سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة إبراهيم
شذرات على طريق الجهاد والرباط
الحلقة الثانية
بقلم الفريق الركن
محمد صالح علوان
وتواصلاً مع حديثنا في الحلقة السابقة لا بد لنا أن نشير أن من القرارات المهمة الأخرى التي اتخذها هو تطبيق الشرعية الوطنية والحزبية وفقا لقواعدها الأساسية والقوانين التي تحكمها ، فمن الناحية الوطنية والقيادية كان هو الرجل الثاني في قيادة البلاد بعد الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله وبالتالي فهو المسؤول عن اتخاذ القرارات المصيرية والاستراتيجية التي تتعلق بالعراق، ولذلك فقد اعتبر وبشكل طبيعي أنه هو رئيس العراق بالوكالة، خاصة وأن العراق وقيادته السياسية أو قواته المسلحة ومن كان يقوده قبل 9 نيسان 2003 لم يستسلم أو يوقع على معاهدة أو اتفاقية استسلام ، وبالتالي فإن العدو الغاشم الذي قطع مئات الأميال البحرية وجاء لاحتلال بلادنا بغزو وعدوان فاضح وبحجج كاذبة وواهية لن يكون من حقه تغيير القوانين الأساسية للبلاد، ورغم أن العدو الأمريكي كسب معركة الاحتلال إلا أنه لم يكسب الحرب بشكلها النهائي، وبالتالي فمن حق الرئيس العراقي الشرعي أو نائبه الرسمي أن يحشد قدرات الشعب ضد هذا العدو حيث أن من واجبه الأساسي والشرعي والديني أن يحرس ويراقب الثغور ويهيء الجند للدفاع عن الشعب والأمة وبالتالي استمر الرفيق عزة إبراهيم بممارسة هذا الدور على أفضل وجه.
أما على الصعيد الحزبي فقد كان الرجل يشغل منصب نائب الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي ولذلك وبعد اعتقال الرئيس الشهيد مباشرة تولى هو المسؤولية المباشرة في قيادة الحزب، وقام بمخاطبة قيادة الحزب وقواعده وجماهيره بمسمى الأمين العام للحزب وكالة، واستمر على هذه التسمية في جميع المخاطبات والرسائل التحريرية التي كتبها حتى استشهاد الرئيس صدام حسين رحمه الله واغتياله صبيحة عيد الأضحى ، وبعد استشهاد الشهيد صدام حسين رحمة الله عليه عقدت قيادة قطر العراق اجتماعاً استثنائياً وانتخبت بالإجماع الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله أميناً لسر قيادة قطر العراق ووثقت ذلك في محضر اجتماع رسمي بعثته إلى القيادة القومية للحزب للمصادقة عليه، حيث تمت المصادقة على انتخابه أميناً قطرياً للحزب في العراق ثم بعد فترة قصيرة وخلال اجتماع القيادة القومية للحزب انتخبته أميناً عاماً لحزب البعث الاشتراكي وخولته بعض الصلاحيات التنظيمية بسبب الظروف القاهرة التي تعرض لها العراق آنذاك وليمارس دوره الجهادي والنضالي في قيادة الحزب وتوجيهه حتى انتقاله إلى جوار الرب الرحيم يوم 25 /10 / 2020 رحمه الله، وهكذا كان حريصاً على النظام الداخلي للحزب وعلى أعرافه وتقاليده خاصة وأن حزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر واحداً من أكبر وأهم الأحزاب في الوطن العربي.
ومن الأمور الأخرى التي تطلبت قرارات حازمة وحاسمة هي التي تتعلق بجانبين أساسيين يكتسبان أهمية خاصة في تلك الظروف وهما:
- تمثل الأول بالسعي لإعادة الحياة الحزبية الطبيعية والحياة التنظيمية الداخلية للحزب في العراق خاصة بعد أن اعتقلت قوات الغزو والاحتلال معظم الرفاق من أعضاء القيادة القومية والقطرية للحزب والمتواجدين على أرض العراق.. حيث تطلب الأمر البحث عن الكفاءات القيادية الحزبية في المحافظات العراقية من الذين انخرطوا في العمل الجهادي والمقاوم وفي تثوير الشعب ضد قوى الغزو والاحتلال وتعيين الأفضل منهم لقيادة التنظيمات الحزبية في تلك المحافظات بدلاً عن الرفاق الذين اعتقلتهم سلطة الاحتلال ووفقاً لقاعدة أساسية كان قد أقرها وحددها الحزب خلال المداولات التي أعقبت يوم 9 نيسان 2003 والمتمثلة بأن تكون أسبيقية القيادة والتواصل الحزبي وفق الوصف التالي:
ـ الأسبقية الأولى: لمن باشر وانخرط بمقاومة قوات الغزو والاحتلال.
ـ الأسبقية الثانية: لمن باشر وانخرط في التواصل مع تنظيماته الحزبية وأعاد تنظيمها وترتيبها والعمل ضمنها وفقاً للظروف الجديدة.
ـ الأسبيقية الثالثة: لمن التحق بالتنظيمات الحزبية أو عناصر المقاومة وبوقت لاحق أو متأخر.
وهكذا بدأت عجلة الحياة الحزبية بالانطلاق مجدداً وباتت التعليمات الحزبية توزع وتصل إلى الخلايا الحزبية وكل المستويات الحزبية الأخرى، وبدأ الحزب مجدداً يأخذ صداه في الساحة العراقية المناوئة للاحتلال، ولاحقاً أصبحت مواقفه السياسية هي المعيار الحقيقي لكل المواقف الوطنية والتي التف حولها كل الرافضين لقوى الاحتلال والغزو. وقد مثل هذا الجانب تحدياً بارزاً ومهماً وخطيراً على الحزب طيلة تلك السنوات حيث تمثلت أبرز تلك التحديات في محاولات الانشقاق والتآمر لبعض المحسوبين على الحزب وبدعم من دول اقليمية ومن قوى الغزو والاحتلال والحديث طويل في هذا المجال وذو شجون كما يقال.
- أما الجانب الثاني.. فقد تمثل بتطوير العمل المقاوم وحث الشعب على الجهاد والمقاومة وعلى مساندة الأبطال الميامين الذين نذروا أرواحهم وأموالهم وما يملكون وتصدوا لقوات الاحتلال والغزو وحولوا حياة جنود الاحتلال والغزو في العراق إلى جحيم لا يطاق، ومحاولة حشد الطاقات وتأمين مستلزمات القتال التي يحتاجها المقاومون الأبطال، ويعلم الجميع أن أي مقاومة وطنية تحتاج في عملها إلى ثلاث جوانب أساسية يكون لها التأثير الحاسم والمهم في انطلاقها وتطورها وتمكينها من تحقيق أهدافها، وتتمثل هذه في خطاب سياسي واضح المعالم ويمتلك حجج سياسية وشرعية متينة لا مجال للزيغ والمناورة حولها، وقد مثل خطاب البعث ومنهجه وعقيدته الأصيلة هذا الخطاب لكل الثائرين والمقاومين الأباة، ولا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن البعث وخلال تلك الفترة رفع شعاراً ينص على أننا مع كل ثائر ومقاوم ضد قوات الغزو والاحتلال حتى وإن كان بحجر أو حصى يلقيها على قوات العدو، بل أن البعث مع كل عراقي شريف كان ضد قوات الاحتلال حتى وإن كان غير قادر على المقاومة إلا أنه يكتم ذلك في نفسه التي تأبى الانخراط في مشاريع الغزاة المجرمين، ولعمري كان هذا الخطاب قمة في الوطنية الحقة وكان دافعاً للكثير من المترددين والمتخاذلين لدعم المقاومة ورجالها والتي مثلت شرف العراقيين وارثهم المجيد.
كما تمثل الجانب الاساسي الثاني بتأمين المستلزمات المادية (المال ووسائل القتال).. ورغم شحة الأموال وقصر ذات اليد وجوانب سياسية واقتصادية وإدارية قاهرة لا مجال لشرحها ووصفها هنا إلا أن البعث باشر من جديد في العودة إلى تنظيم الاشتراكات الحزبية وتنظيم حملات التبرعات المالية لدعم المقاومين بالإضافة إلى القيام بحملات جمع واخفاء العديد من الأسلحة والمقذوفات والأعتدة التي كانت منتشرة على أرض العراق بشكل واسع والتي أبدع المقاومون في استخدامها والاستفادة منها. أما الجانب الثالث فقد تمثل بالجانب الإعلامي الذي بدأ يظهر للوجود ويشارك فيه الكثير من النخب والكتاب والمثقفين والأدباء العراقيين الوطنيين الذي هالهم احتلال بلادهم وباشروا بتثوير الشعب ضد الغزاة..
كان من الجوانب الأساسية والاستراتيجية المهمة والتي احتاجت جهداً فكرياً خبيراً ومتأنياً ويفهم طبيعة الصراع بعمق ووفقاً لوجهه الحقيقي وبلا مجاملة أو تحريف هو تحديد استراتيجية العمل المسلح وأهدافه وغاياته والمزج بينه وبين العمل السياسي الملائم لطبيعة المجتمع وظروف العراق المعروفة بتنوعها الفكري والعرقي، وهنا كان للرفيق عزة إبراهيم رحمه الله وبخبرته الواسعة والطويلة في النضال والسياسة الدور الأساسي والمهم في كتابة الكراس العتيد ( استراتيجية الحزب والمقاومة بعيده المدى) في العام 2005 وكان هذا الكتاب الصغير الذي عالج وطرح كيفية إعادة بناء الحزب وفقاً لطروحاته الفكرية الأصيلة بعيداً عن كل المنزلقات والانحرافات التي كانت تثار هنا وهناك، وطالبت هذه الاستراتيجية بعيدة المدى من الجميع في حالة رغبتهم بالعمل على خلاص العراق والحزب من ظروفه الحرجة بالعودة أولاً إلى أنفسهم ثم إلى حزبهم وشعبهم ودينهم وأمتهم ليستخلصوا العبر التي تساعدهم على عبور تلك المحنة التي أصبحوا فيها.
وعلى الرغم من محدودية تداول ذلك الكراس وتلك الاستراتيجية لأسباب منطقية أولها عدم جواز عرض خططك وأهدافك الاستراتيجية أمام العدو لمنع استفادته منها ولكيلا يتصدى لها ويجابهها بخطط أخرى، إلا أنها كانت الزاد الروحي للكثير من الأدباء والكتاب والمفكرين والإعلاميين البعثيين والوطنيين والتي ساهمت بتصويب الآراء والأهداف تجاه قضية الوطن الكبرى المتمثلة بالتحرير والاستقلال، كما أنها حددت المنطلقات الفكرية والأساسية التي يعمل حزب البعث العربي الاشتراكي على هداها.
وفي الجانب الآخر المتعلق بالجهاد والمقاومة ضد الغزاة كان للرفيق عزة إبراهيم رحمه الله وبمعاونة ثلة من الرفاق المؤمنين من التنظيمات العسكرية والمدنية الدور المهم والحاسم في جمع وتوحيد الخلايا والمجموعات الجهادية وتعزيز دورها ورفدها بالعديد من المقاتلين من التنظيمات الحزبية أو جماهير الحزب وبالتالي تحويلها إلى سرايا وجيوش كبيرة كان لها دوراً مهماً وحاسماً في طرد قوات الاحتلال من بلادنا، وكانت من نتائج تلك الجهود انطلاق القيادة العليا للتحرير والجهاد في العام 2007 كواحدة من أهم الجبهات التي قاتلت الاحتلال وقواته وكانت تتبنى مشروعاً وطنياً واضح المعالم نال احترام وتقدير معظم القوى المقاومة للاحتلال داخلياً وخارجياً.
ولم يكتف الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله بتثوير البعثيين وجماهير الحزب فقط بل سعى إلى توحيد جهود المقاومين والرافضين للاحتلال وبكل الوسائل، فلقد كتب وبعث برسائل عديدة إلى مختلف قادة فصائل المقاومة وبكل أنواعها إسلامية أو وطنية أو قومية وإلى معظم الجيوش الفصائل والسرايا التي ظهرت خلال فترة مقاومة الاحتلال، وقد كانت هنالك حوارات كثيرة ومتنوعة مع هذه الأطراف ولم يقتصر ذلك على جهة دون أخرى بل شملت تلك الرسائل والحوارات أطرافاً تمثل مختلف مكونات المجتمع العراقي وبالذات من المعارضين والمقاومين والمناوئين لقوات الاحتلال ومشاريع الغزاة. وسيأتي اليوم الذي تكشف فيه كل تلك الرسائل والحوارات والنقاشات والتي تظهر وتبين جهد البعث وقيادته في هذا المجال حيث لم تدخر جهداً في هذا المجال على الإطلاق، ولكن الحقيقة المرة التي لا بد للجميع من الاعتراف بها أن كثيراً من تلك الخطط لم يكتب لها النجاح الكامل لأسباب متعددة ومتنوعة منها سطوة وقدرات قوات الغزو والاحتلال وكذلك التدخلات الإقليمية وعناصر المخابرات ومن يدور في فلك مشروع الغزو والاحتلال بما فيهم بعض الأشقاء العرب للأسف.
ورغم كل ذلك حاول البعث جاهداً وقائده فقيد العراق الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله التواصل مع كل الخيرين والوطنيين سواء من علماء الدين أو شيوخ العشائر والقبائل أو من الوطنيين الأحرار برسائل مكتوبة ومطولة تشرح وتوضح أهداف الغزو والاحتلال ومراميه وخططه وما يضمره للعراق ويشرح بخبرته السياسية الطويلة ويحذر وينبه عن حالات الغفلة والانحراف، ولم يتوقف رحمه الله عن ذلك العمل أبداً فقد كتب خلال سنوات الاحتلال ولأكثر من 17 عاماً من الرسائل التوجيهية والشخصية أكثر بأضعاف مضاعفة مما كتبه طيلة عمره في العمل السياسي والوظيفي والنضالي وقد يتفوق على معظم من كتب ضد الاحتلال خلال السنوات الماضية.
وفي هذا المجال تواصل الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله مع معظم الدول العربية والصديقة سواء برسائل مكتوبة أو شفوية حملها مبعوثيه إليهم، وكان يناشد ويشرح ويوضح وضع العراق وحالته الجديدة بعد الغزو والاحتلال ويبين آثار الاحتلال على شعب العراق وممتلكاته وسيادته كما كان يؤكد وباستمرار على أن من يقود البلاد بعد الاحتلال ليس أهلاً للقيادة وأن ما يجري على أرض العراق سوف ينعكس شئنا أم أبينا على بلدان الجوار الشقيقة والصديقة وأن النيران سيكتوي بها الجميع وهذا ما تبين لاحقاً وبشكل واضح تماماً.
وفي نهاية هذه الحلقة من موضوعنا هذا لا بد لنا أن نؤكد بأن من يتصدى للمسؤولية التاريخية لقيادة حزب كبير ومهم ويمتلك من التاريخ والإرث المعروف لا بد أن يمتلك من الشجاعة ما يكفي ومن صدق النوايا والقدرة على التشخيص والتحليل الشيء الكثير ليتمكن من السير في تلك الأمواج المتلاطمة التي كان عليها العراق خلال السنوات الماضية، ولعمري فإن الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله كان يمتلك الكثير منها وكان فعلاً رجلاً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ونحن نختم حلقتنا بكلماتنا هذه نود أن نبين أن هنالك جملة من الآراء والتصورات والاستنتاجات التي كان يقولها الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله والتي يتطلب الأمر تدوينها والإشارة إليها لأنها تنتسب إليه.
يتبع الحلقة الثالثة
بغداد
في 5 / 12 /2020