شبكة ذي قار
بين الذكاء الاصطناعي والإبادة:  (بلانتير تكنولوجي وأكس كارب – الوجه المظلم للتقنية في الصراع العربي -الصهيوني) الجزء الثاني

 

المِنَصّة الَشبابيّة

 

انطلاقا من حقيقة ان الشباب هم صناع الحاضر العربي وجوهر قوته وحيويته وهم قادة مستقبله ، فقد تم تأسيس هذه المنصة الشبابية لتكون باباً جديداً من ابواب النشر لمكتب الثقافة والاعلام القومي لتطل على الشباب العربي من خلال مناقشة شؤونه و طرح قضاياه  الراهنة و التعبير عن تطلعاته المستقبلية. وهي مخصصة  حصرياً لنشر كتابات الشباب وابداعاتهم في المجالات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والاعلامية وذلك لتعميق مساهمتهم في الدفاع عن قضايا امتنا العربية وصناعة مستقبلها. كذلك فان المنصة تعنى بمتابعه مايصدر من موضوعات  ثقافية واعلاميه وفنية في وسائل الاعلام العربية ودول المهجر والتي لها علاقة بقضايا الشباب في الوطن العربي،  وترجمة ونشر ما يخدم منها في مواجهة تحديات الامة وتحقيق نهضتها الحضارية الشاملة .

 

بين الذكاء الاصطناعي والإبادة:

 (بلانتير تكنولوجي وأكس كارب – الوجه المظلم للتقنية في الصراع العربي -الصهيوني)

الجزء الثاني

 

    أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

 

تناولنا في الجزء الاول كيف ان العالم يُسوق الذكاء الاصطناعي كأمل الإنسانية الجديد، ورغم وجود استخدامات مفيدة له، يتكشّف وجهٌ آخر أكثر قتامة حيث تستغل هذه التقنية الجديدة  لبرمجة القتل. وقد برز ذلك واضحاً في اخر صفحات الصراع العربي الصهيوني. ومن بين اشهر الجهات المعنية هي شركة بلانتير تكنولوجي ووحدة الاستخبارات 8200 ، واستخدام نظام (لافندر) بوصفه خوارزمية للقتل البارد. وبينّا كيف تستخدم مثل هذه التقنيات كأداة استعمارية جديدة.

   إنّ السؤال الأخلاقي لم يعد محصورًا في (كيفية إصلاح الخوارزمية؟)، لأن هذه الخوارزميات لم تولد معطوبة؛ بل صُممت لتخدم مصالح من يملك السلطة. بل السؤال الجذري هو (كيف نحاكم الشركات التي تمارس الحرب عبر الشفرة؟ وكيف نعيد الاعتبار للعدالة الإنسانية في وجه من يحول الحياة إلى معادلة خسارة وربح؟). إنها وسائل استعمارية من نوع جديد، حيث لا تحتاج الإمبراطورية إلى احتلال الأرض، بل إلى السيطرة على سُحب البيانات.

 سادساً: المواجهة الأخلاقية والسياسية،  كيف نكبح خوارزميات القتل؟

 في مواجهة هذا الانزياح المرعب نحو (العنف المؤتمت)، تُطرح ضرورة استراتيجية عاجلة: كيف نعيد ضبط العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا؟ وكيف نُسائل النظام العالمي الذي يمنح شركات التقنية حصانة تتجاوز القوانين الدولية؟. لقد آن الأوان لبلورة جبهة مقاومة متعددة المستويات، لا تكتفي بالإدانة الأخلاقية، بل تنتج بديلاً معرفيًا ومؤسساتيًا يواجه هذه الطغمة الخوارزمية. وفيما يلي اهم جوانب المواجهة.

 اولاً : المساءلة القانونية والمؤسساتية

وتشمل هذه المساءلة ما يلي :

    أ‌. تشريعات دولية جديدة: يجب على العرب دعم الجهود الدولية الساعية الى تطوير إطار قانوني عالمي يُصنّف استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف والقتل الجماعي كـ (جريمة حرب) أو (جريمة ضد الإنسانية)، بصرف النظر عن هوية الجاني أو الضحية.

    ب‌. تجريم الخوارزميات المميتة: على غرار (اتفاقية حظر الألغام)، يمكن للعرب المبادرة بالدفع نحو اتفاقية دولية لحظر أنظمة التصنيف الآلي للأشخاص في السياقات العسكرية، خصوصًا تلك التي تعتمد على احتمالات غير يقينية.

      ت‌. محاكمات جنائية للشركات: يجب توسيع مبدأ (المسؤولية الجنائية للشركات) ليشمل مزودي البرمجيات والمنصات التي تُستخدم في ارتكاب مجازر خوارزمية.

     ثانياً: الجبهة العربية

  على العرب شعباً ومنظمات وحكومات، الانتقال من التنديد إلى الفعل: فرغم صمت رسمي عربي يكاد ينحدر إلى التواطؤ، لا تزال هناك إمكانيات للتحرك يمكن تلخيصها بالاستراتيجيات التالية:

 تبني حملات دبلوماسية قانونية في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ضد الشركات المتورطة في جرائم الحرب، مثل بلانتير.

  • فرض حظر أكاديمي وأمني وتقني على هذه الشركات داخل الدول العربية، وقطع أي علاقات تجارية معها.
  • دعم حركة “العدالة الخوارزمية” عبر المنظمات الحقوقية، وتقديم ملفات قانونية للهيئات القضائية الدولية.
  • تفعيل المقاطعة التكنولوجية كامتداد لحملات مقاطعة الكيان الصهيوني المعروفة باسم (BDS) ، وسحب الاستثمارات، والعقوبات.

 ثالثاً: بناء أخلاقيات مضادة

  من (الرقمنة الأخلاقية) إلى (الذاكرة الخوارزمية): لسنا أمام مشكلة تقنية فقط، بل أزمة قيمية وحضارية. فهذه الخوارزميات تستند إلى رؤية للعالم ترى الإنسان كرقم إحصائي، يُختزل إلى سلوكيات ونقاط على شبكة رقمية. لذلك، يجب على العرب المبادرة للدعوة الى بناء منظومة أخلاقية مضادة تتضمن ما يلي :

     أ‌. منهجيات تقييم أخلاقي للذكاء الاصطناعي العسكري ترفض فكرة (الخطأ المقبول).

    ب‌. تجريم خطاب (النفعية الخوارزمي) الذي يُسوّغ المذبحة بدعوى (فعالية الحرب (

    ت‌. تبني فلسفة رقمية إنسانية تُعيد الاعتبار للسياق، والتاريخ، والعدالة كقيم تتجاوز الكفاءة.

 رابعاً: مقاومة معرفية وثقافية

  إذا كانت خوارزميات بلانتير تكتب مصير شعبنا في فلسطين في سطر من الشفرات، فعلينا نحن أن نكتب تاريخنا بلغة الذاكرة المقاومة  وهذا يتضمن:

     أ‌. رقمنة سرد وجهة النظر العربية الفلسطينية وتوثيق المجازر بلغة تكنولوجية لا تُعادي التقنية، بل تعيد توجيهها للعدالة.

     ب‌. تأسيس تحالف أكاديمي عالمي ضد عسكرة الذكاء الاصطناعي، يضم مفكرين وتقنيين وأخلاقيين.

     ت‌. إنتاج خوارزميات بديلة مضادة للاستعمار الرقمي، تعزز التمييز بين المراقبة للحماية، والمراقبة للقتل.

     ومن نماذج المقاومة الناجحة، مبادرات مقاطعة تمت في (2021)، حيث نجحت حملة مقاطعة شركة NSO ” الإسرائيلية”، (صاحبة برنامج بيجاسوس) بعد ضغط دولي قادته منظمة العفو الدولية، مما أدى إلى شبه إفلاسها.  لذا يمكن تطبيق نموذج مماثل على شركة بلانتير وما شابهها عبر تحالفات حقوقية تبادر الى الدعوة اليها الحكومات والمنظمات العربية الحقوقية و تلك المعنية بحقوق الانسان وغيرها .

      سابعاً: نحو جبهة خوارزمية إنسانية

إننا لا نعيش فقط صراعًا سياسيًا أو جيوسياسيًا، بل نخوض صراعًا إبستمولوجيًا على تعريف الإنسان: هل هو مجرد كتلة بيانات تُدار بالاحتمالات الرياضية ، أم كائن أخلاقي له حقوق لا يمكن تنميطها أو حذفها برمجياً؟

  ما يحدث اليوم هو إعادة برمجة الإبادة الجماعية بلغة السيليكون والدوائر الإلكترونية، وعليه فإن معركتنا ليست فقط ضد أدوات القتل، بل ضد الأسس الفلسفية التي تمنحها الشرعية.  إذا لم يُخلق وعي عالمي جديد يواجه هذه التقنية القاتلة، فإننا نُسلّم مستقبل البشرية لأرقام لا روح لها، وبرمجيات تُغذّى على الأيديولوجيات المعادية وتُنفّذ القتل دون تأنيب ضمير.

 خاتمة: الذكاء الاصطناعي بين وعد التحرير وخطر الإبادة

  إن قصة بلانتير وأمثالها ليست مجرد انحراف تقني لشركة معينة، بل هي عالم جديد يتشكّل من حولنا،  جوهره اختلال معرفي في تصورنا للسلطة، والأخلاق، والمستقبل.

 حين تُدمج الرأسمالية الرقمية مع البيروقراطية الأمنية، يصبح القتل مسألة كفاءة، وتتحول الحرب إلى تجربة مختبرية في الرياضيات والحاسبات، تتغذى على البيانات بدلًا من الحوار، وعلى الاستهداف بدلًا من الفهم. لم تعد المجازر بحاجة إلى جنرالات غاضبين، بل إلى محللين هادئين خلف الشاشات، يديرون الجريمة بنعومة برمجية.

     إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس تقنيته، بل (العقلية) التي ترافقه: عقلية اختزالية تُعيد الإنسان إلى سلسلة من الشفرات، تُبرر المسح الشامل تحت عنوان (الكفاءة الأمنية)، وتمنح الآلة شرعية أخلاقية لإصدار الأحكام.

  هذا التواطؤ الصامت بين التقنية والقوة يكشف عن أزمة حضارية، حيث يُستبدل الضمير بالخوارزمية، ويُصمم القتل كنظام تشغيل.

 ولذلك، يجب ألا يكون السؤال: كيف نتحكم في الذكاء الاصطناعي؟، بل: كيف نحمي إنسانيتنا من التفسخ داخل منطقه؟ هل لا نزال قادرين على إنتاج معرفة تُعلي من شأن الكرامة، في وجه برمجياتٍ تُقدّم الكفاءة على الرحمة؟ من لا يرى أن التقنية مشبعة بالقيم، يعيش وهم الحياد وهو يسير نحو الهاوية.

 كما تقول شير توركل: (من لم يعلم يقينًا أن التقنية ليست محايدة، فقد خبّأ روحه في مصانع البيانات المشبوهة).

 في نهاية المطاف، لا يُقاس تطور المجتمعات بذكائها الاصطناعي، بل بمدى قدرتها على صيانة الإنسان من التحوّل إلى رقم فائض عن الحاجة.

قراءة ومعاني سامية لانتصار العراق على ايران في 8/8/1988

قراءة ومعاني سامية لانتصار العراق على ايران في 8/8/1988

أ. د. طارق السامرائي

 

مع إطلالة المناسبة التاريخية لعام الانتصار العراقي في ملحمة تاريخية مع ايران الظاهرة الخمينية عام 1988 والتي تغني بها العراقيون والعرب تحت مسمي ((قادسية صدام الثانية المجيدة )) والتي نشبت في سبتمر عام 1980 ولمدة 8 سنوات تجرع فيها الجانب الإيراني ومرجعه الخميني السم ،والتي انتصر فيها العراق عسكريا وشعبيا بعد ان خاض غمار واحدة من اعنف الصراعات العسكرية في التاريخ الحديث.

 ومن صفحات القراءة التاريخية والتوثيقية والاخلاقية لهذه الحرب ومعانيها السامية وما يتعلق بها على ((الصعيد السياسي )) من جانب و((الصعيد الجيوغرافي)) من جانب ثاني والذي يتمثل في شعار ايران الخطير ((تصدير الثورة الإيرانية ))، للمرجع الإيراني خميني، وهو الشعار الذي يعبِّر عن انتهاك سافر وفاضح لسيادة الدول العربية والقانون الدولي وكل قيم حسن الجوار.  ثم مزاولة التحرش والاعتداءات المتكررة على حدود ومدن العراق ومنذ عام 4 أيلول عام 1980.

لقد تكفل التاريخ والشرف القومي بأن يكون قدر العراق هو القلعة للدفاع عن حياض الامة العربية امام كل الهجمات العسكرية والفكرية والعنصرية عبر التاريخ من شرق الامة والمواجهة لإسقاطها والتي تمثلت في الموجات البربرية والمنغولية والتترية الوافدة على ساحات الامة العربية ،ألزمت عراق الامة ان يتقلد دور اساسي في مواجهتها والحفاظ على كل الامة من مشاريعها العدائية واطماعها في خيراتها.

من هذا المنطلق المتواضع فالحرب لم تكن أساسا ضد أيران ،بل لانها كانت تحمل في رياحها حقد تاريخي مشحون بسمة توسعية فارسية عنصرية تحت غطاء طائفي على العراق ونظامه الوطني المتشح بعباءة النضال العربي القومي بقيادة حزبه الطليعي حزب البعث العربي الاشتراكي وقيادة مسيرته المؤمنة ،لذا فهي حرب لها أبعادها الاستراتيجية الكبرى ،وهي حرب بين رؤيتين وعقيدتين احداهما وطنية وقومية تحررية نهضوية والاخرى فارسية توسعية تقسيمية ، وبالتالي لكل منها بعدها الواضح .

فالعراق وحزبه حزب البعث كان يمثل الخيار العربي القومي في منهجه الأيدولوجي ويتطلع إلي بناء أمة موحدة  متحررة من الهيمنة الاجنبية ، لها مشروعها النهضوي والإنساني والعلمي والتنموي. وبناء مجتمع وانسان عربي يؤمن بأنتمائه وجذوره باطار التعايش الإنساني والاخلاقي مع محيطه المحلي والدولي بسلام واحترام لكل قيم القانون والشرعية والحياة والحياد الايجابي . وهو الأمر الذي يؤرق غالبية المنتمين لقوي الشر والتي تشعر بانه تهديد أستراتيجي لبرامج سياستها العدوانية الطامعة، وهو شعور يتزاوج مع ما حملته رياح الفكر الخمينية كظاهرة توسعية فارسية والتي تتلخص في ميزتين والتي كلاهما تتقاطع مع طبيعة النهج الوطني القومي للعراق والامة العربية .

١- نشر وتدويل ما ادعته ايران الخميني ((تصدير الثورة الإيرانية )) والتي تتطبع مع سياسة الحقد على العرب ومقدساتهم القومية.

٢- تجييش النوازع الطائفية والتي استوطنت البلدان العربية وتفعيل وتحريك مشاعرهم ضد الأمة العربية وتحريضها على تعطيل أدوارها التنموية واستخدام التعبئة الفكرية التقسيمية وتعميق وبناء شعور أن هذه الأنظمة فاقدة لشرعية الدين الإسلامي والانتماء القومي.  فكان العراق ونظامه وحزبه في طليعة المواجهة لديهم ،حيث إن سقوط الحكم في العراق يفتح باب جهنم على ساحات الامة من هذا الامتداد التوسعي التقسيمي.

فكان العراق وحزبه هو المحطة الاولي للعصف العدواني والعمل على تقويض نظامه وتوريد موجات من الجواسيس والعملاء لزعزعة جبهته الداخلية وخلق الخلخلة في نسيجه الاجتماعي .

كان الخميني والخمينون يحلمون في تحقيق المزيج من تطلعاتهم الدينية المتخلفة ذات طابع الطموح للهيمنة الاقليمية هدفها تدمير الفكر الوطني القومي والقدرات في مشرق العرب والضفة الغربية للخليج العربي .

وفي هذا الاطار فأن خميني ايران باشر ووفق هذه الاستراتيجية توجيه البوصلة للعراق والساحة العربية ووجهتها بدايات التحرش الإيراني والاعتداءات المتكررة لحدود العراق وهي خطوة أولية في الاستراتيجية للسلوك الخميني الإيراني .

ومن المتتبع لشؤون هذه الحرب يجد انها :

  • ((لم تتخذ الخيار العسكري مباشرة بل اتخذت بث السموم كمنهج من خياراتها الاستراتيجية ومنها أسلوب التحريض الطائفي والتهييج للشعور الفئوي وتحريك الاحاسيس وبث امراض التخلف )) في ساحات العراق والكويت ودول الخليج بهدف زعزعة استقرار أوضاعها .ودفع الموالين لها لعرقلة كل خطط مشاريعها للبناء والتنمية ،بل وتم تصدير الجواسيس والعملاء لكي تنشط في التخريب وخلق الحراك المعاكس ،بل واستخدام العمليات الارهابية وتوطين العنف على أمل اسقاط الأنظمة في الساحات العربية .

كانت نقطة الانطلاق لهذه الاستراتيجية هي (العراق) لاسباب تاريخيّة ومذهبية دينية وجيوبوليتيكة وكونه بلد الجوار المباشر والذي (يعتمد على قوة ذاتية وحزب سياسي قومي الهوية وجماهيرية واسعة ).

٢- على المستوي العملياتي فعلى الجانب الاخر (كان للعراق خيارا استباقيا كلفها به التاريخ وهو في غمرة الانشغال بعملياته البنائية والتنموية الشاملة التي كرس لها كل جهوده وموارده جعلت قيادته مؤهلة لتوجيه رصيد الناتج الوطني والقومي والتي باتت تحت تهديد الحرب ،لذلك لجأ العراق لخيار الحرب وهي بالاساس مسؤولية أيران في ظل شعارها العنصري التوسعي (تصدير الثورة )

٣- مرت الحرب بصفحات عديدة ،اكتسب بها العراق وحزبه الطليعي وقيادته الحكيمة عبر وتجارب أغنته كثيرا في استطلاع الواقع بعمق وطبيعة المتغيرات في الاطار السياسي الدولي والعربي وشخص بدقة الى اين تسير هذه المتغيرات في مناخ يعج بالمصالح الدولية للقوى الكبرى قبل السياقات الانسانية والشعوب ،فقد قدمت الحرب أفاقاً مضافة لطبيعة سياسة المنافع والمصالح الدولية بما يخدم أجندتها ومشاريعها دون الالتفات الى مطاحن القتال والفتك المبرمج،  فقد اعتمدت تلك القوى سياسة تغذية الحروب لكي تدوم وتحصد وترهق الأنظمة العربية لذلك لجأت الي استخدام ((الازدواجية في معيير التعامل للحرب )).

فالغرب وأمريكا وإسرائيل وبعض الأنظمة العربية كانوا على تواصل لمد نار الحرب وتقوية العجلة العسكرية الإيرانية ودعمها بالسلاح وخطط الاستراتيجيات الحربية والهدف منه مرحليا كان ((تمكين فروع الإسلام السياسي)) في مواجهة العراق وهو خصم للغرب وأمريكا وإسرائيل وأنهاك تياري ((القومية العربية )). لذلك تطرفوا في دعم ايران في هذه الحرب مع سوء النية وجندوا بعض الأنظمة العربية في هذا المخطط ضد العراق وحزبه وقيادته وتخريب داخله سواء على مستوي المجتمع او خلق بؤر التذمر والفوضى ،وهو ما أدركته قيادة العراق فاتخذت خيار ((الحرب الاستباقية ))رغم كراهيته وعدم استكمال مشروعه الوطني القومي النهضوي لكنه كان خياراً مفروضاً لتجنب استفحال المد الطائفي ونخره للجبهة الداخلية العراقية .

٤- قد لا يدرك البعض أن الحرب مع ايران لم تكن فقط ((دفاع وهجوم وعمليات عسكرية ))فحسب بل انها ظرف استثنائي فرض عليه للحفاظ على مكتسبات الثورة والحزب ومنها :

١- فترة بناء لقواته العسكرية وتجديد طواقمها والذي على أثره تم ما يلي

  • مولد الحرس الجمهوري كقوة نوعية
  • زيادة عدد الفرق العسكرية للجيش
  • عسكرة جهود البعثيين في تجربة الجيش الشعبي
  • سقوط استراتيجية ايران في شعارها العقيم ((تصدير الثورة )) وإسقاط نظام العراق وحزبه
  • خروج العراق منتصراً بكل المقاييس والمعايير.
  • حقق الجيش العراقي انتصارات في اكبرملحمة للتاريخ العسكري المحلي والدولي وهي ((ملحمة الفاو)) والتي احرقت قلوب زمرة خميني وأبكتهم.
  • نجاح العراق في حرب ناقلات النفط والتفوق في حرب الصواريخ وإخضاع الاجواء لنسور القوة الجوية وتحرير جزيرة خرج واخواتها ودك المدن الايرانية البعيدة وتوريط اقتصادها في حرب ضروس حسمت كفتها لصالح العراق
  • رغم الدعم الخياني والمبرمج من الغرب وبعض دول العرب وإسرائيل لايران كانت رؤية العراق يخرج منتصراً وهو يلقن إيران وعملائها ومؤيديها تيقن لديهم ان ايران قد خسرت الحرب وموازين القوي وما تبقي منها فهو مسألة وقت .

 وان استمرار الحرب بدأ يعزز من قوة العراق ويعمل على تصعيد الروح الوطنية بصورة ملحوظة ويزج في دائرة العمل طاقات جديدة كانت شبه معطلة مثل العنصر النسوي والشبابي وتقديم فرص تمثيلهم في حقول السياسة والمجتمع وتعاظمت قدرات الحزب ومؤسساته ،حيث اكتسب البعث قيادة وتنظيما صفة اكثر ألتصاقا وعمقا في ايمان الجماهير على الخط العراقي والعربي ومختلف المستويات الفكرية والتنظيمية

  • أفرزت الحرب جيلا اكثر تطلعا ووعيا وتقربا وانسجاماً لقيادتنا السياسية ونضجت قيادات عسكرية ذات مستوي كفوء ومتخصص وعاد الجيش العراقي رابع جيش في العالم والاول عربيا والمهيأ لكل مهمة قومية .
  • الانجاز العراقي العربي خدم التاريخ وحاز على بطاقة النصر المبين وعاد لكي يستأنف مهامه التاريخية في البناء والنهضة والتي تم تاخيرها بسبب الإنشغال الحربي ومستلزماته وهو الأمر الذي فتح بوابات النهوض بهمة عالية .

 وما تلى هذا الانتصار الفريد للعراق والامة العربية واجه العراق تحديا جديدا في بعض مواقف عربية فتحت باب المواجهة الجديدة وهو ما كان تتوقعه القيادة العراقية فبعد حرب الخصوم تفجرت حرب بعض الأشقاء وأطراف عربية لم تكن تأمل في هذا الانتصار الذي ركع ايران وداعميها فنصبوا بعض ما نصبوه من سقوط وتدني لقيم العروبة والرجولة واصطفوا في خندق الكفر والخيانة والحقد إلا انهم خسروا التاريخ وشرف الولاء العربي والمنازلة القيميّة وباتوا اليوم يعضّون أصابعهم ندماً كونهم فتحوا ابواب المزاد العلني لبيع سلع خيانتهم وانحيازهم فكانوا عربا بلا عروبة وصهاينة بلا طقوس وعراة من مواقف الرجولة الى مواقف الضعف.فتبا لمن كان عربيا بلا عروبة وسيبقي العراق وحزب البعث العربي الاشتراكي حيّا لا يموت رغم كل شيء، وسيبقى حامي الامة ورمز كل تطلعاتها في الحرية والنهضة، ولن تزيده التحديات والمحن الا قوة وصلابة.

 

بيان القيادة القومية – حول التطبيع ويوم النصر العظيم

 

القيادة القومية:

ليتحول رفض التطبيع ومقاومته إلى قضية رأي عام عربي

شعب سورية العظيم سيبقى امينا على عروبته وحافظا لإرثه النضالي.

الدولة الوطنية الديموقراطية هي القادرة على إدارة الصراع مع العدو

يوم النصر العظيم في الثامن آب سيبقى من أيام العرب الخالدة.

 

أكدت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، أن شعب سورية سيبقى أميناً على عروبته وعلى وطنيته، وأن الدولة الوطنية الديموقراطية هي القادرة على إدارة الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني. ودعت إلى تحويل الموقف من نهج التطبيع إلى قضية رأي عام قومي. كما دعت استحضار ما انطوى عليه يوم النصر العظيم في ۱۹۸۸۸ من دلالات نضالية في صراع الأمة مع أعدائها المتعددي المواقع. جاء ذلك في بيان للقيادة القومية فيما يلي نصه:

في الوقت الذي تستمر فيه حرب الإبادة الجماعية ضد جماهير شعب فلسطين في غزة ومعها حرب التجويع ، واقدام الكنيست الصهيوني على المصادقة على قرار يدعو إلى  فرض “السيادة الاسرائيلية ” على الضفة الغربية بما في ذلك غور الأردن يواصل العدو الصهيوني اعتداءاته على لبنان وسورية التي لم يكتف بتوسيع رقعة احتلاله لمناطق واسعة من جنوبها امتداداً من قمة جبل الشيخ إلى درعا وعلى طول الحدود مع فلسطين المحتلة وحسب، بل يعمد إلى  التدخل في الشأن الداخلي السوري عبر تقديم نفسه “حامياً لمكون مجتمعي سوري ما كان يوماً خارج الولاء الوطني لدولته التي تمتد على مساحة الجغرافية السورية.

في ظل هذا الواقع السائد يبدو واضحاً أن الخطورة التي تستهدف الأمن الوطني السوري لم تعد تقتصر على الاحتلال العسكري وتمدده، بل إن الأخطر الأكبر هو ما تتناقله الأخبار عن لقاءات واتصالات تجري بين إدارة الحكم في سورية والكيان الصهيوني والتي تتنقل ما بين أنقرة وباكو (عاصمة أذربيجان) وباريس وصولاً لاتفاقية تسوية على غرار اتفاقيات كمب دافيد” ووادي عربة.

إن إدارة الحكم في سورية وهي تنخرط في آلية المفاوضات، فإنما تشارك فيها والدولة السورية منزوعة الأنياب بعد التدمير شبه الشامل لقدراتها العسكرية التي استهدفت بعدوان صهيوني واسع كذلك الذي تعرضت له الأمة العربية في الخامس من حزيران سنة ١٩٦٧. وأكثر من ذلك فإن سورية التي دخلت مرحلة جديدة من حياتها السياسية بعد سقوط النظام، فإنما دخلتها وهي مثقلة بأعباء ملفات ضاغطة على كل مناحي الحياة الأمني منها والاقتصادي ومن ضمنها العقوبات وإعادة الإعمار وتأهيل المرافق الحيوية والبنى التحتية، كما ملف النزوح والتغيير الديموغرافي الذي أصاب التوزع والتركيب السكاني في ظل سطوة النفوذ والهيمنة الإيرانية.

والقيادة القومية للحزب ، التي تعي جيداً صعوبة الأوضاع التي تمر بها سورية حالياً ، والتركة الثقيلة التي خلفتها الدولة الأمنية السابقة بمصادرتها للحريات العامة وتعليب الحياة السياسية وعلى دور سورية وموقعها ودورانها في فلك المشروع الإيراني ، تعي أيضاً ، إن مواجهة هذه التحديات لا تكون بالطريقة التي تدير بها إدارة الحكم الجديدة شؤون البلاد والعباد ، وإنما بتحصين الجبهة الداخلية بمعطى الوحدة الوطنية التي تحكمها ثوابت وحدة الأرض والشعب والمؤسسات والتعامل مع المرحلة الانتقالية باعتبارها خطوة على طريق إعادة إنتاج نظام سياسي جديد تحكمه قواعد المساواة في المواطنة حقوقاً وواجبات، وقواعد الفصل بين السلطات وديموقراطية الحياة السياسية ، وأحكام العدالة الانتقالية .

وعليه فإن سورية، التي تواجه هذا الكم من التحديات، لا سبيل لتجاوز التداعيات السلبية والقاتلة لهذه التحديات، إلا بتحشيد الجهد الوطني والشعبي الشاملين في سياق مشروع مواجهة يأخذ بعده الشمولي، انطلاقاً من إدراك طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني أولاً، ومن وجوب تلبية مستلزمات أمن المواطن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحياتي ثانياً. وهذا لا تستطيعه إلا الدولة الوطنية الديموقراطية.

فالشعب في سورية الذي عانى الأمرين على عقود من إدارة الدولة الامنية لشؤونه العامة والخاصة، لا يرى في الدولة الذي يحكمها المنطق الدعوي بخلفية دينية أو مذهبية المرتجى الذي يبتغيه لينعم بسلام وطني ومجتمعي لأن كلا النموذجين يعطلان ديموقراطية الحياة السياسية والمساواة في المواطنة، وهما الركنان الأساسيان في بناء الدولة الوطنية.

على هذا الأساس، فإن القيادة القومية للحزب، لا ترى في الطريقة التي تقارب فيها إدارة الحكم الجديد ملفات البناء الداخلي والعلاقة مع الخارج الإقليمي والدولي، مقاربة تحاكي من خلالها معطيات الطموح الوطني سواء لجهة طبيعة النظام السياسي الجديد أو لجهة الدور القومي الذي يفترض أن تضطلع به سورية انطلاقاً من مركزية موقعها في مواجهة المخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي وخاصة خطر المشروع الصهيوني الذي تحكمه قواعد الصراع الوجودي مع المشروع القومي العربي.

فذهاب إدارة الحكم في سورية إلى مفاوضات مع العدو الصهيوني، إنما يمنحه شرعية الاعتراف بكيانه أولاً، وسينتزع اعترافاً بشرعية احتلاله لأراض سورية ولو كانت تحت عناوين ترتيبات أمنية. كما أن الانخراط في مفاوضات مع العدو أملاً بحل للأزمة الاقتصادية، لا يعدو كونه سوى وهماً لأن المضاعفات ستزداد شدة بعد تكبيل سورية بحزمة من الشروط الاقتصادية والنقدية التي تمليها الصناديق الدولية وتجربة الدول التي وقعت اتفاقات مع العدو شاهد على ذلك.

وعليه، فإن مواجهة التحديات التي تواجهها سورية، لا يكون بالهروب إلى الأمام عبر الاستجابة للإملاءات الأميركية ومن يدور في فلكها، وإنما بالعودة إلى الداخل لإطلاق ورشة البناء الوطني للدولة المدنية على الأسس التي توفر أرضية صلبة لمواجهة التحديات الكبرى استناداً إلى موقف وطني غير مساوم على حقوق وطنية وقومية ويختزن مقاومة لكل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني، ورافض لإحلال وصاية إقليمية بأخرى.

إن القيادة القومية للحزب التي اعتبرت اسقاط النظام السابق ومعه توجيه ضربة قاسمة للمشروع الإيراني، حدثان على قدر كبير من الأهمية بانعكاساتهما الإيجابية على القضايا القومية، ترى أن هذه الإيجابية عرضة للإجهاض إن لم تستعد سورية دورها القومي الذي ينسجم مع تاريخها وما قدمه شعبها لأمته في الصراع المفتوح مع أعداء الأمة المتعددي والمواقع والمشارب والقيادة القومية للحزب التي ترى أن استهداف فلسطين لم يكن استهدافاً لذاتها وحسب ، وإنما الأمة العربية برمتها ، ترى في استهداف أي مكون وطني عربي من قبل المشروع الصهيوني وداعميه من قوى الاستعمار العالمي ، إنما يندرج ضمن ذات السياق ومنها المكون الوطني السوري الذي يكتسب أهمية نظراً لمركزية الموقع السوري وتأثيره على كل دول المحيط ولهذا يجب تدارك الخطر الصهيوني الذي يصوّب سهامه إلى  هذا الموقع لتثبيت وقائع ميدانية استناداً إلى  متغيرات سياسية طارئة.

وعليه، فإن القيادة القومية للحزب، تدعو شعب سورية العظيم إلى أن يكون وفياً لماضيه وتاريخه ودوره الطليعي في التصدي للمشروع الصهيوني، وألف باء ذلك الوقوف بحزم أمام المحاولات الرامية لدفع سورية لتوقيع اتفاقيات مع العدو لن تكون في ظل موازين القوى الحالية إلا استسلاماً لشروطه واملاءاته. فكل سلوك أو موقف يدعو للاعتراف بالكيان الصهيوني تحت مبررات الواقعية السياسية هو موقف مدان بكل المعايير الوطنية والقومية والأخلاقية، ومقاومة هذا النهج واسقاطه هو مهمة الأمة من محيطها إلى خليجها وفي المقدمة منها شعب سورية الذي كان ويجب أن يبقى يجسد قلب العروبة النابض والطليعي في دعوته لوحدة الأمة وتحررها لإنهاء استلابها القومي والاجتماعي.

إن القيادة القومية التي تدين نهج التطبيع والمطبعين وتدعو لمقاومته بكل السبل المتاحة وأنجعها المقاومة الشعبية الشاملة، ترى أن الأمة التي تختزن طاقات نضالية عظيمة قادرة على مقاومة نهج التخاذل والاستسلام، وإن تاريخها الحديث والقديم يحفل بالمحطات النضالية التي تبقى أيامها الخالدة دائمة الحضور في سفر النضال العربي. وما يوم النصر العظيم لسبعة وثلاثين سنة خلت إلا واحدة من هذه المنارات النضالية المضيئة، وهو اليوم الذي استطاعت الأمة عبر عراقها العظيم تحقيق انتصارها العظيم بالاستناد إلى الدور الذي اضطلعت به ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز المجيدة.

إن القيادة القومية التي تدعو إلى  تصعيد النضال الجماهيري لمقاومة نهج التطبيع باستهدافاته وأدواته وإلى  إعادة الاعتبار إلى  حراك الشارع العربي في الانتصار لقضايا الأمة وخاصة القضية الفلسطينية التي تدخل هذه الأيام منعطفاً خطيراً في ظل حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في الأرض المحتلة ، توجه التحية لشعب العراق العظيم الذي سطر ملحمة بطولية في حرب استمرت ثماني سنوات وخرج منها أكثر قوة واقتداراً وهو ما دفع إلى  تشكيل تحالف دولي بقيادة أميركا لإسقاط ما تمخضت عنه تلك من نتائج المصلحة الأمة من اسقاط العراق ونظامه الوطني وهو ما أدى إلى  حصول الانكشاف القومي الشامل الذي تستغله قوى التحالف الصهيو أميركي لفرض هيمنتها على الوطن العربي. وما حصل في سورية ولبنان واليمن وما تتعرض له فلسطين إنما هو نتيجة الزلزال الذي ضرب البنية القومية انطلاقاً من فالق العراق.

فليتحول رفض التطبيع ومقاومته إلى قضية رأي عام عربي وليعد الاعتبار للشارع العربي وحراكه السلمي الديموقراطي في انتصاره لقضايا الأمة وليكن الرهان على وطنية شعب سورية في رفضه للتطبيع رهاناً ثابتاً.

وليكن يوم الثامن من آب يوماً ترنو إليه الأمة في استنهاض واقعها السياسي والاجتماعي.

المجد والخلود للشهداء والخزي العار للمطبعين والمتآمرين على الأمة وقضاياها القومية.

 

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

في ٢٠٢٥/٨/٦

 

 

الجوع سلاحا

الجوع سلاحا
أحمد صبري

مثلما تسبَّب الحصار الَّذي فرض على العراق في تسعينيَّات القرن الماضي بوفاة آلاف العراقيِّين، لا سِيَّما الأطفال جرَّاء شحِّ الدواء ونقص الغداء ومستلزمات الحياة فإنَّ التَّاريخ يعيد نفسه بأبشع صوره المأساويَّة في غزَّة الَّتي حوَّلتها الطّغمة الحاكمة في «إسرائيل» إلى مسرح يتفنن رموزه بقتل أبناء غزَّة، مرَّة بتجويعهم، وتعطيشهم مرَّات، والهدف هو لكسر إرادتهم والنَّيل من كرامتهم وصمودهم الأسطوري. فما جرَى لأطفال العراق يجري اليوم لأطفال غزَّة؛ لأنَّ القاتل والمنفِّذ هو نفسه، في محاولة لتقريب الصورة والهدف للعالَم الَّذي بدأ يستيقظ من هول الجرائم الَّتي ترتكب في غزَّة، لا سِيَّما استخدام التَّجويع سلاحًا لمُجرِمي الحرب. لقد باتَ واضحًا أنَّ ضحايا سلاح الحصار والتَّجويع الَّذي يحصد يوميًّا أرواح الأطفال، وأنَّ القدور الفارغة أصبحتْ وصمة عار في جبِينِ الإنسانيَّة وشاهدًا حيًّا على المجازر الوحشيَّة الَّتي ترتكبها آلة الحرب «الإسرائيليَّة» تتطلب وقفةً جادَّة لمنعِ استمرارها وكشف النيَّات الصهيونيَّة الَّتي ترمي إلى ابتلاع فلسطين وإنكار حقوق الشَّعب الفلسطيني المشروعة، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشَّريف. ولم تتورع «إسرائيل» من استمرار سياسة التَّجويع والعقاب الجماعي رغم اتساع دائرة الإدانة الدوليَّة، ورفض الأساليب الوحشيَّة بحقِّ أبناء غزَّة، إلَّا أنَّها وبدعمٍ أميركي تواصل إجرامها في القتل والتَّهجير القسري، وقضم الأراضي الفلسطينيَّة. ومهما حاولتْ «إسرائيل» التَّغطية على حمَّام الدَّم في غزَّة، فإنَّ المُجتمع الدولي باتَ يدرك حجم المأساة في غزَّة والضفَّة الغربيَّة، وما توالي اعتراف دول وازنة بالدَّولة الفلسطينيَّة إلَّا الدَّليل على عزلة «إسرائيل» وانتصارًا لحقِّ الشَّعب الفلسطيني في إقامة دولته القابلة للحياة. وما يُشير إلى عزلة «إسرائيل» سعيها لإنكار الحقوق المشروعة للشَّعب الفلسطيني، ومهما طال الزمن فإنَّ هذه الحقوق لا تسقط بالتقادم، وما صمود الشَّعب الفلسطيني بحقِّه في الحياة هو الدَّليل على تمسُّكه بحقوقه المشروعة الَّذي باتَ العالَم يُدرك حجم الجرائم الَّتي يرتكبها كيان الاحتلال الغاصب بالضِّد من إرادة المُجتمع الدولي الَّذي باتَ يشاهد الكارثة والمأساة الَّتي تتوالى فصولًا على أرض غزَّة وتحصد أرواح الآلاف من أبنائها. إنَّ ما يجري من حصار وتجويع وقتل يتطلب موقفًا عربيًّا ودوليًّا؛ لوقفِ مسلسل القتل الممنهج في محاولة لاقتلاع شَعب من أرضه وإنكار حقوقه الَّتي لا تقبل التفريط والمساوَمة. لقد آنَ الأوان لإيقاف العربة الصهيونيَّة الَّتي تهدف إلى ابتلاع كُلِّ فلسطين بالقوَّة وإنكار الحقوق التَّاريخيَّة. وما يجري في غزَّة هو شاهد على أطماع هذا الكيان الَّذي لم يرعوِ من رفض العالَم لسياسته العنصريَّة الَّتي أوقعتْ أفدح الخسائر بالشَّعب الفلسطيني. من هذا المشهد المروِّع في غزَّة الَّذي يتكرر يوميًّا يكشف حجم الكارثة الَّتي يتفنن بارتكابها أركان الكيان الصهيوني يتطلب جلبهم للعدالة الدوليَّة كمُجرِمي حرب لينالوا جزاءهم العادل من فرط تسبُّبهم ودَوْرهم بقتل وتشريد آلاف الفلسطينيِّين من أراضيهم في غزَّة ليكُونُوا عِبرة لغيرهم من مُجرِمي الحروب.
كاتب عراقي

مهزلة التعيينات الدبلوماسية في العراق: من منبر وطني إلى بوابة للمحاصصة والولاء الأعمى

 

مهزلة التعيينات الدبلوماسية في العراق: من منبر وطني إلى بوابة للمحاصصة والولاء الأعمى

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

اتذكر جيدا المعايير التي كانت الدولة العراقية تعتمدها في ترشيح واختيار السفراء وكان غالبيتهم من اساتذة الجامعات العراقية الاكفاء جدا المشهود لهم بحبهم وولائهم للعراق واهله وحضارته وتراثه
اليوم تتكرر المأساة من جديد في ظاهرة اصبحت تلازم تعيين من هب ودب للعمل بالمسؤوليات الحكومية المهمة جدا ومنها العمل في السفارات العراقية منذ احتلال العراق وتستمر للأسف بشكل اكثر سوءا وأضرارا بسمعة العراق واهله
نعم ….لم تعد وزارة الخارجية العراقية تمثل الواجهة الحضارية للدولة كما كانت في الماضي، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مؤسسة تدار وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية، وتُوزّع مناصبها كغنائم سياسية على قوى ما بعد 2003، وعلى رأسها الأحزاب الموالية لإيران، وميليشيات الحشد الشعبي، والعوائل المرتبطة بالسلطة.

لقد أصبح منصب “السفير” (السفيه كما يطلق عليه العراقيون تندرا) يُمنح ليس لمن يملك الكفاءة والخبرة، بل لمن يُجيد فنون التملق السياسي، أو يحمل لقب “مجاهد في محور المقاومة”، أو يكون من “الذيول” الذين خدموا في غرف الأحزاب أو على منصات الإعلام الدعائي، حتى وإن كانوا لا يملكون أدنى مؤهل دبلوماسي أو ثقافي أو لغوي.

كان العراق قبل الاحتلال يُصدّر كفاءاته الدبلوماسية إلى العالم، من خلال رجال دولة حقيقيين مثّلوا العراق في المحافل الدولية بمهنية وسيادة واحترام. أما اليوم، فنرى سفراء لا يعرفون قواعد البروتوكول، ولا يتحدثون بلغة أجنبية واحدة، وبعضهم لا يفرّق بين مهمة السفير ومهمات المندوب الحزبي.

إنّ ما يجري هو إهانة لتاريخ العراق الدبلوماسي، وتفريغ كامل لمؤسسة الخارجية من مضمونها الوطني. والأخطر من ذلك، أن هذه التعيينات أدت إلى تراجع ثقة الدول الأخرى بالسفارات العراقية، وتفاقم ظواهر الفساد، والعبث بملفات منح الجوازات والتجنيس، وتحوّل بعض السفارات إلى مراكز استرزاق سياسي لا أكثر.

في الوقت الذي يعاني فيه العراق من أزمة هوية دولية، ومن تراجع حاد في حضوره الإقليمي والدولي، نجد أن البعثات الدبلوماسية عاجزة عن التعبير عن مصالح الشعب العراقي، أو الدفاع عن حقوقه في الخارج، لأن من يمثل الدولة اليوم لا يمثل سوى فئة حزبية أو تيار طائفي.

إن استمرار هذه المهزلة يعني ضياع ما تبقى من كرامة الدولة، ويستدعي وقفة وطنية حقيقية من كل الحريصين على مستقبل العراق. يجب إعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والخبرة في تعيين السفراء، وإنهاء هيمنة الميليشيات والعوائل السياسية على القرار الخارجي.

الدبلوماسية ليست وظيفة شكلية أو مكافأة ولاء، بل هي عنوان الدولة ومرآتها في العالم. وما لم تُصحّح هذه الانحرافات، فإن العراق سيبقى غائبًا عن ذاته، وصوته خافتًا في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يُنصت للتابعين.

انتفاضة الثلاثين من تموز أعادت للثورة البيضاء وجهها المشرق الناصع

انتفاضة الثلاثين من تموز

أعادت للثورة البيضاء وجهها المشرق الناصع

ام صدام العراقي

ان انتفاضة الثلاثين من تموز التاريخية هي حركة مكملة لثورة البعث البيضاء التحررية ، فقد أعادت تلك الانتفاضة التاريخية الخالدة وجه الثورة المشرق المتألق  ، فالأحداث التي حصلت في يوم الثلاثين من تموز كانت من أخطر المحطات النضالية والجهادية التي مر بها حزبنا القائد في الأيام التي تلت تفجير الثورة …

لقد تم وضع خطة استراتيجية للتخلص من الدخلاء على الثورة ، وتم  تهيئة كل المستلزمات الفنية والأمنية لتتم بدون خسائر لكي تبقى الثورة بيضاء ناصعة ، فقد تم اعداد خطة مدروسة لهذه العملية الاقتحامية البطولية ، فانتفض ثوار الثورة  في ذلك اليوم التاريخي الخالد على عناصر الردة والالتفاف في عملية جهادية اقتحامية قادها الشهيد صدام حسين رحمه الله لتطهير الثورة من تلك العناصر المشبوهة …

ان قيادة الحزب والثورة وافقت على الاختراق الذي حصل من قبل الدخلاء على الثورة وهم كل من عبدالرزاق النايف وابراهيم الداود حرصا على سلامة الحزب والثوار وأبناء الشعب العراقي ، وفي اللحظة نفسها اتخذت قرارها التأريخي الحاسم للتخلص من تلك العناصر بعد نجاح الثورة ، فأوكلت تلك المهمة الجهادية الى الشهيد  الرفيق المناضل صدام حسين رحمه الله والذي بادر مع عدد من الرفاق المناضلين في ظهيرة الثلاثين من تموز بتخليص الثورة وتطهيرها من تلك العناصر المرتدة ، وبتلك الملحمة البطولية استعادت الثورة وجهها  المشرق الناصع  …

لقد عبرت تلك الانتفاضة الثورية عن روح الاقتحام الجهادي لمناضلي البعث الأبطال ، فقد تم تصفية العناصر الموبوئة التي أرادت انحراف الثورة عن مسارها الوطني والقومي ، وبهمة وعزيمة رجال البعث الميامين تم وضع الثورة على مسارها الصحيح ، فانتفاضة الثلاثين من تموز الباسلة ما هي الا تعبيرا واضحا عن أصالة الثورة وحكمة وارادة قيادتها … 

ستبقى انتفاضة الثلاثين من تموز نبراسا منيرا وهاجا لكل الثوار لمواصلة النضال والجهاد من أجل تحرير وطنهم من براثن الاحتلال الأمريكي – الفارسي وتحقيق النصر المؤزر باذن الله تعالى …

الرحمة والخلود وعليين لشهدلئنا الأبرار منفذي الملحمة الجهادية انتفاضة الثلاثين من تموز يتقدمهم الرفيق القائد المجاهد صدام حسين قائد ومنفذ تلك الانتفاضة الباسلة  ، وتحية اعتزاز وفخر للأحياء منهم ولكل مناضلي ومناضلات البعث العظيم وهم يتقدمون صفوف المنازلة مع المحتل وأعوانه .

العَلاقَةُ العُضْوِيَّةُ بَيْنَ ثَوْرَةِ تَمُّوز وَبَيْنَ الإِنْسانِ العِراقِي

العَلاقَةُ العُضْوِيَّةُ بَيْنَ ثَوْرَةِ تَمُّوز وَبَيْنَ الإِنْسانِ العِراقِي

ثابت الجميلي

 

 تم التفكير والتخطيط وتفجير ثورة ١٧-٣٠ تموز عام ١٩٦٨ لسبب مركزي جوهري من بين الأسباب ، وتم تبنيه على أنه هدف الثورة الأسمى والأعظم وصيغ صياغة فائقة الدقة من حيث التعبير ومن حيث الدلالات النبيلة هو أن (الإنسان هو هدف الثورة وغايتها). فالإنسان قيمة عليا في فكر الثورة، وفي خطط الثوار وأول برهان قدمته الثورة وقيادتها الباسلة للتدليل على هذا المنهج هو رفضها المطلق لإراقة قطرة دم واحدة لأي إنسان عراقي في مرحلة تنفيذ الثورة أو بعدها، ومن هنا جاء قرار القبول بانضمام الداوود والنايف للثوار بعد أن اكتشف هؤلاء ساعة الصفر لتنفيذ الثورة وخطتها، رغم أن الثوار كان بإمكانهم وضع خطة فورية للتخلص من كلا الرجلين، وحين أزفت ساعة تنفيذ قرار تنقية الثورة من الشائبتين تم ذلك أيضاً بسلمية وبدون دم حيث تم ترحيلهما خارج العراق بهدوء وبخطة محكمة.

  لو راجعنا الاجراءات والقرارات والتشريعات التي صدرت عن الثورة في أيامها الأولى فإننا سنجد أنها كلها معنية بالإنسان العراقي، وبإدخال تغييرات فورية إلى حياته ليبدأ يتحسس الفارق أو الفوارق بين حقبة الثورة الجديدة وبين ما سبقها من حقب الظلام، فكانت ممارسة ندوات واسعة في كل أرجاء العراق تحت عنوان (أنت تسأل والحزب يجيب)، وحملات العمل الشعبي لبناء مدارس وبيوت ومشافي وإصلاح أرض وشق ترع للسقي وتعبيد شوارع، والانفتاح فوراً على وضع تعليمي مختلف وتأسيس نقابات واتحادات وجمعيات والبدء فوراً بتحسين الخدمات الصحية وتثبيت الأمن والاستقرار المدني، كلها لوضع الإنسان العراقي أمام حقيقة أنه يعيش زمن ثورة وأن الثورة هي ثورته وجاءت لتخدمه وتغير من أحواله المتردية إلى ما هو أفضل.

  كانت ثورة تموز ١٩٦٨ بحق وبكل المعاني والاثباتات ثورة من أجل الإنسان العراقي، أعزته وأكرمت إنسانيته وثبتت مواطنته، وفتحت أمامه سبل المشاركة في بناء الوطن وفي حمايته.

المواجهة والتحدي…. نهج البعث منذ الولادة

المواجهة والتحدي…. نهج البعث منذ الولادة

 ناصر الحريري

 

بدأت منذ عقود حملات التشكيك والتشويه لدور البعث النضالي في التصدي ومواجهة القُوى الاستعمارية والرجعية، هذا التشكيك هو أحد الوسائل الخبيثة التي تعتمدها هذه القُوى لتشويه تاريخ ونضال الحزب المشرف الذي وقف في وجه قوى الاستعمار والرجعية قولاً وفعلاً منذ انطلاقه قبل ما يقارب ثلاثة أرباع قرن، وما استمراره وتماسكه حتى اللحظة إلا نتيجة التزامه وتمسكه بثوابته ومبادئه وصدقه وإصراره على محاربة الاستعمار والرجعية بكل أشكالها وصورها التي تتمثل بها في الوطن العربي.

منذ انطلاقه وحتى اليوم يقف البعث وجهاً لوجه في مواجهة قوى الاستكبار العالمي والاستعمار بشكليه القديم والجديد، ما يؤشر أن البعث يخوض المعركة الكبرى في تاريخه، ويمضي قدماً وبقوة وصلابة ويستند على تاريخ البعث العريق وتاريخ الأمة العربية الحية المتجددة والمنبعثة دوماً التي لا ترضى الخنوع والاستسلام.

ولنكون أكثر وضوحاً في الرد على حملات التشويه والتشكيك، نطرح التساؤل التالي:

ما هو الأساس الفكري الذي ينتهجه البعث في مقاومة الاستعمار؟

ينطلق الفكر القومي عموماً والبعثي خاصة من أن الأمة العربية تواجه منذ قرون الاستعمار، على الرغم أن كثيرً من الأمم ابتليت به، إلا أن استمرارية الحالة الاستعمارية تجاه الأمة العربية صفة تميزت بها، إضافة إلى العدائية المفرطة للأمة العربية وشعوبها وتاريخها وطبيعة القوى التي تقف خلفها، دفع الجماهير العربية والمفكرين القوميين وفي مقدمتهم البعثيين إلى اعتبار مواجهة هذه الحالة قدراً على أبناء الأمة العربية، ومقاومة المستعمر ثابتاً راسخاً من ثوابتها القومية.

ومن هنا، فقد نشأ حزب البعث العربي الاشتراكي فكراً وتنظيماً كرد طبيعي ومباشر على الحالة الاستعمارية، ووضع في صلب أهدافه تحرير الأمة العربية من الاستعمار معتبراً إياه السبب الرئيس المسبب لتخلف الأمة العربية وتجزئتها وحرمانها من تأدية رسالتها الإنسانية، وقد بنى حزب البعث العربي الاشتراكي أغلب بنائه الفكري على مقاومة الاستعمار وتحرير الأرض العربية من براثنه وتوحيدها في إطار سياسي واحد.

ولا بد لنا من أن نلقي الضوء على بعض المقتطفات النظرية والفكرية للحزب وقادته للدلالة على الأساس النظري المتين لمواجهة الحالة الاستعمارية التي ابتُليت بها الأمة.

فقد جاء في دستور الحزب لعام 1947، المادة 6: “يناضل الحزب ضد الاستعمار الأجنبي لتحرير الوطن العربي تحريراً مطلقاً كاملاً، وجمع شمل العرب كلهم في دولة واحدة”.

ونصت المادة 23 منه على:” يناضل العرب بكل قواهم لتقويض دعائم الاستعمار والاحتلال وكل نفوذ سياسي أو اقتصادي أجنبي في بلادهم”.

كما جاء في مبادئه العامة، في المبدأ الثالث:” إن الاستعمار وكل ما يمت إليه عمل إجرامي يكافحه العرب بجميع الوسائل الممكنة، وهم يسعون ضمن إمكاناتهم المادية والمعنوية إلى مساعدة جميع الشعوب المناضلة في سبيل حريتها”.

وفي السياق ذاته فقد نصت كل التوصيات الصادرة عن المؤتمرات القومية على ضرورة مواجهة المخططات الصهيونية والامبريالية والرجعية وإحباطها…. والتصدي بكل حزم لمخططات الأنظمة الرجعية في المنطقة العربية….

لقد وصَّف الفكر القومي البعثي الحالة الاستعمارية بأدق التوصيفات، وإن كان قد أكد على أهمية العوامل الاقتصادية التي تدفع القوى الغربية وغيرها لنشوء الحالة الاستعمارية، كنهب الثروات وتأمين الطرق التجارية وفتح الأسواق، إلا أنه يرى أن هذه الأهداف تصحُّ في حال الأمم الأخرى، أما فيما يتعلق بالأمة العربية، فإنها تلتقي في إطار هدف نهائي أشمل، وهو منع قيام الدولة العربية الموحدة المستقلة.

في هذا الإطار يقول الرفيق المؤسس أحمد ميشيل عفلق: “إن هجوم الاستعمار والصهيونية يكاد يتركز على الوحدة العربية”، ولفت إلى أن الاستعمار” هو المحرض على إنشاء الجامعة العربية والمقترح لها لكي يوجد تعاوناً اقتصادياً وعسكرياً بين هذه الأقطار بشرط أن يكون هو حاضراً فيها لكي يستغلها”.

وهو ما لمسته جماهير الأمة العربية من كل مواقف الجامعة العربية تجاه القضايا والأحداث المصيرية التي واجهتها الأمة.

وتستمر العملية الفكرية القومية في تأكيد هذا الثابت القومي في فكر ومواقف الرئيس الشهيد الرفيق صدام حسين، الذي أكد خلال مسيرته النضالية على أن مواجهة الاستعمار وأطماعه في وطننا العربي الكبير هو واجب نضالي مقدس يفرضه الانتماء للعروبة، وأن الموقف الثابت من القضية المركزية للبعث والأمة، فلسطين، هو المعيار الذي يُقيمُ البعث من خلاله علاقاته الداخلية والعربية والدولية.

هذا الموقف المبدئي والثابت للبعث، ترجمه الرفيق الأمين العام للحزب عزة إبراهيم إلى ممارسة عملية بعد غزو العراق مباشرة، وهو ما أضفى مزيداً من الثقة والإصرار والمصداقية لثوابت البعث ونهجه القومي المدافع عن قضايا الأمة.

إن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي أو التنظير الفكري للبعث جاء نتيجة الممارسة العملية للتجارب النضالية التي مر بها الحزب منذ تأسيسه، فمنذ بدايات تأسيسه شارك بفاعلية في الدفاع عن فلسطين، وقدم العديد من الشهداء خلال مشاركته في جيش الإنقاذ عام 1948 والعمليات الفدائية في الأراضي المحتلة فيما بعد، كما دعم الشعب العربي في المغرب، خاصة في الجزائر لنيل استقلالها، ووقف مع مصر ضد العدوان الثلاثي 1956، واستمر الحزب في مواجهة المؤامرات الاستعمارية خلال فترة الانقلابات وحكومات العمالة حتى تسلمه مسؤولية القيادة في السابع عشر-الثلاثين عام1968، ما أعطاه دوراً رئيساً فعالاً في الدفاع عن الأرض العربية، ومشاركته في كل الحروب التي خاضتها الأمة.

وعلى الرغم من المؤامرات الدولية التي حيكت لحرف الحزب عن هدفه في محاربة الاستعمار الصهيوني والامبريالية العالمية، الذي بقي كرأس حربة للقوى الاستعمارية الغربية، فقد تمكن أن يوحد بين الثنائية، يدٌ تبني ويدٌ تدافع، فاستطاع بناء دولة في القطر العراقي قوية عصرية متقدمة، وفي الجانب الآخر تمكن من الوقوف بقوة وصلابة في وجه الأطماع الفارسية وتمكن من تحقيق النصر المؤزر.

فالبعث خاض معارك الوجود نيابة عن الأمة، وهو يخوض الآن المعركة الكبرى في مواجهة التحديات على امتداد الوطن العربي.

30 تموز… الثورة الحقيقية التي مهّدت لانطلاقة البعث العملاق

30 تموز… الثورة الحقيقية التي مهّدت لانطلاقة البعث العملاق

فاطمة حسين

 

في فجر الثلاثين من تموز عام 1968، سجّل التاريخ العراقي والعربي صفحة مشرقة من صفحات الكفاح الوطني، عندما تمكّن حزب البعث العربي الاشتراكي من تصحيح مسار ثورة 17 تموز التي اختُرقت من قبل بعض العناصر المرتبطة بمصالح خارجية، وفي مقدمتهم عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود، اللذان مثّلا “الجيب العميل” في بنية الحكم المؤقت.

لقد أدرك البعثيون المخلصون أن استمرار هؤلاء في السلطة يشكل خطراً على مبادئ الثورة، ومهدداً حقيقياً لحلم بناء دولة وطنية مستقلة ذات قرار سيادي، فكان لا بدّ من الحسم السريع والجريء، وهو ما تحقق في ظهيرة 30 تموز، حيث أُقصي الانتهازيون والمتآمرون دون إراقة قطرة دم، في عملية وُصفت بالدقيقة والحاسمة.

جاءت هذه الخطوة التاريخية لترسّخ قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ممثلاً بالرفيق الأب القائد أحمد حسن البكر والرفاق المناضلين، وتفتح الباب أمام عهد من الاستقرار السياسي والتوجه نحو بناء العراق القوي، الدولة التي تنتمي للأمة وتدافع عن قضاياها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوحدة العربية.

30 تموز لم تكن مجرد إزاحة لوجوه عميلة، بل كانت ثورة في العمق، ثورة على التبعية والتآمر، وثورة باتجاه المشروع الوطني والقومي الذي حمل لوائه البعثيون المؤمنون بقدسية العراق وعروبته. لقد مهدت هذه الثورة لانطلاقة عملاقة نحو بناء الدولة، وتعزيز السيادة، وتحقيق مكاسب كبرى في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

واليوم، ونحن نستذكر هذه المناسبة العظيمة، نستحضر تلك الروح الثورية والقرار الجريء الذي أعاد للثورة أصالتها، وجعل من البعث رقماً صعباً في معادلة المنطقة. فتحية إجلال ووفاء لكل من خطّ هذا المجد، ولكل من حافظ على مبادئ البعث رغم كل التحديات.

المجد لثورة17 – 30 تموز، والخزي والعار لكل الجيوب العميلة…

وليبقَ البعث منارة نضال وأمل للأمة في حاضرها ومستقبلها.

ثَوْرَةُ تَمُّوز ١٩٦٨ حَدَثٌ تَارِيخِيٌّ قَوْمِي

ثَوْرَةُ تَمُّوز ١٩٦٨ حَدَثٌ تَارِيخِيٌّ قَوْمِي

أبو الحسنين علي

 

إن التجرد عن أي موقف سياسي مسبق والانطلاق من منهج علمي في الكتابة سيفضي إلى أن أي حديث عن ثورة تموز البعثية الوطنية في العراق سيتضمنُ إنها حدث قومي تاريخي، وليس وطني عراقي فحسب، لأن تلك الثورة تقف باستحقاق على قوائم هذا الوصف وحيثياته.

لقد تم إنتاج الثورة بتكافل وتداخل خلفيات الأسباب التي قادت لها، مع طريقة تفجيرها ونجاحها، ومع منجزاتها ومكاسبها، ذات الأفق الوطني المتداخل مع امتداداته القومية، وهذا التكافل هو الذي صنع حقبة زمنية لا يمكنُ لأي كاتب أو باحث إلا أن يصفها بالقومية التاريخية، ولعل النهاية التي حاول أعداء الثورة صنعها لتلك الحقبة المجيدة هي استكمال عميق للسمات التاريخية التي نعنيها، غير أن انطلاق المقاومة العراقية للاحتلال من رحم الثورة وبُناها التحتية والفوقية الإنسانية والمادية قد أضاف عاملاً آخراً مفصلياً من عوامل تأصيل السمة التاريخية لثورة العراق البعثية العتيدة بإضافة عامل الاستمرارية لها.

الخلفية القومية للثورة:

من البديهي أن يكون حزب البعث العربي الاشتراكي فكراً وتطبيقاً جزءاً لا ينفصل من الأحداث التي تقع في أمة العرب، ولا غرابة أن يتحمل أوزارها ويضع نفسه في صلب تداعياتها أخلاقياً حتى لو لم يكن مسؤولاً عمَّا أنتجته تلك الأحداث، بما عُرف عن الحزب من شفافية المواقف المعبرة عن انتمائه الأصيل للأمة واقعاً وتطلعاً، وكانت نكسة حزيران عام ١٩٦٧ م التي عصفت بالعرب بعدَ خسارتهم المفجعة للحرب مع الكيان الصهيوني وتمكن هذا الكيان المسخ من احتلال أرض عربية جديدة وتدميره لقوة العرب العسكرية في أقطار المواجهة التي خاضت الحرب، وخاصة مصر، هي محور حراك البعث الفكري والميداني بين أبناء الشعب.

لقد شهدت فروع الحزب وقيادات أقطاره مراجعات معمقة ودراسات واقعية، ليس لتشخيص أسباب النكسة فقط بل ولمعالجة آثارها المعنوية على الإنسان العربي ووقعها المدمر للذات العربية، وكانت قيادة قطر العراق من بين أبرز التنظيمات البعثية القومية التي تصدت في مؤتمراتها لنكسة حزيران ونتائجها وسبل احتوائها ومواجهتها.

إن قرار قيادة البعث في العراق بالتخطيط وتنفيذ ثورة تموز ١٩٦٨ كان قرار يستحضر نكسة حزيران، باتجاه صناعة تجربة عربية لا ترمم الذات العربية المنكسرة فقط بل وترتقي بها إلى مراتب فعل تاريخي قادم ينسف نتائج النكسة ويعيد للأمة اعتبارها، وكان البعث في حواره الذاتي هذا والذي تحول بعضه إلى حوار مع قوى وطنية وقومية أخرى يضع كل ممكنات الاقتدار العربي القادرة على تصحيح وعبور فاجعة ومحنة الأمة اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً.

كانت تشخيصات البعث جذرية، تتعدى واجب الحزب التقليدي في الساحة القطرية إلى استحضار عملي لواجب استحقاق الأمة، بمعنى أن البعث هنا كان يتصرف وكأنه أمة العرب بكاملها، بقضها وقضيضها، تاركاً خلف ظهره اللوم والتثريب والتحليلات النظرية للنكسة التي لا تفضي إلا إلى تكريس وجع الروح العربية وانتكاستها.

ثم إن تقييم البعث لوقائع وأد عروس ثورات العراق عام (١٩٦٣) وواقع العراق المزري في السنوات التي تلت يوم الردة المشؤوم قد امتزج عملياً مع القراءة المتأنية لواقع الأمة بعد نكسة حزيران (١٩٦٧) والتي اعتبرها البعث تجسيداً إجمالياً لواقع الأمة المزري، وهذا العصف الثوري الذاتي أدى إلى وضع الحزب أمام وعي وفهم تاريخي مفاده:

أن زعزعة قوائم حال الأمة الغارق بالتخلف والنكسات والمتمرغ بالجوع والفاقة والأمية والجهل يتطلب عملاً تاريخياً غير تقليدي، بثورة تقدم وتنتج فعلياً واقع حال ونموذجاً مختلفاً جذرياً ينطق بقدرة الأمة وحيويتها وعناصر الطاقة الجبارة الكامنة فيها، ثورة تحول العراق إلى نموذج مصغر للأمة العربية القادرة المتمكنة المترفة المرفهة المنتجة المبدعة السابحة في موج البطولة وبحار التطلع المشروع لاستعادة أنغام الإنسانية التي عزفتها رسالات وحضارات عربية سلفت.

إن رؤية الحزب التي رسمت على ضوئها خطة ثورة تموز المباركة كانت تقوم على أن الواقع العربي القائم بكل خيباته ومرارته لا يعبر عن قدرات شعبنا العربي، ولا يتناسب مع الطاقات الجبارة الكامنة فيه، وأن النظام العربي الرسمي الفاسد هو سبب جوهري من أسباب نكبات الأمة، وعليه فإن هدفاً كامناً في ذات ثورة تموز هو تفعيل طاقات العرب لإنتاج حالة عربية لائقة من خلال إنتاج نظام عربي قومي ثائر ممسك بكل أدوات التغيير نحو الأفضل في العراق.

ثورة تموز لم تكن عراقية، بل كانت عربية من العراق، وقيادتها لم تكن عراقية، بل قومية من صلب شعب العراق، وخطط الثورة وما بعد تنفيذها كانت عقلية عربية من العراق عابرة لمستوى التفكير السائد في الأمة وذكائها وفطنتها . كانت مشتقة من فطنة أنبياء العرب وأئمتهم وخلفائهم وعباقرة الفن والأدب واللغة والشعر والجغرافية والرياضيات والطب والهندسة والفضاء والفلك التي خلدها التاريخ، وما انقطعت يوماً حتى لو أن ضغط الأزمنة قد جعلها تشح في حقب مظلمة فرضت على الأمة بعوامل ذاتية وأخرى موضوعية.

ثورة بيضاء:

لم يكن قرار ثوار تموز الأشاوس عدم إراقة قطرة دم واحدة في لحظات تفجير الثورة وما يليها من زمن معني بأهمية وقيمة قطرة الدم العراقية فقط بل كان معنياً، أعظم منه، بدلالاتها عراقياً وعربياً، فالإحجام عن إطلاق النار ونزع السلاح الأبيض أيضاً كان رسالة عقائدية دينية اجتماعية أخلاقية تاريخيه، تقول للعالم: انتهى عصر الصراعات السياسية التي يصاحبها إراقة الدم وازهاق الأرواح، انتهى عصر الدموية، انتهى عصر السلطة التي تصل الكرسي على قارب يعبر أنهار الدم، فلا ينتج عن تلك السلطة غير الدمار والمآسي في المعتقلات والسجون والإبعاد والاقصاء، انتهى عصر الاستهانة بأرواح الناس، انتهى زمن الثأر البغيض، ولَّى زمن البغضاء والسوء، وولد عهد الحرية والسلام والحوار والديمقراطية، وإعادة تصميم الحياة بسياقات ومكونات مدنية خالصة.

هذه رسالة ثورة تموز الأولى، وهي أول دلالات الاختلاف والتغيير الذي يعبر التنظير والادعاء إلى الفعل العظيم الشاخص الجليل الوقور، إن لا دموية ثورة تموز هو تغيير لمسارات تاريخية شهدها مسرح علاقات القوى الوطنية والقومية والإسلامية، وعبرت بآثارها السلبية حدود العراق وطبعت المشهد السياسي والنظرة العامة بما هو خادش وضار ومعزول عن المنطق والحكمة وسياقات العلاقات الموسومة بالإيجابية والديمقراطية.

الثورة البيضاء كانت موقفاً يؤكد الانتقال بالحياة السياسية في العراق خاصة والوطن العربي عامة إلى فضاءات الحوار والتفاهم والتنسيق والشراكة، وقد عبر عنها البعث أعظم تعبير بإعلان تشكيل الجبهة الوطنية والقومية والتقدمية وتشكيل حكومة شراكة وطنية من كل القوى السياسية الوطنية والقومية والإسلامية الوسطية غير الطائفية بعد أن ثبت البعث عوامل استتباب النظام والقانون وبدأ مرحلة التنمية.

 

ثورة شعبية:

لا تأخذ الأفعال والأحداث إطارها وأفقها وعموميتها القومية التاريخية إلا إذا أنتجها شعب الأمة أو جزء حي من الأمة، ورغم أننا نعرف كثرة التخرصات والاتهامات التي يطلقها الأعداء من أن ثورة تموز ١٩٦٨ كانت انقلاباً عسكرياً إلا أننا بالمقابل نعرف من الضفة الأخرى المعزولة عن التقييم المعادي المنطلق من أحقاد وبغضاء وأرواح سوداء وأخرى عميلة خائنة مرتزقة كامل الحقيقة التي نطلقها مجدداً هنا، من أن الثورة كانت ثورة شعبية خطط لها وفجرها حزب شعبي وطني قومي، وكان بعض قادته من العسكرين سنداً للتنفيذ وفي توفير ما قد تحتاجه الثورة من الأدوات العسكرية، وجزء من خطة الثورة، ليس لأنهم عسكريون بالأساس بل لأنهم بعثيون أولاً.

وثورة تموز ثورة شعبية بامتياز لأنها لم تحكم بقوالب الانقلابات العسكرية ولا بحدود تأثيراتها ومدياتها المعروفة، بل صنعت تاريخاً ملأت صفحاته بالتغييرات الثورية التي غيرت واقع الإنسان والبلد في كل الجوانب التي تتعامل معها الثورات الأصيلة.

لقد انصهرت الثورة وقيادتها بشعب العراق انصهاراً لم يحصل له مثيل، وأيدها الشعب وصار جزءاً من حركتها الدؤوبة إلى أمام في كل ما أقدمت عليه، وبهذا المعنى هي حدث قومي فريد وتاريخي في حياة العرب، لم تكن صلة ثوار تموز بشعبهم صلة حكومة بالشعب بل كان الشعب يبني ويعمر مع الدولة، والدولة كانت تزرع وتحصد وتخطط وتنفذ مستندة إلى روح الصلة الوثيقة بالشعب.

ثورة تموز بسمتها الشعبية هي حدث قومي جديد تماماً في حياة العرب، وقد عرف طريقه ليتجسد عيانياً في واقع وضمير الأمة في كل أقطارها بإنجازات ومكاسب غطت كل أقطار الأمة بلا استثناء مادياً واعتبارياً، لقد صارت ثورة تموز فعلياً هي ثورة كل العرب في كل أقطارهم بما حققته من بيئة وظروف انتقال موضوعية جعلت للعرب مقاماً مختلفاً في كل العالم.

منطلقات الثورة:

كما أسلفنا في الفقرات التي تطرقنا لها في هذا المقال، فإن ما يمنح الثورة صفة الحدث القومي التاريخي هي منطلقاتها النظرية والعملية، منطلقات ثورة تموز ١٩٦٨ هي من صلب عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي ونظرية العمل البعثية التي أنتجتها الثورة هي تنفيذ ميداني لمبادئ وأهداف البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية. لقد دَنَت إجراءات وأفعال ثورة العراق المجيدة من هدف الوحدة العربية غير ذي مرة، وبعديد صيغ جديدة ومتجددة وجسدت وحدويتها المرتبطة بالاشتراكية العربية البعثية في ميادين الاقتصاد والتعاون العسكري والتنموي في حقول البنى التحتية والتعليم والصحة والتجارة البينية، وفي علاقات العراق مع دول العالم التي خضعت خضوعاً تاماً للمصالح القومية العربية.

الإنجازات التاريخية:

ولكي تكتمل لوحة التوصيف القومي التاريخي لثورة البعث في العراق لابد من الإشارة إلى عدد من مكاسب الثورة ذات الأفق والأبعاد والخصائص القومية البارزة، والتي أدت بنتائجها التنفيذية على الساحة القطرية الممثلة لساحة الأمة إلى انعكاسات ونتائج قومية لا ينكرها إلا معادي للعروبة وعقيدتها الوحدوية التحررية الاشتراكية، ومن بين هذه المنتجات الثورية العراقية:

تأميم النفط العراقي، وطرد آلة الاستعمار الغربي التي كانت تنهب خير العراق.

تنفيذ خطط تنمية انفجارية حولت العراق إلى ساحة نهوض قومي.

مساهمة العراق في تطوير التعليم بمختلف مراحله في عديد الساحات القومية.

مشاركة العراق في معارك الأمة ضد الكيان الصهيوني وأهمها حرب ١٩٧٣ التي أعادت للإنسان العربي أرضه وكرامته تماماً كما خططت ثورة تموز قبل تنفيذها وبعده كما أسلفنا.

انتصار العراق على العدوان الإيراني الذي استهدف احتلال أرض العرب، وما يؤكد ذلك هو ما جرى ويجري بعد غزو العراق واغتيال ثورة تموز، حيث تحتل إيران العراق الآن.

التطور العلمي الهائل الذي حققه العراق واستثمره في استقبال آلاف العرب الدارسين والباحثين وعلى نفقة الدولة العراقية.

تشغيل ملايين العرب من مصر وفلسطين والأردن والمغرب العربي والسودان وسوريا وغيرها في قطاع الزراعة وغيرها.

تدريب وتقديم تجهيزات مختلفة لعدد من الجيوش العربية.

ترصين الموقف العربي سياسياً ودبلوماسياً في مواجهة التحالف الامبريالي الصهيوني في شتى المحافل.

مسارات الإشعاع الثوري:

   لعل من بين أكثر ما يفخر به قادة ثورة تموز ١٩٦٨ أولاً وشعب العراق ثانياً هو ما فاض به العراق من أنوار الحرية والتطور والانفتاح على العلم والمعرفة والتكنولوجيا على عموم الوطن العربي، وكان له تأثيرات عظيمة على تصاعد وتائر النهضة القومية ونمو ومد هائل للمشروع القومي الوحدوي التحرري من أقصى بقاع الأمة إلى أقصاها، إن حقبة دولة البعث الوطنية (١٩٦٨-٢٠٠٣) تعد دون شك حقبة نهوض قومي بارز وتاريخي قد لا تدانيه حقبة قبلها، إن اشعاع وألق التجربة القومية العراقية قد ملأ عيون وصدور العرب وجعلهم يصدقون لأول مرة بإمكانية تغلبهم على عوامل الانحطاط التي كبلتهم.

إننا نراهن الآن أن أية تجربة بحثية احصائية علمية تأخذ عينات عشوائية من كل الساحات الوطنية العربية ستنتهي إلى ما لا يصدقه من تجاسروا على العراق وشعبه وثورته وحزب البعث فيه، وستثبت أن ما بذل من مال وإعلام وما سلط من عدوان واجتثاث وإقصاء واغتيالات لم يتعرض لها حزب ونظام في العالم، منذ ٢٠٠٣ م لم يغيب حضور التجربة القومية العراقية ولم تعتم رؤية العرب الأحرار لساحة العراق التي انفتحت لأول مرة منذ مئات السنوات لتحتوي بمحبة وكرم وعطاء فذ أعظم إطلالة للأمة على الحرية والسيادة والوحدة والازدهار.

الحضور العربي في العراق:

من شهود وشواهد إنتاج تموز ١٩٦٨ لأعظم تجربة قومية نفذت إلى عمق صفحات التاريخ وسيؤسس عليها الكثير والكثير خارج الحسابات الآنية الراهنة هو الحضور العربي في العراق أبان حقبة الأمة في العراق والذي تمثل في:

أولاً: قيادة قومية عربية تقود تجربة الأمة إلى جانب القيادة العراقية وبشكل لم يحصل له نظير من قبل في سعته وامتداده الزمني.

ثانياً: وجود ضباط عرب كبار ضمن تشكيلات الجيش العراقي.

ثالثاً: حضور عمالة عربية من مختلف أقطار الأمة بما أفضى إلى فتح سبل إنهاء البطالة والفقر في أمتنا وتكامل ثرواتها وخيراتها.

رابعاً: لم يشهد تاريخ العراق أعداداً من الطلبة العرب في مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه كما شهد في حقبة الأمة في العراق.

التجربة التاريخية لا تموت:

شاهدنا الأعظم على تاريخية وقومية ثورة تموز ١٩٦٨ هو خلودها الذي نراهن عليه ليس لأنها أنجزت وحققت الكثير من مبادئ البعث وعقيدته الثورية فحسب بل لأنها لازالت تحرك المشهد العراقي إنسانياً وسياسياً رغم كل الذي سلط عليها من عوامل الفناء والتغييب، إن المقاومة العراقية الوطنية والقومية والإسلامية المعجزة التي انطلقت متزامنة مع ساعات دخول الجيوش الغازية خلقت ظاهرة كونية جديدة معلمها الأول هو انتقال الدولة المستهدفة بحرب كونية لا مثيل لها إلى مقاومة لا مثيل لها.

المقاومة العراقية هي الكيان العضوي الحي العصي على الفناء الذي يرمز بثبات إلى تاريخية ثورة تموز المجيدة، فالمقاومة العراقية هي حزب البعث الذي اجتثه الغزاة وذيولهم، وهي الصروح الشاخصة على أرض العراق قصوراً وفنادق وشوارع ومصانع معطلة ومزارع مهجورة تستغيث بالعراق الذي كان وتدعوه لإنقاذها لتعود إلى الحياة ولتغذي الحياة الكريمة لشعبنا.

المقاومة العراقية التي انطلقت عام ٢٠٠٣ هي ذاتها ثورة تموز التي ولدت عام ١٩٦٨ ولأنها تاريخية قومية أصيلة فإنها ستنتصر لتعيد من جديد مسار البعث القومي الوحدوي التحرري الاشتراكي الذي بانطلاقته من العراق المحرر سيحرر فلسطين وكل بقعة عربية سليبة، وبهذا تصبح قومية وتاريخية ثورة البعث هي الحقيقة الأعظم في حياة العرب المعاصرة كما كانت قبل نيسان ٢٠٠٣.