شبكة ذي قار
تموز العز والفخر والمنجزات

تموز العز والفخر والمنجزات

علي الأمين

 

لشهر تموز مكانة خاصة عند العراقيين الشرفاء ما أن يقبل تموز حتى يبدأ العراقيون الغيارى يرددون أنشودة  : (فرحانه ديرة هلي تموز من هليت)

وفي تموز المبارك يحلم العراقيون الشرفاء بالتغير وولادة نظام وطني ويخدم العراق والعراقيين والأمة العربية على غرار ما حدث في عام ١٩٦٨ بثورة البعث العظيم

ثورة ١٧_٣٠ تموز وما تحقق من إنجازات عظيمة يشهد لها القاصي والداني ولم يشهدها العراقيون من قبل ومن بعد بهذه الإنجازات والمكانة العظيمة التي حققها النظام الوطني بقيادة قادة حزب البعث العربي الإشتراكي والتي لازالت مآثرها باقية وينعم بها العراقيون رغم الاحتلال البغيض والإتيان بحكومات متعاقبة تدعي الوطنية ولكنها في الحقيقة شرطي للاحتلال الأمريكي والإيراني دون واعزٍ من ضمير يؤنبهم لخدمة العراق والعراقيون الذين ينحدرون كما يقولون من سلالة العراق العظيم

أثبت البعث العظيم وثورته الخالدة للمحتلين قبل الاصدقاء بأن ولائهم صادق للعراق والأمة العربية ويقف بوجه الأطماع سواء الفارسية أو العرقية أو الطائفية وكل ما يمد بانتهاك وحدة العراق وسمعته ولذلك أصبح المعول على إعادة العراق إلى مكانته وقيادته للأمة العربية أمر واقع لا بديل له.

المطلوب مما تقدم ينبغي على كل الفصائل الوطنية والتيارات التي ترغب بالتغير وإعادة العراق إلى أصحابه الشرعيين الاصلاء توحيد الصفوف والكلمة بعيداً عن المناكفات والأنانية إن وجدت لأن مصلحة العراق وتحريره واجب وطني مقدس وأمانة في أعناق وضمائر الشرفاء من وطني العراق.

مكانة المرأة في ثورة 17 تموز الخالدة:  من التقاليد البالية إلى الريادة الحضارية

مكانة المرأة في ثورة 17 تموز الخالدة:

 من التقاليد البالية إلى الريادة الحضارية

فاطمة حسين

 

حين انطلقت ثورة 17 تموز الخالدة، لم تكن مجرد انقلاب سياسي أو تغيير في قمة هرم السلطة، بل كانت ثورة اجتماعية شاملة غيّرت وجه العراق، وحررت فئات واسعة من الشعب من أغلال التخلف والتمييز، وفي مقدمتهم المرأة العراقية.

لقد عانت المرأة قبل الثورة من التقاليد العشائرية البالية، فكانت تُحرم من التعليم، ويُحجر عليها الخروج من بيتها، وتُختصر حياتها بين الجدران، لا يُسمع لها صوت في السياسة، ولا يُرى لها أثر في ميادين العمل والإبداع. كانت النظرة السائدة إلى المرأة أنها كائن تابع لا دور له إلا الإنجاب وخدمة العائلة، وحرمت من أبسط حقوقها الإنسانية والاجتماعية.

لكن مع مجيء ثورة 17 تموز، تغير كل شيء. فقد تبنّت الثورة مشروعاً حضارياً شاملاً للنهوض بالمجتمع، وكانت المرأة في قلب هذا المشروع. فشُرّعت القوانين التي تضمن لها المساواة، وتم دعمها لتأخذ مكانها في كل مفاصل الحياة. فأصبحت المرأة طبيبة ومهندسة وأستاذة جامعية ومعلمة، وبرزت كشاعرة وكاتبة وفنانة وممثلة وسياسية، وولجت جميع مجالات العمل والإبداع. لم تعد مجرد تابع، بل شريك فاعل في صناعة المستقبل، تمارس حقها في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، وتسهم في بناء الدولة الحديثة.

كان دعم المرأة نهجاً ثابتاً للدولة في تلك المرحلة، انطلاقاً من الإيمان بأن النهوض بالمجتمع لا يتم إلا بتحرير نصفه المكبّل. ولهذا، شهدت السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وإلى الاحتلال الامريكي الغاشم على العراق حضوراً نوعياً وكثيفاً للنساء في الوزارات، ومواقع القرار، والمؤسسات العلمية والثقافية، وحتى في صفوف القوات المسلحة والجيش الشعبي والدفاع عن الوطن بوسائل متعددة.

لكن، للأسف، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، تم تقويض كل هذا الإرث التقدمي. فقد جرى تهميش المرأة وإعادتها إلى الهامش الاجتماعي من جديد. حلّ الفكر الطائفي والرجعي محل الفكر الوطني والتقدمي، وتراجعت القوانين التي كانت تحمي حقوقها. ولم تكتفِ قوى الظلام بإقصاء المرأة، بل سعت إلى تيئسها، فتم تسليع جسدها وتحويلها إلى أداة لجذب الانتباه في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت موجة “البلوكرات” وبائعات الوهم والهوى، في مشهد لا يمثل المرأة العراقية الأصيلة التي أنجبت الابطال والعلماء والمناضلين.

إن مقارنة بسيطة بين مكانة المرأة في ظل ثورة 17 تموز وما آلت إليه اليوم، تكشف حجم التدهور والانحدار، وتدق ناقوس الخطر. فالمرأة اليوم تُقصى وتُهمّش، وتُستغل في إعلام هابط، وواقع اجتماعي يغيب عنه القانون والعدالة.

ختاماً، إن استعادة مكانة المرأة لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة الإعتبار للمشروع الوطني الذي آمن بها واحتضنها، ورفض كل أشكال التمييز والاستغلال. فنهج ثورة 17 تموز لم يكن يوماً مجرد ماضٍ يُذكر، بل هو مستقبل يجب أن نعود إليه لننقذ العراق من واقع الانهيار والانحدار.

البعث والسلطة ثورة ١٧ تموز نموذجاً

البعث والسلطة

ثورة ١٧ تموز نموذجاً

د. نضال عبد المجيد

 

    يجول في مخيلة العديد من المثقفين ومن المواطنين العرب، سؤال يتردد صداه باستمرار : (هل حزب البعث العربي الاشتراكي، عند سعيه لتسلم السلطة كان يطمح أن يستفيد من مغانمها، ويحول ثروات البلاد لمنفعته الشخصية)؟.

أم أنه صاحب مشروع، أراد به أن يجعل من هذه السلطة وسيلة لتحقيق مشروعه القومي. ببناء العراق، بل والأهم بناء الإنسان فيه. ليكون قادراً على الاضطلاع بالبناء لأنه الوسيلة والغاية في ذات الوقت.

سفر الـ ٣٥ عاماً، وسيرة مناضلي البعث الشجعان وتجردهم ونكران ذاتهم، شواهد حية على ما نقول.

البعث تلك الحركة التاريخية، لم يكن في ضميرها ووجدانها أن تسلم السلطة في أي قطر من الأقطار، هي محطة للأثراء والمكاسب. بل هي الوسيلة المركزية لتحقيق أهداف النضال الوطني والقومي.

في يوم ١٧ تموز ١٩٧٩ ألقى الشهيد القائد صدام حسين خطاباً للشعب والأمة، ومن بين ما قاله في ذاك اليوم ” إن السلطة في نظرنا ليست الحكم والتحكم وارضاء الذات بل هي العبء الذي نحمل لخدمة الشعب والأمة” 

لم يكن تسلم السلطة هدفاً بحد ذاته، وحيثما تهيأت الفرصة في أي قطر، فإن ثقل النضال القومي سيكون موجوداً فيها.

 في شباط ١٩٦٨ عقد المؤتمر القومي التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي، بعد نكستين مريرتين كانت الأولى، ردة ٢٣ شباط ١٩٦٦ الممهدة للثانية في ٥ حزيران ١٩٦٧.

وقد أقر المؤتمر استراتيجية النضال القومي القائمة على النضال الشعبي كطريق لمجابهة التحديات التي تعصف بالأمة وتم الاتفاق على قيام قيادة قطر العراق بتصعيد النضال باتجاه أن يتبوأ العراق مكانته على طريق تحقيق أهداف النضال العربي.

وعليه اتخذ البعث قراره الجريء بتفجير ثورة ١٧ تموز القومية الاشتراكية، لتوظف هذه الثورة وما تتيحه إدارتها للدولة من امكانيات العراق البشرية والمادية، لبناء نموذج قومي يحتذى به. مما استجلب هذا البناء، الأعداء من كل حدب وصوب من الذين يريدون الشر للعراق وللأمة، لوأد هذه التجربة التي ظلت تكافح ٣٥ عاماً دفاعاً عن الشعب والأمة وليس دفاعاً عن سلطة.

كيف تعامل البعث مع هذه السلطة..

 وكيف تعامل مناضلوه معها؟.

 أثبت التاريخ ووقائع السنوات الخمس والثلاثين أن مناضلو البعث لم يحولوا ثروة العراق لمنفعتهم الشخصية، لم يكتنزوا الأموال، ويفتحوا الحسابات البنكية في سويسرا، ولم يأخذوا عمولات عن عقود التنمية، التي كانت بالمليارات من الدولارات، ومن كان يضعف أمام اغراء المال كان سيف القانون الصارم يحاسبه بأشد مما يحاسب المواطن العادي.

إن عفة يد قادة ومناضلي البعث الذين عاشوا مثل شعبهم، أيام الرخاء أو أيام القتال أو أيام الحصار الجائر ولم يميزوا أنفسهم بأي ميزة رغم ثقل الواجبات التي أنيطت بهم والتي استوجبتها ظروف الحصار والمواجهة، والتي تخرج بالضرورة عن مهمات الحزب السياسي.

فكانوا بحق أول من يضحي وآخر من يستفيد، واستفادتهم هنا، هي هذا الإرث الشامخ من سفر التضحية والفداء دفاعاً عن الوطن والأمة. واستفادتهم هذا البناء المادي، الذي حشدت دول كبرى كل امكانياتها لتدميره.

نذكر هذه الخصال الرفيعة لمناضلي البعث ولقيادتهم الشجاعة ونحن نعيش أجواء الذكرى السابعة والخمسين لثورة تموز

ليس من باب المقارنة التي لا تصح اطلاقاً، بين البناة وبين أصحاب معاول الهدم، بين المضحين وبين الخونة والجواسيس الذين سلطهم سيدهم المحتل الأمريكي على مقدرات هذا الشعب. فعاثوا في الأرض الفساد واستهانوا بمقدرات البلاد ودماء أبنائه، بل نذكر الأجيال أن ثورة ١٧ – ٣٠ تموز ١٩٦٨ لم يفجرها البعث من أجل السلطة ومكاسبها، مثلما فعل ويفعل الكثيرون، وخاصة هؤلاء المتسلطون على رقاب شعب العراق، الذين حولوا السلطة إلى بقرة حلوب لهم ولزبانيتهم، بل من أجل بناء دولة تكون نموذجاً لكل أقطار الأمة. دولة القطر النموذج.

فمن الإنصاف أن يذكر البعثيون بأنهم لم يغتنوا ولم يتنعموا بالسلطة، التي كانت بأيديهم الأمينة مكرسة لخدمة الشعب والأمة وتحقيق أمانيهما في التقدم والتطور.

ثورة 17 تموز 1968 المجيدة، ثورة القول والفعل الشجاع خدمة للعراق العظيم والأمة العربية المجيدة

ثورة 17 تموز 1968 المجيدة …

 ثورة القول والفعل الشجاع

خدمة للعراق العظيم والأمة العربية المجيدة

علي العتيبي

 نستلهم من قوله تعالى (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَٰهُمْ هُدًى) مدخلا للحديث عن الثورة. في كل عام نكتب ويكتب الكثير عن الثورة وما أنجزته خلال مسيرتها التي حققت فيها الكثير رغم تكالب الأعداء عليها منذ اليوم الأول للثورة حتى عجزوا عن حرفها عن مسارها التي كانت تجسيداً لمبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي، والذي يعتبر شوكة أمام مخططات الاستعمار والامبريالية والصهيونية والرجعية العربية بما فيهم متقمصي ثوب الدين ورغم وما مرت به الثورة والبعث وقيادتهما من طعن وشيطنة واكاذيب وبهتان إلا أن تأثيرهما خالد في نفوس الجماهير.

في هذا العام تتزامن ذكرى الثورة مع أيام شهر محرم الحرام الذي خرج فيه الإمام الحسين عليه السلام بثورته المطالبة بالإصلاح ، وبقي صدى ثورة الحسين إلى يومنا هذا نبراساً لكل الثائرين، وهكذا كانت ثورة البعث حيث حملت كل معاني الرسالة الخالدة التي جاء بها الدين الإسلامي الحنيف ورسالة نبينا الكريم محمد صلى الله وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين، فجمعت مبادئ البعث الثورية التحررية والتقدمية كل هذه المعاني فكان رجال البعث رجال ثورة تموز هم الفتية الذي آمنوا بهذا الهدي فقدموا أنفسهم فداء للوطن والأمة من خلال الفعل الجريء والشجاع للقيام بثورة 17 تموز المجيدة بعد أن عانى العراق وشعبه الكثير من الظلم وانتهاك للسيادة مع وجود الاستعمار الاقتصادي المتمثل بسيطرة شركات النفط الاحتكارية على نفط العراق وموارده، وكذلك التغلغل لجواسيس الكيان الصهيوني ،  وازهاق أرواح آلاف العراقيين في معارك داخلية في شمال العراق نتيجة لوجود مطالب لأخوتنا الأكراد في مناطقهم والجميع مستغل الضعف الذي عرفت به حكومات ما قبل 17 تموز ومنها تم شحذ الهمم لرجال البعث فكان التخطيط للقيام بالثورة ولكن شاءت الأقدار أن يتمكن بعض المتنفذين في السلطة من معرفة موعد التخطيط للثورة ولكونهم انتهازيون يبحثون عن السلطة فتمت المساومة إما أن نكون معكم ونستلم الحكم أو ننهي مشروع ثورتكم، فكان القرار التكتيكي الشجاع الذي اتخذ بالموافقة، وهكذا تحققت الثورة في 17 تموز لكن علقت بها شائبة تسيء للثورة ولمبادئ البعث فكان لزاماً تطهير الثورة وإعادة نهجها الصحيح، فتحقق ذلك بجرأة وشجاعة لا نظير لها وبوقت زمني قصير حيث تحرر البعث وثورة تموز من الدخلاء في 30 تموز وحافظ البعث على نصوع وبياض رايته لهذا اقترن التاريخ 17-30 تموز لبيان معاناة المناضلين أولئك الفتية الذي آمنوا وزادهم هدى خلال الـ 13 يوم.

لا نتحدث عن إنجازات ثورة تموز وما مرت به من تآمر وحروب شنت على العراق والمخططات الشيطانية لإسقاط النفس القومي العربي المتمثل بالبعث، ولكن نستلهم في هذه الذكرى من  رسالة النبي محمد ثم ثورة الحسين وثم ثورة 17 تموز لتكون نبراساً للأجيال للقيام بالثورة على الظلم والطغيان وقبلهما الاحتلال المركب وتسلط العملاء والمجرمين والفاسدين على رقاب الشعب منذ 2003 وحتى يومنا هذا فالبعث وضع تلك الأحداث نصب عينيه لتحقيق الانتصار، وهكذا مطلوب من الشعب أن يأخذ بالأسباب وينظم صفوفه ويوحد جهوده وامكاناته لتحقيق النصر الذي بدأت شرارته بعد 2003 بالفعل المقاوم الذي أجبر أمريكا للانسحاب من العراق، ثم جاءت اعتصامات الشعب للثورة ضد الظلم، ولكن المؤامرة عليه كانت كبيرة فقد تكالبت جميع قوى الظلام ضده فأدخلوه في دوامة داعش ثم الميليشيات الطائفية المجرمة، ولكن هذا الشعب الجبار لم يستسلم بل قام بثورته التي أشعل شرارتها في تشرين ولازالت الشعلة مستمرة، ومن يتابع مطالب الشعب وآرائه بثورته وبالأحزاب والميليشيات المتسلطة الآن يجدها أنها تتطابق مع مبادئ وعقيدة وأهداف البعث، فصار كل عراقي يطالب بحقوقه وحقوق العراق والأمة ينعت بالبعثي، ومع الأسف يعتبرها البعض سُبة، لكننا نعتبرها فخراً للبعث بأن أعداءه اعترفوا بأن الوطنية تجسدت بالبعثيين وما أنجبت الرفيقات والماجدات من أبطال.

في ذكرى الثورة نستذكر أبطالها الذين نعرفهم رجال البعث رجال المبادئ، الذي تركوا لنا إرثاً عظيماً نفتخر به من خلال ما حققوه وما دونه التاريخ لهم من إنجازات ومواقف جعلت أعداء البعث والعراق التاريخيين والذين نطلق عليهم التحالف الغادر والمتمثل بالصادات الثلاث (الصهيونية والصليبية والصفوية) لأنهم ليسوا فقط أعداء للبعث بل هم أعداء تاريخيون للأمة العربية وورث البعث ورجاله  وأطلقوا بمراسلاتهم السرية التآمرية اسم (العوسج) على البعث وقيادته (العوسج هي شجرة أشواك لا يمكن أن تبتلع)، هذا العداء من هذا التحالف واثبتت الاحداث صدق ما نقول خاصة بعد ثورة 17 – 30 تموز حيث امم النفط وطرد الشركات الاحتكارية فحشدت الامبريالية حشودها ضده وساهم مساهمات فاعلة في حروب تحرير فلسطين وابكى الصهاينة وهذا فخر لنا فكان ازدياد العداء التاريخي لأننا نذكرهم بالسبي البابلي أما الفرس الصفويين لم ينسوا تحرير الإسلام لبلاد فارس من دين المجوسية وادخال نور الإسلام وقبلها تحالفهم مع اليهود ضد بابل ثم تلى كل ذلك تجرع خميني السم واجباره على وقف الحرب التي شنها ضد العراق والذي كان يحلم بإمبراطورية كسرى ومركزها بغداد فأضعنا عليه أحلامه، وهكذا أصبح تحالفهم ضد البعث وثورته مستمر حتى احتلال العراق في 2003، ويعتقدون أنهم نجحوا، ولكن هيهات أن ينجح ذلك ومبادئ البعث المستمدة من مبادئ الرسالة الخالدة مشتعلة في النفوس ورغم أكثر من 22 سنة على الاحتلال وسنهم لقوانين الاجتثاث والتجريم، فلم تثنِ عزيمة الرجال الأبطال بل بقوانينهم هذه أعطوا للبعث شهادة أنه حزب الوطنيين العروبيين الأحرار، واليوم نسمع ونرى أبناء شعبنا العراقي العظيم وشباب أمتنا العربية كيف يتغنون برجال البعث ورجال ثورة تموز، ويتمنون عودتهم للحكم وعلى رأسهم شهيد الحج الأكبر القائد صدام حسين الذي تنبأ باستشهاده من أجل العراق.

المجد والخلود للبعث ومبادئه وقادته ولثورته المجيدة

الرحمة والغفران لكل شهداء البعث وثورة 17 تموز

التحية لكل بعثي لازال حاملاً مبادئ البعث العظيم ورسالته الخالدة ومرتبطاً برمز البعث قيادته القومية المناضلة الشجاعة ومعهم رجال الأمة.

التحية للشباب الثائر ضد المحتل الفارسي والصهيوني في العراق ولبنان واليمن والأحواز وفلسطين وفي كل مكان من أمتنا العربية المجيدة.

نظرة إلى تطور العلم والتعليم والبحث العلمي في العراق في ظل ثورة تموز ١٩٦٨

نظرة إلى تطور العلم والتعليم والبحث العلمي في العراق

في ظل ثورة تموز ١٩٦٨

أبو الحسنين علي

 

يصعب جداً الإحاطة بكل تفاصيل ما فعلته ثورة تموز ١٩٦٨ للعراق وشعبه في حقل العلم والتعليم والبحث العلمي.

إن ما يجب تثبيته انصافاً للتاريخ وللحقائق أن رجال الثورة كانوا يؤمنون بالعلم وبدور البحث العلمي في صياغة مسالك تطور البلاد والعباد من جهة، ومن جهة أخرى فإن ضخامة وفخامة وعظمة ما تحقق في هذه الميادين يؤكد حقيقة أن الثوار والثورة قد حققوا عملياً معاني جليلة للتغيير الثوري الذي يؤكد أن تموز ١٩٦٨ لم تكن انقلاباً بل كانت ثورة بعميق معانيها الأيديولوجية والشعبية والسياسية.

في ميدان التعليم:

توزعت إنجازات الثورة على جغرافية العراق طولاً وعرضاً، حيث بنيت آلاف المدارس، وتم تأهيل مئات آلاف المعلمين والمدرسين في معاهد وكليات أسست لتغطي حاجة الثورة ونهجها لإلغاء أمية شعب العراق التي كانت قبل الثورة تتجاوز ٧٠ بالمئة، وجهزت الثورة مستلزمات التعليم من كتب وقرطاسية مجاناً لكل الطلاب وبالمراحل كافة.

أصدرت الثورة قوانين إلزامية التعليم ومجانيته، فكان من واجبات الشرطة الجديدة في عهد الثورة متابعة العوائل لإدخال أبنائهم وبناتهم في المدارس والاستمرار فيها، ورفعت الثورة قدر المعلم واهتمت بحياته سكناً وراتباً وعناية صحية.

في حقل التعليم العالي تم تأسيس عشرات الجامعات والكليات والمعاهد في كل محافظات العراق، إضافة إلى جامعات بغداد والبصرة والموصل العريقة.

تم تأهيل آلاف الأساتذة حملة الشهادات العليا في بلاد العالم المتقدمة، ومنحتهم الدولة امتيازات فريدة، وازداد عدد الطلاب بمئات الأضعاف مع التأكيد على جودة التعليم المعترف بها عالمياً.

كانت الجامعات العراقية مصدراً للعلم والبحوث وبراءات الاختراع، وارتادها آلاف الطلبة، من البلاد العربية وغير العربية.

العلم والبحث العلمي:

كانت مؤسسة (مجلس البحث العلمي) و (منظمة الطاقة الذرية) أبرز شواهد عناية الثوار والثورة بالعلم ومؤسساته، فقد ضم مجلس البحث العلمي مراكز بحثية متخصصة للفضاء والفلك والهندسة والنفط وعلوم البيولوجي والبحوث الزراعية وغيرها، وكان العمل حثيثاً لرفع إنتاجية الباحث العلمي العراقي إلى ما يزيد على اثنين ونصف بحث سنوي لعبور هذه العتبة التي وصلتها دول متقدمة عدوة وصديقة، وكانت رواتب وامتيازات الباحثين في الطاقة والمجلس قد تزيد على رواتب الوزراء.

وفرت الدولة المراجع والمصادر وأدوات ومواد البحث في هذه المؤسسات فضلاً عن توفيرها في الجامعات العراقية المختلفة.

لقد انتظمت المؤتمرات العلمية والندوات وورش العمل والمشاركة فيها داخل العراق وخارجه، وتم بسخاء اسناد المجلات العلمية الدورية في مختلف الاختصاصات العلمية والإنسانية. كذلك كان آلاف من الأساتذة والباحثين يتمتعون بامتيازات التفرغ العلمي داخل وخارج العراق.

لقد شهد العراق في حقبة حكم ثورة البعث نهضة علمية شهد لها القريب والبعيد وصار العراق محط أنظار الدارسين والباحثين العرب وغيرهم.

إن الافتراءات والكذب على معاناة في قطاع التربية والتعليم ستبقى أداة عدوانية سافرة، وخاصة بعد الاحتلال المجرم سنة ٢٠٠٣، والحديث عن معاناة لشعبنا عموماً لا تصدق إلا في حالة واحدة هي الحالة التي خلقتها ظروف العدوان الخارجي والحصار الظالم.

لقد ظلت الرفاهية العراقية قائمة حتى زمن عدوان إيران وحربها الظالمة لثمان سنوات، غير أن تطوير أدوات العداء لشعب العراق عبر حصار جائر لم يشهد له العالم مثيلاً قد كان أحد وسائل تهديم ما بناه العراق وشعبه تحت قيادة ثورة ١٧-٣٠ تموز المجيدة.

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة ١٧-٣٠ تموز المجيدة: استذكار للاستلهام

افتتاحية العدد 421 من مجلة صدى نبض العروبة- الخاص بالذكرى 57 لثورة 17-30 تموز المجيدة

 

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة ١٧-٣٠ تموز المجيدة: استذكار للاستلهام

 

أمس ثورة البعث العظيمة في تموز ١٩٦٨ م في العراق ليس ببعيد، ولم يغب عن ذاكرة شعبنا الأبي، ليس لأنه شامخ بما أنجز فقط بل لأن أعداء الثورة بكل أشكالهم وألوانهم وجغرافية وجودهم يهاجمون الثورة وحزبها وقيادتها إعلامياً ليل نهار بكل وسائل الإعلام والتواصل في محاولات مستميتة، غير إنها فاشلة، لتبشيع تاريخ الثورة المجيد، ولتغييب ما حققته للعراق وللأمة العربية من مكاسب وإنجازات تاريخية كثيرة وعميقة.

لذلك فنحن حين نحتفي بالذكرى ٥٧ للثورة فإننا لا نخوض في التاريخ لاستحضاره بل نتعاطى مع واقع مادي واعتباري قائم لن يزول لأن جذوره ممتدة في عمق أرض العراق، ونوعيته في محصلتها الإجمالية لم ينتج مثلها قبل ثورة الشجعان الوطنيين القوميين الأحرار، ولأن ما جاء على مذبحها هم جيوش الغزاة وقطعان الرذيلة السياسية والاجتماعية والمنقطعون عن سمات الوطنية انقطاعاً وراثياً.

لقد تم تفجير ثورة البعث عام ١٩٦٨ م من رجال عراقيين يمتلكون الفكر والعقيدة، ويعرفون قيم وسبل وقوانين إدارة الدولة، ويجيدون التخطيط، ويعرفون معرفة علمية وموضوعية ما يريدون تبديله.

جاءت الثورة بعقيدتها الوطنية القومية لتطبق معاني الثورة في التغيير الشامل والجذري في كل مسارات حياة الإنسان ومنهج الدولة وسياساتها.

 لقد نجحت ثورة تموز ١٩٦٨ في بناء العراق ورفع شأنه وتحقيق الاستقلال الناجز، وفجرت خطط التنمية بإلغاء هوامش التخلف عبر حرق الزمن بجهد قيادي وشعبي جبار، ونجحت نجاحاً باهراً في تحويل العراق إلى أرض العرب المحررة الممثلة لدولة الأمة الواعدة.

إن عوامل الاستعداء البشع للثورة وللعراق لم يكن لها من أسباب غير نجاح الثورة وقيادتها في تكوين الدولة العربية التي تعرف كيف تحمي نفسها وتعرف كيف تخطط لاستعادة أرض العرب وسيادتهم وثرواتهم.

إن استذكارنا لثورة تموز ١٩٦٨ الباسلة المجيدة لا يخرج قط عن إطار استلهام عظمة الثورة، ونحن نسير قدماً لتحرير العراق ليعود سيد الأوطان.

مَأْسَاة الإهْمَال فِي الكُوت: حَرَائِق تَتَغَذَّى عَلى الفَسَاد وَالعِرَاقِيُّون يَدفَعُون الثَّمَن
مَأْسَاة الإهْمَال فِي الكُوت:
حَرَائِق تَتَغَذَّى عَلى الفَسَاد وَالعِرَاقِيُّون يَدفَعُون الثَّمَن
أحمد ابو داود
ما يشهده العراق منذ سنوات سلسلة متواصلة من حوادث الحرائق باتت تُسجَّل بوتيرة مثيرة للقلق. من الأسواق والمولات إلى الوزارات والمخازن الحكومية، مرورًا بالمستشفيات والمخيمات، تندلع النيران ثم تُختم القصة غالبًا بعبارة: “تماس كهربائي”. ومنها مؤخراً مأساة الحريق المُفجِع الذي اندلع مساء أمس داخل مبنى تجاري مؤلف من خمسة طوابق وسط مدينة الكوت في العراق، أودى بحياة 61 مواطناً بريئاً، من بينهم 14 جثة متفحمة لم يُتَعرَّف على هوياتها .
لكن هل يمكن اختزال هذا التصاعد إلى مجرد أعطال فنية؟ أم أن خلف هذه النيران ما هو أعقد وأعمق؟ فما هي العوامل الحقيقية التي تقف وراء هذه الكوارث التي تحصد العشرات من ارواح المواطنين الابرياء ؟
أولًا: بنية تحتية متهالكة وكهرباء عشوائية
السبب الأكثر تكرارًا في تقارير التحقيقات الرسمية هو “التماس الكهربائي”، وهو أمر قابل للتصديق في ظل غياب اي تنظيم لهذه المنظومة بما يضمن سلامة المواطنين. فالمنظومة الكهربائية العراقية مهترئة. والتمديدات عشوائية،
والمحولات متهالكة، وغياب شبه تام لمعايير السلامة الكهربائية، وكلها عوامل تجعل من الكهرباء “قنبلة موقوتة” داخل كل مبنى.
يُضاف إلى ذلك غياب متطلبات الدفاع المدني والوقاية، خصوصًا في الاماكن المكتظة مثل الأسواق والمستشفيات، حيث يُفترض أن تكون أدوات الإطفاء والإنذار جاهزة وخاضعة الى رقابة نظامية ودورية ، لكن الواقع يُظهر غيابها أو تقادمها.
ثانيًا: الإهمال والفساد.. بيئة محفزة للكارثة
لا يمكن فصل تكرار هذه الحوادث عن منظومة الإهمال الإداري والفساد المؤسسي الذي يغلّف قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة. ففي اهمال تام لخطورة ذلك على حياة المواطنين، غالبًا ما تُمنح التراخيص دون تدقيق في اشتراطات السلامة، وتُصرف أموال “التحصين” والوقاية، دون أن يظهر لها اي أثر فعلي على ارض الواقع.
والأكثر خطورة واجراماً، أن الحرائق أحيانًا تكون متعمدة – حسب شهادات وتحقيقات صحفية – بهدف التغطية على سرقات، أو إتلاف وثائق مرتبطة بملفات فساد، أو حتى لمحو أدلة تتعلق بشبهات انتخابية أو أمنية.
وفي ظل غياب منظومة عدالة فاعلة، تبقى هذه الجرائم بلا فاعل، وتُغلق التحقيقات غالبًا بـ”عدم كفاية الأدلة”.
ثالثًا: البعد السياسي والأمني في المشهد
ما يثير الريبة هو تكرار اندلاع الحرائق في مؤسسات حساسة أو خلال توقيتات معيّنة تتسم بحساسية زمنها وبكونها ذات طابع حرج.
فالحرائق تندلع في ظروف واماكن تثير الريبة منها في اقل تقدير نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي :
• عشية إعلان نتائج انتخابات
• أو في مراكز تُخزَّن فيها وثائق فساد
• أو داخل مستودعات وزارات سيادية.
فهل كل ذلك يحدث مصادفة؟
في بلد تتداخل فيه أجهزة الدولة مع النفوذ الحزبي والسلاح غير الرسمي، يصبح من الصعب استبعاد فرضية التصفية السياسية أو الإخفاء المتعمد للادلة والمعلومات. وعندما يحدث ذلك مع غياب الشفافية عن نتائج التحقيقات ويتكامل معها، فان ذلك يزيد الشكوك أكثر مما يبدّدها. لتصبح حياة المواطنين الابرياء فريسة لالتهام نيران الفساد والاهمال والتواطؤ..
ان ما يحدث في العراق من تكرار الحرائق ليس ظاهرة عرضية، بل مؤشر واضح على خلل بنيوي في منظومة الدولة. خلل يجمع بين الفساد والإهمال، والتسيس والتقصير، ويُدار غالبًا بعقلية “رد الفعل” بدلًا من التخطيط الاستباقي.
ان النيران التي تشتعل في الأسواق والمستشفيات، هي اعلان مأساوي عن احتراق الثقة العامة، و عن الانعدام الفاضح لقدرة الدولة على ضبط الأمن وصيانة قطاع الخدمات.
17 تَمُّوزَ/ يُولْيُو 1968: مَا بَيْنَ المُمْكِن القَوْمِيّ وَ اسْتِئْنَافِ المَعنَى

17 تَمُّوزَ/ يُولْيُو 1968:

مَا بَيْنَ المُمْكِن القَوْمِيّ وَ اسْتِئْنَافِ المَعنَى

 

 

أ‌.    طارق عبد اللطيف أبو عكرمة – السودان

 

 

ليس كل ما يُسمّى ثورة يكون كذلك، فالثورات الحقّة لا تُعرّف من خلال مجرد الاستيلاء على السلطة، بل من خلال قدرتها على زلزلة المفاهيم السائدة، وفتح أفق جديد للكينونة الجماعية. وثورة السابع عشر من تموز 1968، في قطر العراق، لم تكن مجرد انتقال سلطوي في سياق اضطرابات المنطقة، بل كانت خطوة وجودية لإعادة تعريف الزمن العربي، عبر استنطاق ممكنٍ قوميّ ظلّ يراود العقل الجمعي منذ تفكك بنيات الخلافة، وتوزع الكيانات، وتناسل الهزائم.

 لعلّ من الضروري وضع ثورة تموز في سياقها التاريخي الأوسع، فهي لم تنفجر في فراغ، بل جاءت بعد مرحلة من الهزائم العربية والصراعات السياسية والانقلابات، في ظل نكسة (1967)، وصعود مشاريع التحرر الوطني، وانهيار آمال القومية في أكثر من قطر عربي. لقد شكّلت تموز، بهذا المعنى، ليس فقط استئنافًا للمشروع القومي، بل نقلة نوعية إنقاذية لروح الأمة العربية من التشظي واليأس.

 

كانت الثورة اعلاناً بأن الإرادة العربية لم تمت

 لقد جاءت تموز لا كإجابة على سؤال سياسي عابر، بل كمداخلة في خطاب التاريخ ذاته. كانت إعلانًا ضمنيًا بأن الإرادة العربية لم تمت مع نكسة حزيران، وأن الفعل التحرري لا يزال ممكنًا حين تمتلك الأمة العربية مشروعاً، وتحرراً معرفياً من البنية التحتية للتبعية. ولهذا، فإن تموز لا تُقرأ كحدث محلي، بل كواقعة فلسفية وسياسية في آن، عبّرت عن لحظة وعي اشتبكت مع أسئلة الكينونة والمصير، لا من موقع الإنفعال، بل من موقع الفعل المؤسِّس.

 دلالات الثورة

 إن دلالات الثورة تكمن في عمق رفضها لواقع التبعية والخضوع، وفي سعيها الحثيث لإنتاج مشروع ذاتي متحرر من الوصاية، متجاوز للحدود المصطنعة، محكوم برؤية وحدوية تحررية نابعة من الأرض والإنسان. فقد حرّرت تموز السيادة الوطنية من مفاهيمها الشكلية، وردّت السياسة إلى معناها الجوهري: أن تكون تعبيرًا عن إرادة جمعية تسعى لإعادة تشكيل العالم. ومن هنا، فإن تموز لم تكن انفعالاً نخبويًا، بل تمثّلت طموح الإنسان العربي البسيط في الكرامة، والانتماء، والعدالة.

 على مستوى الداخل العراقي، أحدثت الثورة تحولات هيكلية في الدولة والمجتمع؛ فقد أُعيد تعريف الدولة بوصفها أداة للتمكين لا القمع، وبدأ الإنسان يستعيد مكانته كمحور لكل تنمية. التعليم لم يعد امتيازًا طبقيًا، بل حقًا وطنيًا، والنفط لم يبقِ مجرد مورد تستنزفه الشركات الأجنبية، بل تحول إلى ذراع سيادية تموّل التنمية وتعيد رسم خريطة العدالة الاجتماعية. هذه المقاربات لم تكن مجرد إصلاحات، بل كانت تعبيرًا عن رؤية فلسفية للإنسان بوصفه قيمة عليا، لا وسيلة إنتاج فقط.

 فمثلًا، شهدت السنوات الأولى للثورة إطلاق حملات لمحو الأمية، وتوسيع مجانية التعليم، وتأسيس الجامعات ومراكز البحث العلمي، وبرز قانون التأميم سنة (1972) الذي أعاد النفط إلى السيادة العراقية، وموّل سلسلة من مشاريع البنية التحتية والتنمية الريفية. لم تكن هذه السياسات مثالية، لكنها حملت في طياتها وعيًا بنيويًا بضرورة ربط السيادة الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. هذه الرؤية تفسر التحول من دولة تابعة إلى فاعل مستقل، كما تجلت في تأميم النفط ومحو الأمية.

 استعادت الثورة الروح القومية من براثن الإحباط

 وفي المجال القومي، استعادت الثورة الروح القومية من براثن الإحباط والتشكيك، ما حدث في بغداد اي (ثورة 17 تموز) أعاد الاعتبار للمشروع القومي بعد نكسة (1967). هذا التوصيف يربط بين الثورة والمشروع القومي الجامع، مؤكدًا أن إنجازاتها تجاوزت الحدود القُطرية.  وطرحت مشروع الوحدة بوصفه ضرورة وجودية، لا ترفًا أيديولوجيًا. لقد سعت إلى أن تكون الدولة القُطرية، بكل محدودياتها، نقطة ارتكاز نحو أفق عربي مشترك، يحفظ الخصوصيات دون أن يغرق في التجزئة، ويستثمر الثروات لا في خدمة مراكز الهيمنة، بل في بناء كيان عربي جديد. وكان في هذا الطرح وعيٌ دقيق بأن القومية ليست عداءً للآخر، بل تحرر من العلاقة غير المتكافئة معه. 

ولم يكن المشروع البعثي (التموزي) حبيس السياسة والاقتصاد فقط، بل امتد إلى الحقول الثقافية والفنية، حيث شهد العراق آنذاك ازدهارًا في الفنون التشكيلية، والمسرح، والسينما، والكتابة، وتأسست مؤسسات ثقافية حملت مشروعًا نهضويًا يروم استعادة الإنسان العربي كمبدع، لا كمتلقٍ فقط.   لقد كانت الثقافة أداة بناء رمزي للهوية، لا وسيلة تزويق للنظام

دعوة لاستئناف الفعل العربي الذاتي

تموز، إذن، كانت مشروعًا لتحرير المفهوم، لا فقط لتحرير الأرض؛ وكانت دعوة لاستئناف الفعل العربي من موقع الذات، لا كمجرد رد فعل على الخارج. إنها أعادت طرح سؤال: (من نحن؟). لكن لا من موقع النوستالجيا، بل من موقع البناء. لقد كانت القومية فيها رؤية حضارية، لا خطابًا عاطفيًا. وحدة، لا لأننا (نحن)، بل لأن شرطنا التاريخي والاقتصادي والسياسي يفرضها.

وحرية، لا بوصفها رفضًا للاحتلال فقط، بل كتحرر من الاستلاب، من الداخل والخارج. واشتراكية، لا كشعار جاهز، بل كأفق أخلاقي للعدالة وتوزيع الثروة وتمكين الفئات المهمشة. أن الفكرة التي حملتها الثورة، والطاقات التي أطلقتها، لا تزالان شاهدة على إمكانية النهوض. فلا يُقاس المشروع فقط بنتائجه، بل أيضًا بأسئلته، وبما فتحه من أفق أمام وعي الأجيال. 

وإذا كان لا بد من استشراف، فإن تموز تعود اليوم لا بوصفها تجربة ماضية، بل كمشروع مؤجل. وأن الثورة ليست يومًا واحدًا، بل مسيرة متواصلة تُقاس بقدرتها على تجديد نفسها أمام تحديات الأمة العربية. وهذا يفسر ضرورة إعادة قراءة تموز اليوم لا كحدث تاريخي، بل كإطار لتجاوز التشظي الراهن.

 إن ما نشهده من انهيارات في البنية العربية، ومن تفكك الهويات الكبرى إلى طوائف وولاءات صغيرة، يؤكد أننا بحاجة إلى روح تموز؛ لا لنعيد تمثيلها كما كانت، بل لنجدد معناها، ونستعيد وظيفتها الأصلية: إعادة توحيد العقل العربي، واستنهاض الإرادة، واستئناف مشروع النهضة.  تموز، اليوم، هي إمكان يتجدد: أن نكون أمة عربية لا تعيش على هوامش التاريخ، بل تكتبه. 

ولعل السؤال الأعمق الذي تطرحه تموز في وجه الراهن المتشظي هو: هل لا يزال بالإمكان أن نقول (نحن)؟ لا على نحو عاطفي أو أيديولوجي، بل على نحو وجودي؟ وإذا كانت القومية العربية كما تجلّت في الثورة مشروعًا للتحرر، فهل لدينا اليوم شجاعة تجديد القومية كمفهوم مفتوح، لا كماضٍ مغلق(فحسب)؟

  وهل نستطيع أن نعيد بناء المشروع النهضوي، لا كأمنية رومانسية، بل كحاجة تاريخية تفرضها وقائع الانهيار؟

 إحياء ذكرى تموز يكمن في استئناف المشروع النهضوي

 تموز، في جوهرها، ليست تمجيدًا للسلطة، بل استعادة للمعنى. ولذلك فإن الاحتفاء بها لا يكون بالحنين، بل بالاستئناف. استئناف سؤال الكينونة العربية، والتاريخ، والمصير. وهذا يفسر ضرورة إعادة قراءة تموز اليوم لا كحدث تاريخي، بل كإطار لتجاوز التشظي الراهن.

 إن ما يعيشه الوطن العربي اليوم من انقسام هوياتي، واستقطاب طائفي، وانهيار للدولة الوطنية، يعيد طرح سؤال تموز بصورة أكثر إلحاحًا: هل ثمة أفق قومي جديد يمكن أن يولد من تحت ركام الحروب والانقسامات؟ وهل لا تزال فكرة الوحدة والتحرر والمساواة قابلة للبعث في ظل اقتصاد السوق النيوليبرالي والتدخلات الإقليمية؟

  وإذا ما قورنت ثورة 17 تموز بثورات عربية أخرى، فربما كانت من القلائل التي جمعت بين مشروع السيادة الوطنية والتكامل القومي، دون أن تقع تمامًا في فخ الشعبوية أو الانغلاق الأيديولوجي، بالرغم مما افرزه تصديها للعدوان والحرب عليها منذ التأميم وحتى ملحمة الحواسم من ملاحظات في القرار العسكري / السياسي إنها، بهذا المعنى، درس تاريخي مفتوح، لا نموذجًا مغلقًا.

 ليست تموز مجرّد تاريخ يمرّ، بل إمكانية تتجدّد، ما دامت الأمة العربية لم تفقد إحساسها بالكرامة، وما دام هناك من لا يزال يصرّ على أن المشروع القومي النهضوي العربي لا يموت، بل صيرورة نضالية لمئات السنين، ويحتاج إلى من يُعزز تشغيل ذاكرته و يستأنف مسيرة  معناه.

 

بعد سبعة وخمسين عاماً ثورة 17 تموز تزداد ألقاً

 بعد سبعة وخمسين عاماً

ثورة 17 تموز تزداد ألقاً

 

أ.د. سلمان الجبوري

 

تكاد تنفرد ثورة 17-30 تموز 1968 من بين كل الثورات في العالم بميزات أهمها كونها ثورة بكل معنى الكلمة، إضافة إلى اتسامها بدقة التخطيط لإنجاحها وسرعة تحقيق المنجزات خلال مدة قصيرة لم يتجاوز أمدها العشر سنوات.

ففيما يخص التخطيط لها فرغم الظروف التي أحاطت بالحزب منذ الردة السوداء في 18 تشرين الثاني 1963 من مطاردات وسجون وتضييق فقد استطاعت طليعة من البعث كانوا فتية آمنوا بربهم وبعقيدتهم وبصدق أهدافهم فتعززت ثقتهم بتحقق النصر فتمكنوا من تفجير ثورة بيضاء بكل نجاح.

وقد شرعت قيادة الثورة ومنذ اللحظة الأولى لانطلاقتها بتحقيق ما وعدت به جماهير الشعب.

إن سعي الثورة لتحقيق الأهداف التي رسمتها على المستويين الوطني والقومي قد ألب الأعداء ضدها كون تلك المنجزات كانت تمثل خطوة جريئة وفريدة تضعف مساعي الامبريالية العالمية التي تسعى لإبقاء الصراعات ملتهبة في الوطن العربي والمنطقة لإحكام السيطرة عليها وتوجيهها باتجاه مصالحها.

لذا نرى أن كل الخطوات الثورية التي خطتها ثورة 17تموز قد أغاضت المعسكر الامبريالي بدءً من اتفاق الحكم الذاتي مروراً بتأميم الثروة النفطية ومحو الأمية وتثوير القطاع التربوي والعلمي وتحقيق إنجاز الجبهة الوطنية والقومية التقدمية مما جعل العراق منارة للشرق الأوسط وللعرب يحتذى بها مما أثار مخاوف المعسكر الامبريالي من أن تحذو الدول المحيطة حذو العراق فتتخذ خطوات مشابهة فيفت في عضد المخططات الامبريالية التي تسعى لإبقاء هذه المنطقة ضعيفة ومنشغلة بالصراعات ما بين مكوناتها أو بينها وبين البعض من الجوار.

ولهذا نرى أن المعسكر الامبريالي سعى جاهداً لإيقاف تلك المسيرة وما هو إلا عقد من الزمن لتفعل الماكينة الامبريالية فعلها في اشغال العراق بحرب مع إيران موعزة لها بإطالة أمدها بهدف هدر موارد العراق واضعافه لتتبعها المؤامرات الواحدة تلو الاخرى وفرض الحصار الاقتصادي الذي دام لثلاثة عشر سنة لتختم الامبريالية جهدها باحتلال العراق وتسليم مقاليده لفئات ليس همها سوى التخريب على المستويين القيمي والمادي.

أما على مستوى الإنجازات ذات الصلة المباشرة بحياة المواطن والتي تهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية، فلابد أولا من التطرق إلى الإنجازات التي تصب في تحقيق العدالة وبالتالي الرفاهية المجتمعية التي استطاعت الثورة تحقيقها.

إن هدف تعزيز الوحدة الوطنية يستند إلى تطبيق مبدأ الواجبات أولاً ثم الحقوق وبالتالي تزول الفوارق بين فئات الشعب المختلفة وتسود القناعة لدى المواطن المخلص فينصرف إلى أداء واجباته الوطنية بإخلاص وأمانة تامَّين.

لقد وضعت ثورة 17 تموز ومنذ اليوم الأول لانطلاقتها المواطن العراقي في كافة مراحل حياته في مقدمة أولوياتها، وذلك لأهمية الدور الذي يلعبه في تكوين ذاته وتطوير مجتمعه، ولذا فإن الثورة أولت هذا الأمر جل اهتمامها للوصول بالمواطن إلى درجة من الرقي لكي يكون عنصراً إيجابياً في مجتمعه، ويحقق في النهاية السعادة التي يرجوها من خلال دوره الفاعل في البناء والنهوض الاقتصادي.

ولأجل بلوغ هدف خلق الإنسان الواعي والحريص على بناء وطنه والدفاع عنه كان لابد من التركيز أولا على البناء القيمي وتعزيز روح المواطنة لديه.

وكان البعثيون قدوة في ذلك بدءً من إشاعة روح العمل الجماعي والتطوعي والحرص على أمن العائلة، فانتقلت بالمواطن ليكون قائداً ومنتجاً في آن واحد، وفي هذا المجال سنورد وباختصار ما تحقق في عدد من المجالات:

فعلى الجانب المجتمعي فقد قامت الثورة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وبدء صفحة جديدة من العمل الوطني المشترك وكذلك إعادة المفصولين السياسيين إلى الخدمة وتحسين ظروف معيشة الإنسان العراقي عن طريق توفير فرص العمل، وتحصين المواطن وذلك بزيادة معارفه عن طريق توفير فرص التعليم المجاني بدءً من محو الأمية وانتهاءً بإلزامية التعليم الابتدائي ومجانيته وتوسيع فرص التعليم العالي المجاني.

لم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل شمل تأمين مستلزمات العيش الكريم والأمن للمواطنين بدءً من تطوير مرافق الحياة اليومية الصحية منها أو المتعلقة بالأمن وتحقيق العدالة.

أما على مستوى قطاعات الحياة الاقتصادية فقد أحدثت الثورة نهضة كبيرة على المستويات الاقتصادية كافة، فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قامت الثورة بدعم وتطوير القطاع الزراعي وذلك بتوفير جميع مستلزمات الزراعة وتأمين مستلزمات النهوض بها وذلك بتوفير المياه وبناء السدود وانشاء المصانع الرافدة للعمل الزراعي.

وكذلك الأمر ينطبق على بقية قطاعات الحياة الاقتصادية الصناعية والبنى التحتية والتجارية وكل ما يتعلق بإحداث نقلة نوعية في حياة المواطن والمجتمع.

ولو أردنا أن نستذكر جميع تفاصيل ما أنجزته الثورة خلال الخمس وثلاثين عاماً من عمرها فإن ذلك سيحتاج إلى مجلدات، لذا سأقتصر على الإيجاز أعلاه.

وفي الختام لابد من أن ندعو بالرحمة لمن قضى نحبه من قادة الثورة، وبالعز والسؤدد لمن لازال حياً، والنصر للعراق عرين المناضلين.

 

 

 

 

 

 

 

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة 17 تموز المجيدة ثَورَة تَمُّوز تَجذِيرٌ نَوعِيٌّ لِتَجرِبةٍ حَداثَويَّةٍ نَهْضَويَّة

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة 17 تموز المجيدة

ثَورَة تَمُّوز تَجذِيرٌ نَوعِيٌّ لِتَجرِبةٍ

حَداثَويَّةٍ نَهْضَويَّة

أ.د. محمد مراد – لبنان

 

 بعد مضي نصف قرن وسبع سنوات على الثورة العراقية التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي – ثورة 17  تموز عام 1968، لا يسع المراقب التاريخي والباحث المحقّق إلاّ أن يتوقّف مليا أمام تجربة هذه الثورة التي باتت إنجازاتها الثورية مخزونة في ذاكرة التاريخ العربي المعاصر، لما هي إنجازات تركت بصماتها الدامغة في تحديث وتطوير العراق مجتمعا ودولة من جهة، وفي تأكيد تفاعلاتها العميقة في الالتزام والتكامل الاستراتيجي بين البنائين الوطني والقومي من جهة أخرى.

 لم تمض سنوات قليلة على الثورة، حتى كانت إنجازاتها الثورية قد أضحت حقيقة واقعة في كل مجالات الحياة العراقية والعربية لجهة التأسيس لبناء دولة قائمة على مرتكزات عميقة حاملة للتطوير والنهوض الوطني وبآفاق قومية منسجمة مع منطلقات وتوجّهات قيادة الثورة المستلهمة لمبادئ البعث الثورية التحررية والقومية.

  أبرز الإنجازات التي سجّلتها الثورة، وهي عديدة لا تحصى، كانت على مستويات ثلاثة أساسية:

الأول، البناء الاقتصادي ومركزيته في البناء العام للدولة والمجتمع

الثاني، اعتماد العلم والتطوير العلمي وامتلاك التكنولوجيا بخصوصية عراقية من غير استهلاك النماذج الأجنبية الجاهزة.

الثالث، تمكين العراق وتحويله الى دولة فاعلة في المجال القومي الوحدوي.

 

الاستقلال الاقتصادي كشرط ملازم للاستقلال السياسي

أولاً: في البناء الاقتصادي

  كانت الخطوة التأسيسية الأولى التي اعتمدتها الثورة قد تمثّلت بتحقيق الاستقلال الاقتصادي كشرط ملازم للاستقلال السياسي والسيادة الوطنية. أمّا الترجمة العملية لهذه الخطوة فقد دلّ عليها قرار قيادة الثورة التاريخي بتأميم النفط في الأول من حزيران 197 وعلى قاعدة شعار” نفط العرب للعرب ” .

  أفضى قرار التأميم الى ارتفاع قياسي في حجم العائدات النفطية العراقية. فبعد أن كانت هذه العائدات 521 مليون دولار لعام 1970، قفزت الى 1834 مليونا عام 1973 أي بعد سنة واحدة على قرار التأميم، ثمّ لم تلبث أن سجّلت 26136 مليونا عام 1980، أي أنّها تكون قد تضاعفت اضعاف عديدة خلال عشر سنوات (1970- 1980 ).

   وعملا بسياسة مركزية لقيادة الثورة قضت بأن تكون الثروة الوطنية العامّة ملكا للشعب العراقي، فقد تمّ توظيف الزيادات الهائلة في موارد الدولة الناجمة عن التأميم في إطلاق جملة من الخطط الاقتصادية والتنموية الطموحة، وخاصّة في مجال التصنيع من خلال بناء القاعدة التصنيعية التي يستند عليها الاقتصاد العراقي، حيث تحوّل العراق الى دولة متقدمة على العديد من اقطار الوطن العربي في هذا المجال.  

  أبرز خطوات حكومة الثورة في مجال التصنيع كانت:

1 – توسيع قاعدة القطاع الصناعي العام ( قطاع الدولة ) بشكل غير مسبوق ، ففي خلال فترة لا تزيد عن عشر سنوات (1970 – 1980) بلغ مجموع ما خصّصته الحكومة العراقية للاستثمار في القطاع الصناعي أي القطاع العام نحو 700 مليون دينار عراقي أي ما يوازي قرابة 25 مليار دولار أمريكي بالأسعار الجارية آنذاك.

2 – تشجيع القطاع الصناعي الخاص على قاعدة التوازن مع القطاع العام          ( القرار رقم 22 لعام 1972، والقرار رقم 899 لعام 1980).

3 – منح رؤوس الأموال العربية حقّ الاستثمار الصناعي في العراق بنفس الامتيازات الممنوحة للمواطنين العراقيين، أما الاستثمار الأجنبي فقد ظلّ محدودا الى أن صدر قرار في 1/11/ 1990 قضى بمنعه من العراق نهائيا.

4 – التوسع في انشاء مراكز البحث العلمي والتطوير الصناعي، وإعطاء أهمية قصوى لإعداد الكوادر العلمية الوطنية، الأمر الذي سمح للعراق، وفي فترة لا تتجاوز العقد من الزمن ( 1970 – 1980) بإعداد عدد ملفت من العلماء، ليس فقط في مجال اكتساب العلوم التطبيقية، وفي القدرة على التحوّل نحو التكنولوجيا وإنتاج المعرفة وحسب، وإنّما، وهذا هو الأهمّ انتاج تجربة علمية إنتاجية بخبرات عراقية صرفة، ودونما أي حاجة لاستيراد الخبرات الأجنبية واستهلاكها.

5 – التوسّع الهائل في حجم المؤسّسات الصناعية في مختلف المحافظات العراقية، حيث وصل عدد هذه المؤسّسات المسجّلة في وزارة الصناعة لغاية نهاية العام 1990 الى 41194 مؤسّسة بينها 575 مصنعا كبيرا، الأمر الذي يشير الى أنّ دينامية التصنيع العراقي فاقت مستويات النشاط التصنيعي في اليابان وألمانيا الغربية قبل توحيد شطري المانيا عام 1989.

  على موازاة الاهتمام بالقطاع الصناعي عملت حكومات الثورة المتعاقبة على تطوير القطاع الزراعي كترجمة لسياساتها الرامية الى تنويع مصادر الإنتاج، ووصول العراق الى مرحلة يتجاوز معها ظاهرة الإنتاج الأحادي السائد في دول النفط العربية. وقد لاقت هذه السياسة نجاحاً باهراً دلّت عليه الأحجام الكمية للإنتاج الزراعي، حيث تحول العراق الى بلد مصدّر لأنواع عديدة من المنتجات الزراعية  الفائضة عن اكتفائه بالأمن الغذائي الذاتي.

 

المعجزة الاقتصادية

 إنّ الطفرة الاقتصادية التي حقّقتها ثورة تموز الرائدة في فترة لا تزيد عن عقد واحد هو عقد السبعينات من القرن الماضي تصل الى حدّ وصفها بالمعجزة الاقتصادية. فهذه المعجزة جاءت لتؤكّد على القدرة الخارقة للعراق كدولة ومجتمع على استيعاب التحدّيات غير العادية التي تواجه الأمّة العربية في تاريخها المعاصر. فالدولة العراقية لم تكتف فقط بالتخطيط والاشراف على عمليات الإنتاج وحسب، وإنّما أيضا عملت بمنهجية ” الكنزية الاقتصادية” لجهة إحداث التوازن السوقي بين عمليتي العرض والطلب من جهة، وفي إيجاد معادلة إنتاجية توازن بين القطاعين العام والخاص من جهة أخرى. هذا التوازن الذي عكسته نسبة المساهمة لكل من القطاعين وهي 50 % في العام 1982.

 ثانيا: اعتماد العلم والتطوير العلمي كأساس للنهوض الشامل 

  أدركت قيادة ثورة 17 تموز، منذ البداية، أنّ العلم  والتطور العلمي يمثّلان حجر الزاوية في عمليات البناء الوطني ونهوض الدولة على غير مستوى اقتصادي واجتماعي وسياسي وحضاري. ففي النصف الاول من السبعينات بدأت الحملة الوطنية الشاملة لمحو الامية. وفي العام 1979 صدر قانون إلزامية التعليم الأساسي، وقد أعطى نتائجه المذهلة خلال سنوات قليلة، بحيث كادت الصفرية تسود نسبة الأميّة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، في وقت ظلت فيه دول عربية عديدة تشهد نسبا مرتفعة من الأميّة تراوحت بين 25 % في الأدنى في دولة الامارات العربية المتحدة، وحوالي 58 % في اليمن على سبيل المثال.

  وفي خطوة أخرى مميّزة عكست مدى الاهتمام والرعاية لقيادة الثورة للعلم الإبداعي أي للعناصر المتفوّقة من الطلاّب والباحثين، تم تشكيل الهيئة العليا لتكريم العلماء،  كما وتم منح “نوط الاستحقاق العالي” للباحثين المتميزين ، اضافة الى منح ” وسام الجامعة”  للمبدعين من التدريسيين الناشطين في البحث العلمي ، كما وتم تخصيص “جائزة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي” الى الاستاذ الاول في البحث والتطوير على مستوى القطر، وجائزة ” العميد المتميز” على مستوى القطر لمن يقود طفرة في مجال البحوث، اضافة الى      ” جائزة صدّام للبحث العلمي”، وهي جائزة تمنح كل مواطن عراقي أو عربي مكافأة مالية تشجيعية قدرها 30 ألف دينار عراقي أي ما يوازي قرابة 100 ألف دولار أميركي بالأسعار الجارية.

وممّا تجدر الإشارة اليه في هذا المجال، أنّ الأعداد الهائلة من الخريجين الجامعيين كانت مستوعَبة في سوق العمل، الأمر الذي جعل البطالة في العراق تكاد أن تكون صفرية قبل فرض الحصار الأميركي الظالم على شعب العراق لمدة ثلاث عشرة سنة بين 1990 – 2003. 

 

 ثالثا: البعد القومي لثورة تموز المجيدة 

 صحيح أنّ الثورة العراقية حقّقت إنجازات عميقة في بنية المجتمع العراقي، الاّ أنّ الطموحات الاستراتيجية لقيادة الثورة لم تكن محكومة بسقف الدولة العراقية كدولة قطرية، وإنّما كانت تسعى الى تأسيس النموذج الوطني العراقي كمدخل الى المجال القومي العربي العام. فالقيادة العراقية كانت تطمح لإقامة الدولة العربية الواحدة على قاعدة التحرّر والاستقلال القومي، وبناء مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية. وعملا بهذه المنطلقات كان عراق الثورة أكثر التزاما بالقضايا القومية العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية. فهو الدولة التي ظلّت حتى حصول الاحتلال الأميركي، تتميّز بمواقفها المبدئية الثابتة تجاه عروبة فلسطين، وضرورة توفير كل الإمكانات المتاحة لتحريرها من المحتل الصهيوني الاستيطاني.

   كذلك، هناك مواقف لا تحصى، عكست التزام القيادة العراقية بقضايا الوحدة القومية، منها على سبيل المثال لا الحصر، الموقف الدّاعم لوحدة اليمن، وتقديم المساعدات الكثيرة لكل الاقطار العربية منها السودان والصومال وتونس والأردن ولبنان وغيرها.

ولا يغيب في هذا المجال اندفاع الجيش العراقي – جيش الثورة – الى جبهات القتال مع العدو الصهيوني في سوريا ومصر، والوثائق التاريخية لا تزال تسجّل للجيش العراقي في حرب تشرين الأول (1973) بسالته في الدفاع عن القنيطرة و حمايته لدمشق من السقوط واعداده خطة مع الجيش السوري لتحرير الجولان المحتل، لكن أوامر القيادة السورية صدرت بوقف اطلاق النار.  

لقد كانت قيادة الثورة تسعى دائما من أجل خلق مؤسّسات عربية فوق قطرية تعزيزا لمسيرة التكامل العربي،  وبما ينسجم مع أهدافها القومية في قيام المجتمع العربي الوحدوي وإقامة دولة الوحدة القومية العربية.

وإذا كان هناك من دوافع عديدة للاحتلال الأمريكي للعراق، فإنّ الدافع الأكثر الحاحا هو ذلك المشروع القومي الوحدوي الذي التزمته ثورة 17 تموز كخيار استراتيجي لأهدافها وتوجّهاتها.

 

 ثورة 17 تموز تجذير نوعي لتجربة حداثوية نهضوية

ولمّا كانت منطلقات الثورة العراقية – ثورة 17 تموز- تجذيراً نوعياً لتجربة حداثوية نهضوية امتلكت أفقا ًاستراتيجيا ًباتجاه التأسيس لتجربة موازية على المستوى القومي العام، فإنّ القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية العربية التابعة هبّت لمناهضة هذه التجربة الواعدة مانعة عليها استكمال مشروعها التاريخي، ليس فقط في مجال استنهاض الأمّة العربية وحسب، وإنما أيضا في مجال تعميم رسالتها الإنسانية التحررية الى العالم أجمع.

  إنّ الهدف البعيد لقوى التآمر الخارجي الدولي والإقليمي والرجعي يكمن، قبل أي شيء آخر، في ضرب تجربة الثورة العراقية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، قبل أن تتحوّل الى تجربة قومية شاملة. ذلك أنّ العراق استطاع خلال ثلث قرن ونيّف ( 1968 – 2003) أن يمتلك نموذجاً نهضوياً نوعياً ذي خصوصية عربية مميّزة قادرة على تأسيس مراكمات ناجحة ومستدامة، وتمثّل خروجا عربيا على التبعية والإلحاق برأسماليات المركز الغربي وزعيمته الولايات المتحدة الأمريكية.

  الهجمة الأمريكية – الصهيونية على تجربة ثورة 17 تموز المجيدة إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على عمق الأزمة التي بلغتها رأسمالية الشركات الحاكمة للاقتصاد والسياسة في أميركا.

هذه الرأسمالية المتوحّشة ترى في تجربة الثورة في العراق معوّقاً رئيسياً أمام مشروعها الراهن في أمركة العالم، والاستحواذ على ثرواته الطبيعية والاقتصادية، وإلغاء هويّات شعوبه الثقافية والحضارية.