شبكة ذي قار
17 تَمُّوزَ/ يُولْيُو 1968: مَا بَيْنَ المُمْكِن القَوْمِيّ وَ اسْتِئْنَافِ المَعنَى

17 تَمُّوزَ/ يُولْيُو 1968:

مَا بَيْنَ المُمْكِن القَوْمِيّ وَ اسْتِئْنَافِ المَعنَى

 

 

أ‌.    طارق عبد اللطيف أبو عكرمة – السودان

 

 

ليس كل ما يُسمّى ثورة يكون كذلك، فالثورات الحقّة لا تُعرّف من خلال مجرد الاستيلاء على السلطة، بل من خلال قدرتها على زلزلة المفاهيم السائدة، وفتح أفق جديد للكينونة الجماعية. وثورة السابع عشر من تموز 1968، في قطر العراق، لم تكن مجرد انتقال سلطوي في سياق اضطرابات المنطقة، بل كانت خطوة وجودية لإعادة تعريف الزمن العربي، عبر استنطاق ممكنٍ قوميّ ظلّ يراود العقل الجمعي منذ تفكك بنيات الخلافة، وتوزع الكيانات، وتناسل الهزائم.

 لعلّ من الضروري وضع ثورة تموز في سياقها التاريخي الأوسع، فهي لم تنفجر في فراغ، بل جاءت بعد مرحلة من الهزائم العربية والصراعات السياسية والانقلابات، في ظل نكسة (1967)، وصعود مشاريع التحرر الوطني، وانهيار آمال القومية في أكثر من قطر عربي. لقد شكّلت تموز، بهذا المعنى، ليس فقط استئنافًا للمشروع القومي، بل نقلة نوعية إنقاذية لروح الأمة العربية من التشظي واليأس.

 

كانت الثورة اعلاناً بأن الإرادة العربية لم تمت

 لقد جاءت تموز لا كإجابة على سؤال سياسي عابر، بل كمداخلة في خطاب التاريخ ذاته. كانت إعلانًا ضمنيًا بأن الإرادة العربية لم تمت مع نكسة حزيران، وأن الفعل التحرري لا يزال ممكنًا حين تمتلك الأمة العربية مشروعاً، وتحرراً معرفياً من البنية التحتية للتبعية. ولهذا، فإن تموز لا تُقرأ كحدث محلي، بل كواقعة فلسفية وسياسية في آن، عبّرت عن لحظة وعي اشتبكت مع أسئلة الكينونة والمصير، لا من موقع الإنفعال، بل من موقع الفعل المؤسِّس.

 دلالات الثورة

 إن دلالات الثورة تكمن في عمق رفضها لواقع التبعية والخضوع، وفي سعيها الحثيث لإنتاج مشروع ذاتي متحرر من الوصاية، متجاوز للحدود المصطنعة، محكوم برؤية وحدوية تحررية نابعة من الأرض والإنسان. فقد حرّرت تموز السيادة الوطنية من مفاهيمها الشكلية، وردّت السياسة إلى معناها الجوهري: أن تكون تعبيرًا عن إرادة جمعية تسعى لإعادة تشكيل العالم. ومن هنا، فإن تموز لم تكن انفعالاً نخبويًا، بل تمثّلت طموح الإنسان العربي البسيط في الكرامة، والانتماء، والعدالة.

 على مستوى الداخل العراقي، أحدثت الثورة تحولات هيكلية في الدولة والمجتمع؛ فقد أُعيد تعريف الدولة بوصفها أداة للتمكين لا القمع، وبدأ الإنسان يستعيد مكانته كمحور لكل تنمية. التعليم لم يعد امتيازًا طبقيًا، بل حقًا وطنيًا، والنفط لم يبقِ مجرد مورد تستنزفه الشركات الأجنبية، بل تحول إلى ذراع سيادية تموّل التنمية وتعيد رسم خريطة العدالة الاجتماعية. هذه المقاربات لم تكن مجرد إصلاحات، بل كانت تعبيرًا عن رؤية فلسفية للإنسان بوصفه قيمة عليا، لا وسيلة إنتاج فقط.

 فمثلًا، شهدت السنوات الأولى للثورة إطلاق حملات لمحو الأمية، وتوسيع مجانية التعليم، وتأسيس الجامعات ومراكز البحث العلمي، وبرز قانون التأميم سنة (1972) الذي أعاد النفط إلى السيادة العراقية، وموّل سلسلة من مشاريع البنية التحتية والتنمية الريفية. لم تكن هذه السياسات مثالية، لكنها حملت في طياتها وعيًا بنيويًا بضرورة ربط السيادة الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. هذه الرؤية تفسر التحول من دولة تابعة إلى فاعل مستقل، كما تجلت في تأميم النفط ومحو الأمية.

 استعادت الثورة الروح القومية من براثن الإحباط

 وفي المجال القومي، استعادت الثورة الروح القومية من براثن الإحباط والتشكيك، ما حدث في بغداد اي (ثورة 17 تموز) أعاد الاعتبار للمشروع القومي بعد نكسة (1967). هذا التوصيف يربط بين الثورة والمشروع القومي الجامع، مؤكدًا أن إنجازاتها تجاوزت الحدود القُطرية.  وطرحت مشروع الوحدة بوصفه ضرورة وجودية، لا ترفًا أيديولوجيًا. لقد سعت إلى أن تكون الدولة القُطرية، بكل محدودياتها، نقطة ارتكاز نحو أفق عربي مشترك، يحفظ الخصوصيات دون أن يغرق في التجزئة، ويستثمر الثروات لا في خدمة مراكز الهيمنة، بل في بناء كيان عربي جديد. وكان في هذا الطرح وعيٌ دقيق بأن القومية ليست عداءً للآخر، بل تحرر من العلاقة غير المتكافئة معه. 

ولم يكن المشروع البعثي (التموزي) حبيس السياسة والاقتصاد فقط، بل امتد إلى الحقول الثقافية والفنية، حيث شهد العراق آنذاك ازدهارًا في الفنون التشكيلية، والمسرح، والسينما، والكتابة، وتأسست مؤسسات ثقافية حملت مشروعًا نهضويًا يروم استعادة الإنسان العربي كمبدع، لا كمتلقٍ فقط.   لقد كانت الثقافة أداة بناء رمزي للهوية، لا وسيلة تزويق للنظام

دعوة لاستئناف الفعل العربي الذاتي

تموز، إذن، كانت مشروعًا لتحرير المفهوم، لا فقط لتحرير الأرض؛ وكانت دعوة لاستئناف الفعل العربي من موقع الذات، لا كمجرد رد فعل على الخارج. إنها أعادت طرح سؤال: (من نحن؟). لكن لا من موقع النوستالجيا، بل من موقع البناء. لقد كانت القومية فيها رؤية حضارية، لا خطابًا عاطفيًا. وحدة، لا لأننا (نحن)، بل لأن شرطنا التاريخي والاقتصادي والسياسي يفرضها.

وحرية، لا بوصفها رفضًا للاحتلال فقط، بل كتحرر من الاستلاب، من الداخل والخارج. واشتراكية، لا كشعار جاهز، بل كأفق أخلاقي للعدالة وتوزيع الثروة وتمكين الفئات المهمشة. أن الفكرة التي حملتها الثورة، والطاقات التي أطلقتها، لا تزالان شاهدة على إمكانية النهوض. فلا يُقاس المشروع فقط بنتائجه، بل أيضًا بأسئلته، وبما فتحه من أفق أمام وعي الأجيال. 

وإذا كان لا بد من استشراف، فإن تموز تعود اليوم لا بوصفها تجربة ماضية، بل كمشروع مؤجل. وأن الثورة ليست يومًا واحدًا، بل مسيرة متواصلة تُقاس بقدرتها على تجديد نفسها أمام تحديات الأمة العربية. وهذا يفسر ضرورة إعادة قراءة تموز اليوم لا كحدث تاريخي، بل كإطار لتجاوز التشظي الراهن.

 إن ما نشهده من انهيارات في البنية العربية، ومن تفكك الهويات الكبرى إلى طوائف وولاءات صغيرة، يؤكد أننا بحاجة إلى روح تموز؛ لا لنعيد تمثيلها كما كانت، بل لنجدد معناها، ونستعيد وظيفتها الأصلية: إعادة توحيد العقل العربي، واستنهاض الإرادة، واستئناف مشروع النهضة.  تموز، اليوم، هي إمكان يتجدد: أن نكون أمة عربية لا تعيش على هوامش التاريخ، بل تكتبه. 

ولعل السؤال الأعمق الذي تطرحه تموز في وجه الراهن المتشظي هو: هل لا يزال بالإمكان أن نقول (نحن)؟ لا على نحو عاطفي أو أيديولوجي، بل على نحو وجودي؟ وإذا كانت القومية العربية كما تجلّت في الثورة مشروعًا للتحرر، فهل لدينا اليوم شجاعة تجديد القومية كمفهوم مفتوح، لا كماضٍ مغلق(فحسب)؟

  وهل نستطيع أن نعيد بناء المشروع النهضوي، لا كأمنية رومانسية، بل كحاجة تاريخية تفرضها وقائع الانهيار؟

 إحياء ذكرى تموز يكمن في استئناف المشروع النهضوي

 تموز، في جوهرها، ليست تمجيدًا للسلطة، بل استعادة للمعنى. ولذلك فإن الاحتفاء بها لا يكون بالحنين، بل بالاستئناف. استئناف سؤال الكينونة العربية، والتاريخ، والمصير. وهذا يفسر ضرورة إعادة قراءة تموز اليوم لا كحدث تاريخي، بل كإطار لتجاوز التشظي الراهن.

 إن ما يعيشه الوطن العربي اليوم من انقسام هوياتي، واستقطاب طائفي، وانهيار للدولة الوطنية، يعيد طرح سؤال تموز بصورة أكثر إلحاحًا: هل ثمة أفق قومي جديد يمكن أن يولد من تحت ركام الحروب والانقسامات؟ وهل لا تزال فكرة الوحدة والتحرر والمساواة قابلة للبعث في ظل اقتصاد السوق النيوليبرالي والتدخلات الإقليمية؟

  وإذا ما قورنت ثورة 17 تموز بثورات عربية أخرى، فربما كانت من القلائل التي جمعت بين مشروع السيادة الوطنية والتكامل القومي، دون أن تقع تمامًا في فخ الشعبوية أو الانغلاق الأيديولوجي، بالرغم مما افرزه تصديها للعدوان والحرب عليها منذ التأميم وحتى ملحمة الحواسم من ملاحظات في القرار العسكري / السياسي إنها، بهذا المعنى، درس تاريخي مفتوح، لا نموذجًا مغلقًا.

 ليست تموز مجرّد تاريخ يمرّ، بل إمكانية تتجدّد، ما دامت الأمة العربية لم تفقد إحساسها بالكرامة، وما دام هناك من لا يزال يصرّ على أن المشروع القومي النهضوي العربي لا يموت، بل صيرورة نضالية لمئات السنين، ويحتاج إلى من يُعزز تشغيل ذاكرته و يستأنف مسيرة  معناه.

 

بعد سبعة وخمسين عاماً ثورة 17 تموز تزداد ألقاً

 بعد سبعة وخمسين عاماً

ثورة 17 تموز تزداد ألقاً

 

أ.د. سلمان الجبوري

 

تكاد تنفرد ثورة 17-30 تموز 1968 من بين كل الثورات في العالم بميزات أهمها كونها ثورة بكل معنى الكلمة، إضافة إلى اتسامها بدقة التخطيط لإنجاحها وسرعة تحقيق المنجزات خلال مدة قصيرة لم يتجاوز أمدها العشر سنوات.

ففيما يخص التخطيط لها فرغم الظروف التي أحاطت بالحزب منذ الردة السوداء في 18 تشرين الثاني 1963 من مطاردات وسجون وتضييق فقد استطاعت طليعة من البعث كانوا فتية آمنوا بربهم وبعقيدتهم وبصدق أهدافهم فتعززت ثقتهم بتحقق النصر فتمكنوا من تفجير ثورة بيضاء بكل نجاح.

وقد شرعت قيادة الثورة ومنذ اللحظة الأولى لانطلاقتها بتحقيق ما وعدت به جماهير الشعب.

إن سعي الثورة لتحقيق الأهداف التي رسمتها على المستويين الوطني والقومي قد ألب الأعداء ضدها كون تلك المنجزات كانت تمثل خطوة جريئة وفريدة تضعف مساعي الامبريالية العالمية التي تسعى لإبقاء الصراعات ملتهبة في الوطن العربي والمنطقة لإحكام السيطرة عليها وتوجيهها باتجاه مصالحها.

لذا نرى أن كل الخطوات الثورية التي خطتها ثورة 17تموز قد أغاضت المعسكر الامبريالي بدءً من اتفاق الحكم الذاتي مروراً بتأميم الثروة النفطية ومحو الأمية وتثوير القطاع التربوي والعلمي وتحقيق إنجاز الجبهة الوطنية والقومية التقدمية مما جعل العراق منارة للشرق الأوسط وللعرب يحتذى بها مما أثار مخاوف المعسكر الامبريالي من أن تحذو الدول المحيطة حذو العراق فتتخذ خطوات مشابهة فيفت في عضد المخططات الامبريالية التي تسعى لإبقاء هذه المنطقة ضعيفة ومنشغلة بالصراعات ما بين مكوناتها أو بينها وبين البعض من الجوار.

ولهذا نرى أن المعسكر الامبريالي سعى جاهداً لإيقاف تلك المسيرة وما هو إلا عقد من الزمن لتفعل الماكينة الامبريالية فعلها في اشغال العراق بحرب مع إيران موعزة لها بإطالة أمدها بهدف هدر موارد العراق واضعافه لتتبعها المؤامرات الواحدة تلو الاخرى وفرض الحصار الاقتصادي الذي دام لثلاثة عشر سنة لتختم الامبريالية جهدها باحتلال العراق وتسليم مقاليده لفئات ليس همها سوى التخريب على المستويين القيمي والمادي.

أما على مستوى الإنجازات ذات الصلة المباشرة بحياة المواطن والتي تهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية، فلابد أولا من التطرق إلى الإنجازات التي تصب في تحقيق العدالة وبالتالي الرفاهية المجتمعية التي استطاعت الثورة تحقيقها.

إن هدف تعزيز الوحدة الوطنية يستند إلى تطبيق مبدأ الواجبات أولاً ثم الحقوق وبالتالي تزول الفوارق بين فئات الشعب المختلفة وتسود القناعة لدى المواطن المخلص فينصرف إلى أداء واجباته الوطنية بإخلاص وأمانة تامَّين.

لقد وضعت ثورة 17 تموز ومنذ اليوم الأول لانطلاقتها المواطن العراقي في كافة مراحل حياته في مقدمة أولوياتها، وذلك لأهمية الدور الذي يلعبه في تكوين ذاته وتطوير مجتمعه، ولذا فإن الثورة أولت هذا الأمر جل اهتمامها للوصول بالمواطن إلى درجة من الرقي لكي يكون عنصراً إيجابياً في مجتمعه، ويحقق في النهاية السعادة التي يرجوها من خلال دوره الفاعل في البناء والنهوض الاقتصادي.

ولأجل بلوغ هدف خلق الإنسان الواعي والحريص على بناء وطنه والدفاع عنه كان لابد من التركيز أولا على البناء القيمي وتعزيز روح المواطنة لديه.

وكان البعثيون قدوة في ذلك بدءً من إشاعة روح العمل الجماعي والتطوعي والحرص على أمن العائلة، فانتقلت بالمواطن ليكون قائداً ومنتجاً في آن واحد، وفي هذا المجال سنورد وباختصار ما تحقق في عدد من المجالات:

فعلى الجانب المجتمعي فقد قامت الثورة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وبدء صفحة جديدة من العمل الوطني المشترك وكذلك إعادة المفصولين السياسيين إلى الخدمة وتحسين ظروف معيشة الإنسان العراقي عن طريق توفير فرص العمل، وتحصين المواطن وذلك بزيادة معارفه عن طريق توفير فرص التعليم المجاني بدءً من محو الأمية وانتهاءً بإلزامية التعليم الابتدائي ومجانيته وتوسيع فرص التعليم العالي المجاني.

لم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل شمل تأمين مستلزمات العيش الكريم والأمن للمواطنين بدءً من تطوير مرافق الحياة اليومية الصحية منها أو المتعلقة بالأمن وتحقيق العدالة.

أما على مستوى قطاعات الحياة الاقتصادية فقد أحدثت الثورة نهضة كبيرة على المستويات الاقتصادية كافة، فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قامت الثورة بدعم وتطوير القطاع الزراعي وذلك بتوفير جميع مستلزمات الزراعة وتأمين مستلزمات النهوض بها وذلك بتوفير المياه وبناء السدود وانشاء المصانع الرافدة للعمل الزراعي.

وكذلك الأمر ينطبق على بقية قطاعات الحياة الاقتصادية الصناعية والبنى التحتية والتجارية وكل ما يتعلق بإحداث نقلة نوعية في حياة المواطن والمجتمع.

ولو أردنا أن نستذكر جميع تفاصيل ما أنجزته الثورة خلال الخمس وثلاثين عاماً من عمرها فإن ذلك سيحتاج إلى مجلدات، لذا سأقتصر على الإيجاز أعلاه.

وفي الختام لابد من أن ندعو بالرحمة لمن قضى نحبه من قادة الثورة، وبالعز والسؤدد لمن لازال حياً، والنصر للعراق عرين المناضلين.

 

 

 

 

 

 

 

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة 17 تموز المجيدة ثَورَة تَمُّوز تَجذِيرٌ نَوعِيٌّ لِتَجرِبةٍ حَداثَويَّةٍ نَهْضَويَّة

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة 17 تموز المجيدة

ثَورَة تَمُّوز تَجذِيرٌ نَوعِيٌّ لِتَجرِبةٍ

حَداثَويَّةٍ نَهْضَويَّة

أ.د. محمد مراد – لبنان

 

 بعد مضي نصف قرن وسبع سنوات على الثورة العراقية التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي – ثورة 17  تموز عام 1968، لا يسع المراقب التاريخي والباحث المحقّق إلاّ أن يتوقّف مليا أمام تجربة هذه الثورة التي باتت إنجازاتها الثورية مخزونة في ذاكرة التاريخ العربي المعاصر، لما هي إنجازات تركت بصماتها الدامغة في تحديث وتطوير العراق مجتمعا ودولة من جهة، وفي تأكيد تفاعلاتها العميقة في الالتزام والتكامل الاستراتيجي بين البنائين الوطني والقومي من جهة أخرى.

 لم تمض سنوات قليلة على الثورة، حتى كانت إنجازاتها الثورية قد أضحت حقيقة واقعة في كل مجالات الحياة العراقية والعربية لجهة التأسيس لبناء دولة قائمة على مرتكزات عميقة حاملة للتطوير والنهوض الوطني وبآفاق قومية منسجمة مع منطلقات وتوجّهات قيادة الثورة المستلهمة لمبادئ البعث الثورية التحررية والقومية.

  أبرز الإنجازات التي سجّلتها الثورة، وهي عديدة لا تحصى، كانت على مستويات ثلاثة أساسية:

الأول، البناء الاقتصادي ومركزيته في البناء العام للدولة والمجتمع

الثاني، اعتماد العلم والتطوير العلمي وامتلاك التكنولوجيا بخصوصية عراقية من غير استهلاك النماذج الأجنبية الجاهزة.

الثالث، تمكين العراق وتحويله الى دولة فاعلة في المجال القومي الوحدوي.

 

الاستقلال الاقتصادي كشرط ملازم للاستقلال السياسي

أولاً: في البناء الاقتصادي

  كانت الخطوة التأسيسية الأولى التي اعتمدتها الثورة قد تمثّلت بتحقيق الاستقلال الاقتصادي كشرط ملازم للاستقلال السياسي والسيادة الوطنية. أمّا الترجمة العملية لهذه الخطوة فقد دلّ عليها قرار قيادة الثورة التاريخي بتأميم النفط في الأول من حزيران 197 وعلى قاعدة شعار” نفط العرب للعرب ” .

  أفضى قرار التأميم الى ارتفاع قياسي في حجم العائدات النفطية العراقية. فبعد أن كانت هذه العائدات 521 مليون دولار لعام 1970، قفزت الى 1834 مليونا عام 1973 أي بعد سنة واحدة على قرار التأميم، ثمّ لم تلبث أن سجّلت 26136 مليونا عام 1980، أي أنّها تكون قد تضاعفت اضعاف عديدة خلال عشر سنوات (1970- 1980 ).

   وعملا بسياسة مركزية لقيادة الثورة قضت بأن تكون الثروة الوطنية العامّة ملكا للشعب العراقي، فقد تمّ توظيف الزيادات الهائلة في موارد الدولة الناجمة عن التأميم في إطلاق جملة من الخطط الاقتصادية والتنموية الطموحة، وخاصّة في مجال التصنيع من خلال بناء القاعدة التصنيعية التي يستند عليها الاقتصاد العراقي، حيث تحوّل العراق الى دولة متقدمة على العديد من اقطار الوطن العربي في هذا المجال.  

  أبرز خطوات حكومة الثورة في مجال التصنيع كانت:

1 – توسيع قاعدة القطاع الصناعي العام ( قطاع الدولة ) بشكل غير مسبوق ، ففي خلال فترة لا تزيد عن عشر سنوات (1970 – 1980) بلغ مجموع ما خصّصته الحكومة العراقية للاستثمار في القطاع الصناعي أي القطاع العام نحو 700 مليون دينار عراقي أي ما يوازي قرابة 25 مليار دولار أمريكي بالأسعار الجارية آنذاك.

2 – تشجيع القطاع الصناعي الخاص على قاعدة التوازن مع القطاع العام          ( القرار رقم 22 لعام 1972، والقرار رقم 899 لعام 1980).

3 – منح رؤوس الأموال العربية حقّ الاستثمار الصناعي في العراق بنفس الامتيازات الممنوحة للمواطنين العراقيين، أما الاستثمار الأجنبي فقد ظلّ محدودا الى أن صدر قرار في 1/11/ 1990 قضى بمنعه من العراق نهائيا.

4 – التوسع في انشاء مراكز البحث العلمي والتطوير الصناعي، وإعطاء أهمية قصوى لإعداد الكوادر العلمية الوطنية، الأمر الذي سمح للعراق، وفي فترة لا تتجاوز العقد من الزمن ( 1970 – 1980) بإعداد عدد ملفت من العلماء، ليس فقط في مجال اكتساب العلوم التطبيقية، وفي القدرة على التحوّل نحو التكنولوجيا وإنتاج المعرفة وحسب، وإنّما، وهذا هو الأهمّ انتاج تجربة علمية إنتاجية بخبرات عراقية صرفة، ودونما أي حاجة لاستيراد الخبرات الأجنبية واستهلاكها.

5 – التوسّع الهائل في حجم المؤسّسات الصناعية في مختلف المحافظات العراقية، حيث وصل عدد هذه المؤسّسات المسجّلة في وزارة الصناعة لغاية نهاية العام 1990 الى 41194 مؤسّسة بينها 575 مصنعا كبيرا، الأمر الذي يشير الى أنّ دينامية التصنيع العراقي فاقت مستويات النشاط التصنيعي في اليابان وألمانيا الغربية قبل توحيد شطري المانيا عام 1989.

  على موازاة الاهتمام بالقطاع الصناعي عملت حكومات الثورة المتعاقبة على تطوير القطاع الزراعي كترجمة لسياساتها الرامية الى تنويع مصادر الإنتاج، ووصول العراق الى مرحلة يتجاوز معها ظاهرة الإنتاج الأحادي السائد في دول النفط العربية. وقد لاقت هذه السياسة نجاحاً باهراً دلّت عليه الأحجام الكمية للإنتاج الزراعي، حيث تحول العراق الى بلد مصدّر لأنواع عديدة من المنتجات الزراعية  الفائضة عن اكتفائه بالأمن الغذائي الذاتي.

 

المعجزة الاقتصادية

 إنّ الطفرة الاقتصادية التي حقّقتها ثورة تموز الرائدة في فترة لا تزيد عن عقد واحد هو عقد السبعينات من القرن الماضي تصل الى حدّ وصفها بالمعجزة الاقتصادية. فهذه المعجزة جاءت لتؤكّد على القدرة الخارقة للعراق كدولة ومجتمع على استيعاب التحدّيات غير العادية التي تواجه الأمّة العربية في تاريخها المعاصر. فالدولة العراقية لم تكتف فقط بالتخطيط والاشراف على عمليات الإنتاج وحسب، وإنّما أيضا عملت بمنهجية ” الكنزية الاقتصادية” لجهة إحداث التوازن السوقي بين عمليتي العرض والطلب من جهة، وفي إيجاد معادلة إنتاجية توازن بين القطاعين العام والخاص من جهة أخرى. هذا التوازن الذي عكسته نسبة المساهمة لكل من القطاعين وهي 50 % في العام 1982.

 ثانيا: اعتماد العلم والتطوير العلمي كأساس للنهوض الشامل 

  أدركت قيادة ثورة 17 تموز، منذ البداية، أنّ العلم  والتطور العلمي يمثّلان حجر الزاوية في عمليات البناء الوطني ونهوض الدولة على غير مستوى اقتصادي واجتماعي وسياسي وحضاري. ففي النصف الاول من السبعينات بدأت الحملة الوطنية الشاملة لمحو الامية. وفي العام 1979 صدر قانون إلزامية التعليم الأساسي، وقد أعطى نتائجه المذهلة خلال سنوات قليلة، بحيث كادت الصفرية تسود نسبة الأميّة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، في وقت ظلت فيه دول عربية عديدة تشهد نسبا مرتفعة من الأميّة تراوحت بين 25 % في الأدنى في دولة الامارات العربية المتحدة، وحوالي 58 % في اليمن على سبيل المثال.

  وفي خطوة أخرى مميّزة عكست مدى الاهتمام والرعاية لقيادة الثورة للعلم الإبداعي أي للعناصر المتفوّقة من الطلاّب والباحثين، تم تشكيل الهيئة العليا لتكريم العلماء،  كما وتم منح “نوط الاستحقاق العالي” للباحثين المتميزين ، اضافة الى منح ” وسام الجامعة”  للمبدعين من التدريسيين الناشطين في البحث العلمي ، كما وتم تخصيص “جائزة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي” الى الاستاذ الاول في البحث والتطوير على مستوى القطر، وجائزة ” العميد المتميز” على مستوى القطر لمن يقود طفرة في مجال البحوث، اضافة الى      ” جائزة صدّام للبحث العلمي”، وهي جائزة تمنح كل مواطن عراقي أو عربي مكافأة مالية تشجيعية قدرها 30 ألف دينار عراقي أي ما يوازي قرابة 100 ألف دولار أميركي بالأسعار الجارية.

وممّا تجدر الإشارة اليه في هذا المجال، أنّ الأعداد الهائلة من الخريجين الجامعيين كانت مستوعَبة في سوق العمل، الأمر الذي جعل البطالة في العراق تكاد أن تكون صفرية قبل فرض الحصار الأميركي الظالم على شعب العراق لمدة ثلاث عشرة سنة بين 1990 – 2003. 

 

 ثالثا: البعد القومي لثورة تموز المجيدة 

 صحيح أنّ الثورة العراقية حقّقت إنجازات عميقة في بنية المجتمع العراقي، الاّ أنّ الطموحات الاستراتيجية لقيادة الثورة لم تكن محكومة بسقف الدولة العراقية كدولة قطرية، وإنّما كانت تسعى الى تأسيس النموذج الوطني العراقي كمدخل الى المجال القومي العربي العام. فالقيادة العراقية كانت تطمح لإقامة الدولة العربية الواحدة على قاعدة التحرّر والاستقلال القومي، وبناء مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية. وعملا بهذه المنطلقات كان عراق الثورة أكثر التزاما بالقضايا القومية العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية. فهو الدولة التي ظلّت حتى حصول الاحتلال الأميركي، تتميّز بمواقفها المبدئية الثابتة تجاه عروبة فلسطين، وضرورة توفير كل الإمكانات المتاحة لتحريرها من المحتل الصهيوني الاستيطاني.

   كذلك، هناك مواقف لا تحصى، عكست التزام القيادة العراقية بقضايا الوحدة القومية، منها على سبيل المثال لا الحصر، الموقف الدّاعم لوحدة اليمن، وتقديم المساعدات الكثيرة لكل الاقطار العربية منها السودان والصومال وتونس والأردن ولبنان وغيرها.

ولا يغيب في هذا المجال اندفاع الجيش العراقي – جيش الثورة – الى جبهات القتال مع العدو الصهيوني في سوريا ومصر، والوثائق التاريخية لا تزال تسجّل للجيش العراقي في حرب تشرين الأول (1973) بسالته في الدفاع عن القنيطرة و حمايته لدمشق من السقوط واعداده خطة مع الجيش السوري لتحرير الجولان المحتل، لكن أوامر القيادة السورية صدرت بوقف اطلاق النار.  

لقد كانت قيادة الثورة تسعى دائما من أجل خلق مؤسّسات عربية فوق قطرية تعزيزا لمسيرة التكامل العربي،  وبما ينسجم مع أهدافها القومية في قيام المجتمع العربي الوحدوي وإقامة دولة الوحدة القومية العربية.

وإذا كان هناك من دوافع عديدة للاحتلال الأمريكي للعراق، فإنّ الدافع الأكثر الحاحا هو ذلك المشروع القومي الوحدوي الذي التزمته ثورة 17 تموز كخيار استراتيجي لأهدافها وتوجّهاتها.

 

 ثورة 17 تموز تجذير نوعي لتجربة حداثوية نهضوية

ولمّا كانت منطلقات الثورة العراقية – ثورة 17 تموز- تجذيراً نوعياً لتجربة حداثوية نهضوية امتلكت أفقا ًاستراتيجيا ًباتجاه التأسيس لتجربة موازية على المستوى القومي العام، فإنّ القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية العربية التابعة هبّت لمناهضة هذه التجربة الواعدة مانعة عليها استكمال مشروعها التاريخي، ليس فقط في مجال استنهاض الأمّة العربية وحسب، وإنما أيضا في مجال تعميم رسالتها الإنسانية التحررية الى العالم أجمع.

  إنّ الهدف البعيد لقوى التآمر الخارجي الدولي والإقليمي والرجعي يكمن، قبل أي شيء آخر، في ضرب تجربة الثورة العراقية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، قبل أن تتحوّل الى تجربة قومية شاملة. ذلك أنّ العراق استطاع خلال ثلث قرن ونيّف ( 1968 – 2003) أن يمتلك نموذجاً نهضوياً نوعياً ذي خصوصية عربية مميّزة قادرة على تأسيس مراكمات ناجحة ومستدامة، وتمثّل خروجا عربيا على التبعية والإلحاق برأسماليات المركز الغربي وزعيمته الولايات المتحدة الأمريكية.

  الهجمة الأمريكية – الصهيونية على تجربة ثورة 17 تموز المجيدة إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على عمق الأزمة التي بلغتها رأسمالية الشركات الحاكمة للاقتصاد والسياسة في أميركا.

هذه الرأسمالية المتوحّشة ترى في تجربة الثورة في العراق معوّقاً رئيسياً أمام مشروعها الراهن في أمركة العالم، والاستحواذ على ثرواته الطبيعية والاقتصادية، وإلغاء هويّات شعوبه الثقافية والحضارية. 

إِيرَان بَينَ مَأْزقِ الإِيديُولوجْيَا وَحَقَائِقِ الحَيَاة

 

إِيرَان بَينَ مَأْزقِ الإِيديُولوجْيَا وَحَقَائِقِ الحَيَاة

 

د. عبد الوهاب القصاب

 

أولاً: أزمة الهوية بين الثورة والدولة

 لقد شكلت احداث “الثورة” الإيرانية عام 1979 لحظة مفصلية في التاريخ الإيراني الحديث، لكنها سرعان ما انقلبت من كونها ثورة شعبية متعددة الاتجاهات إلى مشروع إيديولوجي أحادي اللون، ارتكز على فقه ولاية الفقيه كمرجعية سياسية دينية مطلقة وتمت تصفية كل رموز وقيادات الثورة المعارضة لذلك بكل قسوة وبأبشع الصور. هنا وقعت الدولة الإيرانية في مأزق بنيوي: فهي من جهة ترفع شعارات الثورة و”نصرة المستضعفين”، ومن جهة أخرى تتصرف كدولة إمبريالية ذات نزعة توسعية، تفرض نفوذها عبر الجماعات الوكيلة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

 هذا التناقض البنيوي بين هوية الدولة “الثورية” والدولة الواقعية (البراغماتية)، والذي اُريد له ان يكون مجالاً للمناورة وتوزيع الادوار والافلات امام المجتمع الدولي، أضعف مشروعها في الداخل، حيث بدأت تظهر تناقضات بين الأجيال الشابة التي تطمح إلى الانفتاح والتنمية، وبين نخب الحرس الثوري والمؤسسة الدينية التي تهيمن على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي بشكل مطلق.

  ثانياً: سقوط نظريتي ” أم القرى” و”إيران 2025″

تبنّى النظام الإيراني بعد الحرب الإيرانية العراقية نظريتين استراتيجيتين حاولتا إضفاء الشرعية على التوسع الإقليمي هما :

 نظرية “أم القرى” التي طوّرها محمد جواد لاريجاني، واعتبرت إيران محور العالم الإسلامي وقلبه النابض، ومن ثم يحق لها قيادته وتوجيهه.

  • نظرية “إيران 2025” التي تبنتها حكومة أحمدي نجاد، وهدفت إلى تحويل إيران إلى القوة الإقليمية الأولى سياسياً واقتصادياً وتقنياً.

 إلا أن هاتين النظريتين تعرضتا للانهيار أمام ضغط الواقع: فقد أدى الانخراط الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان إلى استنزاف اقتصادي وعزلة سياسية ودبلوماسية. كما فشلت إيران في بناء نموذج تنموي مقنع لا داخلياً فيها، ولا في الاقطار العربية التي هيمنت عليها. حيث تزايدت معدلات الفقر والبطالة والهجرة في ايران، بينما تفشّت شبكات الفساد بين أذرع الحرس الثوري التي سيطرت على الاقتصاد الوطني ، كما شاع الخراب والتخلف اينما توسعت عربياً.

 ثالثاً: تناقضات سياسة المُكابَرة

 رغم كل المؤشرات التي تدل على تآكل شرعية النظام داخلياً، ورفض شعبي متصاعد تجلّى في احتجاجات متواصلة أعوام 2009، و2019، و2022 (التي تزامنت مع مقتل مهسا أميني)، فإن المرشد علي خامنئي ظلّ يصر على خطاب التحدي والممانعة، دون مراجعة حقيقية لمسار الدولة ومشروعها الإقليمي.

 لقد تبنّى خامنئي خطاب “التحصين الإيديولوجي” والولاء المطلق، وأغلق الباب أمام أي إصلاح حقيقي أو تداول للسلطة. وهو ما أفضى إلى تأزيم العلاقة بين الشعب والنظام، وسقوط جيل الثورة في نظر الجيل الجديد، الذي لم يعد يرى في النظام سوى آلة قمع وشعارات جوفاء.  

رابعاً: هشاشة الداخل رغم تغلغل الخارج

 بينما استطاعت إيران تثبيت نفوذها بالقوة في أربع عواصم عربية هي (بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء)، إلا أنها لم تستطع تحصين الداخل من الانكشاف الأمني والاستخباري. فقد شهدت إيران سلسلة من العمليات النوعية التي طالت منشآتها النووية والعسكرية (كحادثة “نطنز”، واغتيال فخري زاده، والهجمات

السيبرانية)، وكلها تؤكد هشاشة المنظومة الأمنية الإيرانية رغم ضخامة أجهزتها. هذا التناقض يكشف عن خلل هيكلي متمثل في : دولة قادرة على تصدير نفوذها، لكنها عاجزة عن حماية قلبها الداخلي، بسبب فساد أجهزة الدولة، وتفشي النزعة الريعية في الاقتصاد، واعتمادها المفرط على أدوات القمع بدل الإصلاح.

 خامساً: الرفض المجتمعي للهيمنة الايرانية

لقد ادت النتائج الكارثية الانسانية والامنية والاقتصادية والمجتمعية والسياسية وشيوع الفساد والتخلف المُمَنهَج في العراق وسوريا ولبنان واليمن في ظل الهيمنة الايرانية عليها، وانهيار مؤسسات الدولة وتعريض تلك الاقطار الى التفرقة والتفتيت وغياب ابسط مقومات حقوق الانسان فيها، الى طغيان الرفض الشعبي المجتمعي لتلك الهيمنة وتعريتها والعمل على الخلاص منها.

 سادساً:  التحولات الدولية وانحسار الحماية الأمريكية

 شكّلت الإدارات الديمقراطية المتعاقبة منذ أوباما وحتى بايدن حاضنة سياسية للنفوذ الإيراني في المنطقة، سواء بسبب التساهل في الاتفاق النووي، أو الرغبة في الانسحاب المزعوم من الشرق الأوسط وتسليمه عمداً لأطراف إقليمية، متمثلة في إيران. لكن المتغيرات الدولية الجديدة ، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، وبروز تحالفات إقليمية جديدة، جعلت إيران في موقع دفاعي أكثر منه هجومي.

فمع الانفتاح الخليجي المدروس مع الصين ، وتزايد التنسيق الأمني العربي – الغربي، باتت قدرة إيران على المناورة محدودة، خصوصاً في ظل الاضطرابات

 الاقتصادية المتزايدة، والعزلة الدولية الناتجة عن الملف النووي وحجم الانتهاكات الانسانية الحقوقية في الداخل الايراني وفي المنطقة.

 خاتمة: إيران أمام مفترق طرق

 تجد إيران نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فهي إما أن تراجع بنيتها الإيديولوجية وتنخرط في إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، تنهي احتكار السلطة، وتعيد تعريف مشروع الدولة وفق مصالح المواطن الإيراني، لا وفق طموحات النخبة الحاكمة؛ وإما أن تستمر في سياسة الإنكار والمكابرة، وتواجه مزيداً من الانهيار الداخلي، وتآكل نفوذها الخارجي تحت ضغط فشلها من جهة والتحولات الدولية من جهة اخرى.

 إن أزمة إيران ليست فقط في “العقوبات” المُفتَرَضة، أو العداء مع الغرب، بل في مأزقها البنيوي بين إيديولوجيا لم تعد تقنع الداخل، وواقعٍ لم يعد يتحمل العبء التوسعي.

من منظور البعث.. القيم والأخلاق والمبادئ ثوابت ومسارات

من منظور البعث.. القيم والأخلاق والمبادئ

ثوابت ومسارات

الرفيق أبو زياد

_

في إطار هذا الموضوع الواقعي والحيوي يتطلب الأمر تأملات فكرية من نمط خاص في رحاب الفكر انطلاقاً صادقاً في الكيفية لمحاورة الأساسيات لواقع اعتماد القيم والأخلاق والمبادئ كنوارس ومنابع في ادبيات الحزب، وهو الممثل الشرعي للأمة العربية والبارز لاعتماد قضاياها المصيرية ،كونه المؤسسة السياسية الفكرية المتفرد في قدرته علي اكتشاف قوانين حركة الواقع العربي وخصوصيته الثورية بإطار علمي مستنبط من خصوصيات أصولية لقيم وأخلاقيات مجتمعه ووضع صيغ التعامل في ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ثم الشروع في بناء رحاب الاستراتيجية للأهداف والنضال من أجل ترجمتها إلى واقع ملموس عبر العمل علي بناء الإنسان العربي الجديد وخلق نظرية التكامل والترابط العضوي بين أهداف الرسالة وأدوات تفعيلها وهو الحزب الوحيد الذي ذهب إلى اكتشاف هذه العلاقة واعتمدها وعمل على تهيئتها في تأهيل الإنسان العربي لتحمل عبء هذه المهمة التاريخية ومسؤوليتها عبر قوام النضال القومي للأمة،

وبذلك تتكامل عمليات الترابط بين النظرية والتطبيق وبناء الهيكلية لاستراتيجية العمل القومي وإحداث التغييرات الجذرية في البنية الشعبوية العربية واعتمد النضال أسلوباً ثورياً للتغيير والانطلاق من مرحلة المخاض إلى مرحلة النضوج المجتمعي وتخليصه من شوائب الأخلاقيات البدائية وواقع الضياع والاغتراب ما بين الواقع المرير لحال الأمة وهي تناضل للخلاص من نير الاستعمار ومصادرة إرادتها الوطنية والقومية وبين عملية بناء إنسانها وفتح أفاق المستقبل والتمدن أمامها والتي لا تتم هذه النظرية إلا بوجود فعلي للأخلاق والقيم والمبادئ (جوهر الحياة العصرية) وتوفير الترابط العضوي بينها لكي تكتسب سمات (البعثية) وعبر الوعي والإيمان بالعقيدة والتطبيق السلوكي اليومي.

فالبعث ومنذ تأسيسه في مطلع الأربعينات يؤمن أن الإنسان هو مصدر الإلهام الجماهيري وهو المادة الأساسية للحراك والتفعيل النضالي لذلك طرح مفهوم الأخلاق والقيم وأطرها بالمبادي لكل تحول نوعي وجذري في مسيرة النضال العربي واعتبرها مسؤولية تاريخية يتحملها البعثي ويمتهن مضامينها ولم يطرحها سائبة بلا نهايات وإنما زينها بصفتي (الالتزام والاحترام) لكي يصلب ويقوي هذه التربية في ثالوثها المقدس فلا أخلاق بدون قيم ولا قيم بدون مبادئ وهي منابع عقيدته في صناعة الحزبي إلى مستوى البعثي المندمج في فكر واستراتيجية البعث ،لأن البعث لم يكن حالة طارئة في حياة الجماهير وإنما كان ولا زال تحول وتجديد للفكر العربي، وأداته الإنسان وهو الذي يؤمن بدور الجماهير وطاقاتها في التغيير.

هكذا ولد البعث خزيناً من الإيمان والفكر الناضج ولم يتكئ على فلسفة أو نظرية غربية إنما نشأ من معاناة واقع الأمة.

لقد تفوق البعث في ولادة قيادات فذة تستوعب المرحلة وما تلاها وتقرأ الواقع وتتعامل معه ضمن بيئته وظروفه المتاحة .

لقد اعتبر البعث الأخلاق والقيم والمبادي مسار لترجمة صفة (الانضباط الحزبي) وعمل على تعميق جذوة هذا المفهوم كبديهية من ثوابته في المسيرة النضالية، لذلك كانت عملية الانتساب للبعث تمتحن بموجب درجة الأخلاقيات والقيم لدى الإنسان وما دعاه (النوعية) لكي تعينه في بلورة هذه الشخصية من دور البداية إلى دور المسؤولية النضالية، فالأخلاق منصة عربية فإن ذهبت الأخلاق ذهبت الأمم.

ومن هذه المسلمة في بناء وتنمية الشخصية البعثية اعتمد الحزب علي عاملين أساسين: الأول هو ما يصرفه البعثي على تزويد شخصيته من اكتساب  الأخلاق والقيم والمبادئ وترجمتها إلى واقع عملي في الميدان عبر دوره القيادي في الوسط الجماهير .

وثانياً مقدار قدرته في اكتساب هذه الأخلاقيات من التنظيم كغذاء يتزود به ويغذي به محيطه الذي يتعامل معه في مفهوم البعث والنظرية البعثية والمسؤولية التاريخية لقيادة الشعب وتفجير طاقاته في التغيير والتي أساس انطلاقتها هي(فن التعامل الأخلاقي) البعث مع جماهير الأمة وقدرته في مواجهة التيارات والتنظيمات السياسية والفكرية الغريبة في ايدولوجيتاها والتي عجزت عن تعريف قوانين حركة الجماهير العربية وتطلعاتها القومية، لذلك ولد البعث مختلفاً في الرؤية والنظرية والمسارات.

فالبعث لم يكن حزبياً باطنياً ولا مؤسسة دينية متطرفة ولا نسخة أجنبية ولا تياراً مؤقتاً يخضع للزمان والمكان، إنما حزباً طليعياً يؤمن ويقتنع بدور الجماهير في تغيير الخارطة المضببة والعفوية للفكر السياسي العربي، فهو حزب الأخلاق، ولا نضال بلا أخلاق، ولا أخلاق بدون قيم ومبادئ ترتكز عليها .

وبهذا الصدد نوه الرفيق المؤسس ميشيل عفلق رحمه الله والرفيق المناضل القدوة رحمه الله صدام حسين عن نزاهة البعثي في نضاله للأمة وتجرده من مغريات الحياة والتحافه بالأخلاق السامية وقيم الرجولة ( البعثي أول من يضحي وآخر من يستفاد) وهو دليل على تطابق قيم الأخلاق وقيم المبادئ .

والأخلاق هي الدافع والمحفز لانتماء الانسان إلى معترك النضال البعثي واستيعاب خصوصياتها في (التوافق بين الغاية والوسيلة) في تحقيق الأهداف القومية .

الأخلاق والقيم والمبادئ…..المفهوم والأحكام

إنها مجموعة من الغرائز والأصول التوارثية والشعور الاندفاعي، تكمن في أغوار النفس البشرية وطبع الإنسان وسجيته في التعامل اليومي مع البيئة، وهي وجود واكتساب يلعب المحيط والتربية والنشأة والاحتكاك والتعرض لعوامل الوعي والاستيعاب والقدرة في مواجهة النوازع الشهوانية والتطرف والاستعلاء وتجاوز المسموح والتطلع غير المشروع، وهي أمراض تصيب الإنسان الذي لم يستكمل التلمذة في مدرسة البعث وبقي عفوياً مهزوزاً في قناعاته وسيرة انضباطه الحزبي وعدم قدرته في مواكبة أخلاقيات البعث.

ومن هذا المنطلق أصاب البعض نتيجة إصابتهم بهذه الأمراض الخروج عن البوصلة البعثية والتوجه نحو التآمر على قيادة الحزب وإيديولوجيته وهو نقص في استيعاب أخلاقيات البعث.

البعث مدرسة الحياة السياسية ولا تتم عمليات الأخلاق إلا ببناء الأخلاق الفردية، وهو ما دعا البعث إلى طرح هذه الأخلاقيات والقيم في فقرات الضوابط (الانضباط الحزبي) في الالتزام باحترام الاجتماعات الحزبية والمسؤول والنقد والنقد الذاتي وغلبة الأكثرية علي الأقلية وتنفيذ المهام والأمانة في الحزب، وهي في مجملها طريق لبلورة شخصية البعثي الجديد وإبعاده عن أنماط ما قد يصاب به من أمراض تغلب كفتها على منطلقات التربية البعثية.

البعث في مسعاه يهدف إلى بناء مجتمع كل من فيه صحيح، كل من فيه مثقف ( وهو بهذه الصفة ) ثورة على الواقع المتخلف والأخلاقيات البالية.

البعث مدرسة للأجيال وزرع الخصال العربية النبيلة.

يقول الرسول العربي صلى الله عليه وسلم (أنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) والرسول محمد عربي قبل أن توحى إليه النبوة، وهو في حديثه الشريف أورد كلمة البعث والأخلاق وهي ما اقتبسه البعث كتنظيم قومي لكي يوظفها في أدبياته ومرتكزاته.

من هذه المسلمة فإن (البعث الثاني هو امتداد للبعث الأول) لم يفصل الأخلاق عن القيم والمبادئ، وإنما أحصاها في ميدان العمل والمقبولية التنظيمية (فمن لا أخلاق له لا قيم ولا مبادئ له) .

إن قيم البعثيين المناضلين هي تجسيد للإيمان المطلق والشجاعة والتضحية والإيثار والشهادة، وهي عناوين تحمل معاني عميقة تتحول تدريجيا إلى ممارسات نضالية تترجم في ميادين العمل التلاحم في الشارع.

إن الالتحاق في صفوف البعث ليس حالة شكلية وإنما هي حالة أصيلة تتغلب فيها قوة الإرادة والنفس الطواعة ودرجة القناعة لأنها تتطلب الالتزام والابتعاد عن الشذوذ التطلعي والمنفعة الشخصية وتغليب التزمت على العقلانية ( بإطار انضباطي أخلاقي قيمي كضرورة للشخصية البعثية).

إن التحلي بأخلاقيات البعث في التعامل هو (نموذجية بعثية).

فمن الخطأ جداً أن نعد البعث مؤسسة عددية أو رقماً فضائياً بل هو نادي تربوي تعليمي يصقل المواهب ويهذب النفوس للتكامل الشخصي وتخريج المؤهلين للعمل في سوح النضال.

إن التزود بالأخلاق البعثية وقيمه تمثل صمامات الأمان ومعين لحمايته من التجاذبات السياسية والفكرية الرخيصة وتحصنه من أمراضها، فحينما نكون بعثيين بحق نكون قادرين على الارتقاء بالمهام النضالية إلى مستوي الرسالة الخالدة وأدوات تعبير عن قيم ومبادئ البعث يجسدها في تفاصيل تعامله اليومي مع الجماهير، أما الذي يلتحق بالبعث بجسمه فقط في كل محطات نضاله بدءً من الاجتماع الحزبي صعوداً فهو سلبي وعاجز وضعيف الإرادة وفقير الرؤية لداخل منظومة البعث وخارجها.

وتبعاً لذلك سيبقي أعرجاً معوقاً لكل مستقبليات النهضة والتنمية الثورية وفاقداً لمستلزمات الإنجاز في التغيير للنضال القومي ويكون عامل تعطيل لمكانة النضال الجماهيري، وربما عنصر يهتز عند الأزمات أو ينزلق إليها. إن الأخلاق البعثية لا تتوقف بوصلتها كالساعة، وإنما هي رافد يزود البعثيين بالطاقات وإرشاد توعوي لما يحدث وما سيحدث.

لقد حمل البعث وزر كل الأزمات والاختناقات للسياسة العربية العرجاء وواجه الأعداء بصلابة وعنفوان الشجاعة والإيمان حتى بعد الاحتلال حيث تم فرز من تربى على الأخلاقية البعثية ومن تربي على قيم دخيلة، وهم نفر من ذوي العاهات الفكرية الذين لم يستوعبوا البعث نظرية وعقيدة وأخلاقاً ،كانت انتماءاتهم ناقصة ومبتورة ولم يحظوا كثيراً بعمق العقيدة البعثية وتكامل الترابط بين روح النضال وديمومة الإيمان بالعقيدة ،لذلك برزت أمراضهم الارتدادية حيث توفرت لهم ظروف الارتداد والعزلة القاتلة أمام قيادة صلبة مؤمنة بخياراتها في اعتناق عقيدة البعث لأجل مصلحة الأمة .

هذا العمق الإيماني للقيادة وقواعدها هو نوط الشرف الرفيع لما تزينوا به من أخلاقيات وقيم ومبادئ، وبقاء قوتها في مزاولة التنظيم لأجل ديمومة الانسجام بين الفكر والممارسة وانتهاج السلوك المنظم الذي تربي البعثيون عليه بعيداً عن السلوكيات المدانة، وتبقى الأخلاق عنوان البعث في نضاله الوطني القومي محوراً تنموياً لكل حاضر ومستقبل.

شِبْلي العَيسَمِي مَسِيرَة فِدَاءٍ لِلبَعث ولسُوريَا و الأُمَّةِ العَربيّة

شِبْلي العَيسَمِي مَسِيرَة فِدَاءٍ

لِلبَعث ولسُوريَا و الأُمَّةِ العَربيّة

 

ناصر الحريري

 

الرفيق شبلي العيسمي هو أحد أبرز القادة والقامات القومية في تاريخنا المعاصر والذي تحل في هذه الايام ذكرى اختطافه وتغييبه الاليمة والبشعة من قبل نظام الاسد البائد.  وُلد في قرية إمتان بجبل العرب (محافظة السويداء) في الخامس من شباط 1925، ابناً لعائلة وطنية عريقة، وكان والده أحد مجاهدي الثورة السورية الكبرى. وانخرط في حزب البعث العربي الاشتراكي منذ تأسيسه، فانتسب إليه في الأربعينيات المبكرة ومثَّل بلده في مؤتمره التأسيسي عام 1947فكان عضوا مؤسساً للحزب. وخلال عقود من النضال السياسي أكد العيسمي التزامه بالقيم القومية والوحدة العربية والحرية، فأصبح أحد قادة الحزب التاريخيين.

 

النشأة والمسيرة البعثية

بفضل نضاله وفكره واجتهاده تولى الرفيق شبلي العيسمي مواقع متقدمة في حزب البعث وفي الحكومة السورية ايضاً، وانتُخِب أميناً عاماً مساعداً للبعث للفترة 1964 – 1992.

كما تولى حقائب وزارية بالغة الأهمية خلال سنوات الوحدة العربية السورية-المصرية وبعد ثورة 8 آذار 1963 في سوريا، حيث شغل وزارات الإصلاح الزراعي، والتربية والتعليم، والثقافة والإرشاد القومي في الفترة 1963–1966. وفي عام 1966 بلغ دوره ذروته في الدولة بتعيينه نائباً لرئيس الجمهورية السورية وعُيِّنَ في مجلس قيادتها.

بعد انقلاب حافظ الأسد على حزب البعث عام 1966، انتقل إلى العراق فمارس دوره كقيادي وطني في المنفى واستمر في قيادة التنظيم العروبي للبعث الشرعي في سوريا حتى غزو العراق سنة 2003، حيث انتقل إلى مصر.

 

المواقع والمحطات التاريخية

كانت حياة شبلي العيسمي مليئة بالملاحم النضالية، فقد اعتقل ثلاث مرات بين عامي 1952 و1966 في سجون الأنظمة المستبدة، وذلك لدوره النضالي الوطني والقومي، وحُكم عليه غيابيّاً بالإعدام في سوريا قبل أن يُخفّض الحكم إلى السجن المؤبد.

كان معادياً للديكتاتورية بكل أشكالها، فبعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة في سنة 1966، اختار المنفى فبقي في بغداد حيث واصل العمل من أجل التصدي لنظام الاسد ومن اجل تحقيق حرية سوريا ووحدة الأمة العربية وتحقيق مبادئ حزب البعث.

واستمر يناضل من خلال فعالياته في الحزب كما في الحياة العامة وساهم بتأسيس مدرسة الاعداد الحزبي في العراق وتدريس تاريخ الحزب لكوادر البعث. كما ساهم في اعادة نشر مؤلفات البعث وكتابة مذكراته. 

كان للأستاذ العيسمي إسهامات فكرية مهمة أيضاً، فقد ألف كتباً حول تاريخ البعث ومبادئه، مثل كتاباته حول الوحدة العربية، وترجمت بعض مؤلفاته إلى عدة لغات، على سبيل المثال صدر كتابه “الوحدة، الحرية، الاشتراكية” بالألمانية وغيرها من اللغات.

 

مواقفه من الأنظمة الديكتاتورية

كان شبلي العيسمي مثالاً للرسوخ العقائدي والنزاهة أمام الفتن السلطوية، فقد دافع عن حرية الشعب في سوريا واصفاً نظام الاسد الذي حكم باسم البعث فيها بأنه قد “ابتعد عن مبادئ الحزب وتراثه الفكري والنضالي، ولا سيما فيما يتعلق بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية”.

وأضاف في كلمة له عام 2007 بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب: “ليس من العدل والإنصاف أن تُحسب مواقف ذلك النظام وتصرفاته على الحزب ومبادئه”.

إن ذلك التصريح الجريء يعكس تمسكه القاطع بمبادئ حزبنا في الحرية والقيم القومية التي ناضل من أجلها. وقد ظل الرفيق العيسمي معارضاً شرساً لنظام الأسد وداعماً حقيقياً لمطالب الشعب في القطر السوري بالحرية والكرامة.

ولقد حذَّر مراراً من خطورة الأنظمة الأمنية والاستبدادية، ودعا إلى وجوب إخضاع أي حكم للمساءلة وإلى تمكين الأمة من تقرير مصيرها بوسائل ديمقراطية.

إن الرفيق الشهيد شبلي العيسمي، هو أحد القادة التاريخيين لحزب البعث العربي الاشتراكي، فلم يكن بعيداً عن نبض الجماهير السورية في الأيام الأولى لانطلاق الثورة السورية عام 2011، رغم تقدمه في السن وغربته الجسدية عن الوطن. فقد بقي متابعاً، مشخِّصاً بعمق للواقع السوري، ورافضاً بوضوح لنهج القمع والاستبداد الذي مارسه نظام بشار الأسد ضد شعبه. وموقفه المؤيد للثورة لم يكن مجرد تعاطف عابر، بل كان امتداداً طبيعياً لمسيرته السياسية والفكرية الطويلة في الدفاع عن الحريات وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

في كتاباته الأخيرة ومداخلاته قبل اختطافه الاجرامي، عبّر المناضل العيسمي عن تأييده العلني لمطالب الشعب في القطرالسوري في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، معتبراً أن النظام السوري الحاكم “ابتعد عن مبادئ حزب البعث وانقلب عليها”.

ودعا إلى تحرير الحزب من قبضة الأجهزة الأمنية، وإعادة الحياة السياسية إلى السوريين من خلال التداول السلمي للسلطة، وتحقيق المحاسبة العادلة.

وقد أيَّد الحراك الشعبي السلمي مؤكداً على وحدة سوريا ارضاً وشعباً، ورفضه القاطع للطائفية والتقسيم. لذا فرغم ابتعاده الجسدي عن سوريا في المنفى، مثّل شبلي العيسمي قيمة رمزية عالية للثوار وللبعثيين الأحرار، إذ وجد كثيرون في موقفه الشجاع برهاناً على أن البعث الحقيقي يقف إلى جانب الشعب لا فوقه، ومجرد إعلان دعمه للثورة، كان بمثابة صفعة سياسية كبيرة للنظام، لما يحمله العيسمي من وزن تاريخي ومصداقية نضالية وفكرية قومية.

في ربيع 2011، اختطفته عناصر من حزب الله في بلدة عاليه اللبنانية، في عملية وصفها كثيرون بأنها رسالة انتقام من صوته القومي النظيف، نُقِل بعدها إلى دمشق لتتولى مخابرات بشار الأسد تغييبه، حيث تعرض لتعذيب وحشي انتهى باستشهاده في أحد معتقلات النظام، مما جعل منه أول شخصية نضالية بعثية كبيرة تدفع حياتها ثمناً لموقفها الشريف من ثورة الشعب في سوريا.

في ذكرى يوم اختطافه يغمرنا الألم على فراق هذا الفقيد الشجاع الذي قدّم روحه في مواجهة الطغيان، وقدَّم حياته شهادةً تضيء دربنا في مواجهة الظلم والاستبداد.

 

الإرث القومي والوطني والقيم التي جسّدها

إن حياة وخُطى شبلي العيسمي تبقى منارةً في الثبات على القيم الوطنية والقومية التي رفع رايتها واستشهد من اجلها،  فلقد كان نموذجاً للمناضل الذي لم يساوم على مبادئه يوماً، ولم يفرِّط في شرفه من أجل مناصب أو مكاسب شخصية.

 ان في احياء ذكراه، تجديد العهد بحمل رسالة البعث وصون قيمه الوطنية والقومية في الوحدة والدفاع عن العروبة، والحرية والكرامة الاجتماعية والعدالة.  حيث دعا في كتبه وخطبه إلى وحدة الأمة العربية وخدمة القضايا العادلة.

 إن دماء شبلي العيسمي لن تذهب سُدى، فستظل حيةً في وجدان شعبه الوطني الواعي،  يستنير من تضحياته دروساً في الصمود والإخلاص، ولتمضي الاجيال قدماً في نضالها من أجل وحدة الشعب والامة وكرامتها ضد كل أشكال الاستبداد.

 فلنعمل على ترسيخ الرسالة التي ناضل من اجلها وقيم الثورة التي استشهد في سبيلها وهي: وحدة الأمة، وحرية الشعب، وعدالة المجتمع ، ولنعمل معاً  بيقين وثبات على طريق ونهج البعث العظيم.

 

يوم زُفَتْ مدينة الحناء

يوم زُفَتْ مدينة الحناء

أ.د. سلمان الجبوري

يحق لنا وفي السابع عشر من نيسان من كل عام ان نحتفل بالنصر العظيم الذي حققه العراقيون على ارض مدينة الفداء الفاو. لقدَ كان للعراقيين في السابع عشر من نيسان 1988 موعدا مع النصر في مدينة الفداء الفاو والتي سميت ببوابة النصر العظيم الذي تحقق في 8/8 من نفس العام بعد ان جرع ابطال العراق الخميني كأس السم فترنج تهوي به الريح وادي جهنم السحيق. هي المدينة التي اكتسبت قدسيتها من دماء شهداء العراق التي خضبت ثراها، الذين افتدوها باعز ما يملكون، ارواحهم الطاهرة وهم يرددون قول شاعر القادسية أبا خالد على لسان العراقيين ب

لا والله يا عراق لا يا عراقيين تبقى البيارق عالية ويبقى الشرف والدين فأقسموا بلا والله والعباس نوكع زلم فوك الزلم لمن يشيب الراس وهالكاع ماتنداس فصدقوا الوعد وحق العهد فتحقق النصر العظيم فكان اول نصر العراقيين اول نصر وكانت الفاو اول ارض عربية تتحرر على أيدي رجال قادسية صدام المجيدة في العصر الحديث.

ولو عدنا بالذاكرة قليلا الى أيام الثمانينات لرأينا ان ذلك النصر قد استحقه العراقييون بجدارة لما اتسموا به من صفاء الانفس والتضحية وتوحد القلوب يوم لم تكن هناك فُرقةٌ بسبب طائفية او تشتت مذهبي اوسياسي، ومرجع كل ذلك يعود الى توفر القيادة الحكيمة التي كان جل همها الوطن والشعب والأمة.

ان في تحرير الفاو دروس ستراتيجية تصلح ان تدرس في ارقى الاكاديميات العسكرية ويؤرخ لها على صحائف من نورفي سجل التأريخ. ويعود فضل ذلك الانتصار الى توفر القيادة السياسية والعسكرية المقتدرة والى مقاتلين ذوي بأسٍ شديد فصدقوا ما عاهدوا الله والوطن والشعب والقائد عليه.

كان بإمكان العرب اخذ الدرس من ذلك الحدث العظيم والمحافظة على الاقتدار العراقي واستثماره لتوظيفه لتحقيق انتصارات لاحقة احوج ما كنا ونكون اليها لكن مع الأسف لعب قصر النظر وعدم الشعور بالمسؤولية القومية الى التضحية بالعراق وتركه فريسة للحقد الصهيوفارسي فهدموا اقوى جدارَ صدٍ كان يقي الامة من الرياح الصفراء والحقد المجوسي ولما وصلنا لَما وصل اليه الجميع من هوان تشرذمت فيه اقطار واستبيحت فيه أخرى وما غزة الا شاهدا على ذلك.

حما الله العراق والأمة من شرور الأشرار

الرحمة لشهداء معركة تحرير الفاو وكل معارك قادسية صدام الخالدة من قادة وامرين ومراتب يتقدمهم شهيد الحج الأكبر الرفيق صدام حسين.     

معركة الفاو  أجبرت إيران  تجرع كأس سم الهزيمة

معركة الفاو  أجبرت إيران  تجرع كأس سم الهزيمة

د . إياد  حمزة  الزبيدي

معركة تحرير الفاو كانت  عملية عسكرية فريدة في التاريخ العسكري ،   نفذها   الجيش العراقي  في 17 أبريل / نيسان 1988 خلال معارك   قادسية صدام المجيدة   لإخراج  الجيش الإيراني  من شبه جزيرة  الفاو بعد  احتلال  دام “21   ” شهراً  ،  قدمت  خلالها  كوريا الشمالية جسور غاطسة حديثة  تحمل مقاتلين من الساحل الإيراني  وتغطس بهم ثم تنزلهم ليلاً في الجانب العراقي  من شط العرب لتأسيس رأس جسر لعبور الجيش الإيراني  المهاجم نحو مدينة الفاو التي تقع على ضفاف شط العرب ،   كما  قدمت أمريكا  أحدث  صور المراقبة  الدقيقة للمنطقة التقطتها أقمارها التجسسية ،  كما قدمت فرنسا أحدث وأرقى المستشفيات الميدانية المتنقلة  الحديثة  للجيش الإيراني  ، هذا ما تم كشفه ولم نعرف ما قدمه الكيان الصهيوني لإيران  .

كانت إيران قد حصنت مواقعاً في الفاو بخنادق وحقول ألغام كما شقت  مجاري مائية لمنع الدبابات  والمركبات المجنزرة من الحركة  بينها  وأقامت أكثر من  70 مرصدا كبيرا للمراقبة .

 كان هدف نظام الملالي  من احتلاله  لجزيرة الفاو هو منع أو قطع الاتصال   الأرضي  والبحري بين العراق ودول أقطار الخليج العربي ،  ومحاولة منع العراق من تصدير نفطه عن طريق الخليج العربي لحرمانه من تصدير موارده النفطية اللازمة لإدامة ماكينته الحربية .

واستمر الإيرانيون  في تكثيف هجماتهم  على القوات العراقية بعد احتلالهم شبه جزيرة الفاو  ، ثم ظهر هدفهم الثاني على منطقة  ( جزر حقول  مجنون  النفطية )  الغزيرة  جداً  بالنفط واستطاعوا احتلالها بعد معارك عنيفة .

بعد أن فرغت القوات العراقية من تحرير الفاو كان أمامها الهدف الثاني والأخير الذي لا يقل أهمية عن الفاو وهو تحرير جزر مجنون النفطية  العملاقة التي تعتبر من أغنى المناطق النفطية في العالم ،  المعركة كانت لجهد عراقي 100 %  وليس كما يدعي المزيفون للتاريخ من مساعدات أمريكية وغيرها والثابت بالوثائق  والدلائل .

حيث تحتوي مجنون على احتياطات نفطية هائلة ، وقد تمكنت القوات العراقية الباسلة  بعد معارك عنيفة من تحريرها من أيدي الإيرانيين  الغزاة وإلحاق الهزيمة الكبرى بالجيش الإيراني  .

لكن عقلية القيادة العراقية الإستراتيجية  الفذة جعلت العراق ينفذ طريقة أو أسلوب تكتيكي  رائع في تصدير نفطه من خلال مد أنبوبين لنقل النفط إلى الأسواق الخارجية الأول : عبر الأراضي التركية إلى ميناء جيهان ، والثاني : إلى ” ميناء العجز ” السعودي على البحر الأحمر ، بعد أن أصبح نفطه مطوقاً نتيجة لسيطرة القوات  البحرية الإيرانية  على مداخل الخليج العربي .

 رغم  كل ذلك الدعم الغربي الكبير  إلا  أن الجيش العراقي البطل نفذ  عملية التحرير  خلال ( 35 ) ساعة فقط  !  وتكبدت القوات الإيرانية   خسائر كبيرة  ما بين قتلى وأسرى بالإضافة إلى الاستيلاء على جميع معداته العسكرية ، التي شاهدها الملايين من العراقيين والأشقاء العرب من خلال إقامة أكبر معرض للغنائم العسكرية  على أرض محافظة البصرة التي غنمها الجيش العراقي البطل .

لقد مثلت  معركة تحرير الفاو نقطة تحول لحرب الخليج  فقد كانت الثقل الأعظم   في قطع أنفاس وآمال  نظام الخميني وإيصاله إلى مرحلة العجز  التام مع باقي الانتصارات التي حققها العراق بعد معركة الفاو لإعلان  الخميني الدجال قبول إيران بوقف إطلاق النار وتجرع كأس السم .

لقد أصبحت مدينة الفاو أكثر من هدف  سياسي ووطني وشكلت حاجزاً نفسياً صعباً للغاية ، وتحريرها كان سيشكل ولا شك منعطفاً  خطيراً لصالح العراق ، وكان كبير الدجالين ” خامنئي ” ، عند احتلال الفاو قد صرح : ” إذا تمكن صدام حسين من استرجاعها فإنني سأذهب  بنفسي إلى بغداد لتهنئته ” .

لكن العراق ورجاله حرروا الفاو وداسوا على رقبة الخميني وملاليه الدجالين ، وجرعوه كأس السم الزعاف .

وأطلقت القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية على عملية تحرير الفاو مسمى ” رمضان مبارك ” لأنه يوافق أول أيام شهر رمضان آنذاك ، وكانت عناية الله سبحانه وتعالى لصالحنا  وقد كان النصر نتيجة حتمية لتعاضد الشعب والحزب والجيش .

فيما كتب الرئيس الشهيد صدام حسين بخط يده الكريمة بيان ( أسماه النصر العربي المبين )  وأملاه بالهاتف على وزير الإعلام يومها الرفيق لطيف نصيف جاسم ، وأذيع البيان على الشعب العراقي العظيم . فكانت البشرى عظيمة والفرحة أعظم  وكان حدثاً عربياً عراقياً عظيماً .

المنصة الشبابية _ بِناء شَخْصيّة البَعثِي القائِد بَينَ الشَبَاب ضَرورَة حَتميّة فِي ساحَةِ العَمَلِ النِضَالِيّ

المِنَصّة الشَبابِيّة

انطلاقا من حقيقة ان الشباب هم صناع الحاضر العربي وجوهر قوته وحيويته وهم قادة مستقبله ، فقد تم تأسيس هذه المنصة الشبابية لتكون باباً جديداً من ابواب النشر لمكتب الثقافة والاعلام القومي لتطل على الشباب العربي من خلال مناقشة شؤونه و طرح قضاياه الراهنة و التعبير عن تطلعاته المستقبلية. وهي مخصصة حصرياً لنشر كتابات الشباب وابداعاتهم في المجالات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والاعلامية وذلك لتعميق مساهمتهم في الدفاع عن قضايا امتنا العربية وصناعة مستقبلها. كذلك فان المنصة تعنى بمتابعه ما يصدر من موضوعات ثقافية واعلاميه وفنية في وسائل الاعلام العربية ودول المهجر والتي لها علاقة بقضايا الشباب في الوطن العربي، وترجمة ونشر ما يخدم منها في مواجهة تحديات الامة وتحقيق نهضتها الحضارية الشاملة .

بِناء شَخْصيّة البَعثِي القائِد بَينَ الشَبَاب
ضَرورَة حَتميّة فِي ساحَةِ العَمَلِ النِضَالِيّ
دكتور عامر الدليمي

في ضوء توجيهات الرفيق المناضل ابو خليل امين سر قيادة قطر العراق، وتأكيده على اهمية الشباب وضرورة اعدادهم الاعداد السليم ، واعطاء اهمية خاصة للمنهاج الثقافي لحزب البعث العربي الاشتراكي وبناء شخصية البعثي القادر على القيادة، فان اعتمادها والالتزام بها يشكل ضرورة حتمية للنجاح في ساحة العمل النضالي لأية منظمة.
ولكي تكون هذه التوجيهات حاضرة وتشكل بوصلة لاتجاه عمل الرفاق في أي نشاط بعثي و دليل عمل واضح يعتمد في كافة الجوانب الثقافية والسياسية والتنظيمية نورد ادناه بعض جوانب هذا الإعداد.

المقدمة :
لشريحة الشباب أهمية في الحزب لأنها إحدى دعامات مستقبله التي تعمل على تحقيق أهدافه لما تتمتع به هذه الشريحة من حيوية واندفاع لتأدية دورها ضمن نظامه الداخلي وتربيته الحزبية ، ورغبة للتعبير عن قناعاتها ضمن إطاره الاخلاقي ، والإسهام في نضاله وتأييد مواقفه ونضاله في الأحداث الداخلية والخارجية. اضافة الى قدرتها في التأثير على الرأي العام. فشريحة الشباب البعثي تناضل لتحقيق غاية واهداف لها بعد سياسي وفكري وإيديولوجي في الوسط الجماهيري. وهي تحرص على إداء رسالة نضالية قومية عن وعي عالٍ وخاصة بين الطلبة لأنهم الأوسع فئة والمحرك الديناميكي في المجتمع، وبالتالي فهم قوة فاعلة للتغيير في الساحة السياسية . ولهذا فإن حياة الحزب وديمومته تكمن في شريحة الشباب وبالذات في العقول الشابة المنتجة ثقافةً وفكراً وخاصة القيادية منها. فما هو مفهوم القيادة الشبابية ؟.

مفهوم القيادة الشبابية في حزب البعث العربي الاشتراكي

للقيادة الشبابية في الحزب القدرة على مواجهة المواقف الصعبة واتخاذ قرارات ضمن الإطار القيمي والسياسي والمبادئ القومية والإنسانية ، بقدر من الفاعلية التي تعبر عن كفاءة عالية. وفي الوقت الذي تشعر فيه تلك القيادة بالمسؤولية ازاء دورها فانها تترجم ذلك الى فعل حقيقي في الحياة، منطلقة من شعورها الصادق لتحريك العمل الجماعي سواء في العمل الميداني او في الإداء الفكري والثقافي. اضافة الى تميزها بالحيوية في مناقشة شؤون الحياة الداخلية للحزب، كتعبير عن ممارسة الحرية والعمل الديمقراطي. وهي في كل ذلك انما تعكس أخلاقيات الحزب لإشاعة قيمه الإنسانية وروح التآلف الخلاق واعتمادها كمعيار نضالي يعزز دورها القيادي في مجالات الحياة الحزبية .

صفات القيادة الشبابية في حزب البعث العربي الاشتراكي
من الضروري أن تكون للقيادة الشبابية القدرة على الإبداع الذاتي، وعلى معرفة مشاكل الحزب التي تحيط بالعمل التنظيمي الداخلي مثل العوامل المعوقة أو الإشكالات التي ترافق النشاط الحزبي. وأن تكون قادرة على تكوين الأفكار والمبادرات لمعالجتها من خلال وعيها، وتمتعها بالمبدئية المنضبطة دوماً، كي تكون قادرة على النهوض بمتطلبات النضال بصيغ سليمة.
ومن اهم المواصفات هي تجسيد أخلاقيات الحزب في كل المواقف، كمعيار لأخلاق البعثي الصادق الأمين واحترام رفاقه احتراماً حقيقياً يعكس حالة التوافق والانسجام الرفاقي في العمل الحزبي المشترك .

شروط اختيار القيادة الشبابية في الحزب

من أهم شروط القيادة الشبابية هي توفر عناصر وسمات ومؤهلات معينة في كل من يتم اختياره لإشغال موقع أعلى في هرم المسؤولية الحزبية. ويأتي في المقدمة الخلق الرفيع والنزاهة والتواضع والمصداقية والتاريخ النضالي للبعثي وما قدمه وحققه من أعمال نضالية جهادية فعلية. كما وتشكل مهارته في تطوير العمل الحزبي وقدرته على المبادرة والابتكار والإبداع صفات مهمة. مع تمتعه بشخصية قوية من دون كِبَرْ او تعالي او استغلال للموقع، وبفكر عقلاني وسياسي مجرب كي يعطي دفعاً قوياً للحزب. على ان ينصهر كل ذلك ليترجم التزامه المطلق بتوجيهات الحزب وبرسالته إلإنسانية وتحويلها الى واقع نضالي ميداني في خدمة جماهير الأمة العربية.

مهام القيادة الشبابية في حزب البعث العربي الاشتراكي

مهام القيادة الشبابية البعثية هي إدارة عملها التنظيمي لتنفيذ مسؤوليتها النضالية و التأثير الإيجابي في ساحة عملها. وأن تعلو وتترفع تماما عن المكاسب الشخصية أو الفئوية، وان تقوم بتحريك الأعضاء ممن هم ضمن مسؤوليتها الحزبية بنجاح. ومن اهم مهامها هي ان تكون مؤثرة في الوسط الجماهيري ميدانياً من خلال وضعها برامج ناجحة للتمكن من تفعيل مشاركة الجماهير مع اهداف الحزب وبرامجه. ومن مهامها تفعيل المبادرات التي تساهم في استنهاض الهمم لتحقيق إداء جيد للمنظمة وبما يخدم الحزب وتوجهاته النضالية.

الثقافة السياسية للقيادة الشبابية ضرورة حتمية في حياة حزب البعث العربي الاشتراكي

الثقافة السياسية ركن أساسي في العمل الحزبي لأنها مصدر الوعي كما انها تقود الى أنشطة حيوية ومتجددة، وإلى امتلاك الرفيق البعثي القوة والإدراك لسياسة الحزب وفهم لموقعها الحالي ضمن المسار السياسي للمجتمع ككل. كما ان الثقافة تتيح امتلاك الخبرات النضالية السابقة، وتوفر بالتالي كفاءة اعلى في تنوير المجتمع بأفكاره. ومن هنا فان من مهام البعثي الحقيقي التسلح بالمعرفة. إضافة الى قيامه بترجمة الثقافة الى مواقف عملية مما يجعلها موقف سلوكي يقوم على الفهم والتفاعل ومد الجسور مع الآخرين لمصلحة الحزب. وكل ذلك يتم بالتعرف على أفكار وسياسات الاحزاب والنظم السياسية. ويساهم كل ذلك في إعطاء الرفيق القيادي الشاب صورة مشرقة معبرة عن ذاته الحزبية امام الاخرين، والإشارة لهويته النضالية في المجتمع الذي يعيش فيه، مما يعزز دوره القيادي ليكون مؤثراً من خلال الإقناع العقلي والمنطقي بأهداف الحزب وسياساته ومبادئه الوطنية والقومية.

التزام القيادة الشبابية بالوحدة الفكرية والتنظيمية لحزب البعث العربي الاشتراكي

الوحدة الفكرية والتنظيمية هي أساس حياة الحزب ، والمقوم الرئيسي لاستمرار عمله النضالي وتحقيق مهامه الكبيرة على مساحتها الشاسعة في عموم الوطن العربي الكبير. ويعد التفريط بها من أخطر ألازمات التي تواجه الأحزاب الوطنية والثورية ويهدد وجودها بالصميم. لذا فإن عدم الإلتزام بالوحدة الفكرية والتنظيمية يرقى الى مستوى الخيانة والتآمر على حزب البعث العربي الاشتراكي وخاصة في مراحل نضاله الجهادي الضروس، وهو يمر بمرحلة مواجهة أعدائه وأعداء الامة العربية. لذلك من أهم المقومات الضرورية هي المحافظة على والتمسك العالي المنضبط بالوحدة الفكرية والتنظيمية للحزب وبقيادته العليا. وان يكون البعثي واعي لما يروجه اعداء الأمة من أعذار أو مبررات كغطاء للنيل من وحدة الحزب، لأن في مثل هذا الانزلاق خروج واضح عن أهداف ومبادئ الحزب القومية والإنسانية.

إضاءات فكرية_ البعث ورمضان وقيم العدالة في نمط المسؤولية

إضاءات فكرية

البعث ورمضان وقيم العدالة في نمط المسؤولية

أ.د.طارق السامرائي

 

 

قال المفكر الراحل ميشيل عفلق عن  الرسول محمد صل الله عليه وسلم(إذا كان محمد كل العرب فليكن العرب اليوم كلهم محمد )، مقولة عميقة المعاني عالية المقام ونوعية القيمة الدينية في الإسلام شفافة من طراز ونمط فلسفي رفيع .

في شهر رمضان أثلجت هذه المقولة صلب عقولنا وأثلجت شغاف قلوبنا فمحمد الرسول العربي  تم اختياره بدقة إلهية تم صناعتها وزخرفة شخصيتها من خالق الكون العالم العليم الرشيد المقسط ،اشار  بها مسؤول انبثاق ووجود حزب البعث في أوليّات الأربعينيات من القرن الماضي بنبرة عميقة هادئة تخاطب الوجدان وتحاكي غياهب النفوس وتملأ الأرض إيماناً والتصاقاً بالحقيقة !

هكذا صورت عقلية البعث بالرسول وعقيدته وأيمانه بالله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، هكذا فتحت فلسفة التاريخ والحياة لدى البعث ومنظره الاول وجعل كل من ينتمي للحزب هو من استوعب سيرة وسلوك والثورة التي احدثها الرسول القائد محمد صل الله عليه وسلم في الامة العربية ، وعقيدته ونمطه الإيماني بوحدانية الله وعزته ووضع لمسات مكانته الرفيعة فالله نور على نور !

هكذا انطلقت فلسفة الحزب متجاوزة كل أنماط الفلسفات التقليدية الميتافيزيقية والأفلاطونية والهندوسية والغيابية والوجودية وانما انطلقت من حالة وجود وتفكير عقلاني لما وراء العالم الخارجي والقدرة في بحث خصائص الخالق والمخلوق وتبعا لذلك صاغت نظرية البعث المسألة الدينية بشكل مركب من تجانس فكري وتطلعي عميق اقترن بالواقع والمنطق فمحمد القائد العربي الذي اجتباه الله ودعاه بالحبيب هو ظاهرة بشرية كونية لمن تسبح له السموات والأرض ،هكذا دعي البعث بعثييه المنتمين الى أن يكونوا طليعة ما تحلي به محمد من صفات نادرة اخلاقية وسلوكية وكما نوه عنها الراحل المثقف والواعي الشهيد صدام حسين (نحن لسنا دعاة حركة دين ولا دعاة فلسفة دينية ولكننا نحترم الدين كسياق تشريعي للحياة ونحن مسلمون لأنه دين الله كما نؤمن بما أمن به رسولنا محمد !

والبعث منذ انطلاقته يؤمن وباحترام مميز وعالي  بكل الاديان كونها موجهات وبوصلة للأخلاق السامية ونبذ ما يضر الكائن البشري والانسان .

من هذه الانطلاقة تم العمل على بناء الإلهام الإيماني للبعثيين في سياقين متوازنين (الإيمان والتطبيق) وهما عنصرا الحياة وطريق التطور.

وتبعا لطبيعة المناضلين اتجهت الفلسفة البعثية الي التطبيق في القيم والمبادئ وعدم التمييز في اللون والجنس والعقيدة واصبح البعث (قاعدة من مزيج متجانس  غير متمايز )نجد فيه كل أنماط الدين والعرق واللون يجمعهم عقيدة النضال من اجل قيم الوطنية والقومية والعلم والتقدم والانسان ،وقد عززه في نظامه الداخلي وضرورة ان تكون عملية الاستقطاب والانتماء للبعث بعيدة عن امراض التعصب الديني والطائفي والعشائري والعرقي ويكون الايمان والاخلاص والعمل الصادق ونشر العدالة والتزين بالديمقراطية والتحلي بأدب أسس الحياة واعتبار الانسان قيمة عليا في الحياة ،لذا فقد واكبت مسيرته النضالية الالتزام الكلي بهذه القيم وترجمتها الي واقع ملموس سطره له التاريخ ………

فأهلا برمضان الكريم وهلا ببعثي رمضان وعنوان قيمه الإنسانية.