شبكة ذي قار

أرشيفات 2025

الإِثنِيَّات فِي الوَطَنِ العَرَبِيّ بَيْنَ تَوظِيفِ الخَارِج لِلتَّجْزئةِ، وَتَعْمِيقِ الِانْدِمَاج في الِاجْتِمَاعِ الوَطَنِي وَ القَوْمِي – الجزء الثالث –

 

الإِثنِيَّات فِي الوَطَنِ العَرَبِيّ

بَيْنَ تَوظِيفِ الخَارِج لِلتَّجْزئةِ، وَتَعْمِيقِ الِانْدِمَاج

في الِاجْتِمَاعِ الوَطَنِي وَ القَوْمِي

– الجزء الثالث –

     أ.د. محمد مراد، باحث وأستاذ جامعي

 

 3-  بعد احتلال العراق : الإثنيات بين الحروب المفتوحة وتعاظم خيارات الفدرلة والتقسيم

      فتح الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان (  إبريل ) 2003 المجال العربي السياسي والاجتماعي والثقافي أمام مرحلة جديدة تقدّمت فيها النزعات الإثنية لا سيّما الطائفية منها المشهد ، إذ راحت الجماعات الطوائفية والمذاهبية تعمل على شدّ عصبها الطائفي – المذهبي من جهة، وتسعى الى تضمين خطابها السياسي طروحات عالية النبرة تربط بين مذهبها الإثني وشكل الدولة التي تتناسب مع طموحاتها وخصوصياتها من جهة أخرى .

    بدأت العصبيات الإثنية تأخذ مساراتها التصاعدية كظاهرة لافتة إنطلاقا من العراق لتنسحب بعده الى غير قطر من إجمالي إثنين وعشرين قطرا هي مجموعة الدول المنضوية في جامعة الدول العربية . أربعة عوامل أسهمت في فورة العصبيات الإثنية التي انفجرت في حرب دموية في العراق تحت الاحتلال هي:

  الأول، إسقاط نظام البعث الوطني لما هو نظام علماني ينشد حضور وقوة الدولة والجيش والقضاء والتعليم والسياسة الخارجية وسائر المؤسّسات، مع تعزيز وتعميق الوحدة الوطنية لكل ابناء الشعب العراقي والقائمة منذ تاسيس الدولة العراقية عام 1921، اضافة الى الانطلاق من منظور النظرية القومية المعاصرة التي أطلقها حزب البعث في سائر مؤتمراته القطرية والقومية منذ مؤتمره التأسيسي الأول في السابع من نيسان ( إبريل ) لعام 1947 .

    كانت الخطوة الأولى لحاكم العراق الأمريكي ” بول بريمر ” قد تمثّلت بإصدار قانون ” اجتثاث البعث “، وهو إجراء تظهر أبعاده الدّالة من المصطلح الذي أعطي له ” اجتثاث “، والذي يعني، ليس فقط، حلّ التنظيم الحزبي الذي كان يضمّ أكثر من 3.5 ملايين عضو ومنتسب الى الحزب، ويمتدون في كل النسيج الاجتماعي والثقافي والاداري والسياسي في العراق، وإنّما، وهذا الأخطر، في اقتلاع ومحو الفكر العروبي والتجربة الوطنية التي رسّخها حزب البعث في قيادته للدولة، التي تواصلت على مدى خمس وثلاثين عام بين1968- 2003

   كان الهدف الأمريكي من الاجتثاث إزالة الموانع أمام بروز العصبيات الإثنية وخصوصا المذهبية، الأمر الذي يجعل من هذه العصبيات المذهبية ان تستنفر بشأن تحديد مواقعها وأحجامها في هياكل السلطة الجديدة التي ستتولى حكم الدولة مركزية كانت أم فدرالية أم مقسّمة الى كيانات سياسية على أساس مذهبي أو عرقي أو جهوي مناطقي، تمهيداً لتقسيم العراق.

    العامل الثاني، يتمثّل بإعداد ” بريمر ” لدستور عراقي يجعل من العراق دولة اتحادية ( فدرالية ) تضمّ  18 محافظة ( 3 للأكراد، 6 للسنّة، 6 للشيعة و3 مختلطة في الوسط )، هذا ومنح الدستور الجديد حقّ كل محافظة في الحصول على حكم ذاتي إذا ما صوّت أكثرية اعضاء مجلس المحافظة على ذلك. هكذا، فإنّ دستور الاحتلال هو بمثابة تأسيس لقيام فدرالية عراقية بديلة للدولة المركزية التي نشأت في العام 1921 واستمرّت حتى العام 2003 .

  العامل الثالث، هو الانقلاب الذي أحدثه الاحتلال في تركيبة السلطة الحاكمة باتجاه تطييفها. إنّ الهدف الأمريكي من هذا التطييف السياسي للسلطة يكمن في اعتماد النموذج اللبناني الذي تقاسمت فيه الطوائف والمذاهب الدولة، وجعلتها دولة أنصبت على قاعدة المحاصصة التي كانت السبب الأساس وراء سلسلة الأزمات التي تواصلت في تاريخه الحديث والمعاصر، والتي باتت في الوقت الراهن تدفع  بالكيان اللبناني مجتمعا ودولة نحو خيارات الفدرلة والتقسيم .

 العامل الرابع، كان الدور الإيراني الذي وجد في احتلال العراق، وفي التغييرات الحاصلة على مستوى تكريس الطائفية الموالية له في قيادة الفدرالية العراقية، وجد فرصته الذهبية في إمساك العراق وتوظيفه في الاتجاه الذي يخدم التوجهات الايديولوجية الدينية والجيوبوليتيكية الايرانية، ذلك أنّ السيطرة على العراق تكسر الحاجز البري الذي شكّله العراق تاريخيا، والذي حال دون اندفاع إيران لتحقيق اهدافها التوسعية الى سوريا ولبنان وصولا الى السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، بما يسمح باستعادة أمجاد امبراطورية فارس القديمة .

   هكذا،  فتح احتلال العراق لمرحلة حافلة بالنزاعات الإثنية، وبصورة خاصّة الطائفية، بحيث راحت هذه النزاعات ترسم حدودا فاصلة بين المذاهب ، ” هي حدود الدم ” التي بدأت في العراق مع الاحتلال، ولم تلبث أن جرى تصديرها الى لبنان، والبحرين، والكويت، والسعودية، واليمن، في حين شهدت الأقطار الأخرى انتعاشا لنزاعات إثنية طائفية (السودان، مصر)، وعشائرية ( ليبيا، الصومال، موريتانيا)، ولغوية ثقافية (الأمازيغية في كل من الجزائر والمغرب).

 3 -1: نماذج من تعبيرات تفاقم النزاعات الطائفية بعد احتلال العراق

  تجلّت ظاهرة التفاقم في النزاعات الإثنية بغلبتها الطائفية – المذهبية في العديد من أقطارالوطن العربي في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق، بالكثير من المظاهر التي كانت تتصاعد بهدف إحداث أزمة بنيوية في مجتمع الدولة القطرية العربية، لدفعها نحو الإضعاف والتفكيك، وصولا الى خيارات غير محسوبة من الفدرالية الموسّعة والتقسيم الى كيانات جزئية .

 في العراق، سعى الاحتلال لتسويق ” طائفية نظام البعث “، الأمر الذي دشّن لسلسلة من الأفعال الكيدية والانتقامية طالت العديد من منتسبي البعث ومناصريه وعوئلهم من جميع الطوائف سنّة وشيعة ومسيحيين وأكراد وسواهم . وتصاعدت أعمال العنف ضدّ كل أشكال التنظيم الحزبي للبعث، واتخذت أساليب بالغة الشدّة من مثل لجوء ميليشيات طائفية مرتبطة بايران، مدعومة ومغطّات من قوّات الاحتلال، الى ارتكاب مجازر وتصفيات جماعية بحقّ العناصر البعثية أو السوق بها الى التغييب القسري والمعتقلات السرية .

    وجدت تلك الميليشيات المسلّحة مبرراتها في أفكار روّج لها وغذّاها الحاكم الأمريكي ” بول بريمر ” دستوريا ومؤسسيا . فقد ذّكّرت ديباجة الدستور الجديد  بمعاناة طائفة معينة دون غيرها في ظل نظام البعث، وسمّيت في المتن ممارسات شعائرها الدينية وأوجب الدستور احترامها ( 26)، في حين لم تخصّص للطوائف او الأقليات الأخرى من أشوريين وأزيديين وصابئة وغيرهم بأي ذكر بخصوصية كل منها. وكانت سياسة الاحتلال قد انتقلت الى الترجمة التطبيقية عندما قدّمت الفئات الطائفية الموالية لايران في جميع الهياكل المؤسسية للدولة العراقية وبحصّة تمثيل فاقت ضعفي العرب الاخرين استنادا الى تقديرات أطلقت جزافا من غير الاستناد الى إحصائية علمية ذات ثقة يعتدّ بها. وفي النظام البرلماني الجديد، جعل من رئيس الوزراء المترشح عنها الحاكم الأقوى الذي يتمتّع بصلاحيات دستورية وتنفيذية  وبكونه القائد العام للقوات المسلّحة .

    في اليمن، انطلقت الاعتراضات الزيدية من إقليم صعدة معقل الزيدية اليمنية، ثمّ مالبثت الاحتجاجات أن اتخذت شكل التنظيم المجدّد للزيدية بوصفها مذهبا متمايزا راح يدعو الى الإمامة وتقويض النظام الجمهوري القائم منذ عام 1962، والى الترويج لمذهبه في تطبيقاته الأيديولوجية والسياسية الإيرانية .

    بدأ التمدّد الزيدي بقيادة حسين الحوثي ( خلفه بعد مقتله أخوه عبد الملك الحوثي ) منذ عام 2004 أي بعد أقلّ من سنة واحدة على احتلال العراق . راح التمرّد ينمو باضطراد ” على أرضية طائفية في الأساس، اي على أرضية الخلاف بين منطق تثبيت يمنية المذهب الزيدي من جهة، ومنطق نقل التجربة الايرانية وإعمال مبدأ ولاية الفقيه من جهة أخرى. ” ( 27) 

   في البحرين ، أدى المناخ المذهبي المسيطر على المنطقة برمتها منذ العام 2003، الى تحويل كل نقاش  سياسي داخل مجلس النوّاب البحريني الى توتّر ديني طائفي من غير اعتبار الى حجم وأهمية القضية أو مجموعة القضايا المطروحة للنقاش. فقد ظلّ الاستقطاب المذهبي هو الحدث الأبرز الذي طال سائر قضايا المجتمع والسلطة والدولة، حتى وصل الأمر الى إثارة مشكلات في غاية الحساسية من مثل تأسيس ” هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعديل قانون الأحوال الشخصية، والموقف من المقاومة الوطنية العراقية، وحتى الفقر والبطالة، كما طال أيضا قضايا أخرى من مثل قضية تجنيس مواطني دول الخليج بالجنسية البحرينية ” ( 28 ) .

    في الكويت ، اخذت العلاقات المجتمعية تشهد، بعد احتلال العراق، تطورات ذات منحى مذهبي – سياسي، إذ كانت القضايا البرلمانية المثارة داخل مجلس الأمّة الكويتي ( البرلمان )، بدءا من قضية تقسيم الدوائر الانتخابية وأثرها في الإخلال بالتوازن الديمغرافي المذهبي، وانتهاءً بقضية تدريس فقه معين دون غيره، الذي وصف بأنّه فقه الأغلبية في المدارس والجامعات، كلّها قضايا ونقاشات كانت تدور في محاور للاصطفاف الطائفي والشحن المذهبي المقرون بعنف الخطاب السياسي  والذي يدفع بالمجتمع الكويتي الى رسم خطوط تماس بين المواطنين المسلمين، والتي من شانها أن تدفع نحو الانقسام والتفكّك على غير صعيد اجتماعي وسياسي وثقافي .

 في السعودية، لم تكن الاصطفافات المذهبية ببعيدة عن دولة فيها هي الاخرى تركيبتها الإثنية الديمغرافية من ناحية، وعن موقعها المجاور على الضفة الغربية للخليج العربي لكل من إيران والعراق واليمن من ناحية أخرى. ففي وثيقة أعدّها نحو 250 شخصية من الرموز المجتمعية من السعوديين، ورفعوها الى العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز عام 2003 ، وقد جرت مناقشتها بلقاء جمع الملك وولي العهد ب 18 شخصا من موقّعي الوثيقة . ادت الى مظاهر الانفتاح للدولة على تلك المطالب فيما يخص الممارسات الدينية المذهبية، وإصدار مطبوعات …ألخ.  لكن اندلاع حرب اليمن والانخراط الايراني الطائفي فيها، زاد من حساسية العلاقة المجتمعية داخل المملكة، بحيث كادت ان تنحو نحو تعقيدات داخلية على غير مستوى سياسي واجتماعي وديني .

    في لبنان، عادت الاصطفافات الطائفية السياسية على أثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط ( فبراير) 2005، وهو الشخصية البارزة ليس على صعيد انتمائه الديني وحسب، وإنّما على الصعيدين العربي والدولي بصفته زعيم سياسي ورجل أعمال ساهم في اعمار لبنان، وله موقع مؤثّر في تركيبة السلطة والدولة بعد انتهاء الحرب الأهلية، والتوصّل الى تسوية الطائف للوفاق الوطني عام 1989، وهي التسوية التي أوقفت الحرب ميدانيا دون أن توقف تداعياتها وإفرازاتها. أفضت وثيقة الطائف الى دستور جديد للدولة اعاد توزيع السلطة والصلاحيات والمسؤوليات على اساس طائفي -مذهبي سواء على مستوى الرئاسات الثلاث ( الجمهورية، النوّاب، الوزراء )، أو على مستوى المناصفة بين المسلمين والمسيحيين لأعضاء المجلس النيابي بحصة 64 نائبا لكل مجموعة طائفية .

    أعقب اغتيال الحريري سلسلة اغتيالات شملت رموزا بارزة في فريق 14 آذار المعارض لسوريا وحزب الله وامتداداته الاقليمية. ففي 7 أيّار ( مايو ) 2008 ، كاد لبنان ان يفتح لمرحلة جديدة للحرب الأهلية، لكن تدخّلا عربيا قادته دولة قطر هذه المرة، حيث تمّ التوصّل الى تسوية الدوحة التي نزعت فتيل الانفجار لكنّها لم توقف سلسلة الأزمات اللبنانية التي تواصلت، والتي لم تلبث أن انفجرت بشدّة، وما تزال منذ تشرين الأول ( أوكتوبر ) 2019، بين محورين: احدهما بقيادة حزب الله وامتداداته الاقليمية، والآخر محور معارض يرفع شعار ” السيادة واستعادة الدولة والاستقلال ” .

  في سوريا، اتخذت النزاعات الإثنية الطائفية والعرقية طابع الحرب الأهلية بين المكوّنات الدينية والاثنية المحلية. اندلعت الحرب في مطلع آذار ( مارس ) 2011، ولم تلبث أن تطورت الى صدامات مسلّحة ساخنة مع ظهور تنظيمات تكفيرية مصنّعة مخابراتيا من جهات دولية وإقليمية، وتحت مسمّيات ” تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ( داعش )، و”جبهة النصرة “، و”فتح الشام”، إضافة الى ” قوات سوريا الديمقراطية “، وهي عبارة عن ميليشيات كردية سورية مسلّحة .

     لم يلبث المشهد الحربي في سوريا أن انفتح أمام تدخّلات دولية وإقليمية متعددة من زاوية المصالح والحسابات الاستراتيجية. دوليا كان التدخل العسكري الروسي المباشر بدافع الحفاظ على المرافىء السورية على المتوسط كمحطات لتسويق الغاز الى أوروبا، وإقليميا كانت إيران الدولة الأكثر تحشيدا لعناصر محاربة إيرانية وعراقية وشيشانية ولبنانية (حزب الله). بالمقابل كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتموضع عسكريا في مناطق الثروة النفطية في شرق الفرات، كذلك كان لتركيا بأيديولوجيتها الإخوانية ( إخوان مسلمين ) أسبابها الدافعة الى التدخل العسكري لمنع قيام كيان سياسي كردي محادد لها، الأمر الذي تخشى معه أن يتطور الى قيام دولة كردية كبرى في المربع الكردي الإقليمي الذي يجمع أكراد سوريا وتركيا والعراق وإيران .

     وإذا كانت حروب الإثنيات الطائفية والعرقية في اقطار العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين قد أفضت الى نتائج غير مسبوقة في حسابات الضحايا البشرية ، وفي تهديم بنى الدولة وتدمير الروابط الاجتماعية والثقافية والتاريخية، فإنّ ” الفوضى الخلاّقة ” التي بشّر بها  الرئيس الأمريكي ” جورج بوش الإبن ” بعد احتلاله العراق، لم تلبث أن باتت شعارا نافذا على أرض الواقع في مصر وتونس والجزائر وليبيا والسودان وسائر اقطار الوطن العربي ونظامها الاقليمي، الأمر الذي باتت معه هياكل هذا النظام، في حال عدم تدارك العرب للامر، على عتبة تشكّل جديد لنظام إقليمي يستجيب لاستراتيجيات استعمارية وصهيونية متجددة لتفكيك عرى الروابط القومية والتجزئة السياسية والاجتماعية والثقافية، وإعادة تركيب جغرافيات سياسية تستجيب لمصالح الخارج الدولي والإقليمي في التوسّع والسيطرة والتغوّل على حساب الوحدة الوطنية للدولة القطرية (الدائرة الصغرى) وتفاعلها مع الدائرة الكبرى أي الدائرة القومية المجسّدة لوحدة الأمّة العربية وقيام مجتمعها الوحدوي التحرري النهضوي .

 4- في التكلفة العالية للصراعات والحروب بين الإثنيات العربية

  إذا كانت الصراعات والحروب على اختلافها تسجّل تكاليف وأثمانا بشرية ومادّية في غير مكان من أماكن حدوثها، فإنّها في الحالة العربية تتجاوز سقوفا قياسية في حسابات التكلفة الباهظة، والسبب المركزي الذي يكمن وراء الفداحة في التكلفة، فإنّما يعود الى الشحن النفسي والتعبئة الدينية (الطائفية) التي يتحول معها الاستعداد للمواجهة الى أيديولوجيا ضاغطة على الفكر والسلوك والممارسة القتالية .

   يضاف الى الأيديولوجيا كمحرّك نفسي في الصراع الإثني ” الطابع الأخطبوطي لشبكات العنف، وسهولة التنسيق بين الفروع والأعضاء بفعل الثورة الاتصالية، والتغطية الإعلامية الواسعة لنشاط تلك الشبكات على نحو ييسّر لها أعمال التعبئة والتجنيد، هذا فضلا عن اشتداد التعصّب للطائفة والمذهب بفعل انتعاش الانتماءات الأولية(29)، مقابل تراجع وانحسار الروابط الاجتماعية وانهيار الثقافة الوطنية .

  في لبنان، قدّر عدد ضحايا الحرب الأهلية التي تواصلت على مدى خمس عشرة سنة بين عامي 1975 – 1990 بحوالي 130 ألف قتيل، و207 آلاف جريح ، و170 ألف مفقود، وتعرّض ما بين 700 الى 750 ألفا للتهجير القسري الداخلي، وزهاء 400 ألف آخرون للهجرة الى الخارج (30).

  في العراق، جاء في صحيفة ” لانسيت الطبية ” في عددها الصادر في 6 تشرين الأول ( أوكتوبر) لعام 2006، أي بعد مضيّ ثلاث سنوات على الاحتلال الأمريكي، أنّ عدد القتلى العراقيين بلغ 655 ألف عراقي، هذا واشارت الصحيفة الى مصاعب في البحث تعود الى الأوضاع الأمنية الشديدة التوتر، بحيث لم يتمكن الفريق الباحث من إدراج حالات كثيرة للقتل الجماعي، أو عدم رصدها بدقّة، وهذا ما حصل فعليا مع أحداث العنف الشديد التي تلت تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي وإبنه حسن العسكري في سامرّاء. وانتهت الصحيفة الى وصف ما يجري في العراق بأنّه ” يعدّ النزاع الأكثر دموية في العالم في القرن الحادي والعشرين  (31) .

    وفي تقرير آخر لبعثة المساعدة الموفدة من الأمم المتحدة للعراق في تشرين الأول ( أوكتوبر ) 2006، اشار الى أنّ القتلى المدنيين في هذا العام وحده بلغ 34452، والجرحى 36685، في حين أنّ عدد المهجّرين في داخل العراق قفز من 800 ألف عام 2003 الى  1.024 مليون في عام 2006، وأنّ عدد اللاجئين العراقيين الى الخارج بلغ 500 ألف لاجىء لحين اعداد ذلك التقرير، اعقبته ملايين عديدة في السنين اللاحقة.

    بين الأسباب الدافعة الى تعاظم العنف في العراق في اعقاب الاحتلال، تلك التي تعود الى اختراق الميليشيات الطائفية التي جنّدتها قوى السلطة الحاكمة في ظل الاحتلال، أجهزة الأمن، بل المشرفين على هذه الأجهزة أنفسهم ( نموذج باقر صولاغ وزير الداخلية آنذاك )، وهناك أيضا المرارة التي ولدتها صراعات ما بعد الاحتلال في نفوس العراقيين من جرّاء تسريحهم من وظائفهم المدنية والعسكرية، بالاضافة الى تهميشهم سياسيا وخدماتيا، كلّ ذلك أدّى الى عوامل عنف الفعل وردّ الفعل الطائفي (32) .

   في اليمن، سجّلت أعمال العنف في الحرب الأهلية التي انفتحت بين الجماعة الحوثية وقوى السلطة المحافظة، سجّلت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من المواجهات في العام 2004، ما يزيد على 400 قتيلا، وخلال اسبوعين فقط من شهر نيسان ( إبريل ) 2005 ، 280 قتيلا، وخلال أول شهرين من العام 2007، ما يزيد على 700 شخص (33). ولم تلبث ضحايا الصراع المذهبي أن شهدت ارتفاعا مضطردا، لا سيّما بعد أن توسّعت مساحات الاشتباك من إقليم صعدة (إقليم البداية) لتشمل تسعة أقاليم في العام 2007، ثمّ لتشمل سائر الجغرافية الادارية اليمنية، ولتنتقل الى الدول المجاورة من خلال حرب الطائرات المسيّرة والصواريخ البالستية الدقيقة والذكية، والتي طالت غير مدينة ومنشأة في المملكة العربية السعودية، وكذلك في دولة الامارات العربية المتحدة .

   في سوريا، وهي اكثر الساحات العربية (بعد العراق) اشتعالا في حروب مذهبية وعرقية تشابك فيها المذهبي والعرقي السوري مع الأيديولوجي المذهبي الإيراني والتركي، مع التوظيف الجيوسياسي الدولي الأمريكي والروسي . ومع انّه لم تتوفّر دراسة تتمتع بالثقة الاحصائية، إلاّ أنّ الخسائر البشرية فاقت مئات الآلاف من الضحايا، وموجات الهجرة واللجوء الى الخارج بلغت الملايين الى لبنان والأردن ودول الخليج العربي، وكذلك الى غير دولة أوروبية وعالمية أخرى .

   إنّ انتعاش الصراعات الإثنية لم يتوقف على اقطار المشرق العربي وحدها، وإنّما طال أيضا اقطارعربية اخرى هي مصر وليبيا والسودان وتونس  والجزائر والصومال والمغرب .

 وازاء كل هذه التحديات الوجودية التي تواجهها الامة العربية ، ما هي الخيارات و الآليات المتاحة امامها لاحتواء تداعيات الحروب والنزاعات الإثنية ؟.

هذا ما ستتم مناقشته في الجزء الرابع.

 

يتبع لطفا..

يوم الأيام.. دروس وعبر

يوم الأيام.. دروس وعبر

الفريق الركن محمد صالح علوان

 

ونحن في الذكرى السابعة والثلاثين لـ(يوم الأيام) ذكرى الانتصار التاريخي للعراق على إيران في حرب القادسية المجيدة، لابد لنا من استذكار أهم الدروس والعبر التي يمكن تأشيرها من تلك الملحمة الطويلة وفي الجوانب المختلفة ….

ففي الجانب السياسي بإمكاننا تأشير بعض العبر والدروس ومنها:

  • لقد اثبتت التجربة والأيام ان خيار العراق السياسي في التصدي للعدوان الإيراني ومنعه من تصدير ثورته المنحرفة الى العراق ودول الجوار كان سليما جداً وأن تجربة الاعوام التي أعقبت الغزو والاحتلال الامريكي لبلادنا في سنة 2003 أثبتت صحة الموقف العراقي في العام 1980 حيث تم حشد القدرات العراقية ضد العدوان الايراني والذي امتلأ بالحقد والحسد وكان راغبا وبقوة في تدمير التجربة العراقية الحديثة.
  • وأن المراقب السياسي الدقيق يلاحظ ان هنالك اخفاق سياسي واضح وللأسف من حصد نتائج الانتصار العسكري العراقي على إيران، حيث كانت مطالب العراق في العام 1980 عند انطلاق الحرب كثيره ومتنوعة ولكنها في نهاية الحرب ورغم الانتصار العسكري الحاسم والواضح لم تكن واضحة بشكل كافي كما تم اعلانها في بداية الحرب، وذلك بسبب التعنت الإيراني وروح المطاولة الإيرانية المعروفة في التفاوض والاحداث اللاحقة التي عصفت بالعراق.
  • لقد أظهرت الحرب الإيرانية – العراقية  القدرات القيادية المتميزة للرئيس الراحل صدام حسين في الادارة والتخطيط والقدرة على توحيد الشعب ورفع قدراته لمواجهة التحديات التي واجهها العراق ، وقد كانت تلك الحرب ميدانه الأبرز في تطبيق أفكاره وابراز طاقاته وتحقيق النصر العراقي على إيران في واحدة من أطول الحروب الإقليمية الدامية في العصر الحديث حتى برز كواحد من أهم قادة العالم والمنطقة قدرة ومكانه ، كان الرئيس صدام حسين رحمه الله يتميز بالتواضع وعدم الغرور وهو القائل في السنة الاولى من تلك الحرب: ( لن تغرينا القوة ولن يركبنا طيش النصر) ، كما انه تمكن وبقدراته الخلاقة من الانسجام التام مع القيادة العسكرية للجيش والقوات المسلحة الى حد كبير.
  • بات العراق بعد تلك الحرب مثار اهتمام دول العالم ونال احترام وتقدير العرب والمسلمين وبالتالي راح الجميع يحسب للعراق حسابا وتقديرا مختلفا عن الأيام التي سبقت تلك الحرب.
  • وعلى المستوى السياسي الداخلي كذلك فقد انتهت الحرب والعراق على أعلى مستويات التماسك السياسي والاجتماعي وقد نالت قيادة العراق الثقة المطلقة من شعب العراق وغاب تأثير أي دور لما يسمى (المعارضة العراقية) والتي أخطأ الكثير من قواها واحزابها وساد التشويش مواقفها، بل قد أساء الكثير منها الى نفسها ومشاريعها عندما اصطفت مع العدو الإيراني ضد شعب العراق خلال الحرب.

 وفي الجانب الاقتصادي، يعرف الجميع أن الحرب هي محرقة للأموال وتخريب غير متعمد للاقتصاد.. وأنها تترك انعكاسات خطيره على حياة الشعوب وتؤثر على رفاهيتها، وما لم تتحسب الحكومات وتحسب الاوضاع الاقتصادية بدقه فأن تحقيق النصر الحاسم سيكون نصرا منقوصا بكل الاحوال، وقد برزت خلال الحرب وما بعدها بعض الدروس والعبر ومنها:

  • لقد بدأت الحرب والعراق غني ويمتلك احتياطات نقديه كبيره (يقال ان العراق كان يمتلك مبلغ يقدر ب (35) مليار دولار فائضه عن حاجته، كما أنه وخلال السنوات التي سبقت الحرب يقود حملة تنميه انفجارية هائلة في كل الميادين وان البنية التحتية في البلاد كانت في طور الاعمار بعد ان أنجز الكثير من مفرداتها الأساسية.
  • وخلال السنوات الأولى للحرب لم يتأثر الاقتصاد العراقي كثيرا بفعل التخطيط الجيد لتأميم النفط وأساليب تصديره من خلال تنوع منافذ التصدير سواء من البصرة والخليج العربي او تركيا او من خلال سوريا الى البحر الابيض المتوسط أو من خلال الصهاريج عن طريق الاردن، أضافه الى انبوب النفط باتجاه ميناء ينبع السعودي الذي افتتح لاحقا وغيرها، كما لعب أنبوب خط النفط الاستراتيجي الذي أفتتح في نهاية السبعينات دورا هاما في المناورة بمنافذ تصدير النفط.
  • ورغم الحرب ومصاريفها والحاجة الماسة لتأمين متطلباتها الملحة واعتبارها من الاسبقيات المتقدمة في الصرف، لم تتوقف عجلة البناء والانتاج والتطوير ويرى المراقب انه ورغم ظروف الحرب فقد تمكن العراق من انشاء العديد من الجسور وطرق النقل السريعة والمستشفيات والجامعات وقنوات الري والسدود الكبيرة والمصانع وتطوير الزراعة بشكل لافت.
  • لقد كلفت الحرب الطويلة المفروضة على العراق ومن خلال تعنت إيران ودعمها من قبل الكيان الصهيوني خسائر هائلة ودفع من امواله وخزائنه الكثير لإدامة القدرات الحربية وهذه هي النتائج الفعلية للحرب على اقتصاد البلاد.. وهذا ما ينعكس بكل تأكيد على دخل الفرد في ذلك الوقت.

وفي الجانب العسكري لقد شهد الجانب العسكري تغيرات هائلة خلال الحرب الطويلة حيث افرزت نتائج وعبر سيكون لها تأثير وانعكاسات كبيره لاحقا على مستقبل العراق والمنطقة وعلى من شارك فيها ويمكننا تأشير بعضها:

  • لقد كان حجم الجيش العراقي صغيرا ولكنه مدربا ويمتلك سياقات عمل وتقاليد جيده أضافة الى تمتعه بمعنويات عالية وقيادات تم اعدادها وتدريبها بشكل جيد.. لقد كان للاستقرار وعدم الاشتراك بحرب او معارك خلال السنوات الخمسة التي سبقت الحرب الإيرانية – العراقية ونعني بها منذ توقيع العراق على اتفاقية الجزائر في العام 1975 اثراً مهما في ذلك الإعداد والتدريب أضافة الى الوضوح السياسي والدعم الكبير والذي تبلور في العراق منذ مطلع السبعينات في إعداد وتطوير القوات المسلحة العراقية وتحديثها بما يساهم في حماية التجربة العراقية الحديثة في البناء والتطوير.
  • بدأ الجيش العراقي الحرب وهو بقوة لا تزيد عن 11 فرقة وعند انتهاء الحرب كانت قوته ما يقارب 55 فرقه وكان جيشا قويا يمتلك من الخبرات في المعارك الدفاعية والهجومية الشيء الكثير ولديه كم كبير من القادة الأكفاء والشجعان الذين يعتدون بأنفسهم وبقدراتهم وقد زينت صدورهم الأوسمة والنياشين والسيوف بعد ان كسروا الغرور ولعنجهية الإيرانية.. كما امتلك هذا الجيش سمعة لا تضاهى وعدد كبير من الطائرات والدبابات والمدافع والأسلحة المتنوعة الأخرى مما جعل الجميع يحسب له ألف حساب، وكان ذلك كله دافعا للتآمر عليه داخليا وخارجيا للأسف الشديد.
  • ساعدت الحرب الطويلة الجيش العراقي على اكتساب خبره كبيره في أساليب الحرب وفنونها مما جعله من أهم الجيوش في منطقة الشرق الأوسط وأثار اهتمام الجميع وشكل حالة من الخوف والتوجس لدى الكيان الصهيوني الذي كان يستذكر دوما ضربات هذا الجيش في الحروب العربية الإسرائيلية السابقة.

وفي الجانب الاجتماعي والاعلامي، وتبرز هنا العديد من العبر والدروس ومنها:

  • على الرغم من أن الحرب الطويلة قد اظهرت قوة وتماسك المجتمع العراقي بكل مكوناته والتصاقه بقيادته إلا ان للحروب ضريبة اجتماعية كبيرة ومعروفة وقد ترتد الى سلوك اجتماعي ضار وسيء، وكان من أوائل تلك المشاكل الاجتماعية هو القصور في رعاية الأبناء والقرب منهم حيث يعلم الجميع أن الحرب تشغل الآباء طويلا عن عوائلهم، لكنه كان الدور المتميز للماجدة العراقية في تغطية ذلك، فان هنالك قصورا أصبح واضحا في جمع شمل العائلة خلال الحرب الطويلة التي استوجبتها ظروف الدفاع عن الوطن.
  • لقد تطور الاعلام العراقي خلال الحرب وواكب المعارك منذ أيامها الأولى وكانت الصحافة اليومية التي توثق مجريات الحرب والحياة في العراق تصل الى المقاتلين يوميا حتى وهم في داخل الخنادق الأمامية وفي العمق الإيراني. كما كان الدور المهم الذي لعبه التلفزيون العراقي ودائرة التوجيه السياسي في الجيش هي من وثق المئات من الافلام الوثائقية لتاريخ الحرب والمعارك والتي كان ينتظرها العراقيون والعالم أجمع. وقد تطور عمل وسائل الاعلام المختلفة (المرئية والمسموعة والمكتوبة) بشكل واسع خلال سنوات الحرب. وقد تكون محاولات تدوين تاريخ تلك الحرب على شكل قصص وروايات قاصراً ولكن وسائل الاعلام المختلفة حاولت من تدوين بعضها. واشترك الكتاب العراقيون في ذلك على نطاق واسع وعلى اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية.
  • لقد كانت مهرجانات قصائد الشعر، والشعر الشعبي والشعر الحر والأغنية الوطنية عنوانا مهما لتلك المرحلة من تأريخ العراق وكانت الأغنية الثورية والحماسية والاهازيج الشعبية رديفا للمقاتلين وتتردد على ألسنتهم يرددونها دوما وتدفعهم للعطاء بشكل أكبر.. وقد تخلد الكثير منها ولم تغب عن الذاكرة العراقية رغم مرور السنوات لأنها عبرت عن ضميرهم ووجدانهم والتصاقهم بآمالهم وأحلامهم وأحاسيسهم.

وفي الجانب الأمني  يمكننا أن نؤشر  واحداً من أهم دروس الحرب الإيرانية- العراقية  في هذا المجال هو ابراز أهمية العراق كبلد مهم ومؤثر لا يمكن أن يغيب عن دائرة الأحداث المهمة في الشرق الأوسط وبالتالي  قاد إلى زيادة الخطر والتهديد وتنوع العدو وقد تأثر العراق لاحقا بهذا العمل كثيراً حيث كان لديه قدرات اقتصاديه محدودة ومتطلبات أمنيه واسعه وعلى الرغم من تمكن العراق من خلال أبناء شعبه ومؤسساته الأمنيه الكفوءة من التصدي للكثير من التحديات ، إلا ان تنوع التهديدات والتحديات واتساعها بسبب الانتصار الكبير في الحرب قد شكل تهديدات خطيره للأمن الوطني العراقي في سنوات لاحقه وكما هو معلوم حالياً وقادت الى أحداث لازال العراق يعاني من تبعاتها.

 

وفي الختام فإننا نقول ان الحرب الطويلة مع إيران وتبعاتها وتحدياتها المتنوعة قد انتجت كماً هائلا من الدروس والعبر لا يمكن تدوينها في هذا المقال القصير وإنها تحتاج الى كتب ومجلدات سيدونها الباحثون والمؤرخون حتما، ومن الله العون والتوفيق.

 

 

 

 

ملحق جريدة الثورة بمناسبة الذكرى 37 ليوم النصر العظيم تاريخ 8-8-2025

أصدرت قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي ملحق جريدة الثورة بمناسبة الذكرى 37 ليوم النصر العظيم تاريخ 8-8-2025

للاطلاع وتحميل الملحق:

https://drive.google.com/file/d/1dSVAe7Jwos_I3Rzk0OFtMhe5t1rNRWmq/view?usp=sharing

https://anyflip.com/lapqo/cysf/

http://online.anyflip.com/lapqo/cysf/

ملحق جريدة الثورة بمناسبة الذكرى 37 ليوم النصر العظيم

يطل علينا يوم النصر العظيم

يطل علينا يوم النصر العظيم

علي الأمين

إن ليوم الأيام مكانة عزيزة ليس لدي فقط ولكن في نفوس وقلوب كل العراقيين على وجه العموم لأنه يوم انتصف فيه العرب من العجم وبه انتصروا وهو اليوم الذي يذكر العرب بمعركة ذي قار.

إن يوم 8-8-1988 هذا التاريخ عظيم لوطن عظيم فيه يتجدد فرح العراقيين وهم يردد (سيدي اشكد انت رائع) استذكاراً لما أنشده الفنان الراحل ياس خضر عندما أعلن عن وقف إطلاق النار واتجه العراقيون لساحة الاحتفالات الكبرى مع قائدهم الشهيد المناضل صدام حسين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

نعم لازال العراقيون يخلدون يوم النصر العظيم حتى الجيل الجديد الذي ولد بعد الاحتلال الغاشم على عراقنا الحبيب يستذكر يوم الأيام ويناشد هل من صدامٍ يولد ليحرر أرضنا من دنس المجوس ويعيد العراق إلى حضن الأمة العربية.

نقول إن العراق ولَّاد بالرجال الرجال وما جمعهم إلا بدد وما أيامهم إلا عدد

وسنردد يا محلى النصر بعون الله

 

جَذْوَةُ القَوْمِيَّةِ الفَارِسِيَّةِ … أَطْفَأَهَا يَوْمِ النَّصْرِ العَظِيم

جَذْوَةُ القَوْمِيَّةِ الفَارِسِيَّةِ … أَطْفَأَهَا يَوْمِ النَّصْرِ العَظِيم

ابن قاسيون

 

لم يكن الخميني أفضل حالاً من غيره، فكل أنظمة الحكم التي تعاقبت على إيران كانت أساليب حكمهم تسعى إلى تفريس الخليج العربي والعراق، وخاصة في الجانب الشرقي من الخليج والمناطق العراقية الحدودية في جنوب العراق وشرقه في منطقة الخفاجة ومهران ومنطقة شيرين وغيرها.

فمن عدو الإنسانية نادر شاه في القرن الثامن عشر وامتداداته في القرن التاسع عشر، والذي حصل على الدعم الأوربي في تنفيذ مخططه الإجرامي في العراق حيث لم يترك قبيحة إلا ارتكبها، وصولاً إلى شاه إيران البهلوي الذي احتل إمارة المحمرة وكامل أراضي عربستان وطول ساحل العراق الشرقي من الخليج العربي عام 1925 بمساعدة بريطانيا، وولده رضا بهلوي الذي احتل الجزر العربية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى عام 1975، ثم الخميني الذي جاء منتشياً ليعمل على تصدير الفتن تحت شعار ما يسمى (تصدير الثورة) وما ارتكبه من مجازر ضد العراقيين والشعب العربي في الأقطار العربية من خلال محاولاته احتلال العراق والتي باءت جميعها بالفشل.

فحين قامت ثورة الخميني سنة 1979 رفع قادة الثورة شعاراً كريهاً (وهو تصدير الثورة)، وكان هذا الشعار مقلقاً لكل دول المنطقة وفي مقدمتها العراق ودول الخليج العربي.

كان الحدس العروبي القومي لدى العراق يستشعر هذا الخطر وما يشكله من تهديد وجودي للعراق بكل أطيافه المجتمعية باعتبار أن إيران حاولت أن ترتكز في تصديرها للثورة كما تعتقد على الوجود الشيعي القديم في العراق (علماً أن العراق هو منبع التشيع الصحيح)، وكذلك الاعتماد على التنظيمات الحزبية وخاصة حزب الدعوة، الذي كان يمثل شبكات تجسس وعمليات تخريب في المدن العراقية.

الحقد الفارسي تزايد مع توقيع العراق لميثاق الدفاع العربي في فبراير شباط 1980، واعتبرته إيران عملاً عدائياً موجهاً ضدها في الصراع الحدودي العراقي الإيراني.

في الرابع من سبتمبر أيلول 1980 قامت المدفعية الإيرانية بقصف البلدات الحدودية العراقية، وما سبقه من استفزازات متواصلة للعراق، إعلامياً إضافة للخروقات الحدودية، مع هذا القصف المتكرر على البلدات العراقية ومحاولة نظام الخميني زعزعة الاستقرار الداخلي العراقي من خلال زبانيته العملاء، ومحاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء الأستاذ طارق عزيز التي قام بها حزب الدعوة بإيعاز من نظام الخميني.

هذه الأحداث دفعت العراق إلى إلغاء اتفاقية 1975 الموقعة مع إيران، واعتبر مياه شط العرب كاملة جزءاً لا يتجزأ من المياه الإقليمية العراقية.

ومع تزايد الاستفزاز والقصف الإيراني قرر مجلس قيادة الثورة في 22 سبتمبر أيلول عام 1980 شن حملة عسكرية ضد نظام الخميني، فتقدم الجيش العراقي سريعاً، داخل العمق الإيراني في محاولة لوقف الاعتداءات الإيرانية، والحفاظ على الحدود العراقية آمنة دون مضايقات إيرانية.

 ورغم كل الدعم الذي تلقته إيران حتى من “الكيان الصهيوني” لم يساهم ولو قليلاً في رفع معنويات الدولة الفارسية، ولم تحقق من خلاله إلا مزيداً من الهزائم خلال ثمان سنوات كانت عجافاً قاسية على الخميني وحاشيته، ليعلن الخميني بعد هذه السنوات أنه قد تجرع السم الزعاف.

فلكل جندي وضابط وقائد، ولكل طفل وشيخ وامرأة كل التحية والإجلال على صمودهم الأسطوري الذي ساهم في صنع النصر على أعداء الأمة….

كل التحية والتقدير لروح الشهداء البواسل الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل رفعة الأمة، والتصدي لعدوها الحقود الذي حاول كسر البوابة الشرقية للأمة ففشل واندحر.

لروحك السكينة والجنان أيها القائد البطل الهمام سيد شهداء العصر صدام حسين، حيث كان للنصر تحت قيادتك نكهة أخرى…. 

يوم الأيام يوم تجلت فيه أروع صور الصمود والبطولة والشهامة العراقية

يوم الأيام يوم تجلت فيه أروع صور الصمود والبطولة والشهامة العراقية

أم صدام العراقي

 

كي لا ننسى، كي نتذكر في كل عام وفي هذا اليوم الخالد من تأريخ العراق الزاخر بالنضال والتضحية والمآثر البطولية الفذة، ففي هذه المناسبة العظيمة يحتفي العراقيون الشرفاء الغيارى بذكرى يوم خالد من أيامهم المجيدة، إنه يوم الأيام “يوم النصر العظيم”، يوم جرع العراقيون الأباة بصمودهم الأسطوري الفرس المجوس كأس السم الزعاف.

إن يوم الأيام يعد سفراً خالداً وصفحة مضيئة مشرقة في تأريخ العراق، صفحة مليئة بالعز والفخر والبطولة، صفحة امتلكت مقومات النصر بكل جوانبها، فهو اليوم الذي بدأت فيه اشراقات مضيئة وأنهى غطرسة الفرس وخيب آمالهم وأحلامهم المريضة بهمة عالية ونفوس أبية وملاحم أسطورية خالدة كتبها أبناء شعبنا وجيشنا الغر الميامين بمداد البطولة والشهامة والغيرة العراقية العروبية، فقد تجلت في ذلك اليوم التاريخي الخالد أروع صور الصمود والبطولة والشهامة العراقية.

إن يوم النصر هو يوم لكل العراقيين الغيارى الأباة الذين وقفوا وقفة الرجل الواحد لصد الهجمة الصفوية الصفراء التي أرادت النيل من وطنهم وطمس هويته العربية وتاريخهم المجيد المشرف وحضارتهم العريقة التي امتدت آلاف السنين وأنهل منها العالم، فقد زفت قيادتنا التاريخية الحكيمة في ذلك اليوم البهي بشرى النصر المؤزر لشعبها الأبي وجيشها المقدام بعد ثمان سنوات من المواجهات والمعارك التي انتهت بالنصر العراقي، وسطر فيها أبطال جيشنا الباسل بكل تشكيلاته وصنوفه أروع ملاحم التضحية والفداء والبطولة، وسحقت ببنادقهم جيش الفرس وأمانيهم الضالة وجعلتهم يجرون أذيال الخيبة والهزيمة والانكسار وجرعت دجالهم المعتوه كأس السم الزعاف.

إن النصر العظيم الذي حققه العراق في معركة القادسية الثانية سيبقى نصراً عراقياً – عربياً كبيراً.. لقد قاتلنا قتال الصحابة على مدى السنوات الثمان وصمدنا صموداً تاريخياً قل نظيره، فانتصرنا وجرعنا عدونا السم، وجعلناه يجر أذيال الخيبة والهزيمة والذل، فطوبى للأبطال الميامين الذين رسموا بدمائهم الزكية الطاهرة النصر المؤزر.

الرحمة والخلود وعليين لشهدائنا الأبرار يتقدمهم قائد النصر والتحرير الشهيد الخالد صدام حسين، والمجد والظفر لأبطال القادسية الميامين الذين أبلوا بلاء حسناً على كل جبهات القتال والعز والرفعة للعراق وأمة العرب.

8/8/1988: العراق ينتصر… والخميني يتجرّع السم

8/8/1988: العراق ينتصر… والخميني يتجرّع السم

 بقلم: أبو محمد عبد الرحمن

 

 في 8 أغسطس 1988، توقف زمن الحرب بين العراق وإيران، حين أعلن النظام الإيراني قبوله بوقف إطلاق النار بناءً على القرار 598 لمجلس الأمن، منهياً بذلك نزاعًا استمر ثماني سنوات خلف فيها دروسًا عميقة من النضال والصراع الإقليمي.

لم يكن الأمر مجرد تبادل للنار أو صراع على الحدود، بل كان معركة وجودية بين مشروعين: مشروع عربي وطني يصر على حماية بوابة الأمن القومي العربي في الشرق، ومشروع إيراني صفوي طائفي يحاول اختراق الأمة العربية بذريعة تصدير الثورة.

لم تنطلق تلك الحرب من فراغ، بل من واقع إقليمي معقد حيث طهران، تحت قيادة الخميني، أرادت فرض هيمنتها العقائدية والسياسية عبر تشويه نسيج الأمة العربية وجعلها ساحة لصراع مذهبي عميق، مستثمرة التاريخ الصفوي القديم الذي يغذي نفوره من العروبة.

في مواجهة هذا المد، كان العراق يقف كحارس شرقي للعروبة، متحملاً ثمنًا باهظًا من دماء وشهداء وحصار دولي، لكنه حافظ على رسالة الأمة التي ترى في الإسلام قوة توحد ولا تفرق، وفي العروبة عقد أخوة ودم لا يُفرّق.

لم يكن قبول إيران وقف إطلاق النار سوى اعتراف مرير بفشل مشروع الصفوية في انتزاع سيطرة كاملة على المنطقة، حيث خرج الخميني معلنًا تجرعه “كأس السم” الذي لم يكن سوى هزيمة استراتيجية قاسية.

يوم 8/8/1988 ليس مجرد تاريخ على ورق، بل هو علامة مضيئة على قدرة العرب، حينما توحدوا وحموا مستقبلهم من موجة الاضطراب الطائفي، درسٌ في الصمود والوفاء للأمة.

لكنّ ما لم تستطع إيران تحقيقه عبر الحرب المباشرة، جاءها على طبق من ذهب بعد أقل من عقدين. فتدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في 2003، واحتلوا بغداد التي حمت العرب، ثم سلّموها طوعًا للمليشيات الطائفية وفتحوا أبوابها أمام الهيمنة الإيرانية، ليعود المشروع الصفوي متسلحًا هذه المرة بالاحتلال الأميركي والفراغ العربي القاتل.

إن ذكرى 8/8/1988 تذكرنا أن النصر العسكري لا يكفي، إن لم يُصن بوعي سياسي عربي جماعي. فالتاريخ لا يرحم، والعدو لا ينسى، والفرصة التي أُهدرت في بغداد ستظل وصمة على جبين أمة لم تحسن استثمار نصرها، وتركت حارسها الشرقي يُذبح وتُدمر دولته، لينهض المشروع الطائفي من جديد بثياب رسمية هذه المرة، على أنقاض العروبة.

فلنُحيِ هذا اليوم كعلامة نصر وجرس إنذار معًا، ولنبقَ أوفياء لذاك العراق الذي وقف وحده ذات زمن… فحمى الجميع.

يوم النصر العظيم… تاريخ لا يُنسى للماجدة العراقية

يوم النصر العظيم… تاريخ لا يُنسى للماجدة العراقية

فاطمة حسين

يأتي الثامن من آب كل عام ليُذكرنا بواحدة من أعظم لحظات التاريخ العراقي الحديث، اليوم الذي تجرّع فيه العدو كأس الهزيمة، وأُجبر الخميني على قبول وقف إطلاق النار، منهياً حرباً استمرت ثماني سنوات وأرهقت الشعب الإيراني، وأذلت الجيش الإيراني الذي كان يعد الجيش الخامس في العالم.

ففي هذا اليوم المجيد من عام 1988، صدح صوت النصر من بغداد، ليعلن أن العراق خرج مرفوع الرأس، صامداً، صلباً، منتصراً بإرادة شعبه وبسالة جيشه وقيادته الوطنية.

لكن ذلك النصر العظيم لم يكن حصيلة البندقية وحدها، بل كان تتويجاً لتضحية شعبٍ بأكمله، ومنه الماجدة العراقية.

الماجدة العراقية… مساهمة في  صناعة النصر وسند الوطن.

في غياب الرجال الذين حملوا السلاح على الجبهات، نهضت المرأة العراقية بشجاعة نادرة، لتحمل راية الصمود في الداخل. دخلت الماجدة إلى المعامل والمصانع، أدارت المؤسسات، ووقفت في الخطوط الأولى لمساندة الجبهة اقتصادياً واجتماعياً. لم تتردد لحظة في أن تكون الأم والأب معاً في بيتها، ترعى أبناءها وتحمي مستقبلهم، بينما تحمل في قلبها قلق الحرب وتحديات الغياب.

كانت الماجدة العراقية لا تنتظر شكراً ولا تصفيقاً، بل كانت تعتبر ما تقدمه واجباً وطنياً. وقد أدركت قيادة الحزب والثورة عظمة هذا الدور، فكرّمتها بمنحها لقب “الماجدة”، الذي أصبح رمزاً للعزة والوفاء والتضحية.

دور الماجدة في ملحمة النصر لا يمكن أن يُنسى، هو خلود في الذاكرة الوطنية، فهي لم تكن فقط داعمة، بل كانت شريكة حقيقية في النصر. رفعت راية العراق وهي تلبس ثوب العمل، وتحملت أعباء الحياة بكل صبرٍ وكرامة، ودفعت ثمناً غالياً من عمرها وجهدها وحياتها اليومية في سبيل بقاء الوطن عزيزاً شامخاً.

وفي الثامن من آب، حين أعلن النصر، لم يكن انتصار الرجال فحسب، بل كان أيضاً انتصار النساء، انتصار الماجدات.

سيبقى يوم الثامن من آب محفوراً في وجدان الأمة، شاهداً على أن النصر لا يُصنع بالسلاح وحده، بل بالعقول والقلوب والسواعد المؤمنة بالوطن. وستبقى الماجدة العراقية نبراساً للأجيال، تروى سيرتها في كل بيت، وتُذكر كرمز للبطولة في زمن الشدة.

المجد للعراق… المجد للماجدة… المجد ليوم النصر العظيم.

أُسُسُ وَمُكَوِّنَاتُ الجَيش الَّذِي حَقَّقَ النَّصْرَ العَظِيم

أُسُسُ وَمُكَوِّنَاتُ الجَيش الَّذِي حَقَّقَ النَّصْرَ العَظِيم

أبو شام

 

الحديث عن النصر الناجز المبين الذي حققه العراقُ على الفرس المجوس لا يتحقق إلا إذا تحدثنا عن العوامل والمكونات والأسس التي توفرت لدى العراق حتى استطاع أن يهزم الفرس المجوس في حربٍ هي من أطول الحروب التي شهدها العالم.

 كيف استطاع العراقُ بناء القاعدة الصلبة التي مكنته من احراز هذا النصر العظيم، وهو يواجه إيران كَقوةٍ إقليمية وقُوى دولية وإقليمية تقف خلفها.

استطاع العراقُ بعد السابع عشر-الثلاثين من تموز1968 من ترسيخ مفهوم الدولة، وبناء كل المؤسسات التي تشكلها على أسس علمية صحيحة، وفقاً للضرورات التي تتطلبها الدولة، كما عمدت الثورة على إعادة نسج اللحمة الوطنية والقومية بما يوفر الاستقرار والمساهمة الفاعلة في البناء والتقدم.

وكان على القيادة العراقية بعد الثورة أن تولي أهمية قصوى لبناء القوات المسلحة بكل صنوفها وتعمل بجهد متواصل على تأمين كل مستلزمات هذا البناء الشامخ حتى أصبح واحداً من أقوى وأكثر جيوش العالم قدرة وقوة وصلابة.

هذا الجيش الذي بنته ثورة السابع عشر-الثلاثين من تموز كان الركيزة الأساس في تحقيق النصر المبين على الفرس المجوس في حرب الثمان سنوات، يقفُ معه ويسنده الشعب العراقي في جبهته الداخلية الذي واصل مسيرة البناء والاعمار رغم كل الظروف الصعبة التي كان يمر بها العراق.

فكان الجيش العراقي الرقم الصعب في معادلة تحقيق النصر العظيم، وفي ذكرى هذا النصر الخالد، لا بد أن نلقي بعض الضوء على هذا الجيش العظيم، ونفتح صفحة من سفر تاريخه العظيم.

فالجيش في كل بلاد العالم هو صمام أمان الوطن، وضمان أمنه واستقراره وسيادته، بالتعاون والتنسيق والتكامل مع المؤسسات الأمنية الأخرى.

لقد كان الجيش العراقي الوطني الباسل سور الوطن العالي وسياجه المتين وحصن الأمة المنيع، فكان جيش الأمة العربية المجيدة، الذي أثبت ذلك فعلاً لا قولاً فقط، والذي لم تثبت عليه أي ثلمة وطنية أو قومية أو قيمية عبر تاريخ كفاحه المجيد، وهو نفسه الجيش البطل الذي قاتل المحتل الأمريكي الغاشم بعد أن قدمت جيوشه الجرارة من أقاصي العالم، واستمر بدعم المقاومة الوطنية العراقية بكل أطيافها حتى تمكنوا من إلحاق الهزيمة المنكرة بأقوى جيوش العالم على الإطلاق، وفرض عليه الهرب من أرض الرافدين عام 2011 م.

 

 

الجَيْش العِراقِي …. سِفْرٌ مَلْحَمِي بُطُولِي

إن من يستعرض تاريخ جيش العراق يقف مذهولاً أمام هذا السفر الخالد من الأمجاد والبطولات وصور العز والمجد والفخر، وملاحم الإباء والشمم التي سطرها عبر تاريخه المجيد وسجلها بأحرف من نور.

فقد امتلأ سجله الناصع بالوفاء لتربة العراق وأرضه ومائه وسمائه، ويشعر بالسمو والزهو لتلك المواقف البطولية في الدفاع عن أرض العراق ووحدته وفي الدفاع عن أرض العروبة وعن المقدسات وقيم ومبادئ الدين الحنيف، فهذا السفر البطولي الخالد لم تثلمه الملمات والخطوب، ولم يسجل على هذا الجيش أي موقف شائن، فكان وما يزال عنواناً للوطن، بل إنه بات مرادفاً للعراق، فلا يذكر اسم العراق إلا وذكر معه جيش العراق، ولقد عبّر هذا الجيش عن الوطنية بأبهى صورها في كل مراحل مسيرته المشرفة.

لقد تبنت قيادة ثورة السابع عشر من تموز الخالدة فلسفة بنيوية عظيمة ترتكز على أن الجيش وقوى الأمن يشكلان عماد التنمية، فلا تنمية ولا ازدهار دون أمن واستقرار.

أُسُسُ ومُرتَكَزَاتُ بِنَاء جَيْشِ العِرَاق

كما اعتمدت هذه الفلسفة على أن الأدوار الداخلية في المؤسسة العسكرية العراقية تترابط وتتكامل لتجعل الجميع بمختلف الرتب والمناصب ذوي أهمية ومسؤولية مهمة مهما كان الدور، صغيراً على مستوى القاعدة أو كبيراً في أعلى هرم القوات المسلحة.

 فالقوات المسلحة العراقية قامت على:

     أسس أخلاقية متينة، ارتكزت على النُبل والمهنية والفروسية والقيم الأخلاقية العالية.

     وعلى أساس تنظيمي هرمي، فالرتب العسكرية الممنوحة للمستويات القيادية المختلفة هي في موضع التكليف وليس التشريف، بغية تحقيق الأهداف الوطنية ضمن سياقات وأنظمة العمل المعتمدة في هذه المؤسسة الوطنية الكبيرة التي تقع عليها المسؤولية الأولى والمهمة الكبرى في الدفاع عن حياض الوطن وضمان أمنه واستقراره واستقلاله ووحدته.

     وكذلك فإن شعار (النصر أو الشهادة) كان واحداً من تلك المرتكزات، ففي جميع المعارك التي خاضها جيش العراق دفاعاً عن العراق وعن الأمة جمعاء، كان يرفع هذا الشعار.

وبالتجسيد الحي والتطبيقي له تمكن من حسم المعارك كافة بالنصر الناجز بالوقت نفسه الذي أعطى فيها قوافل من الشهداء الأبرار الذين رووا بدمائهم أرض العروبة جمعاء، هذه الدماء التي كانت واستمرت وقوداً للمقاتلين، تلهب حماسهم، ونوراً يضيء لهم طريق النصر، فالشهداء أكرم منا جميعاً، كما كان يرددها القائد العام الشهيد صدام حسين رحمه الله.

كما تضمنت تلك الفلسفة اعتبار القوات المسلحة وحدة وطنية مصغرة تضم كل أطياف المجتمع العراقي، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأكراد، شيعة وسنة…. تضمهم قاعات المنام سوياً، وتستوعبهم ساحات التدريب أيضاً، يتناولون الطعام على طاولة واحدة، ويتسامرون بأوقات الفراغ، ويقاتلون عدواً واحداً هو عدو الوطن والشعب…. لا يتناحرون، ولا يتناقضون في العقائد، لأن العقيدة التي تجمعهم هي العقيدة العسكرية، ولا عقيدة مذهبية أو طائفية أو مناطقية تعلو على العقيدة العسكرية.

     كما أن التدريب كان يمثل الأساس الراسخ في بناء القوات المسلحة العراقية، فالتدريب يخلق ويشكلُ الشخصية العسكرية، ويحقق التفاعل الحي بين المقاتل وسلاحه ومعداته العسكرية من ناحية، مثلما يطور المهارات المتعددة والمتنوعة، وهو أحد أهم مقومات النصر، فكان ضمانة لتحقيق الاقتدار والانتصار.

     أما الانضباط العسكري فكان يمثل العمود الفقري للجيش العراقي.

 

وكانت العقيدة التي يرتكزُ عليها الجيش هي عقيدة إيمانية راسخة، ونجد ملامح هذه العقيدة حتى في تسميات قيادات الفيالق والفرق والألوية والوحدات.

 فقد اعتمد تسمية الرموز الدينية والتاريخية اللامعة في تراث وتاريخ العراق وأمتنا المجيد، فأخذت مسميات وحداته تسمى بأسماء القادة العظام في الإسلام ومسميات المعارك الكبرى التي كانت بمثابة الفيصل في تاريخ حركات التحرير والفتوحات الإسلامية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان اسم الفيلق الأول (قيادة عمليات الرشيد)، والفيلق الثاني (قيادة عمليات اليرموك)، والفيلق الثالث (قيادة عمليات القادسية)، والفيلق الرابع (قيادة عمليات حطين)، والفيلق الخامس (قيادة عمليات عمورية). أما فيلقي الحرس الجمهوري، فكان الفيلق الأول باسم (قيادة عمليات الله أكبر)، بينما تم تسمية الفيلق الثاني باسم (قيادة عمليات الفتح المبين).

 أما قيادات الفرق فأخذت تسميات مختلفة منها، قيادات أبو عبيدة الجراح، خالد بن الوليد، صلاح الدين، القعقاع، محمد بن القاسم، سعد بن ابي وقاص، المثنى بن حارثة، المقداد، طارق بن زياد، سارية الجبل، المدينة المنورة وغيرها.

 وتم تسمية بعض الألوية والوحدات بمسميات رمزية مثل لواء ابن الوليد وكتيبة دبابات علي، الحسن، الحسين، والمنصور وغيرها.

هكذا كان جيش العراق الباسل، جيشاً وطنياً بامتياز، فطبيعة مهامه حددتها الثوابت الوطنية، كونه قوة وأداة فاعلة ومتميزة لتأمين البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعراق، وكان يمثل القوة الوطنية الضاربة بيد الشعب للذود عن سيادة الوطن واستقلاله واستقراره وأمنه وتقدمه.

أَبْنَاءُ القُوَّاتِ المُسَلَّحةِ، عَائِلَةٌ وَاحِدَةٌ

واستمرت القيادة السياسية الوطنية وبتوجيه متواصل من القائد العام للقوات المسلحة الشهيد صدام حسين رحمه الله تخطط لمواصلة دعم تطوير الجيش العراقي وتعزيز مكانته مادياً ومعنوياً وروحياً في الاتجاه الذي يعمق في نفوس أبنائه الحب للوطن والدفاع عن حياضه، حتى أنه رحمه الله كان يصر على تسمية (أبناء القوات المسلحة) عوضاً عن مصطلح (منتسبي القوات المسلحة) فالأبناء هم من عائلة واحدة، فيتحقق في نفوسهم معاني الانتماء أكثر من مجرد الانتساب.

هكذا كان بناء جيش العراق الوطني، فأضحى القوة الخامسة على المستوى العالمي بخبرة قادته وضباطه ومقاتليه، وبعددهم المليوني، وبعدتهم، وتجهيزاتهم، وتسليحهم، وتنظيمهم، وتدريبهم، وتأهيلهم. بل وقبل كل شيء بانتمائهم لمؤسستهم العسكرية وولائهم لوطنهم الذي أقسموا بالله العظيم أن يدافعوا عنه مهما بلغت التضحيات واشتدت الخطوب.

واستمر هذا التفاعل والتصاعد والسمو حتى جاء المحتل الأمريكي ومن والاه، بكل ما أوتي من قوة عسكرية هائلة لينال منه بعد حصار مطلق ومطبق على مدى ثلاثة عشر سنة متواصلة ليدمروا كل أواصر الأمن الوطني، لتبدأ بعدها مرحلة تسليم بلدنا الجريح إلى إيران الشر.

ولكن ومهما طال الزمن ومهما تفاقمت الضغوط فإن جيش العراق الذي حقق نصره المؤزر على إيران ومن حالفها لابد له أن يحقق نصره الآتي بعون الله ومعه القوى الوطنية، مسنوداً بشعب العراق الأبي الصابر الذي سينهض من تحت الركام من جديد ليعيد للعراق عزه وهيبته واستقلاله، وطرد كل الخونة والطائفيين الذين عاثوا في العراق فساداً وتقتيلاً وتشريداً، وإن غداً لناظره قريب.

تحية اجلال وتقدير للجيش العراقي البطل الذي حقق نصراً شهدَ له العالمُ كله.

تحية لشهداء الجيش العظيم، والحرية لقادته الأبطال الذي يقبعون في سجون العملية السياسية القذرة.

تحية لروح القائد العام للقوات المسلحة الشهيد صدام حسين رحمه الله.

يَوْمُ النَّصْرِ العَظِيم، حِكَايَةُ فَرَحٍ عَرَبِيَّة!

يَوْمُ النَّصْرِ العَظِيم، حِكَايَةُ فَرَحٍ عَرَبِيَّة!

ناصر الحريري

(الصراع والعداوة مع العرب ليس حباً بعليّ، والدفاع عن حقه في الخلافة…. ولكنّها البغضاء والعداوة لعُمر، الذي كسر ظهر العجم وحطم حضارتهم).

هذه الكلمات ترجمةً لقصيدة شاعر الفرس الكبير الرودكي، التي يعبر خلالها أصدق تعبير عن حقيقة عدائهم وحقدهم على العرب وأن ادعاءهم حب آل البيت ما هو إلا كذب ورياء.

فكل ادعاء يصدر من أي جهة أو شخص يحصر الصراع (العربي الفارسي) بين إيران والعراق، أو حتى بين إيران وأي قطر عربي لا يلامس الحقيقة ولا يقترب منها، فالصراع في مسماه الحقيقي هو صراع ( فارسي – عربي)، ولن تتخل عنه إيران حتى بعد ادعائها الدخول في الإسلام، لأن الصراع بين العرب وإيران ليس صراعاً سياسياً، بل هو صراع إيديولوجي قائم من الطرف الإيراني على الكسروية المجوسية، هذا من جانب.

ومن جانب آخر وبعد وضوح الحقيقة، ليس مستغرباً (كعربي) أن أدافع عن الشهيد القائد صدام حسين، وعن الحرب التي خاضها العراق ابتداء من الرابع من أيلول-سبتمبر 1980 في وجه الأطماع الفارسية، هذه الحرب التي لم تنته إلا صيف العام 1988 بعد خسائر ضخمة لكلا الطرفين، واضطر في ختامها الخميني إلى تجرع كأس السم.!!

بعد خمسة وأربعين عاماً على اندلاع تلك الحرب، التي كشفت أن  صدّام كان محقاً وعلى صواب في قراءته لأطماع الخميني، وعلى معرفة عميقة بشؤون المنطقة وشجونها، وأن ليس ما يشير إلى أن شيئاً قد تغير داخل إيران نفسها، حتى مع ادعاء الخميني أن ثورته إسلامية تسعى لإقامة الدولة الإسلامية المثالية.

تواصلت التحرشات الإيرانية بالعراق بعد وصول الخميني للحكم، الذي رفع منذ البداية شعار “تصدير الثورة الإسلامية” على اعتبار أن (العراق بغالبيته الشيعية كما يعتقد) يعتبر الحلقة الضعيفة بين الدول القريبة من إيران.

ولم يكن مستغرباً أيضاً على النظام الإيراني الجديد أن يقوم، إضافة إلى التحرّشات، بمحاولة اغتيال الرفيق طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، كان الهدف من محاولة الاغتيال هذه في جامعة المستنصرية التي سبقت الحرب الشاملة بين البلدين إظهار امتلاك إيران لعناصر موالية لها داخل العراق، عناصر قادرة على تنفيذ محاولات اغتيال تستهدف مسؤولاً هو أحد أهم قيادات البعث والدولة، لتروج بعدها أن ( النظام في العراق نظام الكافر).

لقد سعت إيران إلى إضعاف النظام الوطني العراقي الذي كان يخوض غمار معركة البناء والنهوض، من خلال إطالة أمد الحرب، ومن خلال الإيعاز لعملائها في حزب الدعوة بزعزعة الاستقرار في الداخل، ولكن كل هذه المخططات فشلت في إضعافه، بل ساعدت في تقويته وفي تمكين المخلصين من أبناء العراق من زمام النصر.

كما استغل النظام الخميني الحربَ لإثارة الروح الوطنية الفارسية، التي سمحت للخميني بإرسال الجيش الذي كان يشك بولائه “للثورة الإسلامية” إلى الجبهات بعيداً عن ثكناته في محيط المدن الكبرى.

وفي المقلب الآخر فقد عمد الخميني من استبعاد كل من ينادي بجمهورية على النهج الحديث، تعتمد دستوراً مدنياً متطوراً في ظل تعددية حزبية تسمح بالتداول السلمي للسلطة، حيثُ سمحت الحرب لأنصار الخميني بارتكاب كل المجازر التي أرادوا ارتكابها في حق معارضيهم، من يساريين وعلمانيين وليبيراليين، يؤمنون بقيام دولة حضارية.

بعد ثماني سنوات من الحرب كان العراق على ثقة من النصر، لأنه يواجه مشروعاً حاقداً مجوسياً كريهاً، ولم تعترف إيران بأنها هزمت، لكن هزيمتها أعلنها (مرشدهم الخميني) حين اعترف بتجرعه كأس السم، وأن إطالتها للحرب صبت في إضعافها وإنهاكها، فضلاً عن استنزاف ثروات دول المنطقة.

لم تدرك إيران أن الولايات المتحدة كانت سبباً رئيساً في الحؤول دون إلحاق الهزيمة الكاملة بها-إنْ في عهد جيمي كارتر، الذي كان في نهايته لدى اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية، أو في عهد ريغان الذي لم يتخذ في أي لحظة موقفاً حازماً من إيران-بل وصل الأمر بريغان إلى التغاضي عن تفجير مقر (المارينز) قرب مطار بيروت في تشرين الأوّل-أكتوبر 1983، رغم معرفة إدارته بتفاصيل عملية التفجير تلك والدور الإيراني في التخطيط لها. فوق ذلك كله، تغاضت الولايات المتحدة عن تزويد الكيان الصهيوني لإيران بأسلحة وقطع غيار كانت ضرورية جداً خلال الحرب.

ويمكن لأي باحث عن الحقيقة إعطاء عشرات الأدلة على إصرار الولايات المتحدة على دعم إيران في مرحلة ما بعد سقوط الشاه، ففي كتاب الجاسوس الطيب لكاي بيرد عن حياة بوب ايمز الذي قتل في تفجير السفارة الأميركية في بيروت في نيسان-أبريل 1983 والذي لم تكن إيران بعيدة عنه أيضاً، كان بوب إيمز المسؤول عن الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) أول من حذّر الإيرانيين في العام 1980 من أن صدام حسين لن يسكت عن الاستفزازات والتحرشات الإيرانية له.

لقد بدأت الاستفزازات الإيرانية من خلال قصف القرى العراقية المتاخمة للحدود، ما تسبب في أضرار مادية وبشرية كبيرة، وتقدم العراق بالعديد من الشكاوى ضد هذه الاعتداءات إلى الأمم المتحدة وإلى الجامعة العربية، ولكن نظام الخميني لم يكترث بكل تلك المناشدات والشكاوى لوقف العدوان، ظناً منه أن العراق لن يجرؤ على الرد. 

بعد كل هذا الصلف والتعنت والعنجهية الإيرانية اتخذت القيادة العراقية قراراً بالرد وبقوة، فأعاد التاريخ نفسه من جديد، وكانت القادسية الثانية، واتحد العرب كما اتحدوا في القادسية الأولى وسحقوا هذا التوسع الإيراني الفارسي بمعركة كانت بحق استحضاراً للتاريخ العربي بكل أمجاده وقيمه وإفصاحاً عن مكامن القوة في الأمة التي حاولوا تشويه صورتها لضرب مقوماتها وأصالتها وتراثها.

إن القادسية الثانية-قادسية صدام المجيدة-هي إحدى مفاخر الأمة في العصر الحديث، ومفخرة للشعب العراقي بكل أطيافه الاجتماعية، وهي إحدى معجزات العقل السياسي العربي الذي قاد هذه الحرب إلى النصر المؤزر والحاسم وهو الشهيد القائد صدام حسين، كما كانت القادسية إحدى مفاخر ومنجزات ثورة البعث التي تصدت للهجمة الشرسة للفرس المجوس وحصنت بها الأمة العربية ضد أعدائها المعتدين.

الآن وعلى امتداد ساحة العراق الأبي المقاوم ينتصب البعث قائداً ومناضلين في مواجهة الاحتلال الهمجي ثنائي الجنسية، الأمريكي الإيراني، ويقف متحدياً حالة الانهزام لأنظمة الأمة بعد تخليهم المخزي عن العراق العربي الأصيل، وتركه وحيداً في مواجهة أعداء الأمة، وفي مقدمتهم الفرس المجوس، ومن خلال التضحيات الجسيمة التي قدمها البعث في مواجهة هذا المشروع الصفوي الخبيث، وصمود المقاومة العراقية البطلة التي سطرت أروع ملاحم البطولة والفداء لبناء صرح الأمة من جديد بدماء الشهداء وتفاني وإخلاص المجاهدين.

قادسية صدام المجيدة التي استندت إلى روح الإسلام ورسالته الخالدة ستبقى خالدة بخلود الأمة العربية، لقد أثبتت قادسية صدام المجيدة صحة المعادلة الطبيعية (أن الأمة العربية خير أمة أخرجت للناس، وأنها ليست أمة هزائم، بل هي الأمة التي اختارها الله لحمل رسالته، والقادرة على صنع النصر رغم كيد المعتدين).