شذرات من الفرح الهادر في يوم الاأيام

شذرات من الفرح الهادر في يوم الاأيام

بقلم الفريق الركن محمد صالح علوان

كنت أرقد في مستشفى الرشيد العسكري للعلاج من الإصابة التي تعرضت لها بوقت سابق وأنتظر العلاج لعيوني التي بدأت تظهر فيها بعض المشاكل المعقدة.

وكنا نراقب شاشة التلفزيون باهتمام في ذلك اليوم، كانت متابعتي للأخبار المتواترة التي بدأ مذيعو الاخبار العاجلة بالحديث عنها بشوق غريب قد لا يعلمه إلا الذين كابدوا وعاشوا ليالي وأيام الحرب الإيرانية – العراقية الطويلة واكتووا بنيرانها وفقدوا أحبة أعزاء أو دفعوا أجزاء من أجسادهم خلالها.. كانت الإشارات تقول ان هنالك خبرا تاريخيا وسارا ومهما يتعلق بالحرب مع إيران سيذاع مساء ذلك اليوم.. لم نتمالك أعصابنا رغم حالتنا المرضية داخل ردهة الضباط في المستشفى، راح كل منا يسأل الآخر ويتوقع ما تتضمنه الأخبار وينتظرها باهتمام وشغف.. كانت الانتصارات العظيمة والمتتالية التي حققتها قواتنا المسلحة الباسلة خلال الأشهر الماضية تدفعنا للتفاؤل التام بأن حسم الحرب سيكون في صالحنا تماما وبلا أدنى شك.. ورغم اننا لم نكن نتوقع بشكل حاسم بأن البيان القادم سيكون هو الأخير في سلسلة البيانات الكثيرة التي كانت تعلنها القيادة العامة للقوات المسلحة لتوضيح وبيان مسار الحرب خلال 24 ساعة الماضية وقد يكون هذا البيان مثل الكثير من البيانات التي تنقل أخبار نصر جديد على العدو، إلا أن ظهور مذيع التلفزيون بشكل متكرر وقوله بأن هنالك بشرى سارة وكبيره ستعلن بعد قليل، هو من كان يدفعنا للشعور بأن الحرب انتهت وسيكون ذلك هو بيانها الحاسم الأخير.

       لقد كانت أماني وأحلام ونذور المقاتلين المشاركين في تلك الحرب من الضباط والمراتب وعوائلهم مختلفة بل وغريبة أحياناً وهم يتأملون انتهاء الحرب التي لم يكن لهم أي دور في أطلاق شرارتها أو إطالة أمدها أو إيقافها إلا بكونهم يدافعون عن بلادهم التي أحبوها بصدق ودافعوا عنها بكل ما يمتلكون، وسيقوم الكثير منهم بل معظمهم بالإيفاء بنذورهم التي تعهدوا بها عند انتهاء الحرب مهما كان ثمنها وقيمتها.. وفي ذلك المساء وعند الموعد المحدد.. انطلق صوت المذيع العراقي المعروف مقداد مراد رحمه الله وبصوته القوي الحماسي الهادر ولغته العربية السليمة ليلقي بيان البيانات الذي كتبه رئيس الجمهورية المهيب الركن صدام حسين القائد العام للقوات المسلحة وأعلن فيه انتهاء الحرب مع إيران بالنصر العظيم المبارك ووقف اطلاق النار بين الطرفين ويشير فيه ببراعته المعهودة إلى دعوة الشعب العراقي وقواته المسلحة إلى الاحتفال بالنصر العراقي المبين وكل على طريقته الخاصة ولم ينسَ تنبيه المحتفلين بأن تبقى عيونهم وهم يحتفلون شاخصة تراقب الشرق الذي غالباً ما كان يندفع منه كل الشر تجاه بلادنا ( ويقصد جارة السوء إيران ومشروعها البغيض) .. وقد كان محقاً في ذلك كما أثبتته الأيام لاحقاً.

 لقد كان بيان البيانات إشارة لا يمكن تحديد تأثيرها وحدودها على الإطلاق على كل العراقيين، حيث اندفع أبناء العراق ومن كل الأطياف كالبركان الثائر والشلال الهادر إلى شوارع بغداد والمدن العراقية الأخرى وفي القرى والأرياف وهم في أقصى حالات الفرح والسرور، وكانوا شباباً وكهولاً.. نساء ورجالاً.. مشاة او يتنقلون بالعجلات..  في تيه وفرح وسرور غريب قد لا يجود به الزمان إلا لماماً.. ومنهم من راح يطلق مزامير السيارات ومنهم من يغني ويقرع الطبول ويغني بفرح غامر أو يطلق العيارات النارية وهم يتبادلون التهاني والقبل والأفراح.. ولقد طور العراقيون أفراحهم وهم المبدعون دوماً في الابتكارات فاستخدموا المياه للتعبير عن فرحهم وراح أحدهم يرمي الآخر وبشكل مفاجئ بالماء الذين تفننوا بطريقة رشه وتأمينه في ذلك اليوم الحار.. كان الجميع لا يعلم إلى أين يتجه، كانت ساحة الاحتفالات الكبرى وسط بغداد قد تكاملت تماماً وأصبحت جاهزة ليس من زمن بعيد، وبلا تخطيط توجهت الآلاف المؤلفة إليها من أبناء بغداد ومن كل الأعمار.. كان الرئيس القائد صدام حسين رحمه الله  والذي ارتبطت تلك الحرب باسمه حتى أطلق عليها العراقيون اسم ( قادسية صدام المجيدة ) كان الرجل أشد الناس فرحاً بذلك النصر المبين الذي راهن عليه مراراً وتكراراً وبشكل علني، ومن على شاشات التلفزيون ولذلك وهو المعتز بعروبته كثيراً استعد للفرح بذلك اليوم حيث ارتدى الزي العربي المميز ( الدشداشة العربية البيضاء والعقال العربي مع عباءة عربية صيفية بلون أسود) ، وبعد أن رمى عدد كبيرة من الاطلاقات النارية قرب نهر دجلة، توجه وبشكل لا إرادي وغير معلن إلى منصة ساحة الاحتفالات وحالما عرفت الجموع والآلاف المحتفلة هناك بقدومه واطلالته اندفعت كالسيل الجارف صوب المنصة الرئيسية وهي تهتف باسم العراق وقائد العراق وجيشه المقدام وقواته المسلحة الباسلة التي حققت النصر العظيم ، وكان التلفزيون العراقي يوثق تلك اللحظات الخالدة من تاريخ العراق الحديث بصور رائعة وجميلة.

لم يكن بمقدورنا نحن المرضى أن نبقى في المستشفى ونحن نشاهد احتفالات العراقيين التي اهتزت لها أركان بغداد والمحافظات.. كان لدى أحد الأخوة الضباط سيارة صغيرة وكنا نحن أربعة ضباط من المرضى والجرحى حيث أن إصابتنا وجراحنا لا تمنعنا من الحركة.. انطلقنا بسيارتنا نجوب في شوارع وأحياء بغداد، الكرادة المزدحمة وشوارع الرصافة والكرخ ونحن نشارك أهلنا العراقيون أفراحهم.. كنا لا نعلم من أي جهة تصلنا رشقات الماء، أبدع الشباب في استخدام زراقات الماء في السيارات والمخصصة لتنظيف الزجاج الأمامي فقاموا بحرف اتجاهها، وكانت لا تحتاج إلا إلى ضغطة بسيطة حتى يصلك ماءها وأنت غافل عنها ولا تعرف مصدرها الذي قد يكون من سيارة أو سيارتين تسير بجوارك في الشارع حيث تبللت ملابسنا بالمياه.. لقد غطت سيارتنا الحلوى والورود من كل الأنواع والأشكال..

إنها ليلة من ليالي العمر والتي لا زال العراقيون يتذكرون حلاوتها ويحنون لذكراها.

لقد فرح ورقص العراقيون جميعاً على أغاني الأفراح التي اشتهرت آنذاك وبشكل غير مسبوق ورقص الجميع على أنغامها.. سجل المطرب العراقي المعروف ياس خضر أغنيته الرائعة التي تتغنى بالرئيس صدام حسين والنصر العراقي العـظيم والتي يـقول مطـلعها (سيدي شكد أنت رائع.. سيدي.. بالوطن من شعب رائع.. سيدي.. بيدك الطيبة الكريمة.. والله داويت المواجع.. سيدي)، وإن لم تخني الذاكرة كانت أغنية رائعة أخرى للمطرب عارف محسن وهي خفيفة اسمها (زعلان الأسمر ما يكلي مرحبا) حيث رقص على نغماتها معظم العراقيين ورددوها لاحقاً حتى في احتفالاتهم الخاصة وأعراسهم، والأغنية الثالثة التي كانت قد ظهرت في تلك الأيام للمطربة المصرية حنان والتي تقول كلماتها الراقصة (البسمة ابتسمت شفافة.. والضحكة ترسمت بلطافة.. والفرحة تقسمت في قلوبنا.. دنيتنا دنيا الخوافة).. وهكذا احتفل العراقيون جميعاً في مشهد رائع من أيام التاريخ التي قد لا تتكرر وكرر التلفزيون العراقي تلك الأغاني لعشرات المرات في اليوم الواحد.

لقد قررت الحكومة العراقية أن يتم تعطيل الدوام في كل العراق لمدة ثلاثة أيام متعاقبة.. واحتفلت قواتنا المسلحة الباسلة بطريقتها الخاصة وتلقى العراق التهاني من كل المحبين له عرباً وأجانب وكانت أيام مجيدة وعظيمة فيها من العبر والدروس التي لابد من الأخذ بها والانتباه لها ، والآن وقد انتهت تلك الحرب الطويلة في يوم وتاريخ متميز هو يوم 8 /8 /1988 وكانت قد بدأت في القطاع الأوسط وبالذات (مندلي وخانقين) لتنتهي في القاطع نفسه بمعركة توكلنا على الله الرابعة.

كانت أيام مليئة بالفرح والسرور والاعتزاز العالي بقواتنا المسلحة ورجالها الأفذاذ الذين حققوا ذلك النصر العظيم في واحدة من أطول الحروب في العصر الحديث وقد تكون الأقسى من حيث آثارها ونتائجها، والحمد لله على نصره المبين ورحم الله شهداء جيشنا العراقي الباسل وكل شهداء العراق، والتحية والتقدير العالي والمحبة إلى كل الأبطال الذين كان لهم شرف المساهمة والمشاركة في ذلك النصر التاريخي الكبير، ومن الله العون والتوفيق.