شبكة ذي قار
8/8/1988: العراق ينتصر… والخميني يتجرّع السم

8/8/1988: العراق ينتصر… والخميني يتجرّع السم

 بقلم: أبو محمد عبد الرحمن

 

 في 8 أغسطس 1988، توقف زمن الحرب بين العراق وإيران، حين أعلن النظام الإيراني قبوله بوقف إطلاق النار بناءً على القرار 598 لمجلس الأمن، منهياً بذلك نزاعًا استمر ثماني سنوات خلف فيها دروسًا عميقة من النضال والصراع الإقليمي.

لم يكن الأمر مجرد تبادل للنار أو صراع على الحدود، بل كان معركة وجودية بين مشروعين: مشروع عربي وطني يصر على حماية بوابة الأمن القومي العربي في الشرق، ومشروع إيراني صفوي طائفي يحاول اختراق الأمة العربية بذريعة تصدير الثورة.

لم تنطلق تلك الحرب من فراغ، بل من واقع إقليمي معقد حيث طهران، تحت قيادة الخميني، أرادت فرض هيمنتها العقائدية والسياسية عبر تشويه نسيج الأمة العربية وجعلها ساحة لصراع مذهبي عميق، مستثمرة التاريخ الصفوي القديم الذي يغذي نفوره من العروبة.

في مواجهة هذا المد، كان العراق يقف كحارس شرقي للعروبة، متحملاً ثمنًا باهظًا من دماء وشهداء وحصار دولي، لكنه حافظ على رسالة الأمة التي ترى في الإسلام قوة توحد ولا تفرق، وفي العروبة عقد أخوة ودم لا يُفرّق.

لم يكن قبول إيران وقف إطلاق النار سوى اعتراف مرير بفشل مشروع الصفوية في انتزاع سيطرة كاملة على المنطقة، حيث خرج الخميني معلنًا تجرعه “كأس السم” الذي لم يكن سوى هزيمة استراتيجية قاسية.

يوم 8/8/1988 ليس مجرد تاريخ على ورق، بل هو علامة مضيئة على قدرة العرب، حينما توحدوا وحموا مستقبلهم من موجة الاضطراب الطائفي، درسٌ في الصمود والوفاء للأمة.

لكنّ ما لم تستطع إيران تحقيقه عبر الحرب المباشرة، جاءها على طبق من ذهب بعد أقل من عقدين. فتدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في 2003، واحتلوا بغداد التي حمت العرب، ثم سلّموها طوعًا للمليشيات الطائفية وفتحوا أبوابها أمام الهيمنة الإيرانية، ليعود المشروع الصفوي متسلحًا هذه المرة بالاحتلال الأميركي والفراغ العربي القاتل.

إن ذكرى 8/8/1988 تذكرنا أن النصر العسكري لا يكفي، إن لم يُصن بوعي سياسي عربي جماعي. فالتاريخ لا يرحم، والعدو لا ينسى، والفرصة التي أُهدرت في بغداد ستظل وصمة على جبين أمة لم تحسن استثمار نصرها، وتركت حارسها الشرقي يُذبح وتُدمر دولته، لينهض المشروع الطائفي من جديد بثياب رسمية هذه المرة، على أنقاض العروبة.

فلنُحيِ هذا اليوم كعلامة نصر وجرس إنذار معًا، ولنبقَ أوفياء لذاك العراق الذي وقف وحده ذات زمن… فحمى الجميع.

يوم النصر العظيم… تاريخ لا يُنسى للماجدة العراقية

يوم النصر العظيم… تاريخ لا يُنسى للماجدة العراقية

فاطمة حسين

يأتي الثامن من آب كل عام ليُذكرنا بواحدة من أعظم لحظات التاريخ العراقي الحديث، اليوم الذي تجرّع فيه العدو كأس الهزيمة، وأُجبر الخميني على قبول وقف إطلاق النار، منهياً حرباً استمرت ثماني سنوات وأرهقت الشعب الإيراني، وأذلت الجيش الإيراني الذي كان يعد الجيش الخامس في العالم.

ففي هذا اليوم المجيد من عام 1988، صدح صوت النصر من بغداد، ليعلن أن العراق خرج مرفوع الرأس، صامداً، صلباً، منتصراً بإرادة شعبه وبسالة جيشه وقيادته الوطنية.

لكن ذلك النصر العظيم لم يكن حصيلة البندقية وحدها، بل كان تتويجاً لتضحية شعبٍ بأكمله، ومنه الماجدة العراقية.

الماجدة العراقية… مساهمة في  صناعة النصر وسند الوطن.

في غياب الرجال الذين حملوا السلاح على الجبهات، نهضت المرأة العراقية بشجاعة نادرة، لتحمل راية الصمود في الداخل. دخلت الماجدة إلى المعامل والمصانع، أدارت المؤسسات، ووقفت في الخطوط الأولى لمساندة الجبهة اقتصادياً واجتماعياً. لم تتردد لحظة في أن تكون الأم والأب معاً في بيتها، ترعى أبناءها وتحمي مستقبلهم، بينما تحمل في قلبها قلق الحرب وتحديات الغياب.

كانت الماجدة العراقية لا تنتظر شكراً ولا تصفيقاً، بل كانت تعتبر ما تقدمه واجباً وطنياً. وقد أدركت قيادة الحزب والثورة عظمة هذا الدور، فكرّمتها بمنحها لقب “الماجدة”، الذي أصبح رمزاً للعزة والوفاء والتضحية.

دور الماجدة في ملحمة النصر لا يمكن أن يُنسى، هو خلود في الذاكرة الوطنية، فهي لم تكن فقط داعمة، بل كانت شريكة حقيقية في النصر. رفعت راية العراق وهي تلبس ثوب العمل، وتحملت أعباء الحياة بكل صبرٍ وكرامة، ودفعت ثمناً غالياً من عمرها وجهدها وحياتها اليومية في سبيل بقاء الوطن عزيزاً شامخاً.

وفي الثامن من آب، حين أعلن النصر، لم يكن انتصار الرجال فحسب، بل كان أيضاً انتصار النساء، انتصار الماجدات.

سيبقى يوم الثامن من آب محفوراً في وجدان الأمة، شاهداً على أن النصر لا يُصنع بالسلاح وحده، بل بالعقول والقلوب والسواعد المؤمنة بالوطن. وستبقى الماجدة العراقية نبراساً للأجيال، تروى سيرتها في كل بيت، وتُذكر كرمز للبطولة في زمن الشدة.

المجد للعراق… المجد للماجدة… المجد ليوم النصر العظيم.

أُسُسُ وَمُكَوِّنَاتُ الجَيش الَّذِي حَقَّقَ النَّصْرَ العَظِيم

أُسُسُ وَمُكَوِّنَاتُ الجَيش الَّذِي حَقَّقَ النَّصْرَ العَظِيم

أبو شام

 

الحديث عن النصر الناجز المبين الذي حققه العراقُ على الفرس المجوس لا يتحقق إلا إذا تحدثنا عن العوامل والمكونات والأسس التي توفرت لدى العراق حتى استطاع أن يهزم الفرس المجوس في حربٍ هي من أطول الحروب التي شهدها العالم.

 كيف استطاع العراقُ بناء القاعدة الصلبة التي مكنته من احراز هذا النصر العظيم، وهو يواجه إيران كَقوةٍ إقليمية وقُوى دولية وإقليمية تقف خلفها.

استطاع العراقُ بعد السابع عشر-الثلاثين من تموز1968 من ترسيخ مفهوم الدولة، وبناء كل المؤسسات التي تشكلها على أسس علمية صحيحة، وفقاً للضرورات التي تتطلبها الدولة، كما عمدت الثورة على إعادة نسج اللحمة الوطنية والقومية بما يوفر الاستقرار والمساهمة الفاعلة في البناء والتقدم.

وكان على القيادة العراقية بعد الثورة أن تولي أهمية قصوى لبناء القوات المسلحة بكل صنوفها وتعمل بجهد متواصل على تأمين كل مستلزمات هذا البناء الشامخ حتى أصبح واحداً من أقوى وأكثر جيوش العالم قدرة وقوة وصلابة.

هذا الجيش الذي بنته ثورة السابع عشر-الثلاثين من تموز كان الركيزة الأساس في تحقيق النصر المبين على الفرس المجوس في حرب الثمان سنوات، يقفُ معه ويسنده الشعب العراقي في جبهته الداخلية الذي واصل مسيرة البناء والاعمار رغم كل الظروف الصعبة التي كان يمر بها العراق.

فكان الجيش العراقي الرقم الصعب في معادلة تحقيق النصر العظيم، وفي ذكرى هذا النصر الخالد، لا بد أن نلقي بعض الضوء على هذا الجيش العظيم، ونفتح صفحة من سفر تاريخه العظيم.

فالجيش في كل بلاد العالم هو صمام أمان الوطن، وضمان أمنه واستقراره وسيادته، بالتعاون والتنسيق والتكامل مع المؤسسات الأمنية الأخرى.

لقد كان الجيش العراقي الوطني الباسل سور الوطن العالي وسياجه المتين وحصن الأمة المنيع، فكان جيش الأمة العربية المجيدة، الذي أثبت ذلك فعلاً لا قولاً فقط، والذي لم تثبت عليه أي ثلمة وطنية أو قومية أو قيمية عبر تاريخ كفاحه المجيد، وهو نفسه الجيش البطل الذي قاتل المحتل الأمريكي الغاشم بعد أن قدمت جيوشه الجرارة من أقاصي العالم، واستمر بدعم المقاومة الوطنية العراقية بكل أطيافها حتى تمكنوا من إلحاق الهزيمة المنكرة بأقوى جيوش العالم على الإطلاق، وفرض عليه الهرب من أرض الرافدين عام 2011 م.

 

 

الجَيْش العِراقِي …. سِفْرٌ مَلْحَمِي بُطُولِي

إن من يستعرض تاريخ جيش العراق يقف مذهولاً أمام هذا السفر الخالد من الأمجاد والبطولات وصور العز والمجد والفخر، وملاحم الإباء والشمم التي سطرها عبر تاريخه المجيد وسجلها بأحرف من نور.

فقد امتلأ سجله الناصع بالوفاء لتربة العراق وأرضه ومائه وسمائه، ويشعر بالسمو والزهو لتلك المواقف البطولية في الدفاع عن أرض العراق ووحدته وفي الدفاع عن أرض العروبة وعن المقدسات وقيم ومبادئ الدين الحنيف، فهذا السفر البطولي الخالد لم تثلمه الملمات والخطوب، ولم يسجل على هذا الجيش أي موقف شائن، فكان وما يزال عنواناً للوطن، بل إنه بات مرادفاً للعراق، فلا يذكر اسم العراق إلا وذكر معه جيش العراق، ولقد عبّر هذا الجيش عن الوطنية بأبهى صورها في كل مراحل مسيرته المشرفة.

لقد تبنت قيادة ثورة السابع عشر من تموز الخالدة فلسفة بنيوية عظيمة ترتكز على أن الجيش وقوى الأمن يشكلان عماد التنمية، فلا تنمية ولا ازدهار دون أمن واستقرار.

أُسُسُ ومُرتَكَزَاتُ بِنَاء جَيْشِ العِرَاق

كما اعتمدت هذه الفلسفة على أن الأدوار الداخلية في المؤسسة العسكرية العراقية تترابط وتتكامل لتجعل الجميع بمختلف الرتب والمناصب ذوي أهمية ومسؤولية مهمة مهما كان الدور، صغيراً على مستوى القاعدة أو كبيراً في أعلى هرم القوات المسلحة.

 فالقوات المسلحة العراقية قامت على:

     أسس أخلاقية متينة، ارتكزت على النُبل والمهنية والفروسية والقيم الأخلاقية العالية.

     وعلى أساس تنظيمي هرمي، فالرتب العسكرية الممنوحة للمستويات القيادية المختلفة هي في موضع التكليف وليس التشريف، بغية تحقيق الأهداف الوطنية ضمن سياقات وأنظمة العمل المعتمدة في هذه المؤسسة الوطنية الكبيرة التي تقع عليها المسؤولية الأولى والمهمة الكبرى في الدفاع عن حياض الوطن وضمان أمنه واستقراره واستقلاله ووحدته.

     وكذلك فإن شعار (النصر أو الشهادة) كان واحداً من تلك المرتكزات، ففي جميع المعارك التي خاضها جيش العراق دفاعاً عن العراق وعن الأمة جمعاء، كان يرفع هذا الشعار.

وبالتجسيد الحي والتطبيقي له تمكن من حسم المعارك كافة بالنصر الناجز بالوقت نفسه الذي أعطى فيها قوافل من الشهداء الأبرار الذين رووا بدمائهم أرض العروبة جمعاء، هذه الدماء التي كانت واستمرت وقوداً للمقاتلين، تلهب حماسهم، ونوراً يضيء لهم طريق النصر، فالشهداء أكرم منا جميعاً، كما كان يرددها القائد العام الشهيد صدام حسين رحمه الله.

كما تضمنت تلك الفلسفة اعتبار القوات المسلحة وحدة وطنية مصغرة تضم كل أطياف المجتمع العراقي، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأكراد، شيعة وسنة…. تضمهم قاعات المنام سوياً، وتستوعبهم ساحات التدريب أيضاً، يتناولون الطعام على طاولة واحدة، ويتسامرون بأوقات الفراغ، ويقاتلون عدواً واحداً هو عدو الوطن والشعب…. لا يتناحرون، ولا يتناقضون في العقائد، لأن العقيدة التي تجمعهم هي العقيدة العسكرية، ولا عقيدة مذهبية أو طائفية أو مناطقية تعلو على العقيدة العسكرية.

     كما أن التدريب كان يمثل الأساس الراسخ في بناء القوات المسلحة العراقية، فالتدريب يخلق ويشكلُ الشخصية العسكرية، ويحقق التفاعل الحي بين المقاتل وسلاحه ومعداته العسكرية من ناحية، مثلما يطور المهارات المتعددة والمتنوعة، وهو أحد أهم مقومات النصر، فكان ضمانة لتحقيق الاقتدار والانتصار.

     أما الانضباط العسكري فكان يمثل العمود الفقري للجيش العراقي.

 

وكانت العقيدة التي يرتكزُ عليها الجيش هي عقيدة إيمانية راسخة، ونجد ملامح هذه العقيدة حتى في تسميات قيادات الفيالق والفرق والألوية والوحدات.

 فقد اعتمد تسمية الرموز الدينية والتاريخية اللامعة في تراث وتاريخ العراق وأمتنا المجيد، فأخذت مسميات وحداته تسمى بأسماء القادة العظام في الإسلام ومسميات المعارك الكبرى التي كانت بمثابة الفيصل في تاريخ حركات التحرير والفتوحات الإسلامية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان اسم الفيلق الأول (قيادة عمليات الرشيد)، والفيلق الثاني (قيادة عمليات اليرموك)، والفيلق الثالث (قيادة عمليات القادسية)، والفيلق الرابع (قيادة عمليات حطين)، والفيلق الخامس (قيادة عمليات عمورية). أما فيلقي الحرس الجمهوري، فكان الفيلق الأول باسم (قيادة عمليات الله أكبر)، بينما تم تسمية الفيلق الثاني باسم (قيادة عمليات الفتح المبين).

 أما قيادات الفرق فأخذت تسميات مختلفة منها، قيادات أبو عبيدة الجراح، خالد بن الوليد، صلاح الدين، القعقاع، محمد بن القاسم، سعد بن ابي وقاص، المثنى بن حارثة، المقداد، طارق بن زياد، سارية الجبل، المدينة المنورة وغيرها.

 وتم تسمية بعض الألوية والوحدات بمسميات رمزية مثل لواء ابن الوليد وكتيبة دبابات علي، الحسن، الحسين، والمنصور وغيرها.

هكذا كان جيش العراق الباسل، جيشاً وطنياً بامتياز، فطبيعة مهامه حددتها الثوابت الوطنية، كونه قوة وأداة فاعلة ومتميزة لتأمين البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعراق، وكان يمثل القوة الوطنية الضاربة بيد الشعب للذود عن سيادة الوطن واستقلاله واستقراره وأمنه وتقدمه.

أَبْنَاءُ القُوَّاتِ المُسَلَّحةِ، عَائِلَةٌ وَاحِدَةٌ

واستمرت القيادة السياسية الوطنية وبتوجيه متواصل من القائد العام للقوات المسلحة الشهيد صدام حسين رحمه الله تخطط لمواصلة دعم تطوير الجيش العراقي وتعزيز مكانته مادياً ومعنوياً وروحياً في الاتجاه الذي يعمق في نفوس أبنائه الحب للوطن والدفاع عن حياضه، حتى أنه رحمه الله كان يصر على تسمية (أبناء القوات المسلحة) عوضاً عن مصطلح (منتسبي القوات المسلحة) فالأبناء هم من عائلة واحدة، فيتحقق في نفوسهم معاني الانتماء أكثر من مجرد الانتساب.

هكذا كان بناء جيش العراق الوطني، فأضحى القوة الخامسة على المستوى العالمي بخبرة قادته وضباطه ومقاتليه، وبعددهم المليوني، وبعدتهم، وتجهيزاتهم، وتسليحهم، وتنظيمهم، وتدريبهم، وتأهيلهم. بل وقبل كل شيء بانتمائهم لمؤسستهم العسكرية وولائهم لوطنهم الذي أقسموا بالله العظيم أن يدافعوا عنه مهما بلغت التضحيات واشتدت الخطوب.

واستمر هذا التفاعل والتصاعد والسمو حتى جاء المحتل الأمريكي ومن والاه، بكل ما أوتي من قوة عسكرية هائلة لينال منه بعد حصار مطلق ومطبق على مدى ثلاثة عشر سنة متواصلة ليدمروا كل أواصر الأمن الوطني، لتبدأ بعدها مرحلة تسليم بلدنا الجريح إلى إيران الشر.

ولكن ومهما طال الزمن ومهما تفاقمت الضغوط فإن جيش العراق الذي حقق نصره المؤزر على إيران ومن حالفها لابد له أن يحقق نصره الآتي بعون الله ومعه القوى الوطنية، مسنوداً بشعب العراق الأبي الصابر الذي سينهض من تحت الركام من جديد ليعيد للعراق عزه وهيبته واستقلاله، وطرد كل الخونة والطائفيين الذين عاثوا في العراق فساداً وتقتيلاً وتشريداً، وإن غداً لناظره قريب.

تحية اجلال وتقدير للجيش العراقي البطل الذي حقق نصراً شهدَ له العالمُ كله.

تحية لشهداء الجيش العظيم، والحرية لقادته الأبطال الذي يقبعون في سجون العملية السياسية القذرة.

تحية لروح القائد العام للقوات المسلحة الشهيد صدام حسين رحمه الله.

يَوْمُ النَّصْرِ العَظِيم، حِكَايَةُ فَرَحٍ عَرَبِيَّة!

يَوْمُ النَّصْرِ العَظِيم، حِكَايَةُ فَرَحٍ عَرَبِيَّة!

ناصر الحريري

(الصراع والعداوة مع العرب ليس حباً بعليّ، والدفاع عن حقه في الخلافة…. ولكنّها البغضاء والعداوة لعُمر، الذي كسر ظهر العجم وحطم حضارتهم).

هذه الكلمات ترجمةً لقصيدة شاعر الفرس الكبير الرودكي، التي يعبر خلالها أصدق تعبير عن حقيقة عدائهم وحقدهم على العرب وأن ادعاءهم حب آل البيت ما هو إلا كذب ورياء.

فكل ادعاء يصدر من أي جهة أو شخص يحصر الصراع (العربي الفارسي) بين إيران والعراق، أو حتى بين إيران وأي قطر عربي لا يلامس الحقيقة ولا يقترب منها، فالصراع في مسماه الحقيقي هو صراع ( فارسي – عربي)، ولن تتخل عنه إيران حتى بعد ادعائها الدخول في الإسلام، لأن الصراع بين العرب وإيران ليس صراعاً سياسياً، بل هو صراع إيديولوجي قائم من الطرف الإيراني على الكسروية المجوسية، هذا من جانب.

ومن جانب آخر وبعد وضوح الحقيقة، ليس مستغرباً (كعربي) أن أدافع عن الشهيد القائد صدام حسين، وعن الحرب التي خاضها العراق ابتداء من الرابع من أيلول-سبتمبر 1980 في وجه الأطماع الفارسية، هذه الحرب التي لم تنته إلا صيف العام 1988 بعد خسائر ضخمة لكلا الطرفين، واضطر في ختامها الخميني إلى تجرع كأس السم.!!

بعد خمسة وأربعين عاماً على اندلاع تلك الحرب، التي كشفت أن  صدّام كان محقاً وعلى صواب في قراءته لأطماع الخميني، وعلى معرفة عميقة بشؤون المنطقة وشجونها، وأن ليس ما يشير إلى أن شيئاً قد تغير داخل إيران نفسها، حتى مع ادعاء الخميني أن ثورته إسلامية تسعى لإقامة الدولة الإسلامية المثالية.

تواصلت التحرشات الإيرانية بالعراق بعد وصول الخميني للحكم، الذي رفع منذ البداية شعار “تصدير الثورة الإسلامية” على اعتبار أن (العراق بغالبيته الشيعية كما يعتقد) يعتبر الحلقة الضعيفة بين الدول القريبة من إيران.

ولم يكن مستغرباً أيضاً على النظام الإيراني الجديد أن يقوم، إضافة إلى التحرّشات، بمحاولة اغتيال الرفيق طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، كان الهدف من محاولة الاغتيال هذه في جامعة المستنصرية التي سبقت الحرب الشاملة بين البلدين إظهار امتلاك إيران لعناصر موالية لها داخل العراق، عناصر قادرة على تنفيذ محاولات اغتيال تستهدف مسؤولاً هو أحد أهم قيادات البعث والدولة، لتروج بعدها أن ( النظام في العراق نظام الكافر).

لقد سعت إيران إلى إضعاف النظام الوطني العراقي الذي كان يخوض غمار معركة البناء والنهوض، من خلال إطالة أمد الحرب، ومن خلال الإيعاز لعملائها في حزب الدعوة بزعزعة الاستقرار في الداخل، ولكن كل هذه المخططات فشلت في إضعافه، بل ساعدت في تقويته وفي تمكين المخلصين من أبناء العراق من زمام النصر.

كما استغل النظام الخميني الحربَ لإثارة الروح الوطنية الفارسية، التي سمحت للخميني بإرسال الجيش الذي كان يشك بولائه “للثورة الإسلامية” إلى الجبهات بعيداً عن ثكناته في محيط المدن الكبرى.

وفي المقلب الآخر فقد عمد الخميني من استبعاد كل من ينادي بجمهورية على النهج الحديث، تعتمد دستوراً مدنياً متطوراً في ظل تعددية حزبية تسمح بالتداول السلمي للسلطة، حيثُ سمحت الحرب لأنصار الخميني بارتكاب كل المجازر التي أرادوا ارتكابها في حق معارضيهم، من يساريين وعلمانيين وليبيراليين، يؤمنون بقيام دولة حضارية.

بعد ثماني سنوات من الحرب كان العراق على ثقة من النصر، لأنه يواجه مشروعاً حاقداً مجوسياً كريهاً، ولم تعترف إيران بأنها هزمت، لكن هزيمتها أعلنها (مرشدهم الخميني) حين اعترف بتجرعه كأس السم، وأن إطالتها للحرب صبت في إضعافها وإنهاكها، فضلاً عن استنزاف ثروات دول المنطقة.

لم تدرك إيران أن الولايات المتحدة كانت سبباً رئيساً في الحؤول دون إلحاق الهزيمة الكاملة بها-إنْ في عهد جيمي كارتر، الذي كان في نهايته لدى اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية، أو في عهد ريغان الذي لم يتخذ في أي لحظة موقفاً حازماً من إيران-بل وصل الأمر بريغان إلى التغاضي عن تفجير مقر (المارينز) قرب مطار بيروت في تشرين الأوّل-أكتوبر 1983، رغم معرفة إدارته بتفاصيل عملية التفجير تلك والدور الإيراني في التخطيط لها. فوق ذلك كله، تغاضت الولايات المتحدة عن تزويد الكيان الصهيوني لإيران بأسلحة وقطع غيار كانت ضرورية جداً خلال الحرب.

ويمكن لأي باحث عن الحقيقة إعطاء عشرات الأدلة على إصرار الولايات المتحدة على دعم إيران في مرحلة ما بعد سقوط الشاه، ففي كتاب الجاسوس الطيب لكاي بيرد عن حياة بوب ايمز الذي قتل في تفجير السفارة الأميركية في بيروت في نيسان-أبريل 1983 والذي لم تكن إيران بعيدة عنه أيضاً، كان بوب إيمز المسؤول عن الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) أول من حذّر الإيرانيين في العام 1980 من أن صدام حسين لن يسكت عن الاستفزازات والتحرشات الإيرانية له.

لقد بدأت الاستفزازات الإيرانية من خلال قصف القرى العراقية المتاخمة للحدود، ما تسبب في أضرار مادية وبشرية كبيرة، وتقدم العراق بالعديد من الشكاوى ضد هذه الاعتداءات إلى الأمم المتحدة وإلى الجامعة العربية، ولكن نظام الخميني لم يكترث بكل تلك المناشدات والشكاوى لوقف العدوان، ظناً منه أن العراق لن يجرؤ على الرد. 

بعد كل هذا الصلف والتعنت والعنجهية الإيرانية اتخذت القيادة العراقية قراراً بالرد وبقوة، فأعاد التاريخ نفسه من جديد، وكانت القادسية الثانية، واتحد العرب كما اتحدوا في القادسية الأولى وسحقوا هذا التوسع الإيراني الفارسي بمعركة كانت بحق استحضاراً للتاريخ العربي بكل أمجاده وقيمه وإفصاحاً عن مكامن القوة في الأمة التي حاولوا تشويه صورتها لضرب مقوماتها وأصالتها وتراثها.

إن القادسية الثانية-قادسية صدام المجيدة-هي إحدى مفاخر الأمة في العصر الحديث، ومفخرة للشعب العراقي بكل أطيافه الاجتماعية، وهي إحدى معجزات العقل السياسي العربي الذي قاد هذه الحرب إلى النصر المؤزر والحاسم وهو الشهيد القائد صدام حسين، كما كانت القادسية إحدى مفاخر ومنجزات ثورة البعث التي تصدت للهجمة الشرسة للفرس المجوس وحصنت بها الأمة العربية ضد أعدائها المعتدين.

الآن وعلى امتداد ساحة العراق الأبي المقاوم ينتصب البعث قائداً ومناضلين في مواجهة الاحتلال الهمجي ثنائي الجنسية، الأمريكي الإيراني، ويقف متحدياً حالة الانهزام لأنظمة الأمة بعد تخليهم المخزي عن العراق العربي الأصيل، وتركه وحيداً في مواجهة أعداء الأمة، وفي مقدمتهم الفرس المجوس، ومن خلال التضحيات الجسيمة التي قدمها البعث في مواجهة هذا المشروع الصفوي الخبيث، وصمود المقاومة العراقية البطلة التي سطرت أروع ملاحم البطولة والفداء لبناء صرح الأمة من جديد بدماء الشهداء وتفاني وإخلاص المجاهدين.

قادسية صدام المجيدة التي استندت إلى روح الإسلام ورسالته الخالدة ستبقى خالدة بخلود الأمة العربية، لقد أثبتت قادسية صدام المجيدة صحة المعادلة الطبيعية (أن الأمة العربية خير أمة أخرجت للناس، وأنها ليست أمة هزائم، بل هي الأمة التي اختارها الله لحمل رسالته، والقادرة على صنع النصر رغم كيد المعتدين).    

شذرات من الفرح الهادر في يوم الاأيام

شذرات من الفرح الهادر في يوم الاأيام

بقلم الفريق الركن محمد صالح علوان

كنت أرقد في مستشفى الرشيد العسكري للعلاج من الإصابة التي تعرضت لها بوقت سابق وأنتظر العلاج لعيوني التي بدأت تظهر فيها بعض المشاكل المعقدة.

وكنا نراقب شاشة التلفزيون باهتمام في ذلك اليوم، كانت متابعتي للأخبار المتواترة التي بدأ مذيعو الاخبار العاجلة بالحديث عنها بشوق غريب قد لا يعلمه إلا الذين كابدوا وعاشوا ليالي وأيام الحرب الإيرانية – العراقية الطويلة واكتووا بنيرانها وفقدوا أحبة أعزاء أو دفعوا أجزاء من أجسادهم خلالها.. كانت الإشارات تقول ان هنالك خبرا تاريخيا وسارا ومهما يتعلق بالحرب مع إيران سيذاع مساء ذلك اليوم.. لم نتمالك أعصابنا رغم حالتنا المرضية داخل ردهة الضباط في المستشفى، راح كل منا يسأل الآخر ويتوقع ما تتضمنه الأخبار وينتظرها باهتمام وشغف.. كانت الانتصارات العظيمة والمتتالية التي حققتها قواتنا المسلحة الباسلة خلال الأشهر الماضية تدفعنا للتفاؤل التام بأن حسم الحرب سيكون في صالحنا تماما وبلا أدنى شك.. ورغم اننا لم نكن نتوقع بشكل حاسم بأن البيان القادم سيكون هو الأخير في سلسلة البيانات الكثيرة التي كانت تعلنها القيادة العامة للقوات المسلحة لتوضيح وبيان مسار الحرب خلال 24 ساعة الماضية وقد يكون هذا البيان مثل الكثير من البيانات التي تنقل أخبار نصر جديد على العدو، إلا أن ظهور مذيع التلفزيون بشكل متكرر وقوله بأن هنالك بشرى سارة وكبيره ستعلن بعد قليل، هو من كان يدفعنا للشعور بأن الحرب انتهت وسيكون ذلك هو بيانها الحاسم الأخير.

       لقد كانت أماني وأحلام ونذور المقاتلين المشاركين في تلك الحرب من الضباط والمراتب وعوائلهم مختلفة بل وغريبة أحياناً وهم يتأملون انتهاء الحرب التي لم يكن لهم أي دور في أطلاق شرارتها أو إطالة أمدها أو إيقافها إلا بكونهم يدافعون عن بلادهم التي أحبوها بصدق ودافعوا عنها بكل ما يمتلكون، وسيقوم الكثير منهم بل معظمهم بالإيفاء بنذورهم التي تعهدوا بها عند انتهاء الحرب مهما كان ثمنها وقيمتها.. وفي ذلك المساء وعند الموعد المحدد.. انطلق صوت المذيع العراقي المعروف مقداد مراد رحمه الله وبصوته القوي الحماسي الهادر ولغته العربية السليمة ليلقي بيان البيانات الذي كتبه رئيس الجمهورية المهيب الركن صدام حسين القائد العام للقوات المسلحة وأعلن فيه انتهاء الحرب مع إيران بالنصر العظيم المبارك ووقف اطلاق النار بين الطرفين ويشير فيه ببراعته المعهودة إلى دعوة الشعب العراقي وقواته المسلحة إلى الاحتفال بالنصر العراقي المبين وكل على طريقته الخاصة ولم ينسَ تنبيه المحتفلين بأن تبقى عيونهم وهم يحتفلون شاخصة تراقب الشرق الذي غالباً ما كان يندفع منه كل الشر تجاه بلادنا ( ويقصد جارة السوء إيران ومشروعها البغيض) .. وقد كان محقاً في ذلك كما أثبتته الأيام لاحقاً.

 لقد كان بيان البيانات إشارة لا يمكن تحديد تأثيرها وحدودها على الإطلاق على كل العراقيين، حيث اندفع أبناء العراق ومن كل الأطياف كالبركان الثائر والشلال الهادر إلى شوارع بغداد والمدن العراقية الأخرى وفي القرى والأرياف وهم في أقصى حالات الفرح والسرور، وكانوا شباباً وكهولاً.. نساء ورجالاً.. مشاة او يتنقلون بالعجلات..  في تيه وفرح وسرور غريب قد لا يجود به الزمان إلا لماماً.. ومنهم من راح يطلق مزامير السيارات ومنهم من يغني ويقرع الطبول ويغني بفرح غامر أو يطلق العيارات النارية وهم يتبادلون التهاني والقبل والأفراح.. ولقد طور العراقيون أفراحهم وهم المبدعون دوماً في الابتكارات فاستخدموا المياه للتعبير عن فرحهم وراح أحدهم يرمي الآخر وبشكل مفاجئ بالماء الذين تفننوا بطريقة رشه وتأمينه في ذلك اليوم الحار.. كان الجميع لا يعلم إلى أين يتجه، كانت ساحة الاحتفالات الكبرى وسط بغداد قد تكاملت تماماً وأصبحت جاهزة ليس من زمن بعيد، وبلا تخطيط توجهت الآلاف المؤلفة إليها من أبناء بغداد ومن كل الأعمار.. كان الرئيس القائد صدام حسين رحمه الله  والذي ارتبطت تلك الحرب باسمه حتى أطلق عليها العراقيون اسم ( قادسية صدام المجيدة ) كان الرجل أشد الناس فرحاً بذلك النصر المبين الذي راهن عليه مراراً وتكراراً وبشكل علني، ومن على شاشات التلفزيون ولذلك وهو المعتز بعروبته كثيراً استعد للفرح بذلك اليوم حيث ارتدى الزي العربي المميز ( الدشداشة العربية البيضاء والعقال العربي مع عباءة عربية صيفية بلون أسود) ، وبعد أن رمى عدد كبيرة من الاطلاقات النارية قرب نهر دجلة، توجه وبشكل لا إرادي وغير معلن إلى منصة ساحة الاحتفالات وحالما عرفت الجموع والآلاف المحتفلة هناك بقدومه واطلالته اندفعت كالسيل الجارف صوب المنصة الرئيسية وهي تهتف باسم العراق وقائد العراق وجيشه المقدام وقواته المسلحة الباسلة التي حققت النصر العظيم ، وكان التلفزيون العراقي يوثق تلك اللحظات الخالدة من تاريخ العراق الحديث بصور رائعة وجميلة.

لم يكن بمقدورنا نحن المرضى أن نبقى في المستشفى ونحن نشاهد احتفالات العراقيين التي اهتزت لها أركان بغداد والمحافظات.. كان لدى أحد الأخوة الضباط سيارة صغيرة وكنا نحن أربعة ضباط من المرضى والجرحى حيث أن إصابتنا وجراحنا لا تمنعنا من الحركة.. انطلقنا بسيارتنا نجوب في شوارع وأحياء بغداد، الكرادة المزدحمة وشوارع الرصافة والكرخ ونحن نشارك أهلنا العراقيون أفراحهم.. كنا لا نعلم من أي جهة تصلنا رشقات الماء، أبدع الشباب في استخدام زراقات الماء في السيارات والمخصصة لتنظيف الزجاج الأمامي فقاموا بحرف اتجاهها، وكانت لا تحتاج إلا إلى ضغطة بسيطة حتى يصلك ماءها وأنت غافل عنها ولا تعرف مصدرها الذي قد يكون من سيارة أو سيارتين تسير بجوارك في الشارع حيث تبللت ملابسنا بالمياه.. لقد غطت سيارتنا الحلوى والورود من كل الأنواع والأشكال..

إنها ليلة من ليالي العمر والتي لا زال العراقيون يتذكرون حلاوتها ويحنون لذكراها.

لقد فرح ورقص العراقيون جميعاً على أغاني الأفراح التي اشتهرت آنذاك وبشكل غير مسبوق ورقص الجميع على أنغامها.. سجل المطرب العراقي المعروف ياس خضر أغنيته الرائعة التي تتغنى بالرئيس صدام حسين والنصر العراقي العـظيم والتي يـقول مطـلعها (سيدي شكد أنت رائع.. سيدي.. بالوطن من شعب رائع.. سيدي.. بيدك الطيبة الكريمة.. والله داويت المواجع.. سيدي)، وإن لم تخني الذاكرة كانت أغنية رائعة أخرى للمطرب عارف محسن وهي خفيفة اسمها (زعلان الأسمر ما يكلي مرحبا) حيث رقص على نغماتها معظم العراقيين ورددوها لاحقاً حتى في احتفالاتهم الخاصة وأعراسهم، والأغنية الثالثة التي كانت قد ظهرت في تلك الأيام للمطربة المصرية حنان والتي تقول كلماتها الراقصة (البسمة ابتسمت شفافة.. والضحكة ترسمت بلطافة.. والفرحة تقسمت في قلوبنا.. دنيتنا دنيا الخوافة).. وهكذا احتفل العراقيون جميعاً في مشهد رائع من أيام التاريخ التي قد لا تتكرر وكرر التلفزيون العراقي تلك الأغاني لعشرات المرات في اليوم الواحد.

لقد قررت الحكومة العراقية أن يتم تعطيل الدوام في كل العراق لمدة ثلاثة أيام متعاقبة.. واحتفلت قواتنا المسلحة الباسلة بطريقتها الخاصة وتلقى العراق التهاني من كل المحبين له عرباً وأجانب وكانت أيام مجيدة وعظيمة فيها من العبر والدروس التي لابد من الأخذ بها والانتباه لها ، والآن وقد انتهت تلك الحرب الطويلة في يوم وتاريخ متميز هو يوم 8 /8 /1988 وكانت قد بدأت في القطاع الأوسط وبالذات (مندلي وخانقين) لتنتهي في القاطع نفسه بمعركة توكلنا على الله الرابعة.

كانت أيام مليئة بالفرح والسرور والاعتزاز العالي بقواتنا المسلحة ورجالها الأفذاذ الذين حققوا ذلك النصر العظيم في واحدة من أطول الحروب في العصر الحديث وقد تكون الأقسى من حيث آثارها ونتائجها، والحمد لله على نصره المبين ورحم الله شهداء جيشنا العراقي الباسل وكل شهداء العراق، والتحية والتقدير العالي والمحبة إلى كل الأبطال الذين كان لهم شرف المساهمة والمشاركة في ذلك النصر التاريخي الكبير، ومن الله العون والتوفيق.

يوم النصر العظيم: من صنعه سيعيده ويكرره

يوم النصر العظيم: من صنعه سيعيده ويكرره

 

ثابت ياسر الجميلي

 

كان العراق في عهد حكمه الوطني ( ١٩٦٨-٢٠٠٣) هو رافعة مشروع الأمة في الوحدة والتحرر والتنمية والتغيير الجذري.

هذا المشروع هو ابن الفكر القومي الوحدوي التحرري الاشتراكي الذي تصدى له حزب البعث العربي الاشتراكي، وعليه فإن المشروع المستند والمؤسس على أيديولوجية لا يفنى قط حتى لو تعرض إلى هزات عنيفة وحتى لو أصابته عوامل تراجع لأسباب مختلفة.

مشروع العراق هو مشروع الأمة، وما حققه العراق في كل الميادين كان إنجازات تاريخية للأمة ستبني عليها الأجيال القادمة شاء من شاء وأبى من أبى، ومن بين ذلك الانتصار التاريخي المجيد للعراق على العدوان الإيراني الغاشم وهو العدوان الذي استمر لثمان سنوات سقط بعدها مغشياً عليه بل مات موتاً سريرياً يوم ٨-٨-١٩٨٨ حين قبل خميني تجرع سم الهزيمة، ووافق على وقف الحرب.

لقد جدد العراقيون في القادسية الثانية انتصارات الأمة في القادسية الأولى، وسيجدد العراقيون طال الزمن أو قصر انتصارات القادسية الثانية ببطولاتهم وثباتهم على عروبتهم (بكل قومياتهم وطيفهم الراقي)  وثوابتها ومبادئها وبتوسدهم الحي لمبادئ مشروع الأمة القومي، مشروع البعث العظيم.

إن تكالب القريب والبعيد على العراق بعد انتصاره على مشروع إيران يثبت عظمة ذلك الانتصار مثلما يثبت بأن تحالف قوى الشر والعدوان لا بد أن يهزم لأن جدل التاريخ هو مع إرادة الشعوب وليس مع دوام العدوان الغاشم.

يوم أنهى العراق مشروع خميني

افتتاحية مجلة صدى نبض العروبة – العدد 422

يوم أنهى العراق مشروع خميني

 

ثمة أحداث في سير الشعوب وتواريخها وفي سفرها تبقى تشرق في حياتها كل فجر على امتداد الأزمنة لا تنسى ولا تمحى ولا يتأثر بريقها ولا حضورها في النفوس جيلا بعد جيل ومن بينها يوم الأيام، يوم انتصر العراق على مشروع خميني الفارسي الطائفي لاحتلال العراق واذلال الأمة العربية يوم ٨-٨-١٩٨٨.

من يتمعن في ما يجري اليوم وبعد مرور كل هذه السنوات سيجد مصداق كلامنا، فارتجاجات يوم النصر العظيم وتفاعلاته لازالت تحرك السياسة والإعلام والاقتصاد وتعلن عن حضورها في كل ما يجري تفصيلياً.

إن غزو العراق واحتلاله سنة ٢٠٠٣ م من قبل الولايات المتحدة ومعها حلف من عشرات الدول قد جاء لتقويض افرازات ومنتجات وتداعيات يوم النصر العراقي على مشروع إيران التوسعي على المستوى الوطني العراقي أو على المستوى القومي العربي، وشواهد هذا لها أول وليس لها آخر. وكل ما جرى في العراق والمنطقة بعد انتصار العراق العظيم بما فيه السلوك العدواني للسلطة الحاكمة في الكويت والذي أرغم العراق على التحرك حينها لإنهاء الأخطار التي مثلها ذاك السلوك وكذلك تصعيد الحصار الظالم ليتحول إلى أداة موت بطئ لشعب العراق واستمراره لأكثر من أربعة عشر سنة لا يمكن للمنطق ولا للعقل ولا لمناهج البحث العلمي أن تعزله عزلاً ميكانيكياً عن غايات تدمير معطيات الانتصار العراقي الوطني القومي الإنساني على عدوان نظام خميني بعد حرب شرسة دامت ٨ سنوات.

وإذا دققنا أوضاع العراق بعد احتلاله فإن أول ما يبرز أمامنا هو العملية السياسية الأمريكية الإيرانية التي وضعت العراق فوق فوهات براكين التقسيم ودمرته بالفساد وانعدام الأمن والاستقرار. فالطائفية والمحاصصة وما رافقهما من تدمير ممنهج بسلطات فاشلة قاتلة مجرمة شكلها الاحتلال من أحزاب إيران وأعوانها وبإشراف وشراكة من سلطة الملالي قامت أول ما قامت ولا زالت تقوم بخدمة المشروع الفارسي انتقاماً لانتصار العراق.

لقد تدهور حال الأمة ودخلت إيران محتلة متنفذة لعدة عواصم عربية وتمزقت لحمة الموقف العربي وتبعثرت عوامل وحدة العرب وهيبتهم بعد احتلال العراق سنة ٢٠٠٣، وهو احتلال جنت إيران المهزومة كل نتائجه هدية من الامبريالية والصهيونية.

وفي كل الأحوال ومهما جرى وحصل فإن روح الانتصار العراقي قائمة في ذات كل عراقي حر شريف وكل عربي وكل إنسان، وسوف تنبع روح الانتصار من بين كل الركام والخراب والمحن والكوارث لأن روح المقاومة العراقية لم ولن تتزحزح عن هدف تحرير العراق وإعادة زهوه وزهو العروبة فما تأسس في العراق وكانت من نتائجه دحر العدوان الفارسي لم ولن يغادر أرض العراق وسمائه ونفوس شعبه الأبي.

يوم النصر العظيم… العراق يكتب مجده في 8 آب 1988

يوم النصر العظيم… العراق يكتب مجده في 8 آب 1988

 عبدالله المجيدي

 

هناك أيام لا تمر في التاريخ كتواريخ جامدة، بل كصرخات مجد تنبض في ذاكرة الشعوب، والثامن من آب عام 1988 هو أحد هذه الأيام التي خطّ فيها العراقيون إرادتهم بمداد الدم والتضحية، فسُمّي بحق “يوم النصر العظيم”.

لقد كانت الحرب العراقية الإيرانية، التي اندلعت في أيلول 1980، امتحاناً قاسياً لصبر العراقيين وصلابتهم، ثماني سنوات من المعارك الطاحنة والدفاع المستميت عن الأرض والسيادة، وسط آلة حرب شرسة وضغوط دولية لا ترحم. ومع كل جبهة اشتعلت، كان العراقيون يكتبون فصولاً من البطولة بقيادة الرئيس الشهيد صدام حسين، الذي قاد شعبه وجيشه بثبات وإصرار نحو النصر، حاضراً في ميادين القتال، ملهباً الحماسة في قلوب المقاتلين، وحارساً لوحدة الصف حتى آخر لحظة.

وبحنكته السياسية وبُعد نظره العسكري، رسم صدام حسين استراتيجية الصمود والانتصار، وحوّل العراق من موقع الدفاع المرير إلى المبادرة والهجوم. ومع تراكم الخبرة العسكرية وتشديد الضربات، فرض العراق إرادته على ساحة المعركة، ليقبل الطرف الآخر بوقف إطلاق النار وفق قرار مجلس الأمن رقم 598. وفي ذلك اليوم التاريخي، 8 آب 1988، صمتت المدافع، وسكت هدير الطائرات، وارتفعت رايات النصر، وأعلن الشهيد صدام حسين أن العراق خرج مرفوع الرأس من أطول وأعنف حرب في المنطقة.
وفي صباح النصر، وقف القائد مخاطباً شعبه وجيشه قائلاً: “لقد انتصر العراق، وانتصر الحق، وأثبت أبناء الرافدين أنهم أسود لا تنكسر عزائمهم”، مؤكداً أن هذا النصر لم يكن هدية من أحد، بل ثمرة تضحيات جسام ودماء زكية سالت على تراب الوطن، وداعياً العراقيين إلى تحويل النصر العسكري إلى نصر في البناء والإعمار، وإلى التمسك بالوحدة الوطنية كصمام أمان للمستقبل.

وهكذا لم يكن يوم النصر العظيم مجرد نهاية حرب، بل كان تتويجاً لقيادة تاريخية وشعب موحد، ورسالة خالدة بأن وحدة الصف والتضحية في سبيل الوطن هما سر القوة والبقاء. ورغم الجراح التي خلفتها الحرب، بقيت روح العراق أكبر من الألم، وأقدر على النهوض من الركام، وبقي الثامن من آب عهداً متجدداً بأن يظل العراق عصياً على الانكسار، وأن تبقى وحدته وسيادته خطاً أحمر، ورسالة للأجيال بأن المجد لا يُمنح، بل يُنتزع بثمن غالٍ، وأن من صان الوطن بالأمس قادر على حمايته اليوم وغداً.

٨ اب ١٩٨٨ ثمرة ملاحم خالدة انتصر فيها العرب على الفرس المجوس ٠

٨ اب ١٩٨٨ ثمرة ملاحم خالدة انتصر فيها العرب على الفرس المجوس ٠

الرفيق ابو عمر العزي

لا جدال فيه ان الصراع العربي_ الفارسي هو صراع ازلي ممتد عبر التاريخ دخلت الامتيين العربية والفارسية بنزاعات فكرية وحروب كثيرة لم يستقر عليه الحال بينهما حتى بعد ان تم فتح بلاد فارس وسقوط امبراطوريتهم العتيدة الخبيثة والطامعة بارض العرب , يخبو هذا الصراع لفترة ولكنه سرعان ما يعاود ويشتد ويطول لفترة اخرى , ولو راجعنا وتمعنا في كتب التاريخ المنصفة لفهمنا وعرفنا ان هذا الصراع والنزاعات التي ادت الى الحروب وتكرارها سببها دائما هم الفرس, وطمعا في ارض العرب الخصبة الصالحة للزراعة والرعي انذاك واستخدام العرب ايضا مصدات ضد صراعهم الاخر مع الروم البينزنطيين ، وإيران الحالية ما هي إلا امتداد لذلك التاريخ القديم المعجون بعدائه ضد العرب، هدفه احتلال الوطن العربي واقامة امبراطورية فارسية بغطاء اسلامي ظاهره باسم آل البيت وحقيقته عقيدة الاستعلاء العرقي للفرس تجاه العرب، ومن ثم استباحة ديارهم ودمائهم بما يخدم اجندتهم في المنطقة. ويبقى الثابت في استراتيجية هذا النظام التسلطي تطويعُهم للنص الديني، ومحاولة توجيهه لخدمة الهدف السياسي التوسعي لنظامهم التسلطي على الشعوب ذات الاعراق والقوميات المتعددة واحتلال ارضهم كما هو حاصل مع عرب الاحواز في عام 1925 وعاصمتهم المحمرة واعدامها اميرها خزعل الكعبي رحمه الله .
لعبت ايران ادوارا خبيثا ضمن مؤامرة امريكية _ غربية _ اسرائيلية لاسقاط النظام الوطني في العراق فتارة من خلال الانقلابات واخرى بواسطة بمحاولة تدخله في القضية الكردية في شمال العراق المباشر وغير المباشر , كل ذلك املاءا لما تريده امريكا واسرائيل والغرب وعندما لم تكتمل الكثير من حبائل لعبهم المكشوفة هذه في عهد شاه ايران اسقطوه وحلوا محله نظام الملالي الحالي وعلى ما يبدو وفق اتفاق واضح وبين بان يكون معاديا للعراق وهذا ما حصل عندما ارتكب هذا النظام الحرب على العراق في ايلول عام 1980 ولتستمر هذه الحرب 8 سنوات يدفع خلالها البلدين ضحايا واموال كثيرة كانت كافية لان تجعل العراق وايران بمصافي الدول المتقدمة , لقد شهدت سني الحرب العدوانية التي ارتكبها النظام الايراني بحق العراق معارك دامية وضارية على طول جبهات القتال الممتدة لاكثر من 1000 كم رغم قبول العراق بايقاف الحرب من اول اسبوع على بدايتها لكن الطرف الايراني كان يصر على استمراريتها مؤملا نفسه ان باستمرار الحرب هو اسقاط النظام الوطني وربحه تلك الحرب التي خطط لها بدعم واسناد الغرب والكيان الصهيوني وهذا ما اثبتته الوقائع لاحقا بالادلة والوثائق على تلك الاطراف المعادية والمتآمرة ع العراق والامة العربية.
ان يوم 8 آب (أغسطس) 1988 يعد من الأيام العظيمة في التاريخ العراقي، الذي تمكنت فيه جحافل الجيش العراقي من الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها، مما أعطى شعورًا بالفخر ،ولقد أظهر الشعب العراقي والقيادة العراقية صمودًا كبيرًا خلال سنوات الحرب، وكانت تلك التضحيات نتيجة لإرادة قوية لحماية الوطن والدفاع عن السيادة. كما تميزت تلك الفترة بالعديد من المعارك الضارية، وواجهت القوات العراقية تحديات جسيمة، لكنها تمكنت من الثبات في وجه الزحف الإيراني، ويعدً هذا الصمود جزءًا من الهوية الوطنية العراقية، حيث ساهم في بناء روح المقاومة والتضحية لدى الشعب.
إنَّ الصمود خلال الحرب العراقية الإيرانية أتاح العديد من الدروس المستفادة للشعب العراقي، وأظهر الصمود أهمية التلاحم بين جميع فئات المجتمع العراقي، وكان التكاتف بين الشعب والجيش أساسيًا في مواجهة التحديات، وتعلم الشعب العراقي أن القدرة على الصمود في وجه الأزمات يمكن أن تعزز الروح المعنوية وتساعد في التغلب على الصعوبات كما أظهرت فترة الحرب أهمية وجود قيادة قوية وحكيمة قادرة على إتخاذ القرارات السريعة والفعالة في الأوقات الحرجة، وأبرزت الحرب قيمة التضحية من أجل الوطن، إذ قدم الكثيرون أرواحهم في سبيل الدفاع عن سيادة البلاد. إنَّ الصمود أمام الهجمات يُعلّم الشعب أهمية الاستعداد لمواجهة أية تهديدات مستقبلية، سواء كانت عسكرية أو إقتصادية، وساهمت الحرب في تعزيز الهوية الوطنية والشعور بالفخر والانتماء، مما ساعد على بناء مجتمع متماسك.
كانت تضحيات الشعب العراقي خلال الحرب العراقية الإيرانية لها أهمية كبيرة في تحقيق النصر، حيث تضحيات الشعب عززت من الروح المعنوية للقوات المسلحة والمواطنين، مما ساهم في تعزيز الإصرار على الدفاع عن الوطن، وقدمت التضحيات درسًا في التضحية والفداء، مما ساهم في تشكيل هوية وطنية قائمة على قيم الشجاعة والولاء وكانت التضحيات ضرورية لحماية السيادة الوطنية، إذ ساهمت في صد الهجمات وحفظ استقلال العراق .
إنَّ تلاحم الشعب في مواجهة التحديات ساهم في توحيد الجهود بين مختلف فئات المجتمع، مما عزز من قوة الجبهة الداخلية، وأصبحت تضحيات الشعب العراقي رمزًا للصمود والإرادة، مما يلهم الأجيال القادمة في مواجهة الصعوبات والتحديات.
وساهمت تضحيات الشعب العراقي في تشكيل صورة العراق في الساحة الدولية، حيث أظهرت قدرة الشعب على الصمود في وجه التحديات.
إنَّ تعزيز الروح المعنوية في زمن الحرب يعد أمرًا حيويًا لتحقيق النجاح والاستمرار في مواجهة التحديات، إضافة إلى وجود قائد فذ وقادة ملهمين يتبنون رؤية واضحة ويشجعون على الوحدة الوطنية، ومشاركة القصص الإيجابية والملهمة عن الشجاعة والتضحية تعزز من الإصرار وتعطي الأمل للمقاتلين والمواطنين.
وكان دعم الشعب للقوات المسلحة والمقاتلين ساهم في تعزيز الروح المعنوية، وشعر الأفراد بأنهم ليسوا وحدهم، وضمان توفر المستلزمات الأساسية والموارد اللازمة لدعم المجهود الحربي يساهم في تعزيز الثقة والقدرة على القتال، وتوفير التعليم والتدريب المناسبين يعزز من الكفاءة والثقة بالنفس، مما يرفع الروح المعنوية للقوات المسلحة , لقد اوقف العراق الريح الصفراء لثماني سنوات عن نفسه والعرب وفي هذا اليوم العظيم لن ينساه لا من رفع راية النصر ولا من تجرع سم الهزيمة .
لقد انتصر العراق على الفرس بفضل الله وقيادته وشعبه وقواته المسلحة البطلة صاحبة السفر الخالد في معارك الوطن والامة ان تظيف الى رصيدها المشرف اعظم انتصار في العصر الحديث على النظام الايراني وحلفائه الاشرار الذين كانوا له عونا وسندا من اجل الا يهزم ولكنه هزم شره هزيمة ٠

يوم النصر: القادسية الثانية (حين تَكسَرَتْ أمواجُ التّاريخ على صَخْرَةِ الإرادة) 8) آب/أغسطس 1988 – ذكرى النصر العراقي على العدوان الإيراني)

يوم النصر: القادسية الثانية (حين تَكسَرَتْ أمواجُ التّاريخ على صَخْرَةِ الإرادة)

8) آب/أغسطس 1988 – ذكرى النصر العراقي على العدوان الإيراني)

أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة – السودان

لم يكن يوم (الثامن من آب – اغسطس-1988م) حدثًا عابرًا في رزنامة الحروب، بل كان نقطة انكسار الزمن لصالح الإرادة، ويقظة وعيٍ قوميّ خرج من بين أنقاض الجراح، ليرفع صوته عاليًا، هنا العراق العظيم، وهنا أمة عربية لا تنكسر. لم تكن (القادسية الثانية) مجرد معركة على الحدود، بل كانت المعنى حين يُختبر، والرسالة حين تتحول من بيانٍ إلى رد تاريخى.
ثماني سنوات من الاستنزاف، لم تفتّ في عضد الجسد العراقي البطل، بل كانت اختبارًا قاسيًا لمعدن الروح، للجوهر الأعمق لما يجعل الإنسان مقاومًا في وجه قدرٍ ظاهريٍّ كُتب له أن يستسلم. لكن عراق-تموز لم يستسلم. والفرق أن العدو كان يواجه شعبًا لا جيشًا فحسب؛ يواجه ذاكرةً منقوشة في الوعي القومي منذ سومر وبابل وكربلاء وصلاح الدين ، ذاكرة تعرف أن النصر لا يُقاس بعدد الطلقات، بل بلحظة يتحول فيها الموت إلى فعلٍ خلاق للحياة . لم يكن النصر مجردةً أرقامًا عسكرية، بل كان دماءً أراقها الآلاف ليكتبوا بتضحياتهم سفرًا جديدًا للنخوة والعزة، وامتدادا حيا للتاريخ.
لم تكُن معركة النصر مجرد لحظة عابرة في سجل الحروب المفروضة، بل كانت ذروةَ سلسلةٍ من المعارك التي حوّلت الهزيمةَ المؤقتة إلى انتصارٍ دامغ ودائم . ففي تحرير الفاو مدينة الفداء وبوابة النصر العظيم (17 نيسان 1988)، أعاد الجيشُ العراقي كتابةَ قواعد اللعبة العسكرية، ليس فقط باستعادة الأرض، بل بتحطيم أسطورة (العدو الذي لا يُقهَر). كانت الفاوُ اختبارًا للإرادة، حيث تحركت القواتُ كالسيلِ الذي لا يُردّ، مدعومةً بخطةٍ عسكريةٍ محكمةٍ حوّلت المدّ الإيراني الشعوبي إلى موجةٍ تتهاوى على صخورِ الصمود. أما القيادةُ العراقية، فلم تكن مجردَ غرف عملياتٍ مغلقة، بل كانت عقلًا استراتيجيًا يقرأُ الجغرافيا والتاريخَ معًا ويجسد بالحضور الميدانى وفي الخطوط الأمامية التاريخ في الحاضر. للمستقبل ، فجمعت بين حسمِ القرارِ على الأرضِ وروحِ المقاومةِ التي أشعلتها في كل جنديٍ عراقي وفي كل بيت من زاخو الي الفاو. هنا، لم يكُن النصرُ رقمًا في تقريرٍ عسكري، بل كانَ إثباتًا أنَّ الإرادةَ تُعيدُ تشكيلَ ساحةِ المعركةِ قبلَ أن تُحرّرها.
لكنَّ النصرَ، ككلِّ ولادةٍ عظيمةٍ في التاريخ، لم يأتِ دون مخاضٍ من الدماءِ والدموع والتضحيات. فخلفَ الأرقامِ الرسميةِ عن المعارك، كان هناك أطفالٌ لم يعودوا إلى مدارسهم، وأمهاتٌ علّقتْ قلوبَها على شواهدِ القبور، وجنودٌ كتبوا أسماءَهم على جدرانِ الخنادقِ بأحرفٍ من نور. لم تكن التضحياتُ مجردَ خسائرَ في سجلٍّ عسكري، بل كانت أرواحًا تدفقتْ كالنهرِ العارمِ لتروي شجرةَ الحرية، خلدها نصب الشهيد، وفاء باروع تصميم معماري هندسى. حتى المدنُ التي بُعثتْ من تحت الأنقاض، ظلّت تحملُ في ذاكرتها صرخاتِ الأبرياءِ الذين سقطوا تحتَ وطأةِ القذائفِ والجوعِ والحصار. هؤلاء لم يموتوا، بل صاروا وقودَ النصرِ الخفيّ، وضميرًا حيًّا يُذكّرنا أنَّ الحريةَ لا تُشترى إلا بالعزائمِ التي لا تنكسر.
كلما اشتدّت الضربات، انصهرت الأجساد في روحٍ واحدة، *وغدت الاعظمية كاظمية”، حتى أصبح الدفاع نفسه هجوميًا على الزمن، على المعنى، على من أرادوا للعراق أن يسقط كي تسقط الأمة العربية من بعده. فكان الانتصار لا استعادة لما كان، بل ولادة لما سيكون.
النصر، كما يفهمه البعث، ليس غلبةً عسكرية، بل موقفًا وجوديًا، أن تبقى واقفًا حين يُراد لك أن تسقط. أن تقول (نحن) في زمن التشرذم. أن تعيد للبطولة معناها، وللمشروع القومي رسالته. وكما عبّر القائد المؤسس ميشيل عفلق، فإن الثورة ليست لحظة غليان، بل حالة دائمة من الوعي، والتجدد، والمجابهة. القادسية الثانية كانت تجسيدًا حيًّا لهذا المعنى، حين عبرت النظريةُ عن نفسها بحشد الروح والارادة، وحين كتب العراقيون – باللحم والعصب – أن الرسالة الخالدة لا تموت.
لم تكن (القادسية الثانية) مجردَ تكرارٍ لسابقتها، بل كانت انزياحًا تاريخيًا يُعيد تشكيل الأسطورة بأدوات العصر الحديث. فإذا كانت القادسية الأولى (636م) قد حوّلتْ نهرَ الفرات إلى شاهدٍ على انتصارِ الإرادة العربية على إمبراطوريةٍ كافرة و متغطرسة، فإن القادسية الثانية حوّلتْ صحراءَ العراق إلى لوحةٍ كُتِبَتْ بالدبابات والدماء، لكنها حملتْ الروحَ ذاتها والايمان ، روحَ المؤمنين الذين ينتصرون على جبروتِ القوة الغاشمة. هنا، لم يكُن الفارقُ في الأسلحة أو التكتيك، بل في أن كِلتا المعركتين كانتا صراعًا بين مشروعين: مشروعٌ يريدُ فرضَ هيمنته، وآخرُ يرفضُ أن يكون ملحقا او تابعا وانما حامل رسالة. لكنّ القادسية الثانية أضافتْ بُعدًا تراجيديًا لم تعرفه الأولى، الحربُ الحديثةُ التي تطحنُ البشرَ بالمدافع والصواريخ والطائرات، حيثُ لم يعد السيفُ هو الفاصلَ الوحيد، بل أيضًا القدرةُ على تحمّلِ سنواتٍ من الدمار. ومع ذلك، بقي الجوهرُ واحدًا، فالعراقُ يُنتجُ أسطورتَه من رحم المأساة، كالمُحارب القديم الذي ينهضُ كلّما سقط.
وفي هذا اليوم، لا بد من أن نعود إلى نقطة البداية. لا كتكرارٍ لما كان، بل كبوصلةٍ لما ينبغي أن يكون وامتدادا لنقطة البداية، العودة إلى عام (1947) ليست حنينًا إلى لحظة الميلاد، بل استدعاء للشرارة الأولى التي أطلقت مشروع النهضة، يوم كان البعث فكرةً في حالة اشتعال، ( وحدة، حرية، اشتراكية). واليوم، في زمن التصدع والانقسام، تبدو العودة إلى الجذر، لا كماضٍ، بل كطريق للمستقبل. فكما وُلِدَ النصر من رحم المحنة، فإن النهضة الجديدة تُولد من لحظة الوعي بأن الرسالة لا تموت إذا حملها شهداؤها في دمهم، لا في شعاراتهم.
وفي هذه اللحظة، لا يمكننا إلا أن نركع إجلالاً أمام شهداء الأمة العربية في كل الميادين. أولئك الذين سقطوا في فلسطين وهم يقاتلون لإبقاء النبض عربيًا رغم مجازر الإبادة . أولئك الذين واجهوا الاحتلال في لبنان، وفي الجولان، وفي اليمن،وفي سيناء، وفي ليبيا، وفي السودان، في العلمين و عين جالوت وحول القدس…، وفي كل ساحة كانت المعركة فيها عنوانًا للشرف. وإلى شهداء القادسية الثانية، الذين جعلوا من الوديان والاهوار والصحارى ملحمةً، ومن الجراح قصيدة. وإلى شهيد الحج الأكبر، صدام حسين، الذي واجه قدره مؤمنا واقفًا، كما يليق بقادة يولدون من رحم الأمة العربية ومعاناتها النضالية، لا من صدفة السلطة. لقد كان استشهاده، واستشهاد رفاقه، حسن ختمًا لمرحلة ، وبداية لسؤال جديد، من يحمل الراية؟ من يكتب بيان البيانات القادم؟ من يواصل الطريق؟
يوم النصر لا يكتمل في ذاته، بل حين يُربَط بدائرة المعنى الأكبر، أن انتصار العراق يومها لم يكن انعزالًا، بل مفصلًا في صراع الأمة العربية المركزية في فلسطين، وحائط صدٍّ أمام تمددٍ فارسيٍّ أراد تفكيك العروبة من خاصرتها الشرقية. القادسية الثانية كانت رسالة إلى كل عربيّ يقاوم، بأن المقاومة ليست بندقية فقط، بل منظومة وعي، واعداد بمستوى رسالة، وحضارة. وأن النصر في العراق كان تمهيدًا لصمود بيروت، ودعمًا لصبر غزة، وصدىً لحجارة جنين ونابلس والخليل. والهاما للانتفاضات الشعبية، الأمة العربية واحدة، وملاحمها أجزاء من ملحمة كبرى لا تكتمل إلا بالتحرير الشامل، والانبعاث القومي الوحدوي، والعدالة الاجتماعية.
في يوم النصر، نتأمل لا لنتذكر فقط، بل لنواصل. لأن الأمم التي تنتصر لا تنام على أمجادها، بل تصحو في كل فجر لتعيد تعريف المجد. النصر الحقيقي هو أن نواصل الحرب والجهاد والمقاومة حتى في زمن السلم؛ أن نعيد بناء الإنسان العربي، وعيًا، وكرامة، وموقفًا. لأن الذي انتصر في القادسية الثانية لم يكن جيشًا فقط، بل شعبا من المحيط الي الخليخ، أمة عربية صممت ألا تموت.
لم تكن ساحاتُ القتالِ وحدها هي التي شهدتْ صناعةَ النصر، بل أيضًا البيوتُ التي رنّتْ بأغاني المقاومة، والمقاهي التي سمعتْ قصائدَ الفخرِ والألم. فالثقافةُ الشعبيةُ كانت جبهةً موازيةً تُذكّي روحَ الصمود، التي حوّلتْ جراحَ الجنود إلى نغماتٍ تذرفُ الدمعَ والكبرياء معًا. أو قصيدة (العراقُ ينتصر)، لمظفر النواب، التي صارتْ هتافًا جماعيًا يُردّدُه المقاتلون بين الخنادق. حتى الأغنياتُ الشعبيةُ العفوية الشجية، تحوّلتْ إلى رثاءٍ للمفقودين وتمجيدٍ للأحياء. فالفنُّ في زمن الحرب لم يكُن ترفًا، بل كان سلاحًا يُعيدُ تركيبَ الذاكرة الجمعيةُ، ويحوّلُ الهزيمةَ المؤقتةَ إلى أملٍ، والموتَ إلى خلود. واليوم، حين نعيدُ سماعَ تلك الألحان، ونقرأ قصائد حميد سعيد، ويوسف الصائغ وغيرهم نكتشفُ أن النصرَ لم يكُنْ مجرّدَ حدثٍ عسكري، بل كان صوتًا يتردّدُ في وجدانِ كل عراقيٍ وعربي يعرفُ أن الدمَ يُنبتُ زهرَ الحرية ويشعل قنديل الاتى.
وفي النهاية، ليس السؤال: كيف انتصر العراق؟ بل: كيف سيبقى انتصاره حيًّا فينا؟ كيف نحمله من معركة إلى معركة، ومن جيل إلى جيل؟ لم يُطرح سؤال، كيف نستلهم النصر اليوم في مواجهة التحديات الراهنة (فشل الدولة القطرية، مقاومة الاحتلال الأمريكي، التقسيم الطائفي والمذهبي والجهوى… ). لأن القادسية الثانية ليست صفحة طُويت، بل شعلة علينا أن نُبقيها مشتعلة، حتى تُحرر الأمة العربية . السؤال ليس كيف انتصرنا بالأمس، بل كيف نُحيي هذه الإرادة اليوم لمواجهة العدوان والفساد والاستبداد والافراط في التبعية الاستقواء بالاجنبى.