أُسُسُ وَمُكَوِّنَاتُ الجَيش الَّذِي حَقَّقَ النَّصْرَ العَظِيم
أبو شام
الحديث عن النصر الناجز المبين الذي حققه العراقُ على الفرس المجوس لا يتحقق إلا إذا تحدثنا عن العوامل والمكونات والأسس التي توفرت لدى العراق حتى استطاع أن يهزم الفرس المجوس في حربٍ هي من أطول الحروب التي شهدها العالم.
كيف استطاع العراقُ بناء القاعدة الصلبة التي مكنته من احراز هذا النصر العظيم، وهو يواجه إيران كَقوةٍ إقليمية وقُوى دولية وإقليمية تقف خلفها.
استطاع العراقُ بعد السابع عشر-الثلاثين من تموز1968 من ترسيخ مفهوم الدولة، وبناء كل المؤسسات التي تشكلها على أسس علمية صحيحة، وفقاً للضرورات التي تتطلبها الدولة، كما عمدت الثورة على إعادة نسج اللحمة الوطنية والقومية بما يوفر الاستقرار والمساهمة الفاعلة في البناء والتقدم.
وكان على القيادة العراقية بعد الثورة أن تولي أهمية قصوى لبناء القوات المسلحة بكل صنوفها وتعمل بجهد متواصل على تأمين كل مستلزمات هذا البناء الشامخ حتى أصبح واحداً من أقوى وأكثر جيوش العالم قدرة وقوة وصلابة.
هذا الجيش الذي بنته ثورة السابع عشر-الثلاثين من تموز كان الركيزة الأساس في تحقيق النصر المبين على الفرس المجوس في حرب الثمان سنوات، يقفُ معه ويسنده الشعب العراقي في جبهته الداخلية الذي واصل مسيرة البناء والاعمار رغم كل الظروف الصعبة التي كان يمر بها العراق.
فكان الجيش العراقي الرقم الصعب في معادلة تحقيق النصر العظيم، وفي ذكرى هذا النصر الخالد، لا بد أن نلقي بعض الضوء على هذا الجيش العظيم، ونفتح صفحة من سفر تاريخه العظيم.
فالجيش في كل بلاد العالم هو صمام أمان الوطن، وضمان أمنه واستقراره وسيادته، بالتعاون والتنسيق والتكامل مع المؤسسات الأمنية الأخرى.
لقد كان الجيش العراقي الوطني الباسل سور الوطن العالي وسياجه المتين وحصن الأمة المنيع، فكان جيش الأمة العربية المجيدة، الذي أثبت ذلك فعلاً لا قولاً فقط، والذي لم تثبت عليه أي ثلمة وطنية أو قومية أو قيمية عبر تاريخ كفاحه المجيد، وهو نفسه الجيش البطل الذي قاتل المحتل الأمريكي الغاشم بعد أن قدمت جيوشه الجرارة من أقاصي العالم، واستمر بدعم المقاومة الوطنية العراقية بكل أطيافها حتى تمكنوا من إلحاق الهزيمة المنكرة بأقوى جيوش العالم على الإطلاق، وفرض عليه الهرب من أرض الرافدين عام 2011 م.
الجَيْش العِراقِي …. سِفْرٌ مَلْحَمِي بُطُولِي
إن من يستعرض تاريخ جيش العراق يقف مذهولاً أمام هذا السفر الخالد من الأمجاد والبطولات وصور العز والمجد والفخر، وملاحم الإباء والشمم التي سطرها عبر تاريخه المجيد وسجلها بأحرف من نور.
فقد امتلأ سجله الناصع بالوفاء لتربة العراق وأرضه ومائه وسمائه، ويشعر بالسمو والزهو لتلك المواقف البطولية في الدفاع عن أرض العراق ووحدته وفي الدفاع عن أرض العروبة وعن المقدسات وقيم ومبادئ الدين الحنيف، فهذا السفر البطولي الخالد لم تثلمه الملمات والخطوب، ولم يسجل على هذا الجيش أي موقف شائن، فكان وما يزال عنواناً للوطن، بل إنه بات مرادفاً للعراق، فلا يذكر اسم العراق إلا وذكر معه جيش العراق، ولقد عبّر هذا الجيش عن الوطنية بأبهى صورها في كل مراحل مسيرته المشرفة.
لقد تبنت قيادة ثورة السابع عشر من تموز الخالدة فلسفة بنيوية عظيمة ترتكز على أن الجيش وقوى الأمن يشكلان عماد التنمية، فلا تنمية ولا ازدهار دون أمن واستقرار.
أُسُسُ ومُرتَكَزَاتُ بِنَاء جَيْشِ العِرَاق
كما اعتمدت هذه الفلسفة على أن الأدوار الداخلية في المؤسسة العسكرية العراقية تترابط وتتكامل لتجعل الجميع بمختلف الرتب والمناصب ذوي أهمية ومسؤولية مهمة مهما كان الدور، صغيراً على مستوى القاعدة أو كبيراً في أعلى هرم القوات المسلحة.
فالقوات المسلحة العراقية قامت على:
أسس أخلاقية متينة، ارتكزت على النُبل والمهنية والفروسية والقيم الأخلاقية العالية.
وعلى أساس تنظيمي هرمي، فالرتب العسكرية الممنوحة للمستويات القيادية المختلفة هي في موضع التكليف وليس التشريف، بغية تحقيق الأهداف الوطنية ضمن سياقات وأنظمة العمل المعتمدة في هذه المؤسسة الوطنية الكبيرة التي تقع عليها المسؤولية الأولى والمهمة الكبرى في الدفاع عن حياض الوطن وضمان أمنه واستقراره واستقلاله ووحدته.
وكذلك فإن شعار (النصر أو الشهادة) كان واحداً من تلك المرتكزات، ففي جميع المعارك التي خاضها جيش العراق دفاعاً عن العراق وعن الأمة جمعاء، كان يرفع هذا الشعار.
وبالتجسيد الحي والتطبيقي له تمكن من حسم المعارك كافة بالنصر الناجز بالوقت نفسه الذي أعطى فيها قوافل من الشهداء الأبرار الذين رووا بدمائهم أرض العروبة جمعاء، هذه الدماء التي كانت واستمرت وقوداً للمقاتلين، تلهب حماسهم، ونوراً يضيء لهم طريق النصر، فالشهداء أكرم منا جميعاً، كما كان يرددها القائد العام الشهيد صدام حسين رحمه الله.
كما تضمنت تلك الفلسفة اعتبار القوات المسلحة وحدة وطنية مصغرة تضم كل أطياف المجتمع العراقي، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأكراد، شيعة وسنة…. تضمهم قاعات المنام سوياً، وتستوعبهم ساحات التدريب أيضاً، يتناولون الطعام على طاولة واحدة، ويتسامرون بأوقات الفراغ، ويقاتلون عدواً واحداً هو عدو الوطن والشعب…. لا يتناحرون، ولا يتناقضون في العقائد، لأن العقيدة التي تجمعهم هي العقيدة العسكرية، ولا عقيدة مذهبية أو طائفية أو مناطقية تعلو على العقيدة العسكرية.
كما أن التدريب كان يمثل الأساس الراسخ في بناء القوات المسلحة العراقية، فالتدريب يخلق ويشكلُ الشخصية العسكرية، ويحقق التفاعل الحي بين المقاتل وسلاحه ومعداته العسكرية من ناحية، مثلما يطور المهارات المتعددة والمتنوعة، وهو أحد أهم مقومات النصر، فكان ضمانة لتحقيق الاقتدار والانتصار.
أما الانضباط العسكري فكان يمثل العمود الفقري للجيش العراقي.
وكانت العقيدة التي يرتكزُ عليها الجيش هي عقيدة إيمانية راسخة، ونجد ملامح هذه العقيدة حتى في تسميات قيادات الفيالق والفرق والألوية والوحدات.
فقد اعتمد تسمية الرموز الدينية والتاريخية اللامعة في تراث وتاريخ العراق وأمتنا المجيد، فأخذت مسميات وحداته تسمى بأسماء القادة العظام في الإسلام ومسميات المعارك الكبرى التي كانت بمثابة الفيصل في تاريخ حركات التحرير والفتوحات الإسلامية.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان اسم الفيلق الأول (قيادة عمليات الرشيد)، والفيلق الثاني (قيادة عمليات اليرموك)، والفيلق الثالث (قيادة عمليات القادسية)، والفيلق الرابع (قيادة عمليات حطين)، والفيلق الخامس (قيادة عمليات عمورية). أما فيلقي الحرس الجمهوري، فكان الفيلق الأول باسم (قيادة عمليات الله أكبر)، بينما تم تسمية الفيلق الثاني باسم (قيادة عمليات الفتح المبين).
أما قيادات الفرق فأخذت تسميات مختلفة منها، قيادات أبو عبيدة الجراح، خالد بن الوليد، صلاح الدين، القعقاع، محمد بن القاسم، سعد بن ابي وقاص، المثنى بن حارثة، المقداد، طارق بن زياد، سارية الجبل، المدينة المنورة وغيرها.
وتم تسمية بعض الألوية والوحدات بمسميات رمزية مثل لواء ابن الوليد وكتيبة دبابات علي، الحسن، الحسين، والمنصور وغيرها.
هكذا كان جيش العراق الباسل، جيشاً وطنياً بامتياز، فطبيعة مهامه حددتها الثوابت الوطنية، كونه قوة وأداة فاعلة ومتميزة لتأمين البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعراق، وكان يمثل القوة الوطنية الضاربة بيد الشعب للذود عن سيادة الوطن واستقلاله واستقراره وأمنه وتقدمه.
أَبْنَاءُ القُوَّاتِ المُسَلَّحةِ، عَائِلَةٌ وَاحِدَةٌ
واستمرت القيادة السياسية الوطنية وبتوجيه متواصل من القائد العام للقوات المسلحة الشهيد صدام حسين رحمه الله تخطط لمواصلة دعم تطوير الجيش العراقي وتعزيز مكانته مادياً ومعنوياً وروحياً في الاتجاه الذي يعمق في نفوس أبنائه الحب للوطن والدفاع عن حياضه، حتى أنه رحمه الله كان يصر على تسمية (أبناء القوات المسلحة) عوضاً عن مصطلح (منتسبي القوات المسلحة) فالأبناء هم من عائلة واحدة، فيتحقق في نفوسهم معاني الانتماء أكثر من مجرد الانتساب.
هكذا كان بناء جيش العراق الوطني، فأضحى القوة الخامسة على المستوى العالمي بخبرة قادته وضباطه ومقاتليه، وبعددهم المليوني، وبعدتهم، وتجهيزاتهم، وتسليحهم، وتنظيمهم، وتدريبهم، وتأهيلهم. بل وقبل كل شيء بانتمائهم لمؤسستهم العسكرية وولائهم لوطنهم الذي أقسموا بالله العظيم أن يدافعوا عنه مهما بلغت التضحيات واشتدت الخطوب.
واستمر هذا التفاعل والتصاعد والسمو حتى جاء المحتل الأمريكي ومن والاه، بكل ما أوتي من قوة عسكرية هائلة لينال منه بعد حصار مطلق ومطبق على مدى ثلاثة عشر سنة متواصلة ليدمروا كل أواصر الأمن الوطني، لتبدأ بعدها مرحلة تسليم بلدنا الجريح إلى إيران الشر.
ولكن ومهما طال الزمن ومهما تفاقمت الضغوط فإن جيش العراق الذي حقق نصره المؤزر على إيران ومن حالفها لابد له أن يحقق نصره الآتي بعون الله ومعه القوى الوطنية، مسنوداً بشعب العراق الأبي الصابر الذي سينهض من تحت الركام من جديد ليعيد للعراق عزه وهيبته واستقلاله، وطرد كل الخونة والطائفيين الذين عاثوا في العراق فساداً وتقتيلاً وتشريداً، وإن غداً لناظره قريب.
تحية اجلال وتقدير للجيش العراقي البطل الذي حقق نصراً شهدَ له العالمُ كله.
تحية لشهداء الجيش العظيم، والحرية لقادته الأبطال الذي يقبعون في سجون العملية السياسية القذرة.
تحية لروح القائد العام للقوات المسلحة الشهيد صدام حسين رحمه الله.