(حين يصبح العفو وجهًا آخر للعدل)
تعودتُ أن لا أنام بعد صلاة الفجر، ففي هذا الوقت الإيماني الصافي تزدحم الخواطر في النفس، وتقترب الروح من أبواب الحقيقة. وأكثر ما يعاودني في تلك الساعات حديثُ النفس عن العقوبة والعفو، عن العدل والرحمة، عن الإنسان حين يُبتلى فيختار بين أن ينهار أو أن يثبت.
لقد أكرمني الله بحفظ كتابه العزيز في زمنٍ كان الامتحان فيه عسيرًا، فترة السجن ظلمًا، يوم ابتُليت لا لذنبٍ اقترفته، بل لأنني كنتُ — قبل عام 2003 — عنوانًا معروفًا في الدولة. هناك، بين الجدران والصمت، أدركت أن الرجولة ليست صخبًا ولا منصبًا، بل ثباتٌ على المبدأ، وصبرٌ على البلاء، وإيمانٌ بأن الله لا يخذل من صدق معه.
ومن تلك التجربة، ومع كل فجرٍ يتجدد، تتوالى الخواطر حول معنى العدل الإلهي ومقام العفو الإنساني، فأحببت أن أشارك هذه التأملات في السطور الآتية، لعلّها تذكّر من يقرأ أن بين الحسم العادل والعفو الرحيم شعرةً لا يراها إلا من ذاق مرارة الظلم وتعلّم كيف يُضيء بها درب الحياة.
في كل عصرٍ، كانت العدالةُ سيفًا مشرعًا في وجهِ البغي، ثم غدت قانونًا مكتوبًا حين ضاق صدرُ الإنسان بحماسة الانتقام. ومنذ أن خطَّت يدُ التاريخ أولَ صكٍّ للقصاص، كان السؤالُ ذاتهُ يتردّد بين العروش والمعابد:
هل العدلُ أن نُعاقِب، أم أن نَغفِر؟
لقد كانت الممالكُ القديمة تُقيمُ عروشها على رماد المظلومين، حتى أدركَ الحكماء أنّ العدالةَ العارية من الرحمة ليست سوى صورةٍ أخرى من الجور، وأنَّ الانتقامَ وإن شفى لحظةً من غليلِ النفس، فإنّه يورِثُ قرونًا من الضغائن. ولولا أنَّ اللهَ يعلمُ ما في الطينةِ البشرية من نزقٍ وغضب، لما شرّع القصاصَ وأوصى بالعفو، فجمعَ بين السيف والسماء في ميزانٍ واحد.
النفسُ تميلُ إلى الثأر، لأنّ الثأر يُرضي كبرياءها الجريحة، لكنّ العفوَ لا يقدرُ عليه إلا من تعلّمَ كيفَ ينتصرُ على نفسه قبل أن ينتصرَ على عدوّه. العدلُ حسمٌ، والعفوُ سموّ، ومن جمعهما فقد بلغَ درجةَ الإنسان الذي توازنتْ في قلبه النارُ والنور.
القوانينُ التي سنَّتها الأمم لم تكن لتُقوِّمَ سلوكًا لو أنّ البشرَ كانوا يُطيعون ضمائرهم؛ ولكنّ التاريخَ أثبتَ أنَّ الإنسانَ يحتاجُ إلى حدٍّ يردعهُ وحدٍّ يعفو عنه. فالأولُ يحفظُ النظام، والثاني يحفظُ الروح.
ولذا، فإنّ من أخطر ما يبتلي به المجتمع، أن يخلطَ بين العدلِ والانتقام، أو بين الرحمةِ والتهاون. فالعدلُ لا يعني القسوة، والعفوُ لا يعني الضعف، بل كلاهما ركنان في بناء الإنسان الممدوح والحضارة المستنيرة.
لقد أقامَ اللهُ الجنةَ والنارَ ليعلمنا أن الطريقَ إلى المصير يمرّ عبر حريةِ الاختيار؛ فمن عاقبَ بالحقّ نجا، ومن عفا بصفاءٍ نجا، أما من تجاوزَ الحدَّ طلبًا للهوى فقد خسرَ الاثنين.
وما زالت الأممُ تتقدّمُ كلّما اقتربتْ من هذا الميزان: أن يُحاسَبَ المجرمُ بقدر جُرمه، وأن يُسامَحَ التائبُ بقدرِ ندمه، وأن يبقى الإنسانُ فوق الجريمةِ والانتقام.
ليسَ كلُّ من عفا حليمًا، ولا كلُّ من انتقمَ ظالمًا، ولكنّ الشرفَ في الخصومةِ هو ما يُبقي وجهَ التاريخِ نقيًّا.
فليكنْ سيفُ العدلِ في يدنا، ولكنْ ليظلَّ قلبُ العفوِ في صدورنا، حتى إذا كتبَ التاريخُ عنّا، قال:
كانوا يحكمون بعقولٍ من حديد، وقلوبٍ من نور.
بقلم محمود ذياب الاحمد