

وكان للحزب وقفة شجاعة في مؤتمره القطري الذي انعقد في بغداد عام 1974 حيث شكل وقفة تحليلية لتجربة حكمه لتسعة أشهر عام 1963، لدراستها والاستفادة من تجاربها، في رؤية ثورية ناضجة من حزب عريق واثق من نفسه، لرسم معالم المستقبل على اسس راسخة تسد على الاعداء ابواب التسلل الى التجربة في محاولة لمنعها من تحقيق اهدافها، تمهيداً للاجهاز عليها وقتل الحلم العربي.

ستبقى ثورة الثامن من شباط/ فبراير في العراق محطة بارزة في تاريخ البلاد الحديث، حيث شكلت تحركاً قومياً وحدوياً لإعادة بناء الدولة وفق مبادئ العدل الاجتماعي والتضامن القومي، فجاءت هذه الثورة لإنهاء حقبة الحكم الديكتاتوري الشعوبي، والعمل على تحقيق تطلعات الشعب في الحرية والعدالة والتنمية.

تحية وفخر ووفاء لأرواح قادة الثورة وشهداء الحزب الذين ضحوا بارواحهم في سبيل انجاح الثورة.

تحية لشهداء البعث وفي مقدمتهم شهيد الحج الاكبر الرئيس القائد صدام حسين المجيد وشيخ المجاهدين الرفيق عزت إبراهيم الدوري وكافة شهداء الأمة العربية في العراق وفلسطين وسوريا وفي كل مكان سقط فيه شهيد ليروي ثرى الأرض العربية.

إنها عروس الثورات

إنها عروس الثورات

بقلم: أبو مهدي

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثانية والستين لثورة الثامن من شباط الموافق الرابع عشر من رمضان عام 1963، تلك الثورة الناصعة والانتفاضة الفارقة في تاريخ العراق الحديث لما حملته من معاني ودلالات، وكانت ثورة 14 تموز التحررية عام 1958 قد قامت للقضاء على الحكم الملكي وإقامة النظام الجمهوري البعيد عن الهيمنة الأجنبية وسياسة الأحلاف وصولاً إلى إقامة نظام جديد وفق أطر وملامح وطنية تعيد للعراق مكانته وهيبته في لعب أدوار وطنية ضمن محيطه القومي.

ولكن سرعان ما انحرفت الثورة عن مسارها، وذلك بتبني النظرة التسلطية الشعوبية والتي ساهمت بخلق نظام دكتاتوري تفرد بالسلطة وأصبح يمارس أبشع الجرائم وأقساها بحق القوى الوطنية والقومية وطليعتها حزب البعث العربي الاشتراكي وجماهيره العريضة المؤمنة به وبتوجهاته وأهدافه السامية، وشهدت تلك المرحلة جرائم يندى لها جبين الإنسانية والتي ارتكبت في شوارع الموصل وكركوك بالإعدام والسحل والتنكيل بخيرة رجال العراق ونصب المشانق الميدانية لبث الرعب والخوف بين المواطنين واقصاء القوى الوطنية والقومية، إضافة للظلم والعنف والأحكام الجائرة التي ارتكبتها محكمة المهداوي سيئة الصيت بحق الوطنيين من أبناء العراق الغيارى، لذلك كان لا بد من حصول انتفاضة شعبية وثورة عارمة تعيد العراق إلى مساره الصحيح، فكانت عروس الثورات والتي جسدت أيدلوجية البعث بالثورة على الواقع المريض وتغييره والارتقاء بالواقع الفاسد نحو آفاق وطموحات عليا مشروعة وبكافة مناحي الحياة.

ففي صباح يوم الجمعة المصادف 14 رمضان 1963 انطلقت طلائع من شباب البعث في وحدات عسكرية يقودها ضباط اشاوس بمساندة ومؤازرة ومشاركة شباب البعث من المدنيين يحدوا الجميع الايمان بحتمية التغيير والقضاء على الحكم الدكتاتوري والانحياز إلى تطلعات الشعب.

وبحدود الساعة التاسعة من صباح الثورة قامت أعداد من الطائرات المقاتلة من السربين السادس والسابع المتواجدة في قاعده تموز الجوية في الحبانية بتنفيذ ضربات على مقر وزارة الدفاع، والتي كان يتحصن داخلها الزعيم عبد الكريم قاسم مع زمرة من أتباعه، في حين قامت وحدات مدرعة بتطويق مقر وزارة الدفاع ومن ثم اقتحامها بالتزامن مع اسناد قطعات مدرعة أخرى تمركزت في منطقه الكرخ وهي الجهة المقابلة لوزارة الدفاع عبر نهر دجلة مع قوة أخرى توجهت وسيطرت على مبنى الإذاعة والتلفزيون، وبدأت ببث الأناشيد الوطنية وانتشر شباب البعث في الشوارع والتقاطعات للسيطرة على الأوضاع في بغداد، وتم محاصرة مبنى السراي الحكومي، وبذلك تم تنفيذ الثورة بنجاح باهر والقضاء على الدكتاتورية والشعوبية الحاقدة.

وبعد هذا النجاح المبارك وإنهاء الحكم الدكتاتوري، باشرت الثورة بطرح مشروعها القومي التقدمي وتكلل ذلك بالتوقيع على ميثاق الوحدة الثلاثية بين العراق ومصر وسوريا، حيث تم التوقيع عليه في 17 نيسان/أبريل عام 1963 في قصر القبة في القاهرة، وبذلك كانت خطوة هامة على طريق التعاون العربي و باتجاه تحقيق الوحدة العربية المنشودة.

 من ناحية أخرى وتجسيداً لمبادئ وفكر الثورة فقد بوشر بوضع الخطط الاقتصادية وتشريع القوانين في مجال القطاع الزراعي والسيطرة على الثروة النفطية وسن قوانين حماية العمال والتخطيط لتنشيط الصناعات وإعادة تشغيل المعامل والمشاريع المتوقفة وبوشر بالجهد الوطني اللازم وإصدار التشريعات الاساسية لحل القضية الكردية حلا جذريا عادلا، وبذلك كانت ثورة الثامن من شباط ثورة انتفاضة جماهيرية وشعبية لتغيير الواقع والارتقاء بالبلد نحو مراحل متقدمة، وتحقيق الحلم العربي والمشروع النهضوي، والذي خططت له قيادة الثورة مستنيرة بفكر الحزب ومبادئه الأصيلة، فكانت ثورة فريدة في اقدامها وجسارتها ضد اعتى الانظمة الامنية، ومذهلة في برامجها وأهدافها وتوجهاتها الوطنية رغم قصر الفترة الزمنية، وإن من أبرز ملامحها أنها ثورة شعبية جماهيرية تقودها نخبة من طلائع البعث، شاركت بها أغلب قطاعات وفئات الشعب، من العمال والفلاحين والكسبة ووحدات من الجيش العراقي البطل صانع الثورات وحامي ثغور الوطن بالانتفاض على الدكتاتورية والتخلف والشعوبية الحاقدة على كل ما هو عربي اصيل، واستطاعت الثورة غرس روح التحدي والإقدام والبطولة، وأعادت اللحمة للشعب العراقي الذي مزقته الشعوبية والطائفية وسياسات قاسم المنحرفة والتي عزلت العراق عن عمقه العربي.

فكانت تجربة الثورة وما تلاها من أحداث حافزاً ملهماً ونبراساً لتفجير ثورة 17 تموز المجيدة عام 1968.

تحية اجلال واكبار لقادة الثورة، وفي مقدمتهم الرفيقين أحمد حسن البكر عضو القيادة القطرية وصالح مهدي عماش عضو القيادة القطرية ومسؤول المكتب العسكري رحمهما الله.

وتحية لطلائع البعث التي ساهمت في صنع هذه الثورة المجيدة.

والرحمة لشهدائها الأبرار الذين سقطوا دفاعاً عن عروبة العراق وحرية أبنائه.

لقطات من صباح يوم الثورة المجيدة

لقطات من صباح يوم الثورة المجيدة

محمد دبدب

ان استذكار التفاصيل التي عشناها والمعنية بثورة الرابع عشر من رمضان المجيدة عام 1963 كثيرة ولا مجال لذكرها هنا، لذا سأروي لقطات صباح يوم الثورة والساعات التي بعدها تلك التي عشتها:

كنا وكجزء من الجهاز الحزبي في حالة انذار قبل وبعد انتهاء الفصل الدراسي الأول من العام 1962- 1963م، وعند الإعلان عن الثورة في صبيحة يوم الجمعة من الثامن من شباط 1963م التحقنا بأحد التجمعات الحزبية. وكان من أوائل التبليغات التي وصلتنا من الحزب هي السيطرة على بعض مراكز الشرطة واستلام السلاح الموجود فيها، وكان في غالبيته بنادق. ثم  توزعنا على أكثر من مهمة، وكنت من المجموعة التي تم الايعاز لها بالتوجه إلى  مقر وزارة الدفاع في مركز العاصمة بغداد حيث كان يتواجد عبد الكريم قاسم.

أذكر أننا وفي حدود الساعة الحادية عشرة شاهدنا عند “الجزرة” الوسطية التي تتوسط الشارع العام تجمع لبعض من ضباط الثورة، واتفقوا بعد مناقشات معنية بالخطة، التوجه نحو وزارة الدفاع بالقرب من مركز شرطة العيواضية، وكانت هناك بعض الدبابات المتوقفة وعلى إثرها قاموا بالتحرك.

أما مجموعتنا من شباب الحزب المدني فقد تحركنا مرتين باتجاه مقر وزارة الدفاع، واقتربنا من بناية قاعة الشعب الشهيرة الملاصقة لمقر وزارة الدفاع، حيث عرف لاحقاً ان قاسم لجأ اليها بعد الشروع بقصف مقر الوزارة من قبل الرفاق الطيارين المنفذين للثورة، ولم نتمكن من تجاوز القاعة.

كان الحدث صدمة لأركان النظام والعناصر المساندة له نتيجة لعنصر المباغتة الذي اتُبِع في التخطيط للثورة. ورغم ذلك فقد حاول بعض الشيوعيين المقاومة وكان قسم منهم من الذين صادفناهم في طريقنا وكانوا يحملون منشورات تحريضية لمواجهة الثورة، ويقومون بتوزيعها، فتم الاشتباك معهم وفروا هاربين على الفور.

ثم تواجهنا مرة اخرى واشتبكنا مع عدد آخر من الشيوعيين عند دوّار (فلكة) منطقة باب المعظم في مركز بغداد وذلك بالقرب من نادي كان يعرف بنادي “المهداوي” وهو القريب من كلية البنات التابعة الى جامعة بغداد. كان عددهم بحدود الخمسة عشر شخصاً، ولم يكن احتجاجهم او تظاهرهم سلمي وانما مسلّح اذ كانوا يحملون اسلحة عبارة عن مسدسات وبنادق اضافة الى اسلحة اخرى حادة مثل السكاكين الكبيرة او ما يعرف “بالقامات” وكذلك العصي، ففروا هاربين  إلى الشوارع والأزقة القريبة في المنطقة.

 من المعروف ان الثورة تميزت باقتحاميتها وجسارتها في الانتفاض ضد السلطة المحكمة امنياً، لذا كان فيها تضحيات حيث استشهد بعض الرفاق الثوار من الجانبين العسكري والمدني، لذا و في طريقنا ونحن نؤدي واجبنا في تنفيذ وحماية الثورة المجيدة، وجدنا أحد الضباط البعثيين من الثوار برتبة ملازم وقد أصيب بطلق ناري في كتفه، فقمنا بنقله الى دارنا بعدما أشعرناه باننا بعثيون أيضاً، وتمكنا من معالجته وإنقاذه. ومن الجدير بالذكر انه بعد سنين طويلة في السبعينات التقيته في احدى المناسبات فعرفته وذكّرته بتفاصيل لقائنا الاول وعلاجنا له.

وبالعودة الى ذكريات ذلك الصباح المجيد اذكر انه كان معنا آنذاك المرحوم الفريق الركن (لاحقاً) سعدي طعمة والرفيق كاظم نعمة سلمان.

وعلى ما اذكر انه في عصر اليوم الثاني ونحن ملتزمين بواجبنا ومتواجدين بالمنطقة المطوقة لوزارة الدفاع، وعند المنطقة المعروفة بمكان “موسيقى الجيش” حصراً،  مرت ناقلة أشخاص عسكرية وعلى متنها فاضل عباس المهداوي وهو من كان رئيساً للمحكمة التي اشتهرت باسمه اي  “محكمة المهداوي”  والتي اشتهرت بغوغائيتها ومحاكمتها لكل رموز القوى الوطنية والقومية والضباط الاحرار والتي حكمت عليهم بالإعدام او السجن حيث تم تنفيذ تلك الاحكام الجائرة بدون اي سند قانوني فاستشهد العديد من ابطال الجيش العراقي من الضباط الاحرار.

وكان معه في الناقلة العسكرية صبيحة ذلك اليوم من الثورة اثنين من الضباط لم أستطع التعرف عليهم وكانوا جميعاً منزوعي الرتب وهم في حالة من الهلع والهستيريا حيث كانوا تحت السيطرة التامة لعدد من الثوار العسكريين.

ونتيجة لتلك المواجهات التي نفذنا من خلالها الواجبات صبيحة الثورة المظفرة فقد تعرضت للموت عدة مرات ولم اكن فيها وحدي وانما شاركنا فيها عدد من الرفاق المناضلين، منهم شبيب المالكي ومحمد ناصر وهو من فلسطين الحبيبة وكريم النجار وغيرهم.

هذه بعضٌ من الذكريات التي تحضرني عن يوم تنفيذ عروس الثورات المجيدة.

فِي إِشْكَالِيَّةِ التَّجْميدِ والتَّجْدِيدِ فِي المَنَاهِجِ المَعْرِفِيَّة العَرَبِيَّة تَبْقَى الحَرَكَة النَّقْدِيَّة الحَكَم الفَيْصَل

 

فِي إِشْكَالِيَّةِ التَّجْميدِ والتَّجْدِيدِ فِي المَنَاهِجِ المَعْرِفِيَّة العَرَبِيَّة تَبْقَى الحَرَكَة النَّقْدِيَّة الحَكَم الفَيْصَل

حسن خليل غريب

 

تمهيد في الانتقال المعرفي الفكري من منهج معرفي جامد إلى منهج معرفي قومي متطور:

على الرغم من أن الإمبراطورية العثمانية دخلت في مراحلها الأخيرة حقل تطوير النظام السياسي، وعلى الرغم من أن الحركة الثقافية العربية دخلت مرحلة النهضة على أيدي مفكرين كبار، انتقلت البيئة المعرفية العربية من مرحلة النظام السياسي الإسلامي العثماني إلى مرحلة النظام السياسي العالمي بخطوة سريعة.  وكان الانتقال في جانب منه نتيجة عمل عسكري اعقب انتهاء الحرب العالمية الاولى وليس نتيجة  تطور معرفي طبيعي. ثم تلاه بلورة فكر نتج من رحم معاناة الامة العربية مع الاستعمار والنفوذ الغربي . ولم تترافق النقلات الناتجة عن التغييرات السياسية بنقلة ثقافية فكرية بنفس المستوى.  فكان الانتقال من عصر إلى عصر آخر سياسياً أكثر منه فكرياً وثقافياً. فالانتقال المعرفي من التجميد إلى التجديد له أسسه وشروطه. ومن أهمها البدء في نقد الثقافة السابقة: استخلاص الإيجابي منها ورفض السلبي وتأسيس للبديل، بحيث تنعكس التغييرات على بنية الثقافة الشعبية. وبغير ذلك ينقطع حبل العلاقة بين الإنتاج الفكري الجديد وميدانه الشعبي.

 كانت الثقافة الشعبية والنخبوية قبل مرحلة التحرر القومي والوطني ذات طابع وجذور دينية وغالباً ما كانت ثقافة المذاهب هي السائدة، لا يميزها التجميد والتقليد فحسب، بل ومنع التجديد أيضاً. وكان إنتاج الثقافة خاضعاً

لسلطتين: سياسية تقود واخرى دينية تُخضع إنتاجها الثقافي لمصلحة السلطة السياسية.

 وقد تزامن مع ذلك وخاصة في الربع الأول من القرن العشرين، ان مهَّدت القوى الغربية لدخولها بتعزيز الإرساليات الأجنبية الى بعض الاقطار العربية ، وكان دورها الثقافي وعاءً ينقل في الكثير منه ثقافة أُعدَّت لمجتمع آخر غير المجتمع العربي. وتواجهت الثقافة القادمة مع الثقافة المقيمة، فلا الثقافة المقيمة نقدت قديمها ولا الثقافة القادمة أخذت الواقع العربي الاجتماعي الثقافي بعين الاهتمام.  وهكذا كان مشهد البيئة الثقافية في تلك الاقطار العربية، في مثل تلك المرحلة، منفعلاً إما بتقليد التراث من دون إغناء وتجديد، أو بنقل الفكر الغربي من دون نقد و تمحيص.

ذلك السبب أدَّى إلى خوض صراعات مريرة بين التيارين. وقلائل هم الذين انخرطوا في التأسيس لورشة بناء معرفي جديد، ينقد التراث ويجدد فيه، ويستفيد من الفكر الغربي بما يتناسب مع خصوصيات وحاجات المجتمع العربي وقيمه. فكانت تلك القلة، ولا تزال، غريبة عن بيئتها لا تجد من يقف إلى جانبها إما خوفاً من التقليديين التجميديين تحت شعار الخوف من خيانة التراث، وإما اتهام من التغريبيين الذين يقيسون التقدمية بمكيال الثقافة المستوردة حصرياً.

ظهور الفكر القومي العربي:

سبقت الحركة القومية العربية ، حركة إصلاح نتجت عن صدمة الوعي بحجم التخلف العلمي والحضاري الذي يعاني منه الوطن العربي بالمقارنة مع الغرب، والذي كان احد اسبابها حملة نابليون على مصر، واتجهت تلك الحركة إلى إنقاذ الإسلام السياسي من التخلف مثل حركة المفكرين العرب الإصلاحيين وكذلك جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده و عبدالرحمن الكواكبي ، حيث رأوا  وجوب إحياء التراث العربي كمقدمة لمشروع النهضة ، كما اشروا الى ان غياب الدولة المستندة إلى الحرية وغياب إحكام العقل كان سببا في هذا التخلف، وكان الاهتمام باللغة العربية في مقدمة الجهود لاستنهاض مفهوم وقيم العروبة.

 وقد أسهمت الأحداث الطائفية في لبنان وسوريا (1860-1861) بتعزيز الوعي الى الحاجة الى المواطنة على أساس القومية العربية بعيداً عن الانتماءات الطائفية. وقد تعزز ذلك بعد ظهور الحركة القومية التركية المتعصبة مثل تركيا الفتاة والنزعة الطورانية فتطور موقف غالبية المثقفين العرب باتجاه بلورة المشروع القومي العربي الذي تميز بكونه غير عنصري،  حيث لم يشترط صلة الدم في الانتماء القومي للامة العربية وانما ركز على اللغة والثقافة والماضي والمصير المشترك . وكان من ابرز مفكريه وروّاده هو القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق.

 وفي القرن العشرين تم تكريس الهوية الثقافية والسياسية القومية، ورغم انتشار الفكر القومي والنظم العربية التي تبنته ، الا انه يسجل على الانظمة العربية ثلاثة قضايا رئيسية :

  • فشلها في بناء الدولة القومية
  • اخفاق اغلب التجارب الوحدوية التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين. ورغم حقيقة محاربة الغرب الاستعماري الشرسة لاي مشروع وحدوي عربي و دور الكيان الصهيوني المتقدم في هذا المجال ، الا ان الأسباب الداخلية لم تكن قليلة بل كانت احيانا هي الطاغية.
  • الاخفاق الخطير في ترسيخ وممارسة الحريات العامة وقيم الديموقراطية وقبول الاخر وعدم بلورة دساتير دائمة وراسخة في هذا المجال.

ان هذا يحتم المواجهة التحليلية الجريئة مع الذات للاجابة على السؤال المهم : لماذا نجح الآخرون وفشل العرب؟

لقد تميزت تلك المرحلة في النصف الثاني من القرن العشرين بغلبة ( السياسي والأمني) في الفكر القومي وقواه ودوله، وبالتالي انعكس ذلك على طبيعة العلاقة بين الانظمة العربية فكان من ابرز اسباب الخلل. فبقي ما تحت السطح الامني – السياسي تتجاذبه تركيبة معينة من المصالح الصغيرة للقوى السياسية والطائفية والتركيبة العشائرية، وليس بنى راسخة للدولة القومية او الوطنية العصرية.

على الرغم من انه على الصعيد الشعبي والجماهيري كان العمل الوحدوي هو امل الجماهير ورغبتها الملحة.

ان كل ذلك افضى الى القناعة بان تجديد المشروع العربي عموماً والفكر القومي بالذات يحتاج إلى ثلاث ركائز هي :

  • تطوير مفهوم وصيغة الدولة وتغليبه على مفهوم السلطة والنظام
  • توسيع نطاق المشاركة السياسية وممارسة الديمقراطية الحقيقية و الحريات العامة والفردية
  • التركيز مجدداً على خطط التنمية واستنهاضها عبر اقتصاد حديث ومعاصر

ونتيجة لغياب او ضعف ذلك فقد غرقت الأكثرية الساحقة من النخب العربية في خطابية الشعار السياسي، لأنها تعتبر أن المهمة الأكثر إلحاحاً هي مهمة النضال من أجل إنجاز مرحلة التحرر الوطني. وفي غمرة هذا الانغماس في إنجازها، تجاهلت التيارات والأحزاب السياسية أهمية العمل الفكري ودوره، فغرقت في السياسة على حساب إنتاج الفكر العربي الجديد وتعميقه. وإذا كنا نعطي أولوية لمعركة التحرر الوطني، فنرى أيضاً أن القيام بالمهمة الفكرية لن يعيق معركة التحرر السياسي على الإطلاق وإنما يزودها بسلاح لا يقل أهمية كي تكون اكثر وتأثيراً وفعالية.

ضرورة اعتماد الحركة القومية بعد مرحلة الانطلاق على معايير التحليل والنقد العلمي

عندما هيمنت الثقافة السياسية على الحركة التحررية، ولا تزال، افتقدت بوصلتها الفكرية وقلَّلت من شأنها، وتحت وطئة الشعارات التي غلبتها السمة العاطفية ، أهملت العناية بمنهجية التحليل والبحث الأكاديمي او العلمي عموماً. وليس ذلك فحسب، بل  نال التحليل والبحث الأكاديمي أيضاً بعض اللوم بسبب صراحته وعقلانيته وايضا تحت حجة أنه خال من “القلب”ومن حرارة النضال!

إن المصالح الحقيقية للامم ومنها الامة العربية واعتماد البحث والتحليل الواقعي العلمي سواء من خلال العمل الأكاديمي او غيره  يجب ان يستند الى العقل والى الواقع فعلاً بعيداً عن العاطفة، لان الاخيرة تمنعه من البحث عن الحقيقة المجردة، فالحقيقة إذا خضعت لمقاييس العاطفة ستظهر بثقل غير حقيقي وبمظاهر متعددة الألوان والأحجام، أما الحقيقة المجردة عن العواطف فهي الحقيقة الأساسية، وهي التي تعبِّر عن الكليات الإنسانية وليس عن الخصوصيات الفئوية. وإذا أغرقت حركة التحرر الوطني بخصوصياتها وأهملت العموميات الإنسانية فلن تجد ما يمنعها من الانحدار نحو التقوقع. لذا نرى أنه يمكننا الاعتماد على البحث العلمي والأكاديمي والوثوق به، وبغيره تكون الحقائق غير مكتملة وغير واضحة، فهي إذا بقيت خاضعة للمصالح المحدودة تبقى عاجزة عن اكتساب أهدافها ووظائفها الإنسانية.

لتلك الأسباب لا ينبغي أن يُفهم من دعوتنا إلى البحث عن الحقيقة الواقعية بطريقة مجردة، خاصة تلك التي لها علاقة بمشروع التطويرالقومي، بأنها دعوة إلى إلغاء قيمة العواطف او الحماس  التي يجب أن تتوفَّر للمناضلين. فإن قضايا الأمة، كي تبقى ذات علاقة وثيقة مع عمقها الإنساني، لا بُدَّ من أن يخضع البحث عنها لمقاييس جادة بالتجريد والتجرد عن الأهواء، ومن بعدها يأتي دور حرارة الإيمان بها.

لم تعط النقلة المفاجئة، التي واجهتها الأمة من حال إلى حال، الفرصة للقيام بما يُسمّى بمرحلة الانتقال الطبيعي في التفتيش عن الحقائق بتجرد، أي للانتقال بالأمة من مرحلة معرفية إلى أخرى، بل وجدت نفسها وجهاً لوجه مع خصم جديد، فراحت تعد نفسها لمواجهته. فكان السلاح المتيسِّر هو سلاح التعبئة الفكرية والسياسية حسب المناهج الإيمانية المكتسبة من عجينة الثقافات السابقة. وإن ما أضاف قوة لتلك المناهج هو فشل التيارات التي استندت إلى نظريات مستوردة جاهزة كانت سبباً لاتهامات نال منها التعقل والعمل العلمي و الأكاديمي نصيبه من الاتهام بالقصور عن فهم طبيعة المرحلة الاستثنائية في حياة الأمة ومتطلبات النضال الاستثنائية.

ولما انتشر تأثير الحركات السياسية والحزبية ذات النظريات الجاهزة، ولما تكاثرت الدعوات المشبوهة لمهادنة الاستعمار الجديد تحت حجة غياب تكافؤ القوى، كانت الدعوات إلى تعبئة الأمة بمناهج الوجدان والضمير قد أخذت تسن أسلحتها المنهجية، فبدا وكأن الأمة قد انقسمت إلى دعاة طوباويين والى دعاة علميين، فكانت أسلحة تلك المعركة تبدو وكأنها قائمة على الاستفزاز من خلال اتهامات يوجهها البعض إلى قصور مناهج الآخر.

فليس إذن، من منطلق التوفيق والمجاملة، أن نقول بأن مناهج المعرفة السياسية تتكامل وتتعاون وتصبح أهدافها أكثر قرباً للتحقق إذا تكافلت تلك المناهج وتعاونت، بدءًا من معرفة الحقائق الواقعية العلمية وصولاً إلى التعبئة والحشد في سبيل تحقيق النجاح لاهداف واقعية تستند الى تلك الحقائق التي ينبغي ان تخدم قضايا الأمة العربية  ومصالحها واهدافها الاستراتيجية.

من بديهيات الأمور أن تستعين الحركات الثورية التقدمية بمختلف الوسائل الثورية شرط ان تنسجم مع ما تدعو اليه من مبادئ تقدمية لتحقيق أهدافها. على أن لا يشكل تحفيز الجماهير بمناهج محددة صفة المناهج الجامدة الثابتة على اساس انها تصلح لكل زمان ومكان.

وهنا من الضرورة بمكان التمييز بين التراث العربي المُلهِم من الحضارة العربية وانجازاتها الانسانية، الذي يشكل  قواعد ودعامات ضرورية نستند عليها في خلق الثقة اللازمة بين ابناء الامة لتحقيق الانطلاق الجديد نحو بعثها ونهضتها المعاصرة ، وبين الثقافة الشعبية التي تستخدم للتعبئة او التحريض، فهما شيئان مختلفان. وفي ثقافة الحزب القومية فان تراث الحضارة العربية وانجازاتها العلمية والانسانية الرائعة التي اغنت بها الحضارة الانسانية،هي حقائق علمية تاريخية راسخة، وهي ليست للتعبئة ، وانما قواعد ثقة للانطلاق في بعث الامة.

نلاحظ، من خلال مراقبة علمية، أن الطبقات المثقفة في الأمة، في المراحل الراهنة، تتحوَّل إلى مزيد من تجذير مستواها الثقافي والاتجاه به نحو المعرفة الأكثر عمقاً من السابق، السبب الذي يوجب على التيارات الثورية فيها أن تعيد صياغة وسائلها في التعبئة لمواصلة النضال. فلا ضير، هنا، من أن نعمل على تعميق المعرفة إلى جانب العمل من أجل تغذية النضال بأكثر ما يمكن من الاندفاع والحماس.

 فدعوة الحب أولاً ثم المعرفة، يجب ان تُعزَّز بالحقائق الواقعية بموجب البيئة الثقافية الجديدة المتطورة . وإن أساليب التخويف من نقد المناهج الفكرية السياسية المستندة الى المناهج الدينية، لم يعد صالحاً، خاصة في هذه المرحلة التي انكشف فيها زيف أكثر التيارات الدينية الإسلامية الأصولية.

 إنكشاف أهداف حركات الإسلام السياسي يساعد على نقد الثقافة التقليدية:

ان البيئة الثقافية الجديدة والمتطورة، وانكشاف الغطاء عن حركات الإسلام السياسي الرسمي وغير الرسمي، تشكل بدايات على الحركة القومية العربية أن تستفيد منها للبدء في تأسيس مرحلة لنقد الفكر المذهبي التفتيتي. على أن تبدأ المرحلة التأسيسية داخل الحركة القومية العربية نفسها على مستوى الإعداد لمشروع نقدي موضوعي يستهدف، في بدايته تعويد العقل الأيديولوجي القومي على أسلوب النقد ومكاشفة الذات والتحليل العلمي الواقعي.

وبالمقابل فان شدة الاستهداف او خطورة المرحلة التي تمر بها الامة العربية منذ قرن من الزمان ومتطلبات النضال التحرري يجب ان لا تكون سبب لإعاقة المراجعة النقدية لتجارب الفكر القومي نفسه وتطبيقاته على ارض الواقع. ولا ان تُستَخدَم كحجة لمصادرة الحريات او اشاعة الاستبداد ، او تكون مدعاة للمزايدة باستخدام اولوية قضايا الامة الملحة، اوتضليل الجماهير بها على اساس ان النضال يقتضي تاجيل القضايا الجوهرية الاخرى .

لان هذه المراجعة التحليلية النقدية تشكل خطوة حيوية لا غنى عنها من اجل ديمومة الفكر القومي وقوَّتَه، كما انها ضرورية لكي تكون الجماهير كما يكون الفكر القومي نفسه، أكثر وثوقاً بمبادئه الفكرية والسياسية والمجتمعية.

مناهج المعرفة الغربية لا تؤخذ بكاملها أو تُرفض بكاملها:

 كان الانتقال المعرفي في بداية القرن العشرين انتقالاً سياسياً، ولهذا انقسمت المناهج المعرفية إلى جزئين متناقضين: إما منبهر بالمنهج الغربي الجديد، وإما متمسك بالمنهج القديم ، فسادت ثنائية «الغربة والتغريب».  وتناسى الطرفان أن مناهج المعرفة الغربية ليست ثنائية «الغزو والإشعاع»، إما أن تُؤخذ بكاملها أو تُرفض بكاملها. بل يمكن اعتبارها تراثاً إنسانياً أصبح ملكاً للإنسانية يمكن الاستفادة من المفيد منه والملائم لواقع امتنا وقيمها ، وترك ما لا يصلح منه.

 لقد طال انتظار البدء بمرحلة نقد المناهج الفكرية والممارسات التطبيقية لها للمرحلة السابقة، وإن ظهرت، حتى في لحظتنا الراهنة، فإنها لا تخرج عن كونها خجولة خوفاً من سيف التقليديين، ورهبة من الاصطدام بعقول العامة السهلة الاستثارة والتحريض. وأصبحت المهمة التحليلية النقدية أكثر صعوبة بعد أن أطلت اصوليتان متوازيتان هما الأصولية الإسلامية حاملة سيف التكفير، واصولية الجمود الفكري المتغطي بشعارات خطورة المرحلة او المتحجج باولوية قضايا الامة المصيرية للحيلولة دون المواجهة والتطوير . وقد تطول المسافة ويمتد الزمن أكثر إذا لم نعمل على ولادة الحركة النقدية اليوم قبل الغد، وتضيع من الأمة فرص الإسراع في التغيير.

 إن خوفنا من ضياع الفرص والوقت ناتج عن أن التغيير الحقيقي، خاصة على الصعيد المعرفي، لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، لأن من شروط نجاحه أن يتعمَّق في عقل مجموعات واسعة من الذين نذروا أنفسهم للتغيير، ولا يمكننا أن نتوهَّم بأن التغيير يمكن أن يتم من خلال بحث من هنا أو مقال من هناك أو محاضرة من هنالك، فالتغيير هو عملية تربوية مستمرة تستهلك، أحياناً كثيرة، حياة أجيال تتبعها أجيال.

 فإلى دعاة تأخير المرحلة النقدية تحت ذريعة أن المرحلة غير مناسبة، لارتباطها بمرحلة التحرر الوطني والقومي خوفاً من انعكاس سلبياتها على علاقات القوى المتحالفة في معركة التحرر، نقول إن فكر او حركة بيزنطية تسقط كل يوم ونحن لا ندري، وسقوطها غير مرتبط بالتفرغ لتحديد مسارات جديدة للفكر القومي. وهي غير مرتبطة أيضاً بمسألة الصراع الفكري، والصراع الفكري لا ينتظر وهو بالفعل غير منتظر، لأن الرجعيات التقليدية والأصوليات التقليدية مما اشرنا اليه اعلاه، لا تعطينا أية هدنة بل هي تصارعنا في كل لحظة، فالفكر الأصولي بكل اشكاله ودوافعه يتابع معركته سواءٌ أعملنا على تجنبها أم لم نعمل.

 أما من ناحية أخرى، فيمكننا ونحن نؤدي مهمتنا التحليلية النقدية، أن يكون خطابنا مرناً وموضوعياً ووحدوياً. فانفتاح الخطاب السياسي ومرونته هو من المسائل المطلوبة ولكن ليس على حساب المبادئ. فالمبادئ، بالنسبة لتيارات التغيير هي أكثر من ضرورية، ووضوح المبادئ هو حصانة لها من الانحراف، لأنه على هديها يمكن تصحيح المسار إذا ما حصلت انحرافات، أما في ظلال غيابها فإنه لا يمكن تصويب المسارات هذا إذا لم نضيعها بالكامل.

 الفكر القومي منهج صادق لا يقبل التجميل والتزويق:

 من اجل ان يستعيد الفكر القومي مكانته وريادته ومصداقيته بين الجماهير ، لا بُدَّ له من أن يكون واضحا وحاسماً في خياراته الفكرية وإلاَّ فسوف يدع شتى تياراته السياسية تسير على غير هدى. وسينعكس التردد في حسم الخيارات على مسار  الجماهير العربية ومواقفها. ولن تكون البنى الفكرية لتيارات التطوير بمنأى عن البلبلة.

 ولان الجماهير تكون ، في الواقع، أقرب إلى سلوك الطريق الفكري الذي يتطلَّب عناءً أقل، لذا يكون طريق الفكر الغيبي أكثر قرباً  من عقول الجماهير لأنه لا يتطلَّب منهم سوى التصديق والتسليم. وفي هذا المجال يستطيع دعاة النهج الأصولي ايا كان أن يصل إلى قلوبهم بشكل أسرع وأيسر من السالك لطريق الفكر القومي المتطور.  وهنا يفقد المشروع القومي التوازن في المقدرة على إيصال المعرفة الإيمانية العقلانية  مع الأصولي الذي يتقن فن تفسير الفكر الغيبي او العواطف أكثر بكثير من الذي يقوم منهجه الفكري على المنهج العلماني العلمي والعقلاني.

العَهد الجَديد والثُلاثيّة المَطلوبَة للبِناءِ الوَطَنيّ للدَولَة

العَهد الجَديد

والثُلاثيّة المَطلوبَة للبِناءِ الوَطَنيّ للدَولَة

بقلم المحامي حسن بيان 

 

بعد سنتين وشهرين وعشرة ايام على الفراغ الرئاسي في لبنان، انتخب المجلس النيابي قائد الجيش العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية باكثرية مريحة في الدورة الثانية من الجلسة الانتخابية التي عقدت في التاسع من كانون الثاني ٢٠٢٥ بحضور كافة اعضاء المجلس كما بحضور دبلوماسي ملفت للنظر.

بعد اداء القسم الدستوري ، وجه  الرئيس المنتخب خطاباً الى المجلس والرأي العام ، حدّد فيه عناوين مايعتبره برنامج حكم ، بعضٌ مما انطوى عليه من بنود سبق وتم تناولها في كل خطابات القسم التي سبقت ، وكان اللبنانيون ينظرون اليها بارتياح لما تنطوي عليه نظرياً من توجهات اصلاحية، لكن الاحباط سرعان ما كان يخيم على الواقع السياسي بعد التربع على كرسي الرئاسة وبدء ادارة الحياة السياسية على قواعد المحاصصة .

 بعد الانتهاء من عملية ملء الشغور في موقع الرئاسة انطلقت عجلة اعادة    الانتظام لعمل مرافق الدولة انطلاقاً  من تشكيل حكومة جديدة وفق ماينص عليه الدستور اللبناني. بعد استشارات  يوم ماراثوني ، اسفر “البونتاج “، عن تسمية رئيس محكمة العدل الدولية القاضي نواف سلام لتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة.

وفي كلمته التي وجهها بعد الاجتماع الثلاثي في قصر بعبدا وتسلمه كتاب التكليف ، لاقى خطاب رئيس الجمهورية في العناوين الاساسية لما يمكن اعتباره خارطة حكم للعهد الجديد ، وموجهاً رسالة لمن اعتبر نفسه “وقع في كمين ”  ، بعكس ماكان سبق وتم التفاهم عليه مع الرئيس المنتخب قبل انطلاق الدورة الثانية من التصويت ، بأن لا اقصاء لاحد وان اليد ممدودة للتعاون مع الجميع تحت سقف الدستور او ما درج على تسميته “بالكتاب “.  وقد دخل الى الاجتماع الثلاثي متأبطاً به وبعد خروجه شاهر  به الى الصحفيين عند توجيه رسالته من على منبر القصر الجمهوري.

 

وبعيداً عن السجالات ووجهات النظر التي اثيرت حول دستورية انتخاب قائد الجيش ، التي ينطلق بعضها  من حسن نيةٍ وتمسكٍ بالنص الدستوري ، وبعض اخر يستبطن خلفيات لاعلاقة لها بالانتظام الدستوري ، فإن ملء الشغور ، حصل على وقع شبه اجماع نيابي ، بحيث لم يعد بالامكان تقديم مراجعة طعن بالعملية ، وبالتالي تصبح النتيجة مبرمة . واستطراداً ، و حتى لو اقتضى الامر البحث في مطابقة دستورية العملية الانتخابية بمقدماتها ونتائجها وتطلب الامر ايضاً تفسيراً لدستوريتها، فان صلاحية تفسير الدستور مناطة بالمجلس ، وهو حكماً لن يعطي تفسيراً يناقض ما قرره   وبما يؤدي الى اعتبار العملية غير دستورية وبالتالي القضاء  ببطلانها ، وهو الذي صوت باكثرية تفوق الثلاثة ارباع لصالح الرئيس المنتخب.

 بغض النظر عن كل هذا، لان لبنان ومنذ نيله استقلاله، لم يكن النص الدستوري هو الناظم الوحيد  لادارة  الشأن العام ، بل كانت تنشأ على جوانبه دائماً ماعرف بالاتفاقات التي ترتقي حد الميثاق  او الاعراف والاخذ بها على قاعدة “المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً” ، او مابات يعرف بالسوابق ، بحيث يبنى اللاحق على السابق وهلم جراً.

  المهم ، ان ملء الشغور في المرافق الدستورية والادراية وكل ماله علاقة بتسيير المرافق العامة، افضل من الفراغ وانفع للعامة التي تعطلت مصالحها من جراء الخلل في بنية الدولة وهو ما ادى الى الغاء وظيفتها الحمائية والرعائية.

 مما لاشك فيه، ان ماورد في خطاب القسم وخطاب التكليف ، ترك ارتياحاً لدى ” العامة ” وان لم يكن الامر كذلك لدى “الخاصة ” ، التي استمرأت ادارتها للسلطة على قواعد المحاصصة ، ومارست الزبائية في الادارة بكل مراتبها ، وانتفخت جيوبها على حساب جيوب الناس وجني عمرهم. وهو ماحوّل الفساد الى سمة من سمات الحكم الاساسية ، بحيث لم تعد السلطة معنية بادارة البلاد على قواعد الشفافية والحوكمة، بل ادارتها على قواعد السمسرة والصفقات والتهريب وتجارة الممنوعات ، واخر موبقاتها السطو على اموال المودِعين.

 هذه السمات الاساسية لمن امسك بمفاصل السلطة على مدى عقود ، جعلت الفساد يعشعش في مفاصل الدولة العميقة ، وان المنتفعين والمستفيدين من ذلك ،  هم ما باتوا يعرفون باطراف المنظومة الحاكمة، وبالتالي فإن هذه الاطراف ستقاوم اية عملية تغييرية في حدها الاقصى او اصلاحية في حدها الادنى ويكون من شأنها ان تمس مصالحهم  وما اعتادوا عليه خلال ممارستهم للحكم وفي مواقعهم الادارية.

 ولهذا، فإن مهمة الرئيسين ليست مهمة سهلة،  وطريقهما ليس مفروشاً بالورود، بل المهمة صعبة والاشواك مغروزة على جوانب مسار الحكم، والمطبات اكثر من ان تحصى على خط السير العام .

 واذا كان يسجل للرئيس المنتخب ، كما الرئيس المكلف ،  انهما لم يأتيا الى الحكم بالاستناد الى كتل نيابية تسعى لحصص في السلطة، بل انهما جاءا من رحم مؤسسات تحكمها قواعد الانضباط والانتظام والعدل والمساواة ، وهما بما انطوى عليه خطابيهما حاكا التوق الشعبي للتغيير، فهذه  ستكون عاملاً مساعداً للتحرر من ضغط الكتل التي تحيط بالموقعين .

 لكن مع التشديد على اهمية المواصفات والمعطيات الشخصية لدى رئيس الجمهورية كما رئيس مجلس الوزراء ، فإنها لن يستطيعا ان يترجما خطابيهما الى مفردات عملية بسلاسة في ظل بنية السلطة القائمة ، لارتباط ذلك بالواقع الفاسد الذي يضرب في بنية الدولة وطريقة الحكم التي ادارت البلاد بالعقلية الميلشياوية .

 وبالتالي ، فإن الاصلاح والذي هو هدف شعبي منشود ، لا تحققه الرغبات الشخصية ، بل لابد من حاضنة شعبية ، كما رافعة سياسية.  واذا كانت  الحاضنة الشعبية  متوفرة ، فإن الرافعة السياسية وضعها ملتبس كون  القوى التي تمتلك قوة تمثيل نيابي ، قادرة على تعطيل ومقاومة اية عملية اصلاحية في ظل غياب تنظيم الحركة الشعبية المعترضة على اداء المنظومة لغياب  تنظيم صفوفها وتقديم نفسها رافعة سياسية للحكم الجديد بالعناوين الاصلاحية التي طرحها.

 من هنا ، فإن على اهمية القضايا التي تم التطرق اليها في الخطابين، خطاب القسم وخطاب التكليف ، إلا أن  المدخل العملي  للاصلاح في ظل تعقيدات الواقع الراهن ، إنما يكمن في مدى القدرة على  اعادة تكوين السلطة والتي نقطة  الارتكاز فيها هو التمثيل الشعبي الصحيح. 

 قد يكون مهماً ، ملء الشواغر في الادارة ، وتطبيق اللامركزية الادارية ، وفتح نافذة امل للمودعين وكشف الحقيقة في جريمة تفجير مرفا بيروت وانصاف الضحايا وغيرها من القضايا الحياتية . لكن الاهم من كل  ذلك هو اعادة تشكيل السلطة  التي تحاكي في اداءها البرنامج الاصلاحي ، وهذا لن يتحقق الا عبر السير على خط “ثلاثية” ،تندرج تحت ثلاثة عناوين. بحيث يكون تحقيقها هو المفتاح لباب الانسداد امام الاصلاح والتغيير في العقلية والاداء. وهذه العناوين هي :

 اولاً ، اقرار قانون استقلالية القضاء ، وثانياً ، اعادة النظر بقانون الانتخاب الحالي ووضع قانون اكثر عدلاً وصدقية للتمثيل الشعبي ، وثالثاً ، تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية واسقاط التمثيل الطائفي عن النيابي وتطبيق احكام المادة ٢٢ من الدستور والتي تنص على استحداث مجلس للشيوخ ، تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية. كانتخاب الرئيس واقرار الموازنة واعلان الطوراىء وقضايا الحرب والسلم.

 ان هذه الثلاثية ، هي التي يرى فيه دعاة التغيير والاصلاح ، كما العامة من الناس الذين اكتووا بنيران المحاصصة سبيلاً للخلاص الوطني بعد مرحلة من المعاناة واختبار الصبر والمصابرة.  وهذه لن تتم بين ليلة وضحاها ، بل تتطلب جهداً وعملاً ، والفرصة مؤاتية امام العهد لان يؤسس لنظام جديد تحكمه قواعد العدل والمساواة والاسراع  في ولوج هذا المسار مستفيداً من زخم القاعدة الشعبية العريضة التي تلتف حول العناوين الاصلاحية .

 ولهذا يجب التقاط الفرصة في زمن التحول الداخلي كما على مستوى الاقليم والمبادرة فوراً لاطلاق  ورشة العمل لاعادة بناء الدولة بناء وطنياً.  وقبل ان تتمكن  قوى المنظومة التي “اعادت انتشارها”، من الخروج  من تأثير الصدمة التي اصابتها بالارتجاج النفسي والسياسي وتعاود الهجوم بعد اعادة ترتيب صفوفها ودفاعاتها ووضع العصي في دواليب عجلة الاصلاح.

 

 

 

 

العَدالَة الإنتِقالِيَّة كي تَجِدُ طَريقَها لِلتَّطْبِيقِ فِي سُورْيَا

 

العَدالَة الإنتِقالِيَّة

كي تَجِدُ طَريقَها لِلتَّطْبِيقِ فِي سُورْيَا

بقلم المحامي حسن بيان                 

 

 في كل مرة يحصل فيها انتقال سياسي للسلطة بغير طريق تداولها الدستوري، تطرح مسالة العدالة الانتقالية ووجوب تطبيق احكامها واجراءاتها، خاصة في الحالات التي تشهد اسقاط انظمة سياسية يحفل سجلها بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان وتحديداً تلك التي تطال المعارضين للنظام السياسي الحاكم وما اكثرها في الوطن العربي. وابرز نموذجين لها سوريا بعد اسقاط النظام والسودان بعد اسقاط نظام البشير ومن بعدها ردة  البرهان – حميدتي على اتفاق انتقال السلطة في ٢٥ اكتوبر ٢٠٢٢ .

  والعدالة الانتقالية يختلف تعريفها وتطبيقها عن اشكال اخرى من العدالة المتعددة العناوين، نظراً لكون العدالة لاتقتصر على عنوان واحد. وقد تم ادراجها في القانون الدولي الانساني بسبعة عناوين هي العدالة المساواتية والسياسية والاجتماعية والتبادلية والقضائية والجنائية والانتقالية. 

 فالعدالة المساواتية ، تعني المساواة بين البشر دون اي تمييز على اساس او العرق او الدين.

 والعدالة السياسية، تعني حق العمل السياسي على قاعدة المساواة بين الناس، وتمكين الجميع من ممارسة حقوقهم السياسية دون قهرٍ أو ظلمٍ اواستعباد .

والعدالة الاجتماعية، تعني المساواة بين الناس في بيئتهم المجتمعية ، لجهة التوزيع العادل للثروة والاستناد الى مبدأ تكافؤ الفرص في الحياة.

والعدالة التبادلية ، تعني توافر نظام التناسب بين ضررٍ  واقع، وتعويض عن هذا الضرر مادياً كان او معنوياً.

والعدالة القضائية، تعني اقامة نظام التناسب بين سلة الحقوق التي للفرد على المجتمع، وسلة الحقوق التي للمجتمع على الفرد، وايضاً سلة الواجبات المتبادلة. 

والعدالة الجنائية، هي بنيان قضائي متكامل، تتناول الجريمة بكل اشكالها ، وتحدد سبل الردع للجريمة والمعالجة بغية الوصول الى مجتمع آمنٍ تسود فيه قيم العدالة الانسانية والاجتماعية.

 اما العدالة الانتقالية، فتعني مجموعة الاساليب التي يجب استخدامها لمعالجة انتهاك حقوق الانسان، وتستمد مشروعيتها ومضمونها من رغبة المجتمع في بناء ثقة اجتماعية.

 ان استحضار مسألة العدالة الانتقالية في هذا الظرف بالذات ، هو الحدث السوري، الذي نتج عنه اسقاط الحكم الذي امسك بمفاصل السلطة لثمانية وخمسين عاماً كانت شديدة الوطأة على شعب سوريا الذي صودرت حرياته العامة، وحفلت سجلاته بالانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان بعضها كان معروفاً ،وبعض تكشفت فظائعه بعد السقوط  ، من الاعتقال لفترات طويلة دون محاكمات، هذا ان كانت عادلة فيما لو حصلت، الى الاختفاء القسري وتدرجاً الى التصفيات الجسدية وهي الاسم الحركي للا عدامات والاغتيالات ، وممارسة كل اشكال القمع المعنوي والمادي التي تندرج  تحت الحالات المحددة حصراً بسلة من الاجراءات العقابية التي يتخذها النظام وفق

 مقتضيات حاجته للامساك برقاب العباد والبلاد على حساب تطبيق احكام العدالة حتى في ادنى معاييرها.

 لفد سقط النظام، وتبين ان السجون ومراكز الفروع الامنية  كانت جحيماً مورست فيه كل اشكال التعذيب، وهذا طبعاً غير الذين كانوا ضحايا البراميل المتفجرة  والغازات السامة والتهجير القسري وانتهاك الحرمات الانسانية والاجتماعية. وانتهاكات النظام المتهاوي لحقوق الانسان لم تقتصر على ابناء سوريا ممن كانوا لايبدون الولاء الاعمى له، بل طالت مواطنين من لبنان وفلسطين والاردن والعراق ومن اقطار عربية اخرى خاصة الطلاب الذين كانوا يدرسون في الجامعات السورية ولم يوالوا النظام السياسي .

 إن اللجوء الى تطبيق اجراءات  العدالة الانتقالية يهدف الى الاعتراف بحقوق الضحايا، وتعزيز ثقة الافراد في مؤسسات الدولة وسيادة القانون  ، وتدعيم احترام حقوق الانسان كخطوة نحو المعالجة ومنع الانتهاكات الجديدة.

 وبالنسبة للامم المتحدة، تغطي العدالة الانتقالية كامل نطاق العمليات والاليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة واقامة العدالة  وتحقيق المصالحة.

 ونظراً للاهمية التي تنطوي عليها العدالة الانتقالية ، انشئ المركز الدولي للعدالة الانتقالية (I.C.T.J) ومركزه الرئيسي في نيويورك ، اضافة الى مركزه الرديف في لاهاي. والمركز يعمل عبر المجتمع للتصدي لاسباب ومعالجة عواقب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان والتأكيد على كرامة الضحايا ومقاومة الافلات من العقاب وتعزيز دور المؤسسات المستجيبة.

 ان العدالة الانتقالية التي ترتكز على ثلاثة اقانيم، هي المساءلة والعدالة والمصالحة ، تُعْنى بالضحايا اولاً، وتصب اهتمامها عليهم للتعويض عن الاضرار التي لحقت بهم، وهذا لا يتم إلا  بالمحاسبة لكل من ثبت ارتكابه انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان. وهذه المحاسبة تحول دون منتهكي حقوق الانسان من الافلات من العقاب. 

 واما العدالة، فهي مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تنطوي على ملاحقات قضائية ولجان تحقيق وبرامج جبر الضرر واشكال متنوعة من اصلاح المؤسسات وتقوي سيادة القانون والديموقراطية . واذا ماطبقت المحاسبة وفق المعايير الانسانية والقانونية  المطلوبة ، فانها مع العدالة تساهمان بلا ادنى شك في كسر دوامة العنف والجرائم الوحشية، واستعادة سيادة القانون والثقة في المؤسسات وبناء مجتمعات قوية وقادرة على وأد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان قبل وقوعها او تجنب تكرارها،  وهذا مايشكل اساساً للمصالحة وهي الهدف الثالث للعدالة الانتقالية.

 ان اعتبار المصالحة واحدة من مرتكزات العدالة الانتقالية، كونها ليست معنية فقط بالتصدي للانتهاكات الحاصلة، انما ايضاً بخلق المناخات التي تحول دون اعادة تكرار تلك الانتهاكات. ولهذا يتم التركيز على تعزيز الثقة بالمؤسسات وبسيادة القانون. وعدم التكرار لايستقيم الا اذا توفرت سلة  من الضمانات القانونية والمجتمعية تشكل بمجملها منظومة متكاملة من الاجراءات الوقائية التي تعالج الاسباب الجذرية للانتهاكات بهدف تجنب تكرارها، وهي تتطلب اصلاحاً دستورياً كما اصلاح مجالي العدالة والامن.

 ان المصالحة تؤدي الى تحقيق سلام مجتمعي، وهو ما يساهم في معالجة المظالم والانقسامات المجتمعية الذي  يفضي لان تكون العدالة الانتقالية محددة السياق وذات بُعْدٍ وطني وتركز على احتياجات الضحايا بقدر تركيزها على تجنب التكرار لانتهاكات حقوق الانسان. وهذا يرمي الى ربط

 المجتمعات بعضها مع البعض الاخر وتمكينها من ايجاد بيئة مجتمعية تساهم في تحقيق السلام المجتمعي.

  ان العدالة الانتقالية التي تعود بدايات الاخذ باحكامها واجراءاتها الى الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية، تبقى مطلوبة بشدة والحاح في المجتمعات التي تحاول وتسعى لاعادة بناء نفسها من جديد والانتقال من واقع اتسم بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان أُرتُكِبتْ في سياق ممارسة القمع السلطوي  او في سياق نزاع مسلح. وفي حال كتلك التي تمر بها سوريا في مرحلة الانتقال السياسي، فإن تطبيق اجراءات العدالة الانتقالية على واقعها الراهن لايقل اهمية عن اجراءات واليات الانتقال السياسي، نظراً لكون السلم المجتمعي والتصالحي ضرورة للسلم الوطني وتحصينه من الاختراقات والانتهاكات الجسيمة.

  وانه بقدر ما هو مهم اعادة البناء المؤسساتي للدولة  واعادة انتاج نظام سياسي جديد يلبي التطلعات الشعبية في دولة مدنية تحكمها قواعد المساواة في المواطنة وديموقراطية الحياة السياسية، فأنه مهم ايضاً وبموازاة البناء السياسي ، بناء سلام مجتمعي مستدام ، وهذا لن يتحقق الا اخذت اجراءات العدالة الانتقالية سبيلها للتطبيق بدءاً بالاعتراف بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وانصاف الضحايا عبر السبل المشار اليها اعلاه.

 ان العدالة الانتقالية التي تتصدى لانتهاكات جسيمة، ُتشعر الفرد او الجماعة المنتهَكة حقوقهم التي كفلتها المواثيق ذات الصلة بحقوق الانسان ، بأن مسؤولية انصافهم هي مسؤولية المجتمع.  اي ان حقوقهم هي حق عام ، لان ما اصابهم، وان الحق  ضرراً مادياً ومعنوياً بهم ، فهو الحَقَ في الوقت نفسه ضرراً مادياً ومعنوياً بالحق العام لانتهاكه احكام القانون.

 وان التصدي لهذا الانتهاك يتعلق بالنظام العام الذي يفترض ان  يثار عفواً من المعنيين بتطبيق اجراءات  العدالة الانتقالية. فهل تطبق احكام هذه العدالة على الواقع السوري في سياق العملية الانتقالية التي املاها اسقاط النظام ؟   ننتظر لنرى …

 

الآثَارُ الاجتماعية والاقتصادية لِلنُّزُوحِ والهِجْرَةِ جَرّاءَ الحَرْبِ فِي السُّودَان

الآثَارُ الاجتماعية والاقتصادية لِلنُّزُوحِ والهِجْرَةِ جَرّاءَ الحَرْبِ فِي السُّودَان

تحليل للتحديات والفرص الممكنة على ضوء الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لتأثيرات الحرب التي أعدتها بعد عام من اندلاعها

قيادة قطر السودان – اللجنة الاقتصادية

 

المقدمة:

 تُعد الحرب، أسوأ الخيارات البشرية الطارئة، ومن أعنف الأزمات التي يمكن أن تؤدي إلى تحولات عميقة في بنية وهياكل الدول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

في السودان، أدت الحرب المدمرة العبثية المستمرة لنحو 21 شهراً، إلى إحداث خسائر فادحة على كافة الأصعدة المختلفة، وهدر غير مسبوق للموارد، منذ نيل البلاد استقلالها السياسي، وضياع الفرص، بالإضافة إلى التدمير الذي طال البنى التحتية، والتخريب والنهب والانتهاكات والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة ضمن مجرياتها، والتحديات المصيرية التي واجهها المواطنون.

وفي المقابل فتحت الحرب ومعاناتها، باباً للفرص التي يمكن استغلالها في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار بوعي جديد وخبرات مكتسبة.

يتناول هذا المبحث تحليل الآثار السلبية والإيجابية للحرب والنزوح والهجرة، مع التركيز على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها جراء طبيعة ومجريات  النزاع الحربي المستمر.

 

أولًا: الآثار الاجتماعية للنزوح والهجرة

 (أ) الآثار الاجتماعية السلبية

1/ تفكك الأسرة والمجتمع: أدى النزوح شبه الجماعي الاضطراري بسبب الحرب إلى تشتيت الأسر وتقسيمها في مناطق مختلفة داخل القطر وخارجه. هذا التشتيت أثر بشكل مباشر على نسيج الأسرة السودانية ونظامها الحياتي، حيث تضررت العلاقات الأسرية بسبب التباعد والعوامل الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الحرب واستمرارها.

2/ زيادة العنف الاجتماعي: بسبب النزوح والهجرة إلى مناطق لأول مرة وربما غير مألوفة وارتفاع الكثافة السكانية في المناطق المستضيفة، ظهرت التوترات بين النازحين والمجتمعات المحلية، إضافة إلى ظهور عدد من الحوادث الاجتماعية في المناطق المستضيفة للنازحين بسبب الاختلاط المفاجئ واختلاف الأنماط الحياتية.

3/ التهديدات الصحية: مخيمات النزوح هي بيئات ذات كثافة سكانية عالية وتفتقر إلى البنية التحتية الصحية، مما يجعلها عرضة لتفشي الأمراض المعدية. حيث يواجه سكان المخيمات والمناطق المستضيفة مخاطر صحية خطيرة بسبب نقص المياه النظيفة، والرعاية الصحية الأساسية، مما عرضهم لأوبئة مثل الكوليرا والملاريا والحمى النزفية وأمراض الصدر والجلدية.

4/ تفاقم الاضطرابات النفسية: تأثرت الصحة النفسية للنازحين، خصوصًا الأطفال والنساء، بشكل كبير بسبب المعاناة من العنف والنزوح القسري. حسب دراسات متعددة أظهرت النتائج أن الأطفال في مناطق النزوح يعانون من اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب، بينما يعاني (40%) من النساء من اضطرابات ما بعد  الصدمة (PTSD).

5/  انعدام الأمن الغذائي: حيث يعاني نحو (25) مليون شخص في السودان من نقص حاد في الأمن الغذائي، بينهم (14) مليون طفل. وحوالي (37%) من السكان، ويقدر بـ (17.7)مليون شخص يعانون من الجوع الحاد. كما أثر النزوح والهجرة على الزراعة، إذ أدى النزوح الجماعي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وتعطل عدد مقدر من المشاريع الزراعية أبرزها مشروع الجزيرة، مما أفقد الملايين مهنهم ومصادر دخلهم، وزاد من الاعتماد على المساعدات الخارجية والواردات.

6/  فقدان الكفاءات وهجرة العقول وتعطل التدريب:

 أدت الحرب إلى نزوح جماعي للكفاءات من الأطباء، المهندسين، والأساتذة الجامعيين، والفنيين والعاملين المهرة، وتعطل مراكز التدريب، مما أدى إلى ضعف التنمية المحلية. كما أدي تعطل التعليم العام والعالي إلى تفاقم مشكلة التعليم وحرمان الطلاب استمرارية العملية التربوية والعلمية وهجرة العقول، مما أضعف فرص التنمية المحلية المستدامة.

7/  ارتفاع معدلات الفقر والتشرد:

فقدان مصادر الدخل أدى إلى ارتفاع مستويات الفقر، وانتشار البطالة في مختلف الفئات العمرية. كما أجبرت الحرب ملايين الأشخاص على النزوح الداخلي والخارجي، والتشرد، مما أدى إلى تفاقم أزمة السكن والخدمات الأساسية وارتفاع أسعارها لمستويات قياسية فاقت قدرة الغالبية الساحقة من النازحين، أجبرتهم على بدائل غير مرضية.

8/ تراجع امدادات الكهرباء : أدى استهداف البنى التحتية لقطاع الكهرباء وتأثر منشآته والعاملين في الحقل إلى تراجع إمدادات الكهرباء وانعدامها بالكامل أو لعدد من الأشهر في غالب الولايات وعدد من المدن الكبرى، إضافة إلى صعوبة توفر المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها خاصة غاز الطهي الذي ارتفع سعر أسطوانته (12.5 ك) من 2.500 قبل الحرب إلى 45.000 ألف جنيه بعد الحرب  إلى حملة  جائرة وواسعة على الغابات والغطاء النباتي كبدائل، سيكون لها تأثيراتها السالبة آنيًا ومستقبليًا، سواء زيادة رقعة وحدة الجفاف والتصحر والزحف الصحراوي أو ارتفاع درجات الحرارة.

 

(ب) الآثار الاجتماعية الإيجابية

1/ تنامي روح التضامن الاجتماعي:

رغم المعاناة، شهدت بعض المجتمعات في السودان تعزيز روح التضامن الاجتماعي من خلال مساعدات إنسانية ومشاريع دعم للنازحين. إضافة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي بين مختلف فئات المجتمع السوداني، من خلال تبني ثقافة التكايا وبنوك الإطعام والعلاج والنفير ومساهمات ومبادرات السودانيين العاملين فى الخارج، التي أظهرت التلاحم والترابط بين المواطنين، ورفع مستويات التعايش، وقبول البعض بغض النظر عن المناطق التي تم النزوح منها في مقابل البديل الزائف المشبع بخطاب الكراهية والعنصرية والتمييز.

2/ مشاركة أوسع للشباب في العمل المدني والطوعي: الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب دفعت الكثير من الشباب، داخل القطر وخارجه، للانخراط في العمل المدني والطوعي بشكل أكبر. حيث شارك العديد منهم في تقديم المساعدات الإنسانية وتنظيم حملات التوعية المجتمعية وإسعاف المصابين والمرضى والإيواء . كما ازدادت الرغبة لدى عدد من الشباب للعمل التطوعي منذ بداية الحرب (بالرغم من المخاطر التي تعرضوا لها، أو التي يُتوقع التعرض لها).

3/ الإندماج الوطني وإعادة تشكيل الهوية الوطنية

أسهم النزاع واستمرار الحرب على بلورة شعور مشترك بالانتماء الوطني والهوية الوطنية الجامعة بين مختلف المكونات السودانية. فقد أدت فترة الحرب إلى بروز وعي وتشكل حركات تطالب بالعدالة والتنمية والسلام والحفاظ على الوحدة الوطنية، وقيمة مضافة بالحلول السلمية، مما يسهم على تشكيل رؤية بثوابت وطنية توافقية جديدة لمستقبل السودان. كما كانت هناك دعوات من قبل العديد من القوى السياسية والاجتماعية لوقف الحرب وإحلال السلام وتشكيل سلطة مدنية ترسي دعائم استدامة نظام ديمقراطي تعددي يوفر المناخ المؤاتي للحلول الوطنية السلمية الديمقراطية لقضايا التطور الوطني وتحقيق التطلعات الشعبية بالإرادة الوطنية .

 

ثانيًا: الآثار الاقتصادية للنزوح والهجرة

 (أ) الآثار الاقتصادية السلبية

1/ الضغط على الموارد الاقتصادية المحلية

 أدى النزوح إلى ضغط هائل على موارد المدن المستضيفة مثل المياه، والغذاء، والطاقة وتزايد مستمر في أسعار المواد الغذائية والسلع الأخرى في غالب المدن التي نزح إليها، مما أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للسكان. كما أن تدمير قواعد الإنتاج الزراعي والصناعي في المناطق الريفية أدى إلى نقص حاد في الإنتاج المحلي.

2/ تعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي

نظرًا لأن الكثير من السكان في المناطق المتأثرة بالحرب يعملون في الزراعة بنحو 65% ، أدى النزوح الجماعي إلى تعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي بشكل كبير. بسبب تدمير الأرض الزراعية ونقص الأيدي العاملة وفقدان الأمان نتيجة للنزوح والحرب.

3/ زيادة معدلات البطالة

 أدى النزوح من الحرب في المدن السودانية، إلى زيادة أعداد السكان في المدن التي نزح إليها المواطنون السودانيين، مما أسهم في تضخم سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة. حيث تجاوزت معدلات البطالة مستوياتها القياسية ما قبل الحرب، بسبب زيادة الطلب على الوظائف والأعمال وقلة الفرص المتاحة.

4/ ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية

ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتكاليف المعيشة في المناطق التي نزح اليها المواطنون، أثر بشكل كبير على الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، في غالب المناطق المستضيفة للنازحين.

5/ خسائر اقتصادية فادحة

 قدر الخبراء خسائر الاقتصاد السوداني بحوالي 200 مليار دولار منذ اندلاع الحرب. (ALQAHERANEWS.NET). إضافة إلى ما أحدثته الحرب من تدمير البنية التحتية تدميراً واسعاَ، مما تسبب في تعطيل عمليات التنمية بمختلف أنواعها.

6/ نهب وتخريب  القطاع المصرفي ومطابع العملة

تعرض الجهاز المصرفي وفروعه وخدمات المالية، والبنك المركزي ومطابع العملة الوطنية، إلى عمليات نهب وتخريب واسعة سواء فى العاصمة التي تهيمن على نحو 65%  في أفرعه وخدماته، إضافة إلى عدد من الولايات والمدن الأخرى، وحالات النزوح، إلى الاستمرار في إغلاق المصارف في العاصمة والولايات التى طالتها العمليات الحربية، مما أدى إلى شلل في الحركة المصرفية والاقتصادية بارتفاع نسبة المخاطر وتآكل رؤوس الأموال وتناقص الاحتياطيات، وتزايد تراجع الثقة بالنظام المالي، مما أضعف الاستثمارات الداخلية والخارجية.

7/ توقف التجارة الخارجية

تضررت حركة التجارة الخارجية، حيث انخفضت صادرات السودان بشكل حاد، مما أثر سلبًا على توفر السلع الأساسية. (PHAROSTUDIES.COM). كما أن توقف حركة الاستيراد والتصدير وتنامي تهريب الذهب وسلع الصادرات والعملات الحرة، أثر سلباً على الميزان التجاري وعلى التجارة الخارجية وتوفر السلع الأساسية مما أسهم في ندرتها أو ارتفاع أسعارها.

8/ انهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع التضخم

 تسببت الحرب في تدهور قيمة الجنيه السوداني، حيث أن تراجع قيمة العملة المحلية بنحو (335%) أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين وتآكل المدخرات إضافة إلى العجز عن الوفاء بصرف مرتبات العاملين بالدولة لعدة أشهر وتوجيه سلطة الأمر الواقع بإيقاف صرف مرتبات من يتهم بالتعاون مع قوات الدعم السريع، دون تحقيق أو صدور حكم قضائي، الأمر الذي يتنافى مع التزامات السودان بالقوانين الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية التي تنص على حماية حقوق العمال وضمان صرف الأجور .

(ب) الآثار الاقتصادية الإيجابية

1/ توزيع القوة العاملة

رغم الضغط على الموارد، ساعد النزوح في إعادة توزيع القوة العاملة وعدد من الصناعات التحويلية على مناطق جديدة، مما أدى إلى نمو بعض الأسواق الجديدة. وتزايد  عدد المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يديرها النازحون في المناطق الحضرية التي نزحوا إليها أو اقتبستها المجتمعات المحلية.

2/ تعزيز التحويلات المالية

حول العديد من النازحين كل أو جزء من أرصدة ورأسمال أعمالهم إلى مناطقهم الأصلية أو مناطق أخرى، مما ساعد في تعزيز الاقتصاد المحلي، والمساهمة في استدامة بعض الاقتصادات المحلية وتطويرها.

3/ إحياء الأسواق المحلية:

تدفق النازحين إلى المدن الكبرى ساهم في تنشيط بعض الأسواق المحلية، حيث ازداد الطلب على السلع والخدمات، مما ساعد في تحفيز بعض القطاعات الاقتصادية غير الرسمية مثل التجارة الصغيرة والورش والمشاريع الزراعية والمهن الحرفية.

4/ ظهور اقتصاد الحرب والابتكار في الأزمات

 نشوء اقتصاد غير رسمي، فبالرغم من الأوضاع المتدهورة، ازدهرت بعض الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية مثل التجارة عبر الحدود والتجارة الإلكترونية الصغيرة، مما وفر فرص عمل محدودة لبعض الفئات. كما أدى تعطل المصارف إلى انتشار حلول مالية غير تقليدية مثل الدفع عبر الهواتف المحمولة وتحويل الأموال عبر قنوات غير رسمية، مما ساهم في إبقاء بعض المعاملات التجارية نشطة.

5/ تعزيز الاعتماد على الموارد المحلية

زيادة الإنتاج المحلي، فنظرًا لصعوبة الاستيراد ومحدودية السوق، توجه بعض المستثمرين إلى تعزيز الإنتاج المحلي في قطاعات مثل الزراعة والصناعات الغذائية، مما يسهم في تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. إضافة إلى تبني تحفيز الابتكار الزراعي، حيث بدأ بعض المزارعين باستخدام تقنيات أكثر كفاءة في استغلال الموارد والمساحات المتاحة، مما يعزز الإنتاج الزراعي في المستقبل.

6/ زيادة الوعي الاقتصادي والإصلاحات المحتملة

المطالبة بالإصلاحات الاقتصادية، حيث أجبرت الحرب سلطة الأمر الواقع والمجتمع المدني على البحث عن حلول لإعادة هيكلة الاقتصاد، مثل مكافحة الفساد وتحسين بيئة الاستثمار. إضافة إلى التحرك نحو اقتصاد حقيقي أكثر شفافية، انطلاقاً من أن مع الأزمات تأتي فرص جديدة أو بديلة لإعادة النظر في السياسات الاقتصادية وتعزيز الشمول المالي والرقابة المالية.

 

يتبع لطفاً..

سينهض المارد ويتحرر العراق بسواعد الشباب
سينهض المارد ويتحرر العراق بسواعد الشباب
علي العتيبي  
حينما نقرأ التاريخ نجد أن العراق هو مهد وسيد الحضارات في العالم، وعمر حضارته أكثر من عشرة آلاف سنة، ومر بظروف عديدة ممكن وضعها وفق رسم الخطوط البيانية فنراه أحياناً في أعلى القمة وأخرى يهبط بسبب عوامل خارجية حاقدة عليه. في تاريخنا نجد أشرس هجمة عليه هي احتلال المغول والتتار بمساعدة وخيانة وزير الخليفة العباسي ومستشاريه ابن العلقمي والطوسي لما يحملانه من بذور الحقد على العروبة وميلهم إلى الفرس وترسيخهم للطائفية التي ولدت لديهم الكره للعرب الذين اطفؤوا نار المجوس وأناروا العالم بنور الإسلام، ولهذا تجد أغلب الفرس يتباهون بحضارتهم ويطعنون برموز الإسلام التي حررتهم من عبادة النار إلى عبادة الواحد الأحد. إن الغزو الوحشي الذي خلط دماء العراقيين بحبر كتبهم دليل على حقد دفين على حضارة بلاد الرافدين،
أما تحالف الفرس مع المغول والتتار ومع اليهود فسببه أن أي حضارة لبلاد فارس لا تقوم إلا باحتلال العراق ونهب خيراته، واستمرت هذه النظرة حتى يومنا هذا، لأنه لولا احتلالهم لبلاد العرب فسنرى بلاد فارس تعيش المجاعة، لأن 70 بالمئة من صادرات إيران هي من الأحواز و80 بالمئة من سلتها الغذائية أيضاً من الأحواز، واطلالتها على الخليج العربي وبحر العرب كلها من الأحواز، ولهذا بدون احتلال إيران لأرض العرب لن تقوم لها قائمة.
أما الغزو الأبشع في تاريخنا الحديث هو الغزو الأمريكي سنة 2003 ومن تحالف معه وخاصة التحالف الثلاثي الغادر (أمريكا وإيران والكيان الصهيوني) والسبب معروف ومعلن لأن الغرب والكيان الصهيوني والفرس لا يريدون أن ترتفع راية العروبة وصنوها الإسلام الحقيقي الذي يمثله في هذا الزمن أفضل تمثيل حزب البعث العربي الاشتراكي الذي سعى ويسعى دوماً إلى وحدة العرب، ويرتكز في نضاله ويستمد عزيمته من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومهما حاول أعداء البعث اتهامه بغير ذلك يبقى البعث هو وريث الرسالة الخالدة، والتي خلدها القائد المؤسس بجملة واحدة ( كان محمد كل العرب فليكن اليوم كل العرب محمدا) وهذا لا يخدم أعداء العروبة والإسلام، لأن وحدة العرب ونهوضهم معناه سيادة الأمة ونشر مبادئ العدل والمساواة والتحرر من قيود العبودية بكل أشكالها، وهذه المبادئ أعلنها ويعلنها البعث دوماً وفي كل مناسبة وتسلمه السلطة في العراق ليس من أجل السلطة، وإنما من أجل تحقيق أهداف البعث لنهضة الأمة، فتكالب عليه الأعداء وتحالف معهم كل حاقد على العرب وعلى البعث ممن ينظرون للبعث عدواً لنزواتهم ويهدد كراسيهم، فكان هذا التحالف الخبيث الذي بث سمومه أولاً من خلال ساعات البث الفضائي ثم الحرب والحصار وآخرها الغزو الذي شارك فيه كل بعض جيران العراق وساندوا المحتل الأمريكي والحلف الصليبي الصهيوني الصفوي، وتحالف معهم عمائم السوء بفتاوى مسمومة تسمح بهدر دماء العراقيين واستباحة أراضيهم وسرقة أموالهم، وقد استخدمت هذه الفتاوى حتى لنشر الرذيلة وفساد الأخلاق وتدمير المجتمع وبث النعرات الطائفية وسيادة الجهل والفقر والجريمة. منذ 2003 ولحد الآن ماذا حصل في العراق؟ فبدلاً من سيادة القانون أصبحت سيادة الجريمة وتحكم الفاسدين بشؤون بالدولة-
إن كانت هناك دولة- قتل كل من يقف ضد المشروع الفارسي وولاية الفقيه، والطعن بكل من يدعو إلى الفضيلة ومحاربة الفساد وبعد هذا كله وبعد أن خرج شباب العراق الثائر ضد الأحزاب والميليشيات والفساد وبعد أن قدموا آلاف الضحايا فلا زالوا ممسكين بمبادئهم التي هي أصلاً مبادئ عروبية أصيلة رسخها الإسلام ونهجها البعث.ومن هنا نقول مهما طال الزمن فالبقاء للأحرار، وكل محتل ومعتدي وظالم إلى زوال، ولنا في تاريخ الغزاة عبرة. ويكفي فخراً لحزب البعث أن شباب العراق وحتى من لم يعش فترة نظام الحكم الوطني يتباهون به ويتمونون رجالاً مثلهم وحتى من بين منتسبي الأحزاب والميليشيات من صار يعلنها صراحة إن الحكم لا يصلح إلا لرجال العراق الأحرار وهذا بحد ذاته ضربة قوية على رأس العملاء. ستمر السنوات الصعاب، وتنجلي هذه الغمة مهما طالت، ويعود العراق- عراق الرجال- والأمل معقود بالشباب لأنهم عماد المجتمع وقادة المستقبل.