شبكة ذي قار

أرشيفات 2025

الانتخابات العراقية، النتيجة الحتمية لفسادٍ متحكم

الانتخابات العراقية، النتيجة الحتمية لفسادٍ متحكم

ناصر الحريري

 

 

 

يقدم الواقع العراقي الحالي حالة معقدة تجمع بين ثلاثة مستويات من الفشل المركب، النظام السياسي، البنية الاقتصادية، الخدمات الاجتماعية.

ولفهم هذا الواقع بموضوعية، يتطلب التمييز بين الملاحظات الواقعية والتفسيرات السببية.

 

أولاً: واقع النظام السياسي والمحاصصة الطائفية

يقع العراق في المرتبة 140 من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد الدولي لعام 2024، محققاً 26 نقطة فقط من أصل 100. هذا الترتيب ليس مجرد رقم إحصائي، بل يعكس بنية نظام سياسي تعتمد بشكل أساسي على المحاصصة الطائفية.

تم تصميم النظام السياسي الحالي بعد احتلال العراق سنة 2003 على أساس توزيع المواقع السياسية وفقاً للانتماءات الطائفية والعرقية، وليس على أساس الكفاءة أو البرامج الاقتصادية والتنموية. النتيجة المباشرة:

غياب الرقابة الفعلية: البرلمان لا يستطيع محاسبة الوزراء والمسؤولين لأنهم يملكون حمايات حزبية وطائفية. هذا يعني أن الفساد يستمر بلا حساب، وأن المسؤولية تُذوب في شبكات المصالح الجماعية.

تآكل الثقة الشعبية: أظهرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة (نوفمبر 2025) شعوراً واسعاً بالفتور واللامبالاة، حيث يرى الكثير من العراقيين أن الشعارات الإصلاحية مجرد تكرار لوعود لم تتحقق.

 

ثانياً: الفساد المنظم وتبديد الموارد الضخمة

الحقيقة الصادمة أن العراق خسر أو هدر ما يقارب 300 مليار دولار بسبب الفساد الإداري وسوء إدارة الوزارات. في نفس الوقت، تحقق البلاد إيرادات نفطية تجاوزت 115 مليار دولار سنوياً، مما يعني أن مقدار الهدر يعادل سنتين ونصف من الإيرادات الحالية.

لا يقتصر الفساد على المستويات العليا، التقارير توثِّق انتشار الرشاوى في التعاملات اليومية مع الشرطة والجمارك والقضاء، وامتداده إلى قطاعات التعليم والصحة، حيث تتحكم المحسوبيات بالتعيينات بدلاً من الكفاءات. حتى برامج الأمم المتحدة الإنمائية لم تسلم، فقد كشف تحقيق عام 2024 عن رشاوى تصل إلى 15% من قيمة العقود ضمن صندوق التمويل.

 

ثالثاً: الواقع الاقتصادي والاستهلاك الحكومي

يعتمد الاقتصاد العراقي بنسبة 92% على عائدات النفط، مما يجعله اقتصاداً ريعياً هشاً، بدلاً من تحويل هذه الموارد إلى استثمارات في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، تحول الاقتصاد إلى نمط استهلاكي يركز على توظيف القطاع الحكومي.

معدل البطالة الرسمي انخفض إلى 13% في 2025، لكن هذا الانخفاض مرتبط أساساً بـ:​

  • توسع التوظيف الحكومي وليس بخلق فرص عمل إنتاجية
  • الاعتماد على القروض الصغيرة والمتوسطة (تريليون ومئتي مليار دينار عراقي)​.
  • لا يعكس هذا الرقم نمواً اقتصادياً حقيقياً، بل توزيعاً للموارد العامة على نطاق أوسع.

 

رابعاً: تدهور الخدمات الأساسية

قطاع الصحة

شهد القطاع الصحي تراجعاً شديداً على مدى عقدين. المستشفيات تعاني من:​

  • نقص في المعدات الطبية الأساسية.
  • نقص في الكوادر المؤهلة بسبب هجرة الكفاءات الطبية إلى الخارج​.
  • غياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل.
  • فساد إداري ومالي يحول الأموال المخصصة إلى جهات غير مستحقة​.

 

ونتيجة لكل ذلك، بغداد حلَّت أخيراً عالمياً في مؤشرات الرعاية الصحية، وأصبح المواطنون يعانون من انتشار أمراض مرتبطة بتلوث المياه وضعف الخدمات الطبية.​

قطاع التعليم

من بين أكثر من 4 آلاف مدرسة متوسطة، 30% ليس لديها مبانٍ خاصة بها. هناك عجز في أكثر من 8500 منشأة مدرسية على جميع المستويات، بالإضافة إلى آلاف المباني المدرسية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل أو غير صالحة للاستخدام. ​

الفساد الإداري وسياسات التعليم الخاطئة أدت إلى تدهور جودة التعليم، وهو ما يضعف القوى العاملة المستقبلية. ​

 

خامساً: القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة)

الحكومة أعلنت عن خطط لإحياء هذه القطاعات:

 

الصناعة: اتخذت الحكومة قرارات غير مسبوقة تشمل تخفيض الرسوم الجمركية إلى حدود شبه صفرية وقروض بضمانات ميسرة. يعكس هذا اعترافاً بأن الاقتصاد الريعي غير مستدام. ​

 

الزراعة: أضافت وزارة الزراعة 1.5 مليون دونم لخطتها الزراعية في 2025 بعد تسليم منظومات ري حديثة. هذا يشير إلى محاولة لتقليل الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي.

 

لكن السؤال الحقيقي: هل هذه الخطط ستُنفذ بفعالية في ظل الفساد المستشري والمحاصصة؟

 

سادساً: التدخل الخارجي والسيادة الوطنية

التدخل الخارجي عامل حقيقي وموثق: الحكومة العراقية تتخذ قرارات تحت ضغط طاقات خارجية متعددة، ليس فقط من واشنطن بل أيضاً من إيران وقوى إقليمية أخرى.

التقارير الأكاديمية توثق أن التدخل الخارجي أحد العوامل الرئيسة لخلق حالة عدم الاستقرار منذ سنة 2003، وأن بعض القوى تعمل على تجريد الدولة من ممارسة سيادتها الفعلية.

ومثالاً على ذلك: وكالة الأنباء العراقية الرسمية حذفت بيان وزارة الخارجية الذي انتقد التدخل الإيراني، واستبدلته ببيان يشيد بموقف طهران. هذا يعكس ديناميكية الضغط الخارجي على صنع القرار العراقي.

 

سابعاً: المخرجات الانتخابية والتمثيل المدني

نتائج الانتخابات الأخيرة (نوفمبر 2025) كشفت عن فشل القوى المدنية بشكل كارثي: من 389 مرشحاً من التحالفات المدنية الرئيسية، حصلوا على مقعد واحد فقط.

جميع الناجين من حراك تشرين الاحتجاجي (حوالي 20 نائباً) خسروا في هذه الدورة.

 

الأسباب:

  • الأموال الطائلة التي أنفقت على الحملات الدعائية للأحزاب الحاكمة​.
  • شبكات المصالح والنفوذ التي تمتلكها قوى السلطة​.
  • غياب البرامج الانتخابية والاعتماد على التوزيع المالي والمحسوبيات.

هذا يعني أن النظام السياسي يعيد إنتاج نفسه ولا يسمح بتحولات حقيقية.

 

الخلاصة:

الوضع في العراق يعكس فشل مركب متعدد الأبعاد:

  • البنية السياسية غير قادرة على تحقيق الرقابة والمساءلة لأنها مبنية على المحاصصة وليس على المصلحة العامة.
  • الموارد الضخمة لا تُترجم إلى تنمية حقيقية، بل تُهدر عبر الفساد أو تُستخدم للحفاظ على النظام القائم.
  • الخدمات الأساسية تتدهور بينما تنمو البيروقراطية الحكومية.
  • القطاعات الإنتاجية تلاشت واضمحلت لحساب الاقتصاد الريعي.
  • التدخل الخارجي حقيقي وموثق، لكنه يعمل بالتوازي مع الفساد المحلي وليس كبديل له.
  • الحركات الإصلاحية تُسحق لأن النظام السياسي الحالي مصمم لمنع التغيير الحقيقي.

 

ومن منظور تحليلي استراتيجي، المشكلة الأساسية ليست “التآمر الخارجي وحده” بل هي الترابط العضوي بين البنية السياسية الداخلية والضغوط الخارجية.

النخب السياسية المحلية لديها مصلحة راسخة في بقاء الوضع الحالي، والقوى الخارجية لا تجد صعوبة في التأثير على نظام متفكك.

الطريق نحو إصلاح حقيقي يتطلب تفكيك المحاصصة الطائفية نفسها، وليس مجرد تغيير الوجوه السياسية.

الانتخابات المتكررة، في ظل هذه البنية، تعيد إنتاج الفشل نفسه بأشكال مختلفة.

فالمرحلة المقبلة بعد نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية في نوفمبر 2025 تشير إلى استمرار التداخل والتوازنات الدقيقة بين قوى سياسية متنافسة، لكنها تبرز هيمنة ائتلاف “الإعمار والتنمية” بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي تصدر النتائج بعدد أصوات كبير في عدة محافظات كبرى مثل بغداد والنجف والمثنى.

هذا الائتلاف حصل على المركز الأول في ثماني محافظات من أصل 18، بينما جاءت أحزاب مثل “دولة القانون” برئاسة نوري المالكي وتحالف “تقدم” ضمن القوى الرئيسية المنافسة، مع وجود نفوذ قوي أيضاً لقوى إقليمية وكردية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني.

 

المرحلة المقبلة ستشهد:

– تكوين تحالفات معقدة بين الكتل السياسية لمحاولة تشكيل الحكومة ونيل الكتلة الأكبر، وهي عملية ستخضع لحسابات تفصيلية بين المكونات والكتل السياسية.

– من المرجح أن يستمر النظام السياسي الحالي في إعادة إنتاج نفسه عبر المحاصصة الطائفية والسياسية، مع بقاء الفساد واسع الانتشار، وصعوبة تحقيق إصلاحات جذرية ما لم تحدث تغييرات هيكلية عميقة.

– استمرار الضغوط المحلية والإقليمية والدولية في رسم ملامح السياسة العراقية، بحيث ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بالموازنة بين هذه القوى مع الاحتفاظ ببعض من الاستقلالية.

– رغم انتصارات ائتلاف السوداني، فإن التشديد على تمثيل القوى المدنية الضعيف في البرلمان يدعو إلى توقع صعوبة في الدفع باتجاه إصلاحات إصلاحية فعلية.

بالتالي، على المدى القريب والمتوسط، من المتوقع أن تستمر الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع بعض محاولات التخفيف أو الإصلاح الجزئي، لكن التعقيدات المتجذرة ستجعل التغيير الحاسم بحجم توقعات الشعب العراقي تحدياً كبيراً.

 

في الذكرى الخامسه لرحيل الاخ والصديق عبد الصمد الغريري (ابو زيد )

في الذكرى الخامسه لرحيل الاخ والصديق عبد الصمد الغريري (ابو زيد )

كنت قد كتبت في يوم رحيله الرثاء التالي الذي نعيده اليوم في ذكرى رحيله ،، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وانا لله وانا اليه راجعون ….

بسم الله الرحمن الرحيم
)) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم )). (يونس-107(

كلمات في رثاء الاخ والحبيب والصديق والرفيق عبد الصمد الغريري (ابا زيد )

كيف لي أن انعيك في الصباح الأول لرحيلك عن تلك الدنيا الفانيه .. كيف لي أن أتحمل الوجع والألم الذي تركته في نفسي وقلبي بعد رفقة وصداقة جاوزت الثلاثة عشر عاما مذ تعارفنا لأول مره بعيدا عن ديارنا في دمشق الحبيبه .. كيف لي أن أسجل حروف رثائك ومحبتك ووجعي الكبير بفراقك أيها العزيز النبيل والصديق الصدوق والذي لا أظن ان ما تبقى من العمر قد يجود بشبيه لك ولشخصك وبعلاقتي المتميزه بك وأنت الذي أصبحت لي الأخ والصاحب والملاذ في زمن المحن والماسي .. اه ثم اه ثم اه .. كم حسدني الكثيرون عن علاقتي وصداقتي معك .. وكم حسدوك على علاقتك وصداقتك معي .. كنا أيها الحبيب الذي لا أظن أن يبتعد طيفك عني يوما يكمل أحدنا للاخر في عشق العراق الذي سيقتلنا جميعا وفي الموقف والاناقة والرأي .. كنت تكمل لي الرأي والملاحظة حين يغيب عن بالي بعضها وكنت أكمل لك الرأي والملاحظة والمشوره التي تخدم ما نحن فيه من عمل على طريق النضال والجهاد وفي قضايا بلادنا التي امنا بها .. كنت تحمل الكثير من أسرار وخبايا مسيرتنا في وطننا وكنت مثلك قد تحملت بعضها .. وكنت تكتم سري وأكتم سرك …كان كل منا يثق بالاخر بالمطلق لأن هدفنا لا يحتمل التأويل أو الخداع أو المراوغه .. كنت أقسو عليك في بعض ارائي وملاحظاتي أحيانا وكنت تقبلها بلا تردد وبمحبه غريبه لأن احدنا قد عرف الاخر بصدق وعمق ..
من لي أيها الحبيب بعد اليوم من يصابحني يوميا أو على الأقل بين يوم واخر بشكل متميز وبطريقة مختلفه حتى في اسلوبها وتعودناها منذ سنوات وهي وبسبب محبتنا لأهلنا وللناس جميعا تناغي طريقة أهلنا في جنوب القلب من وطننا الحبيب .. حيث يرن رقم جوالك لاسمع منك ( صباح الخير مولانا .. لاجيبك مولاك ابو عبدالله ..صباح الانوار ) وهكذا تدور الأيام والصباحات فمن الذي يعيدها أيها الحبيب ..
أيها الحبيب المحبوب المسافر الى دنيا الخلود .. لقد وجدتك ومن خلال رفقتك الطويله فارسا ابيا يعتد بنفسه جمع بين النفس الثائره المتمرده التي تميز بها أهلنا من سكان مدن وقرى أعالي الفرات وبين حلم المناضلين الصابرين المتأملين المحاورين بالحجة والمنطق وبالحق المبين والذي لا يقبل الزيغ أو الزلل .. وجدتك ثائرا ومتمردا حتى على بعض أعراف وطباع رفاقك التي ترى بوجوب مغادرتها وتجاوزها وتطويرها مع تطور الحياة والفكر ..
كنت تمتلك خليطا عجيبا بين الموروث الشعبي والحكايا والأمثال والحكم حتى التي تتحدث بها عجائزنا .. وبين الفكر المتنور والمتطور والذي يبلغ عن الحداثه والمستقبل الرصين ..
ومع كل ذلك امتلكت قلبا يتسع للجميع ويمتلك محبه للجميع حتى لمن أساء الينا .. كنا نحسدك عليها وكنت تعامل من أساء اليك بأخلاق الفرسان .. والله لقد كنت شاهدا على الكثير من تلك المواقف من الذين اساءوا اليك والينا بقسوه وقد يكون بعضها خارج المنطق والأخلاق ولكننا كنا نتجاوزها باخلاق الفرسان .. والأدهى ان بعض تلك الاساءات كانت تصدر احيانا من ناس كنت قد احسنت اليهم في الموقف والمحبه ..
أيها الحبيب الغائب الحاضر .. وأنا أرثيك اليوم والدموع لم تنقطع حيث أكتب كلمات الرثاء … لا بد لي ان اثبت للتاريخ أنك كنت وطنيا مخلصا وفيا مؤتمنا على المباديء وعلى حق العراق المبين وتتحدث بلغة أهله وطموحاتهم وأحلامهم .. وكنت عنيدا وشفافا وتطرح الرؤيا ووجهة النظر بلين ومحبه ولكنها بصلابة المناضلين الكبار ممن حملوا على اكتافهم ارث وتاريخ وعنفوان وطن يستحق المجد والرفعه …
كيف لا وأنت من شاء القدر ان يرافق اثنان من أهم الثائرين الأحرار في تاريخ العراق الحديث ،بل من أهم الثايات والمثابات الوطنيه والقوميه في تاريخ العرب الحديث..
أيها الحبيب والأخ والصديق الذي غادرنا مبكرا حيث لازال في العمر متسعا ولا زالت الأحلام والامال تترى علينا وعلى عقولنا .. هنيئا لي بصداقتك ومعرفتي بك .. وهنيئا لك بمحبة الناس العفويه في بلادنا وفي معظم بلاد العرب من الذين عرفوك بل ومن معظم الأحبه من العراقيين في المهاجر ..
نم قرير العين أيها الحبيب ولن أقول لك وداعا لأنك ستبقى بين الحنايا والضلوع مادام في القلب منزع..
ويا لمأساتي وحزني عليك ويالوجعي ولوعتي على فراقك أيها النبيل الأصيل الذي امتلك نخوة وفزعة قل مثيلها عند الرجال .. فكم كنت تسعى لرفع ضيم وتقديم عونا لمحتاج ومساعدة من يحتاج الى عبور ازمه وأسعاف ملهوف … تقبلك الله في عليين وفي جنات الخلد ومنحنا الله واهلك الصبر على فراقك .. وانا لله وانا اليه راجعون
وسبحان الحي الذي لايموت …

 

اخوك ورفيقك أبو عبد الملك.
١٦ تشرين الثاني ٢٠٢٠

هل أدت الامم المتحدة دورها المطلوب في العراق المحتل .

هل أدت الامم المتحدة دورها المطلوب في العراق المحتل .

د حسين علي الأسدي

 

ندرك بالتأكيد كعراقيين واعين نحب بلدنا على أنه من الأهمية بمكان للحوار والنقد أن يُمارسا عبر قنوات مؤسسية وعلمية بعيدًا عن لغة تشهير أو توجيه اتهامات غير مدعّمة بأدلة علنيّة واضحة كي نتمكّن من الشفافية والمساءلة الفعلية. ومع ذلك يمكن تقديم تحليل نقدي لموقف الأمم المتحدة في العراق !؟على ضوء ما يُطرح من جدل بشأن دورها في مرحلة ما بعد الاحتلال بأسلوب أكاديمي أكثر مما هو بلاغي.

منذ غزو العراق عام 2003 ثم العدوان العسكري وفرض المحتل التغييرات السياسية والاقتصادية التي أعقبت ذلك وقبل ذلك وبعده واجهت الأمم المتحدة نقدًا واسعًا لموقفها ودورها السلبي داخل العراق وخارجها بسبب ما اعتُبر تبريرا وتسويغا وإضفاء الشرعيه وحماية للاحتلال وتهاونًا غير مسبوق في حماية حقوق العراقيين ؟!وفشلًا في تحقيق التحوّل السياسي الفعلي الذي يلبي تطلعات الشعب. رغم ان الغالبية العظمى من العراقيين يرون أن الأمم المتحدة قبل الاحتلال وبعده ومن خلال بعثاتها وممثلها الخاص لم تمارس الدور المطلوب منها في نظامها التأسيسي لاسيما الرقابي أو التوجيهي بما يتعلق باحتلال العراق !!!!! بل إن غالبيتهم يرى أنها ساهمت بطريقة ما في تبرير الاحتلال وشرعيته وتمرير سياسات الاحتلال أو إعادة تشكيل المؤسسات العراقية بما يخدم الاحتلال وكذلك أطرافًا دولية أو إقليمية. إن هذا التوصيف الحقيقي الدقيق يعكس ليس إخلالًا بل ونسفا بمهمة المنظمة الدولية الأساسية كمُيسّرة لحقوق الإنسان والعدالة والسلام وتحولًا من موقع ايجابي إلى موقع المهادن أو المتساهل.

يتجسّد «الموقف المخزي» في ثلاثة محاور رئيسية:
1) غياب المحاسبة: على الرغم من عدم شرعية مبررات الاحتلال وحجم الدمار والخسائر التي لحقت بالبنى التحتية والمجتمع العراقي لم تُرَ الدول المحتلة للعراق المجرمة قانونيا واخلاقيا اية مساءلة لمن ساهم في اتخاذ قرارات الاحتلال او ما بعد الاحتلال سواء من الدول المحتلة أو من المنظومة الدولية.
2) ضعف الاستقلالية: حين يبدو أن ممثل الأمم المتحدة أو البعثة لم تستقلّ بنفسها عن تأثيرات القوى الكبرى او القوى الفاسدة المتنفذة القابضة على السلطة منذ ٢٠٠٣ في العراق المحتل أو لم تُمارِ الضغط الكافي لتعطيل أجندات تستهدف سرقة واستنزاف موارد العراق أو هيمنتها السياسية.
3) تصريحات رمزية مقابل واقع مؤلم: قد تصدر احيانا للمجاملة او لاسقاط الفرض بعض البيانات أو القرارات من الأمم المتحدة التي تُعبّر عن التضامن أو رفع الحصار أو دعم إعادة الإعمار لكن على أرض الواقع تُستمر أزمات الشعب بكل أوجهها ناهيك عن التدهور الأمني والفساد والإفقار لغالبية العراقيين كما يُشعر كثير من العراقيين بأن «النخاسة» هنا هي بيع احترام السيادة العراقية أو تجويفها عبر سياسات تُدار من الخارج.

ومن المنظور الآخر كان يمكن إن تكون مسؤوليات الأمم المتحدة وهي أمانة دولية مجمّعة هائلة كإعادة بناء دولة التي حطمها الاحتلال وذيوله وتنظيم انتخابات حقيقية (وليس مسرحيات يضحكون فيها على العراقيين والعالم ) وحماية حقوق الإنسان في بيئة ما تزال تعيش حالة الحرب فضلاً عن التنسيق مع الجهات الفاعلة محليًا ودوليًا. لذا لا بدّ من التمييز بين ما هو مقبول من قصور وظيفي وسوء إدارة وما هو خيانة متعمّدة للنوايا أو للضمير. الدعوة هنا تُوجّه إلى أن تُفتح ملفات حقيقية للبحث – بواسطة اي هيئة دولية مستقلة لكشف ما حدث من قرارات ما بين التدخّل والاحتلال ودور الأمم المتحدة المهادن للاحتلال والتحوّلات السلبية الكارثية التي مرّ بها ولايزال العراق بعد احتلاله في نيسان ٢٠٠٣.

الحقيقة ان ما يُطلب من الأمم المتحدة اليوم ليس فقط الاعتراف بمسؤولياتها التاريخية عن بالمشاركة بالكوارث التي احلت بالعراق وشعبه بل عليها ان تكون جهة محايدة وليست داعمة او متزلفة للفاسدين بالعراق (يشك انها مقابل ثمن) وعليها العمل الفعلي لحماية الشعب الرافض للنظام الذي فرضه الاحتلال و لتعزيز مشاركة المجتمع المدني العراقي وايجاد القضاء المستقل ؟!وحماية الشهود والأبرياء وتقديم توصيات واضحة لمعالجة آثار الاحتلال والهيمنة !!!!وإحقاق حق العراقيين في تقرير مصيرهم دون وساطة تُموّه ولا تحيز. وهذا ما يجعل النقد أكثر جدّية وأكثر بناءً بدل الشعارات أو الاتهامات العامّة.

نوري المالكي: متخصص بصناعة الطائفية وخراب الدولة العراقية
نوري المالكي: متخصص بصناعة الطائفية وخراب الدولة العراقية
الباحث حيدر علي حسين السماوي
حقيقة انا لا اتابع البرامج التي اشم منها رائحة التلفيق والكذب والتدليس !!! بعث لي احد الاصدقاء عدد من المقابلات مع المرشحين في مسرحية الانتخابات والديمقراطية المزعومة ولفت انتباهي مقابله مع السيد نوري او جواد المالكي وتصورت كمواطن يحلم بالتغيير الايجابي اني سأشاهد واسمع برنامج لإنقاذ العراق مما وصل اليه من تخلف وفرقه وفساد بسبب المالكي وأقرانه  وعمليتهم السياسية العاقر ولكن وكالعادة ترك المالكي موضوع المقابلة ولكونه وامثاله لايمتلكون مشروع للبناء لان تخصصهم هو  تدمير وهدم العراق واذلال شعبه وكما توقعت عادت حليمة لعادتها القديمة وبدل ان يعترف بفشله وفشل كل منظومتهم المتهرئة الفاسدة ذهب إلى الحديث عن النظام العراقي قبل الاحتلال والحزب رغم انه معيب على المالكي وامثاله الحديث عن تلك الحقبة بعد مضي ٢٣سنة سوداء مظلمة من حكم المالكي وجماعته حيث دمروا فيها البلاد وسبوا العباد وهنا رجعت بي الذاكرة إلى الفترة التي سبقت الاحتلال لانني واحد من ٢٨مليون عشنا في بلدنا بحلوه ومره متشاركين موحدين لاتفرقنا الطائفية ولا العرقية ويجمعنا حب العراق والإخلاص له !!! وتذكرت ان الدولة العراقية قبل الاحتلال التي ثبت الان لدى المواطن العراقي البسيط  انها بحق كانت الدولة الوطنية قد وفرت للمواطن كل سبل العيش الكريم والأمان حتى في ظروف الحصار ولم تسرقه كما يحصل منذ ٢٣سنة ….نعم كانت الرواتب قليلة ولكن الدولة كانت توفر للمواطن كل المستلزمات الأساسية للحياة كالبطاقة التموينية المجزية (٣٣) مادة لكل افراد العائلة كما ونوعا (بعكس الان ) والتعليم الجيد والخدمات الصحية والادوية والنقل والاتصالات والكهرباء والماء ووو وكانت فلسفة الدولة (حسب وجهة نظر سعدون حمادي ) انها توفر كل الخدمات والمتطلبات الأساسية بدل رفع سلم الرواتب التي مهما بلغت لن تكفي لحصول المواطن على جزء يسير مما كانت توفره الدولة حينها …نعم الدولة كانت دكتاتورية وكانت صارمة مع كل من يعمل لتنفيذ اجندات خارجية ويهدد أمن البلاد والعباد ولكن المواطن كان ينعم بالامن والأمان وهذا مايفتقده منذ ٢٣سنة؟!
واسأل السيد نوري  وهنا لست معنيا بالدفاع عن اي طرف ! 
ماذا فعلتم لكل من رفع صوته سلميا  منتقدا لفشلكم هل رشيتم  عليهم الورود …لقد قتلتم من العراقيين الرافضين للاحتلال ولحكمكم الفاشل اضعاف مضاعفة ممن اعدمهم النظام السابق من العملاء والخونة والجواسيس وغيبتم عشرات الالاف واعتقلتم عشرات الالاف واعدمتم الالاف من الأبرياء حتى بدون محاكمات وهجرتم خمسة ملايين خارج العراق ومثلهم داخل العراق وكما ذكرت انت حادثة المدرس والطالب الذي تحدث عن الزمن الجميل ذلك الزمن الذي سمح لك بمغادرة العراق بطريقة ودية وانت مطلوب سلف للدولة لم تسددها ووو
واذكر هنا معلومة رواها لي السيد نقيب المحامين كيف انه ترافع عن ١٣ متهم بانتمائهم لحزب الدعوة وتم تبرئتهم وغادروا العراق والان موجودين في الحكم منهم حيدر العبادي !!؟؟ وذكر لي أحد العراقيين كيف اعدمت بيدك بالرصاص العميد المغدور عدنان نبات ضابط الامن الذين كان مسؤول عنك قبل سفرك خارج العراق ويقال انك أعدمته لأن لديه معلومات عنك عندما كنت تكتب التقارير عن اعضاء حزب الدعوه ؟؟؟ 
التاريخ الاسود 
منذ أن تسلّم نوري المالكي السلطة عام 2006 دخل العراق مرحلة جديدة من الصراع المذهبي والانقسام السياسي إذ تحوّل مشروع “دولة القانون” الذي رفع المالكي شعاره إلى أداة لتكريس الطائفية والسلطوية الدكتاتورية بدل أن يكون مدخلًا لإقامة دولة المواطنة والمؤسسات. فقد مثّل المالكي نموذجًا للحاكم الذي جمع بين النزعة الانتقامية والطموح السلطوي ونقص الجاه والوجاهة ما جعله واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل السلبي في التاريخ السياسي الحديث للعراق (هيومن رايتس ووتش، تقرير 2014).
في عهد المالكي تراجعت مؤسسات الدولة لصالح هيمنة الميليشيات وتحوّل جهاز الأمن إلى أداة حزبية طائفية  تُدار وفق الولاء لا الكفاءة. فالمحافظات العربية  المسلمة شهدت حملات اعتقال واسعة وغُيّب عشرات الآلاف من المواطنين قسرًا تحت ذرائع “الإرهاب”فيما انتشرت السجون السرية التي وثّقتها منظمات دولية عدة منها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية التي أكدت أن الاعتقالات في تلك الفترة كانت تعسفية وغير خاضعة للقانون (العفو الدولية، تقرير العراق 2013). أما الاحتجاجات السلمية التي خرجت في الأنبار وصلاح الدين ونينوى عام 2013 فقد قوبلت باوامر من المالكي بالرصاص الحيّ والقمع الوحشي في مشهد رسّخ صورة المالكي كشخص مجرم لا يتردد في استخدام الدولة ضد جزء من الشعب (بعثة الأمم المتحدة في العراق – يونامي، تقرير حقوق الإنسان 2014).
أما فضيحة سقوط الموصل في حزيران 2014 فكان ذروة الفشل القيادي والأمني لحكم المالكي. فانسحاب القيادات العسكرية الموالية (ويقال بأمر مباشر من المالكي) له فتح الباب أمام تنظيم داعش لاحتلال ثلث البلاد خلال أيام في أكبر انهيار عسكري تشهده الدولة العراقية الحديثة. وجاءت مجزرة “سبايكر” التي قُتل فيها أكثر من 1700 طالب وضابط شاب وبطشه بالمنتفضين ضده في  ضواحي النجف لتكون النتيجة الدموية المباشرة لذلك الفشل بينما انشغل المالكي بتبرير الهزيمة وإلقاء اللوم على الآخرين (تقرير لجنة الأمن والدفاع البرلمانية العراقية، 2015).
اقتصاديًا كانت سنوات حكمه الثمانية عنوانًا للفساد المنظّم. فقد تبخرت مليارات الدولارات من الموازنات العامة وأبرمت عقود وهمية كثيرة وانتشرت المحسوبيات وتحولت الوزارات إلى إقطاعيات حزبية. وقد أشارت تقارير ديوان الرقابة المالية والبرلمان العراقي آنذاك إلى أن أكثر من 200 مليار دولار أُهدرت أو اختفت خلال فترة حكمه (تقرير لجنة النزاهة النيابية، 2016). بينما ظل المواطن العراقي يعاني من انقطاع الكهرباء وتراجع الخدمات وازدياد الفقر رغم الوفرة المالية التي شهدها العراق بفضل ارتفاع أسعار النفط.
إما الطائفية السياسية فكانت السلاح الأخطر في يد المالكي. فقد اعتمد خطابًا يُغذّي الهوس المذهبي ويُقسم المجتمع إلى “موالين” و“مشبوهين”ما جعل العراق ساحة دائمة للاحتقان والاقتتال الداخلي. واستغل هذا الانقسام لترسيخ سلطته الشخصية داخل حزب الدعوة واستبعاد المنافسين له وضمان بقائه على رأس الحكومة رغم المعارضة الواسعة داخل البرلمان وخارجه (تقرير مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 2015).
أما حقد المالكي على حزب البعث والبعثيين فله جذور شخصية ونفسية وسياسية متشابكة. فقد عاش المالكي ما أورثه شعورًا عميقًا بالثأر والرغبة في الانتقام. وبعد 2003 تحوّل ذلك الحقد إلى سياسة رسمية اتخذت شكل “الاجتثاث”فعمل على اصدار قانون اجتثاث البعث لتصفية خصومه السياسيين من الكفاءات والضباط والإداريين الذين خدموا في الدولة السابقة (مركز الدراسات الاستراتيجية في بغداد تقرير 2017). لم تمن فوبيا المالكي وخوفه من البعث عقائدية او فكرية  بقدر ما كان هاجسًا سلطويًا إذ رأى في أي حضور للبعثيين تهديدًا لهيمنته على السلطة وخشي من المقارنة بين كفاءات النظام السابق وفشل نظامه القائم على الولاءات الحزبية والطائفية. لذلك وظّف الخطاب الطائفي كدرع سياسي يحميه من النقد وكسيف يضرب به خصومه تحت تهمة “الانتماء للبعث” (البياتي، العراق بعد 2003: قراءة في التحول السياسي، 2019).
اليوم وبعد مرور أكثر من عقد ونيف على خروجه من السلطة الرسمية لا تزال آثار سياساته ماثلة في كل زاوية من العراق: فالطائفية متجذرة وفساد مزمن وانعدام ثقة بين المواطن والدولة. لقد ترك المالكي وراءه تركة ثقيلة من الانقسام والنهب والدمار والفساد وما لم تُفتح ملفات الحقبة التي حكم فيها فإن العراق سيبقى أسير تلك المرحلة السوداء التي شكّلت أخطر فصل في تاريخ الدولة الحديثة بعد 2003 (يونامي، تقرير 2020).
المراجع:
1.هيومن رايتس ووتش. (2014). تقرير العراق السنوي: العدالة المفقودة. نيويورك.
2.منظمة العفو الدولية. (2013). العراق: الاعتقال والتعذيب في السجون السرية. لندن.
3.بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي). (2014). تقرير حقوق الإنسان في العراق. بغداد.
4.لجنة الأمن والدفاع البرلمانية العراقية. (2015). نتائج التحقيق في سقوط الموصل ومجزرة سبايكر. بغداد.
5.لجنة النزاهة النيابية. (2016). تقرير الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة. بغداد.
6.مركز كارنيغي للشرق الأوسط. (2015). العراق بين الطائفية والسلطوية. بيروت.
7.مركز الدراسات الاستراتيجية في بغداد. (2017). الاجتثاث السياسي وأثره على الدولة العراقية. بغداد.
8.البياتي، علي. (2019). العراق بعد 2003: قراءة في التحول السياسي. عمان: دار الرافدين.
9.يونامي. (2020). تقرير أوضاع حقوق الإنسان في العراق. بغداد.
أصدرت قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي عدد جريدة الثورة لشهر تشرين أول 2025.

أصدرت قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي عدد جريدة الثورة لشهر تشرين أول 2025.

للاطلاع وتحميل العدد:

-1جريدة الثورة لشهر تشرين الاول 2025

https://anyflip.com/lapqo/ftfa/

http://online.anyflip.com/lapqo/ftfa/

https://drive.google.com/file/d/19eTQ5E4jLAr_CPr_mxKf9zb4zPWeeBH4/view?usp=sharing

 

في الذكرى الخامسه لرحيل االقائد الثائر عزة ابراهيم

 

 بقلم : الفريق الركن محمد صالح علوان

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ الاحزاب (23)

                                                                    صدق الله العظيم

نستذكر اليوم سيرة رجل عاش شامخا ومات شامخا ، رجل من رجال العراق يؤمن بان الكرامه لاتستجدى ، وان الأوطان لاتبنى الا بالتضحيات ، رجل أختار المقاومه والاباء كي يبقى خالدا في ضمير التاريخ ، نتحدث اليوم عن الرفيق عزة ابراهيم رحمه الله الذي غادرنا الى دار الخلود  في 25 تشرين الاول من العام 2020 بعد رحلة طويله حافله  بالنضال والجهاد، لقد رحل الثائر العربي بعد أن قارع الأشرار والغزاة لسنوات طويله وأيام يعلم الله والأحرار من أبناء شعبنا المجيد صعوبتها وقساوتها على الجميع ، لقد كان الفقيد الراحل مثالاً نادراً في الثبات على الحق وفي الشجاعه والاباء حيث عرفه الميدان قائدا جسورا لايعرف التراجع وكان صوتا لايساوم ووجدانا لايستكين أمام الظلم والاحتلال وقد سار بخطى الواثقين بنصر الله على درب محفوف بالمخاطر والتحديات . وقد حمل راية الجهاد والمقاومه باإمان راسخ وعقيدة لاتلين فكان مثالا للتضحيه والعزيمه والولاء للوطن والمثل العليا لقد رحل الرفيق عزة ابراهيم بصمت كما يرحل الأبطال دوما بصمت تاركاً خلفه سيرة تفوح منها رائحة البطوله والكرامه وعطر الأرض التي ضحى لأجلها .

وإذ يستذكر والأحرار من أبناء شعبنا وأمتنا هذا القائد المجاهد فلابد لنا ان نشير إلى بعض من محطات نضاله ومواقفه الجهاديه والتي عرفناها عن قرب حيث شاءت الأقدار ان نرافقه فيها ردحاً من الزمن.. وإذ نستذكر ذلك فلابد لنا من القول بأن مشاعرنا  يتملكها شعوراً بالفخر والإعتزاز برفقة ومرافقة فرسان العروبة في بلادنا ليوث الوغى أهل الجهاد والرباط حراس المبادئ العظيمة وحراس ديار بابل القديمة الوارثين الحقيقيين لكل تراث ومجد أمتهم المجيدة صناع مجد العراق القريب والمتواصل ، وهم بحق أهل الحمية والنخوة والإباء والفروسية الذين لن تغفوا لهم عين ولن يرف لهم جفن ولن يتراجعوا قيد شعرة واحدة عن حقهم وحق بلادهم العظيمة منبت الحضارات والثورات والمآثر الإنسانية الخالدة ،الذين لم يتحملوا أو يتصوروا أن بلادهم الحرة الأبية أصبحت بين يد ومخالب المحتل الغاصب اللعين فثار في دواخلهم وضمائرهم وعقولهم صوت الحق فهبوا ثائرين يتسابقون لطرد المحتل الغاشم والإنتصار علية أو الشهادة المباركة والفوز برضا الرب الرحيم سبحانه وتعالى.

وبعد الاحتلال البغيض لبلادنا  شاء القدر أن نلتقي في ظرف قد لا تجود به الأيام إلا لماما وقد لا ينال ذلك الشرف الرفيع أو لن يكرم به الله من أبناء العراق الباسل المجيد إلا المؤمنون الصادقون الحقيقيون . لقد وجدنا الثائر الكبير عزة ابراهيم  من كبار رجال العراق  المؤمنون به أرضا وشعبا وتاريخا وحضارة ، ووجدناه مدافعا لا يلين عن عروبة العراق الأبي وسيفا من سيوف الإسلام الحق إسلام الحياة والحرية والعدل والمساواة والتطور ، الإسلام الذي يقرب الإنسان إلى خالقه سبحانه وتعالى ويهديه إلى الطريق القويم وليس إسلام الصالونات السياسية العقيمة أو إسلام الظلام والجهل والتطرف والقتل والتدمير الذي يتبجح به البعض ، كما وجدناه القائد الوفي الأمين الحريص المطمئن على التجربة الوطنية تجربة الشعب العراقي وتطوره ونهوضه تجربة البعث ،مدرسة الوطنية الحقه ، بعث الثورة والبناء والتطور الذي أذهل الدنيا ، والحقيقه الساطعه فإننا لم نجده في صف الضعفاء والانتهازيين ونهازي الفرص، بل كان من الذين جادوا بأنفسهم فداء للوطن ومن الأبطال الذين لا زالوا فرسان العروبة  الجدد في العراق الذين يستحقون كل المجد والرفعة التي أنعم الله عليهم بها فهنيئا لهم ذلك . وفي هذه الذكرى ونحن ندون هذه السطور وجدنا بأن من حقه علينا ان ندون ومضات من مواقفه الوطنيه والجهاديه ولو بشكل موجز ومختصر جدا ، ومنها :

  • ففي وصفه لما حدث في العراق خلال سنة 2003 يقول مانصه وهو القائد المؤمن والمطلع على كل الجوانب … (( إن الإنهيار الذي حصل للعراق أحدث فراغاً هائلاً في حياة العراقيين حتى فقدوا بوصلتهم الجمعية كشعب وفقدوا بوصلتهم الجمعية كمؤسسات وقد فقدوا بوصلتهم كأفراد ومواطنين فذهب (كلٌ يغني على ليلاه) فقدوا توازنهم وضاعت هويتهم وذهبت عقولهم فذهبوا الى شتى المذاهب والاتجاهات حتى أنني قد وصفتهم في وقتها برسالة الى الرفيق القائد صدام حسين رحمة الله عليه بقولي (قد أصبح العراقيون سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) ولم يبق في العراق أحدٌ متماسكاً ومعتصماً بحبل الله وبالعقيدة والمبادئ والمثل وقيم المبادئ وقيم الرجولة إلا نخبة من مناضلي البعث ونخبة من مقاتلي قواتنا المسلحة وجيشنا الوطني العقائدي العظيم فكانوا هم البذرة المباركة التي نبتت ونمت وازدهرت وأثمرت الصمود والتحدي والانتصار التاريخي على الغزاة فاهتدى بهديهم التائهون واسترشد برشدهم الضالون فاستعاد البعث قوته وتعالت همته واستقام عوده وازدهرت حياته الداخلية وصلبت وحدته الفكرية والسياسية والتنظيمية واستعاد دوره التاريخي الرسالي في قيادة مسيرة الأمة الكفاحية وثورتها الكبرى على أعدائها هذه هي الحقيقة)).
  • وفي مايتعلق بالحمله الاعلاميه الشرسه التي تعرض لها الحزب والمقاومه في محاولات متنوعه لشيطنتهم  يقول مانصه … (( ثم الأخطاء والهفوات الكبيرة التي وقعت بها مسيرة الثورة وسلطتها الرسمية وفي كل ميادينها الرسمية السياسية والاقتصادية والعسكرية بشكل خاص ومع كل ذلك قد تعرض حزبنا إلى حملة إعلامية دولية هائلة وشرسة استخدم فيها كل مبتكرات العلم الحديث وتجارب الأمم والشعوب وخاصة في الحروب الكونية والحروب الباردة اشترك فيها على حزبنا القريب والبعيد حقدا وحسدا وخيانة وعمالة شوشت كثيرا على عقيدته ومبادئه وعلى مسيرته الفكرية والسياسية والحضارية ومسيرة ثورته المجيدة ومنهجها وإنجازاتها الحضارية العملاقة الباهرة ولازال يتعرض حزبنا إلى هذا الخطر الإعلامي تعززه القوة العسكرية والمخابراتية الغاشمة لدول العدوان وما أحدثته من تدمير وتقتيل وتشريد وتهجير)).
  • وفي وصفه لعمل وجهاد الابطال في القيادة العامة للقوات المسلحة يقول مانصه … ((اقول لم يبق في العراق ارضاً وشعباً وعلى المستويين المادي والروحي عامرٌ ومتماسك ٌ وشرعي غير البعث وجيشه الوطني القومي العقائدي ، فالقيادة العامة للقوات المسلحة الشرعية لم تتبدل ولم تتغير ولم تتفتت ولم تتشرذم وذلك بسبب شرعيتها وبسبب حصانتها المبدئية والعقائدية والاخلاقية وأنما الذي تراه هنا وهناك من عناوين فضفاضة فهؤلاء سقطوا يوم الانهيار الكبير ومنهم من تساقط اثناء المسيرة ولو انك تسأل كل هذه العناوين الساقطة والمتساقطة عن الشرعية القانونية والدستورية والاخلاقية التي عنونوا انفسهم بها أمام القيادة الشرعية للقوات المسلحة لخجلوا من أنفسهم واستحوا من سوءتهم ، فهؤلاء أيها الرفيق عناوين فارغة من المحتوى ولقد أُعدت لإستخدام الأجنبي في حملته على البعث وجيشه ومقاومته ومسيرته وإن اظهار أنفسنا أمامهم كما نحن يسحقهم ويسحق كل من يقف خلفهم وان أي تعاطي معهم غير مدروس وغير موجه سيشوش على القيادة العامة للقوات المسلحة ويضعف دورها وتأثيرها)).
  • وفي وصفه للمجاهدين الأبطال كان خطابه في تموز من العام 2008 يقول ما نصه … (( أيها المجاهدون البواسل.. يا قرة عين الأمة وزهوها، ،، لقد قطعتم شوطا بعيدا وحققتم أهم الانجازات على طريق التحرير بعون الله.. بإيمانكم.. بصبركم.. بمطاولتكم.. ببطولاتكم.. بتضحياتكم السخية حطمتم جبروت الغزاة البرابرة وطغيانهم .. لقد أكدتم للدنيا كلها أنكم أبناء العراق العريق.. عراق سومر وأكد.. عراق بابل وآشور، أبناء موطن الحضارات والرسالات وقاعدة الفتوحات لأمة العروبة والإسلام.. كان أهل العراق يحرسون ثغور الأمة الشرقية على امتداد تاريخها ويمدون أمصارها بكل وسائل القوة والمنعة، فتحطمت على أرضكم وبأيديكم، وسواعد أجدادكم الأخيار، صناع التاريخ وبناة الحضارات.. تحطمت أعظم وأكبر الإمبراطوريات المتجبرة في الأرض وتكسرت أعتى موجات الشر وأخطرها على الأمة والإنسانية: الإمبراطورية الفارسية وأحقادها وأدرانها، والإمبراطورية الرومانية وعتوها وعدوانها، والمغول والتتار، وما بين ذلك من موجات وقوى متجبرة، حتى كانت موجة الصفوية الخمينية الأخيرة التي تحطمت على حدودكم الشرقية وسحقت، وحتى الموجة الامبريالية الصهيونية الكبرى التي جاءت مستجمعة كل قوى الشر والظلم والطغيان في الأرض، تساندها الصفوية الخمينية وكل قوى الخيانة والعمالة والنفاق والردة في الأمة وخارجها، ومع ذلك كله ها هو تاريخ العراق المجيد يعيد نفسه اليوم على أيديكم وبكم أيها المجاهدون، فتحطمت موجة الشر الكبرى على أسوار بغداد العزيزة.. على أعتاب بوابة الضفة الشرقية.. على أرض العراق الطاهرة المقدسة.. أرض الأنبياء والمرسلين: شيت وإدريس ونوح وإبراهيم ويونس وأيوب عليهم السلام.. أرض الأئمة والصديقين والشهداء والصالحين: إمام أهل الشرائع والطرائق والحقائق.. أسد الأمة ومغوارها حيدرة الكرار رضي الله عنه وكرم الله وجهه، ثم الشهيد الأكبر الحسين ملهم الأمة كل معاني الثبات والبطولة والفداء إلى يوم القيامة عليه السلام، ثم حواري الأمة الزبير بن العوام، ثم طلحة الخير، ثم الذين يلونهم من الصحابة الأبرار والقرابة الأطهار، أرض تعطرت بدماء هؤلاء الأكارم وتقدست باحتضانها لأجسادهم الطاهرة الزكية الشريفة)) .
  • وفي وصفه الى شعب العراق والى مايجري حوله وعليه فيقول في العام 2005 مانصه …. ((لأننا في البعث والمقاومة نعيش القضيه قضية شعبنا وأمتنا في هذه المحنة والإمتحان بكل عمقها وشمولها وخاصة نحن في الداخل نتفاعل مع زمانها ومكانها ومسارها حتى النفس الذي يجري فينا وطرفت العين التي نطرفها، ولكن قد نختلف في التقديرات والاستنتاجات وفي أغلب وسائل المعالجة والسبب هو أمر طبيعي ومشروع إذ كما يعلم الجميع إن حزبنا وشعبنا العظيم بغض النظر عن أخطاء تجربتنا العظيمه وبعض هفواتها عشنا الصراع التاريخي الملحمي مع الإمبرياليه والإستعمار والصهيونيه بشكل مباشر خمسة وثلاثون عام ودخلنا معه ومع من أناب عنه حروبا طاحنة امتدت أكثر من ربع قرن من الزمان متواصله ولازلنا اليوم في قلب المعركة وفي ميدان الصراع التاريخي نقود شعبنا بكل شجاعه وبساله ولا فخر لنا بذلك على شعبنا وقواه الخيره التي تشترك معنا بفاعليه في هذا الصراع فنحن نعرف بدقة عاليه كم نعطي من فعل مقاوم ومن فداء وتضحيات يوميا وكم نأخذ من العدو لشعبنا وقضيتنا وامتنا)).
  • وفي وصفه لما قدمه شعب العراق من تضحيات يقول مانصه … ((لقد أعطينا على مذبح الحريه والتحرير الشامل والعميق لوطننا وأمتنا أنهارا من الدماء الزكيه وقناطير مقنطره من الأرواح الطاهره وقد مكننا الله من عدونا عندما قبل المنازله على طريقتنا الخاصه التي ألغت كل تفوقه ولأول مره في تاريخ الأمه منذ سقوط الدوله العباسيه وهو يترنح اليوم تحت ضربات رجال العراق وقواتهم المسلحة الباسله ولم يبق على انهياره ألا صبر ساعه كما يقولون وهذه هي فرصة التاريخ للأمه والأنسانيه جمعاء أن يتحطم الجبروت المتكبر الطاغي الظالم المنفلت على أرض العراق العظيم عراق العروبه والإسلام عراق العز والمجد والإباء والحضاره والتاريخ لكي يكون حقاً هو كنز الإيمان وجمجمة العرب ورمح الله في الأرض يحرس الثغور ويمد الأمصار نعم كان يمد الثغور في زمن القائد صدام حسين بالمال والرجال والسلاح واليوم يحرس الثغور وينتصر للأمة ولتاريخها ومستقبل أجيالها)).
  • وفي إيمانه الراسخ بعدالة قضية المقاومة وتأصيلها الشرعي فكان يكتب وبشكل مكرر إلى المجاهدين الأبطال مانصه … (( يقول رسولنا وحبيبنا وقائدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتسمه النار ) أخرجه البخاري . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه ) أخرجه مسلم ويقول صلى الله عليه وسلم : ( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لايفتر من صلاة وصيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ) اخرجه البخاري ويقول صلى الله عليه وسلم : ( إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) أخرجه البخاري فهنيئا لكم أيها الأحبة المجاهدون  فأنتم السابقون الأولون اليوم وأنتم أصحاب الدرجات والمغفرة والرحمة والرضوان ، يقول جل شأنه : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ، ثم يقول جل جلاله : ( درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ). وقد فصل سبحانه هذه الدرجات في آيات أخرى وفي مكان آخر من القرآن الكريم  فقال جل شأنه : ( ذلك بأنهم لايصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيض الكفار ولاينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولايقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون )) .
  • وفي وصفه للمقاومة الوطنيه العراقيه وأساليب قتالها فيقول ما نصه … ((إن مقاومتنا ليست جيشا رسميا حتى تبعث بجيشك الرسمي المتفوق عدة وعددا لتنتصر عليها وهي ليست (القاعدة) التي قدمت نفسها لكم على طبق من ذهب لتذبحوها كما أنها ليست جيش المهدي الذي أرضاكم بأسلوبه المتخلف لتصفيته عسكريا مع احترامي وتقديري ومحبتي لكل من ينازلكم على أرض العراق من أجل تحريره)).
  • وفي موضوع جارة السوء ايران والتي تدخلت في الشان العراقي كثيرا وكثرت الأقاويل باحتمال ضربها من قبل الولايات المتحدة الامريكيه فكان يقول ومنذ العام 2005 مانصه حرفيا … ((اما موضوع إيران فأن امريكا سوف لن تضرب إيران أبدا وهي متورطة في العراق كما هو حالها اليوم لأنها غير قادرة حتى لو أرادت حقا ، إلا إذا خرجت من العراق منتصرة وقد حققت مشروعها الإمبريالي بحذافيره فسوف تضرب إيران آنذاك وتضرب سوريا وتضرب كل نظام في الأمة لايطبق مشروعها بحذافيره ولذلك فان أمر الجهاد في بلدنا أمراً مقدساً يتعلق بمصير العراق والأمة معا )).

 

  • وفي تحديد طبيعة الصراع بين العراق وشعبه وبين قوات الغزو والاحتلال يقول الرفيق عزة ابراهيم رحمه الله مانصه … ((إن الذي بين المقاومة الممثل الشرعي الوحيد للعراق وشعبه العظيم وطن محتل ومدمر وشعب يقتل ويشرد ويسحق ويعذب ويطارد ويجوع ويحاصر يمنع عنه حتى الماء والغذاء والدواء والكهرباء في أغلب مدنه وقراه مئات الآلاف من العوائل المشرده دون مأوى ولايزال العدو يصعد ضنا منه أنه يعاون اللعبه السياسيه المخابراتيه لإنقاذ نفسه من الإنهيار ثم إنهيار امبرياليته وتكوينها وأدواتها في عقر داره كما حصل للإتحاد السوفيتي إن لم يهرب مبكراً أو يسلم لشروط المقاومة كاملة)).
  • وفي مايقوله إلى الأمه العربيه وحكامها أيام الصراع الملحمي مع الغزاة الأشرار في العام 2008 وبالوقت نفسه إلى الغزاة وعملائهم وأذنابهم حيث يقول مانصه … (( وأقول بإسمكم أيها المجاهدون وبإسم الشعب العراقي المجيد للغزاة المحتلين وعملائهم وأذنابهم، وأقول لأبناء أمتنا، حكاماً ومحكومين، وخاصة أخوتنا الحكام ملوك ورؤساء وأمراء، ثم نقول لشعبنا العربي العظيم، وإلى أحزابه ومنظماته ومؤسساته، وخاصة جامعته العربية، ثم نقول للعالم دولا وشعوبا ومؤسسات ومنظمات دولية أو إقليمية، وأخص بالذكر الأمم المتحدة ومؤسساتها، أقول لهم جميعاً: إن العراق محتل غزته الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية تساندهم الصفوية الخمينية، فدمروا بلدنا، وقتلوا شعبنا، وهجروه وشردوه وهم ماضون في التدمير والتفتيت والقتل والتشريد وعلى بصيرة ومسمع منكم جميعاً.. هذه هي مشكلتنا ـ أيها الناس ـ ولا شيء غيرها وإنكم تعلمون علم اليقين أن الغزاة البرابرة لن يخرجوا من بلدنا إلا بالقوة القاهرة التي تجبرهم على الخروج، حينما تصبح خسائرهم على أرض العراق أكبر من أطماعهم ونواياهم الشريرة، وعندما يصبح وجودهم في بلدنا يهدد كيانهم الإمبريالي العالمي برمتنه، وإنكم تعلمون علم اليقين أن هذا الأمر لن يتحقق إلا بالمقاومة المسلحة المتصاعدة الدائمة ما دام لهذا الغازي المحتل وجود على أرض العراق حتى يخرج آخر جندي غازي بدون قيد أو شرط وفق ثوابت الوطن الأخرى وحقوقه)).
  • وفي الختام نسجل للرفيق القائد المجاهد والثائر عزة ابراهيم وهو يخاطب الرئيس الأمريكي الأسبق وقائد الغزو والإحتلال بوش الإبن وذلك في العام 2008 يوم أشتد أوارها مانصه حرفيا …. ((  ونقول للغزاة أولاً وللرئيس بوش، بشكل خاص، إن شعب العراق شعب حضاري إنساني ورسالي، فهو من الأرض التي عاش عليها على مدى التاريخ الطويل الذي صنعه، وهو من الأمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى خير أمة أخرجت للناس، وهو من الإسلام الرسالي، والإسلام دينه وحياته ومنذ شع شعاعه إلى الكون، فكيف يتخلى هذا الشعب العظيم المجيد عن أرضه التي أشاد عليها أرقى الحضارات وعطر ترابها بدماء رجاله وعرقهم، وكيف يتخلى عن تاريخه العريق الطويل العزيز المجيد الذي كتبه بدماء رجاله، وكيف يتخلى عن عروبته التي هو جوهرة من جواهرها المكنونة المصونة، وكيف يتخلى عن دينه وهويته وانتمائه ومبادئه وقيمه، فلا تتوهم ـ أيها الرئيس ـ ولا تضلل ولا تدجل، ولا تخدع شعبك، فالحقيقة لا يمكن أن تغطى بغربال، وقد بانت ساطعة كالشمس في وضح النهار.. واذكر وتذكر واحذر اليوم الذي ستقف فيه مع فرعون وهامان والنمرود، ومع هولاكو وجنكيز خان وهتلر وموسليني وستالين أمام القوي العزيز سريع الحساب وشديد العقاب.

سيقاتلكم هذا الشعب العظيم مهما امتد الزمن وطال، ومهما كابرتم وتجبرتم وضللتم ودجلتم، وسيكون بإذن الله ومدده وعونه حتما هنا في العراق وعلى أرضه انهيار إمبراطوريتكم وبنائها الإمبريالي العالمي.

وأقول لك ـ يا سيادة الرئيس ـ بإسم شعب العراق العظيم وبإسم الأمة المجيدة، كما قال أحد أبنائها لعدو غزاهم، فأقول:


يا بوش حنا ما نشيل إلا تحن حوارها
وكود الثريا تنحدر والشمس تبدل دورها


سيبقى هذا الشعب العراقي العظيم يقاتلكم حتى قيام الساعة فإرحل عن بلادنا أيها الغازي الباغي يكفيك ما قتّلت وشردت وهجرت وخربت ودمرت، وتكفيك تجربة أكثر من خمس سنوات من الصراع الملحمي مع شعب الحضارات، وجنده جند الرحمن الذي أرعبكم وأرق نومكم وحطم عنجهيتكم وأحلامكم ونواياكم الشريرة.

  • وفي ختام مقالنا المختصر هذا وإذ نسجل هذه الكلمات فلابد لي من القول حيث اخاطبه وهو في عليين عند مليك مقتدر ، وأقول سيبقى صوتك الصادح بالحق نبراسا لنا وستبقى كلماتك ترن في آذهاننا وهي ترسم لنا من جديد غداً مشرقاً يليق بالفرسان الأباة أبناء الحضارة والتاريخ المجيد وتبقى كلماتك تنبهنا من مهاوي الطرق المنحرفه والتي كانت ومازالت تستهدف شعبنا وقواه الحيه المجاهده .. وبالوقت نفسه سنبقى نحث الخطى ونجدد الأساليب والوسائل والبرامج والتي يتطلبها صراعنا مع الأعداء ونبذل كل مافي وسعنا من أجل تحرير بلادنا وإعادتها حرة أبيه ترفل بالعز والكرامه والسياده ويفخر أبناءها بالمجد والكرامه …

رحم الله القائد الثائر والمجاهد عزة ابراهيم وأسكنه فسيح جناته ، فقد قدم جهداً جباراً وعطاءً متواصلاً في ظروف صعبه ومعقده لايعلمها إلى من عاش أيامها وتعطر بأريجها .. ومن الله العون والتوفيق ….

سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة إبراهيم شذرات على طريق الجهاد والرباط-الحلقة الرابعة والأخيرة

 

سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة إبراهيم

شذرات على طريق الجهاد والرباط

الحلقة الرابعة والأخيرة

بقلم الفريق الركن

محمد صالح علوان

 

           تواصلاً مع سلسلة حلقات تدوين بعض الشذرات على طريق الجهاد للرفيق عزة إبراهيم رحمه الله بالاشارة إلى بعض مواقفه المهمة والاستراتيجية ونتناولها باختصار تام، ونقول إن الكثير منها تستحق البحث والتسجيل والتدوين حيث تعتبر تلك المواقف والكلمات والأحداث البطولية من حق جيل مجاهد بطل لم يبخل بدمه وماله وأغلى ما يملك من أجل وطنه، وستبقى من ضمن أدبيات المسيرة الجهادية العراقية الكبرى التي أبهرت الدنيا وكانت من عجائبها في العصر الحديث، والسطور القادمة تؤشر بعضها:

  1. كان من وصايا الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله أن لا حوار مع عملاء العملية السياسية على الإطلاق، وينطلق هذا القرار من الفهم الدقيق بأن من باع العراق وعمل مصدراً وعميلاً ومتعاوناً مع دولة أجنبية أو مع قوات غازية لن يكون مصدراً للثقة وأنه غير مؤهلاً على الإطلاق لصناعة واتخاذ قرار وطني حقيقي، وكل ذلك جاء وفقاً لاستراتيجية البعث والمقاومة طويلة المدى والتي كان من أهدافها العمل على افشال العملية السياسية المخابراتية التي أعدها الاحتلال وجاء بمن اشترك فيها، وبالتالي فإن التعامل مع أطراف العملية السياسية جاء وفقاً لهذا الهدف الرئيس والمركزي والذي رفع منذ العام 2005 ويحصد شعبنا اليوم نتائجه الواضحة حيث لم يعد أحد من أبناء شعبنا يثق بأي من أطراف العملية السياسية ولا بأحزابها ولا بمن يمثلها.
  2. ومن الأحاديث والرؤى المستقبلية التي كان يشير لها رحمه الله، في أن مشروع المقاومة الوطنية العراقية إن لم يكتب له النجاح التام والكامل لا سمح الله وإن لم يثبت ذلك الانتصار والنجاح بشكل واضح فإن العراق لن تقوم له قائمه قبل نحو 50 سنة مقبله، ولذلك نرى أن هنالك خطط ومناورات ومحاولات متعددة ساهمت في عدم استثمار نتائج النصر الكبير الذي حققه أبطال المقاومة العراقية الباسلة والهزيمة المنكرة التي لحقت بأمريكا وجيوشها الغازية ومن تحالف معها، وكل ذلك يتضح اليوم في حالة العراق والذي يمثل الحالة الرخوة ويقع بين هيمنة الدولة وعناصر اللادولة والتدخلات الإقليمية والدولية الواسعة.
  3. وفي قناعة تامة ويقين مطلق وتجربة السياسي المخضرم كان الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله يكرر ومنذ العام 2005 بأن الولايات المتحدة الأمريكية سوف لن تضرب أو تهاجم إيران رغم كل التهويل والتهديدات المتكررة بالرغم مما يقوله المسؤولون الأمريكان يومياً، وكانت قناعته بأن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها قد يسمحون لإيران بامتلاك السلاح النووي حتى يتمكنون من تطويق وحلب دول الخليج الغنية بالنفط والأموال، وسيهددونهم بأنهم سيرفعون الحماية عن دول الخليج ويتركون الميليشيات الصفوية وكلاب إيران من ممارسة اجرامهم في عواصم ومدن دول الخليج كما فعلوا في بغداد مدينة السلام والتآخي والمحبة عندما كانت تصبح على جثث أبنائها وشبابها متناثرة في الطرقات بعد أن تم قتلها واغتيالها، لكي تبقى دول الخليج العربي مرعوبة من الخطر النووي الذي يهدد مدنهم.
  4. كان الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله يقدر ويحترم الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله ولم يتاجر يوماً باسمه وتاريخه كما فعل البعض للأسف، ويقول وفي رسائل وكتابات وأحاديث مختلفة أنه أقرب شخص إلى صدام حسين وهو رفيقه ونائبه وشريكه، وكان يلخص قوله في الرئيس الشهيد رحمه الله بأن صدام حسين غادر الحياة الدنيا كواحد من عظماء التاريخ والعراق وأنه سيبقى خالد الذكر مع الخالدين من أمة العرب سعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وجمال عبد الناصر وغيرهم رحمهم الله جميعاً.
  5. وكان الرفيق عزة إبراهيم متديناً وفقاً للطريقة الصوفية ولم يرضَ ولم يقتنع بأداء ومشروع وعقيدة تنظيم القاعدة أو الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش) بل كان يقول بأن المعركة المقبلة لنا بعد تحرير العراق ستكون مع هؤلاء المتطرفين، ولذلك لا مجال للتشكيك في موقفه من هذا التنظيم المتطرف والذي كان البعثيون هم من أكثر الأطراف الذين أصابهم الأذى من هذه التنظيمات المتطرفة والتاريخ والأسماء تشهد، ولسنا هنا في مجال التبرير والدعاية أو الدفاع فسيأتي اليوم الذي ستذكر فيه جميع الحقائق وبالأدلة الملموسة وستكتشف الحقائق الناصعة في هذا المجال. وستبين تلك الحقائق أن البعث لم يكن يوماً ورغم الأذى والاجتثاث والقتل والتدمير قريباً من تلك التنظيمات على الإطلاق.

 

               وهنالك الكثير من الأحاديث والروايات والقصص التي سطرتها أيام الجهاد والمواقف الوطنية للقائد والإنسان والوطني الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله، وأنها تحتاج إلى وقفات طويلة وتأملات ومتابعات حثيثة لرصد ومتابعة مواقف الرجل وسيرته الوطنية والجهادية والنضالية، ونحن إذ نستذكر بعض منها بعد فترة قصيرة من وفاته رحمه الله فإننا نرى أن ذلك جزءاً من واجبنا الوطني والشرعي والأخلاقي في انزال الناس منازلهم ومقاماتهم وهي دين في أعناق الوطنيين الشرفاء الذين واصلوا الليل بالنهار جهاداً ونضالاً وتعباً من أجل تحرير بلادهم من رجس الاحتلال والغزو.

            ونقول في نهاية هذه الشذرات التي رويناها على طريق الجهاد والمرابطة، أن تلك المسيرة الطويلة والشاقة والتي استمرت لسنوات لم تكن كلها جميلة وصحيحة ومثالية ولكنها وقعت في بعض الأخطاء والتي قد يصل بعضها إلى الخطايا لا سمح الله، وعذر تلك المسيرة المظفرة أنها كانت تعمل وتتحرك وتسعى لتنفيذ مشروعها في ظروف بالغة القسوة وفي أجواء وأمواج متلاطمة من التحديات والمصائب ولكنها ظلت تحث الخطى لتحقيق أهدافها رغم تجبر الغزاة ومن ساندهم.

           الرحمة والغفران والفخر الكبير للقائد الرمز عزة إبراهيم رحمه الله تعالى، وعذراً إن لم تكن الكلمات والسطور توفيه حقه، والرحمة والغفران والمجد وجنات النعيم لكل شهداء العراق الذين لبوا نداء الجهاد وأداء الواجب الوطني والشرعي المقدس، وتباً لكل الغزاة والعملاء والخونة والمتخاذلين والمرتجفين والمترددين وعاش العراق بلد الأماجد والأبطال والنشامى والأحرار، ومن الله النصر والعون والتوفيق.

 

 

بغداد

6 كانون الأول 2020

سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة أبراهيم شذرات على طريق الجهاد والرباط-الحلقة الثالثة

سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة أبراهيم

شذرات على طريق الجهاد والرباط

الحلقة الثالثة

بقلم الفريق الركن

محمد صالح علوان

 

           بعد أن قدمنا موجزاً بسيطاً عن رحلته بعد الاحتلال، نقول إننا نعلم أن هنالك المئات من الصفحات التي يمكن أن تكتب في هذا المجال وسنجد أن الكثير من الرفاق والأبطال المجاهدون والذين يختزنون مئات القصص والروايات والحوادث في مخيلتهم سيدونونها يوماً ما باعتبارها أرثاً انسانياً لشعب العراق، شعب البطولات والأمجاد والذي لم يستكن للضيم والظلم وستوضح تلك الصفحات مآثر وبطولات الميامين من الرجال وتدون من خلال تفاصيلها الكثير الكثير مما تعذر ذكره في هذه الصفحات الموجزة.

وهنا لا بد لنا من تأشير بعض الصفات والمزايا التي تتعلق بالرجل فقيد العراق الكبير الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله والتي عرفناها عنه وتعلمناها منه وسندونها باختصار في النقاط التالية:

  1. لقد كان الرفيق عزة إبراهيم يمتلك شجاعة حقيقية، ولم تكن شجاعة مصطنعة بل كان يعبر عنها في الكثير من المواقف من خلال تماسكه وصبره ومطاولته، ولن نتكلم عن شجاعته المعروفة قبل الغزو والاحتلال ولكننا سنشير إلى ما يتعلق في الفترة التي أعقبت يوم 9 /4 / 2003، كانت شجاعته واضحة من خلال تحمله لمسؤولية القيادة الأولى بعد الاحتلال واعتقال الشهيد صدام حسين رحمه الله، خاصة وأن المجابهة كانت ضد قوى الغزو والاحتلال وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. لم يترك الرفيق عزة إبراهيم مسدسه الشخصي المحشو بالإطلاقات ولا بندقيته الشخصية من نوع كلاشنكوف يوماً أو ساعة بعيدة عن متناول يديه، وكان مستعداً على الدوام لمقابلة الغزاة وجنودهم وعملائهم حتى الشهادة التي كان يتمناها دوماً رحمه الله.. وكانت هنالك مواقف كثيرة ومتنوعة مر بها خلال سنوات قيادته للأبطال المقاومين والمجاهدين وخلال تنقلاته الكثيرة، وكم من مرة تطوق مكان أو منطقة الاجتماع الذي يديره في مناطق مختلفة من أرض العراق ولكن الله حفظه وحفظ رفاقه الأبطال من المجاهدين ومن تنظيمات الحزب الأخرى.. وسيطول الحديث عن هذا الجانب، وسيأتي يوماً يكتب عن تلك المواقف والبطولات كل من كان شاهداً مباشراً عليها ومشاركاً فيها.
  2. وعلى ما يبدو وكما شعر الجميع وبيقين راسخ أن الرفيق عزة إبراهيم كان مؤمناً حقيقياً وهو المعروف بمنهجه الصوفي في ممارساته وعباداته.. لقد كان حريصاً على الصلاة وباقي العبادات وكان ناسكاً ورعاً متوجهاً إلى رب العباد وطالباً منه الحفظ والنصر على الأعداء، ونظن والعلم عند الله أن نقاوة إيمانه وتمسكه بالعبادات هي التي حفظته من عيون الأعداء والذين شكلوا كل أشرار الدنيا.
  3. لقد امتلك الرفيق عزة إبراهيم قرار المناضلين التاريخيين المضحين الأصلاء في قراره بمواجهة العدوان والغزو والتصدي له، فكان يقول ولمرات كثيرة في أنه اليوم في بحبوحة الجهاد التي أنعم الله عليه بها، وكان يقول أنني سأبقى أقاتل الغزاة وأحث الشعب على الجهاد والمقاومة حتى ولو تركتموني وبقيت لوحدي فإنني لن أتراجع عن هذا الطريق الذي آمنت به راغباً متطوعاً، وقد اقترن ذلك بالقرار على عدم مغادرة أرض العراق مهما اشتدت المنازلة والنوائب، وكان صادق تماماً في عدم مغادرته أرض العراق ولو ليوم واحد وهذه شهادة يستحقها رغم أن كثير من تقارير الاستخبارات للقوات الأمريكية والحكومة العميلة وأراذل القوم كانوا يكررون مراراً وتكراراً بأنه في أرض اليمن أو سوريا أو السعودية أو أماكن أخرى، أخزاهم الله ورحم الرفيق عزة إبراهيم الذي تحول إلى نموذج للصبر والمطاولة والمقاومة.
  4. تميز الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله بتحسبه الأمني الشديد وبسبب خبرته الطويلة وتجربته في فترة النضال السري وخلال تجربة الحكم الوطني كان المعلم والمرشد والموجه والمساهم في وضع الخطط الأمنية، وبالتالي وبسبب كل ذلك وبجهد دؤوب ومستمر من رفاقه المجاهدين وتحسبهم العالي ومحافظتهم على الأمن والكتمان، لم يتمكن الغزاة الأمريكان وبكل أجهزتهم الأمنية والاستخبارية وعملائهم وأتباعهم ويعاونهم الفرس الأشرار ودول كثيرة أخرى من الوصول إليه، وعلى الرغم من كثرة الاجتماعات واللقاءات الدورية والاستثنائية والاعتيادية التي كان يجريها مع رفاقه وفي أماكن مختلفة، لم يتمكنوا من تحقيق أي اختراق يذكر، كان الرفاق الأبطال من الذين يحضرون تلك اللقاءات والاجتماعات الكثيرة والمتنوعة هم من حاز على الثقة الكبيرة في الكتمان وحفظ الأسرار وساهموا في تحقيق النجاحات الأمنية المشهودة.
  5. كان الرفيق عزة إبراهيم صلباً في موقفه ومؤمن تماماً بصلاحية منهجه الذي اعتمده في الجهاد وفقاً لعقيدة البعث الوطنية والقومية والإنسانية، وكان محارباً عنيداً لكل من يتطاول على منهج الجهاد أو يزايد على المرابطين في أرض الرباط والجهاد، فهو من خبر وعرف عن قرب جهدهم ودورهم وهو المطلع والعارف لما تعرضوا له من أذى وقتل وتدمير واعتقالات ومطاردات وتهجير خاصة وهو يعيش بينهم أو قريباً منهم، وكان هو المسيطر والضابط لمسيرة الجهاد والمحذر والمنبه لكل زيغ أو انحراف يحاول المساس في تجربة الجهاد في العراق، وعلى الرغم من مداراته لبعض الطروحات ومحاولة تقبلها وقتياً إلا أنه سرعان ما يثور عليها بشدة ليقاتلها في مهدها خاصة عندما تتقاطع من المنهج الوطني أو مسيرة الجهاد العملاقة في العراق والتي ركعت قوات الاحتلال وعملائها.
  6. كان الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله بسيطاً هادئاً غير متكلفاً في حياته ومعيشته، وكان بسطاء الشعب يعتنون بخدمته ورعايته وتأمين مستلزماته، ورغم اشتغاله بمناصب رفيعة في الدولة العراقية قبل الغزو والاحتلال فإنه لم يحاول يوماً أن يعيش حياة البذخ والبطر وإنما كان يعيش بين الناس وفي بيوتهم الطينية البسيطة وأكواخهم الاعتيادية ويتنقل بأبسط أنواع العجلات، وقد روض نفسه وبمساعدة من يخدمه على حياة الجهاد والمرابطة والتي تحتاج إلى الصبر والتأني وتقبل أشياء لم يتعود الإنسان عليها في الأيام الطبيعية.
  7. وخلال السنوات الأولى من الغزو والاحتلال وبعد أن كثرت وتنوعت الفصائل والجيوش والجبهات الجهادية ضد الغزو والاحتلال والتي كانت تعتمد عقائد ومناهج مختلفة وتسوقها دوافع مختلفة كان الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله يقول ومنذ وقت مبكر أن معظم هذه القوى ستنتهي وتتلاشى من الميدان وستبقون أنتم يا رجال البعث والمقاومة الوطنية الحقة في الميدان لوحدكم لأنكم أنتم أصحاب القضية الأساسية ولأن الغزو والاحتلال هو من استهدفكم بالقتل والتدمير والاجتثاث والاعتقال والتهجير، وبالتالي أنتم من مثل الهدف الحقيقي لقوات الغزو والاحتلال، وهذا ما أثبتته الأيام والوقائع ولكل متابع حصيف.
  8. كان الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله يقول دوماً أن أمريكا استهدفت تجربة العراق الجديدة التي يقودها البعث، ولم تستهدف دينه كما يروج بعض المتأسلمين، لأن تجربة العراق توصف بأنها تجربة علمانية رغم ارتكازها على الدين الإسلامي الحق، أي أن الحكم في العراق لم يكن يدعي أنه يحكم مثل ولاية الفقيه في إيران والتي اتخذت من الدين الإسلامي غطاءً مزيفاً لمشروعها، ولذلك فإن من استهدف في العراق هو تجربة الحكم الجديدة والتي يقودها البعث وصدام حسين والتي باتت تشكل عائقاً تجاه طموحات ومشاريع المستعمرين الجدد.

 يتبع الحلقة الرابعة .

 

بغداد

6 كانون الأول 2020

سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة إبراهيم شذرات على طريق الجهاد والرباط-الحلقة الثانية

 

سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة إبراهيم

شذرات على طريق الجهاد والرباط

الحلقة الثانية

بقلم الفريق الركن

محمد صالح علوان

 

            وتواصلاً مع حديثنا في الحلقة السابقة لا بد لنا أن نشير أن من القرارات المهمة الأخرى التي اتخذها هو تطبيق الشرعية الوطنية والحزبية وفقا لقواعدها الأساسية والقوانين التي تحكمها ، فمن الناحية الوطنية والقيادية كان هو الرجل الثاني في قيادة البلاد بعد الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله وبالتالي فهو المسؤول عن اتخاذ القرارات المصيرية والاستراتيجية التي تتعلق بالعراق، ولذلك فقد اعتبر وبشكل طبيعي أنه هو رئيس العراق بالوكالة، خاصة وأن العراق وقيادته السياسية أو قواته المسلحة ومن كان يقوده قبل 9 نيسان 2003 لم يستسلم أو يوقع على معاهدة أو اتفاقية استسلام ، وبالتالي فإن العدو الغاشم الذي قطع مئات الأميال البحرية وجاء لاحتلال بلادنا بغزو وعدوان فاضح وبحجج كاذبة وواهية لن يكون من حقه تغيير القوانين الأساسية للبلاد، ورغم أن العدو الأمريكي كسب معركة الاحتلال إلا أنه لم يكسب الحرب بشكلها النهائي، وبالتالي فمن حق الرئيس العراقي الشرعي أو نائبه الرسمي أن يحشد قدرات الشعب ضد هذا العدو حيث أن من واجبه الأساسي  والشرعي والديني أن يحرس ويراقب الثغور ويهيء الجند للدفاع عن الشعب والأمة وبالتالي استمر الرفيق عزة إبراهيم بممارسة هذا الدور  على أفضل وجه.

    أما على الصعيد الحزبي فقد كان الرجل يشغل منصب نائب الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي ولذلك وبعد اعتقال الرئيس الشهيد مباشرة تولى هو المسؤولية المباشرة في قيادة الحزب، وقام بمخاطبة قيادة الحزب وقواعده وجماهيره بمسمى الأمين العام للحزب وكالة، واستمر على هذه التسمية في جميع المخاطبات والرسائل التحريرية التي كتبها حتى استشهاد الرئيس صدام حسين رحمه الله واغتياله صبيحة عيد الأضحى ، وبعد استشهاد الشهيد صدام حسين رحمة الله عليه عقدت قيادة قطر العراق اجتماعاً استثنائياً وانتخبت بالإجماع الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله أميناً لسر قيادة قطر العراق ووثقت ذلك في محضر اجتماع رسمي بعثته إلى القيادة القومية للحزب للمصادقة عليه، حيث تمت المصادقة على انتخابه أميناً قطرياً للحزب في العراق ثم بعد فترة قصيرة وخلال اجتماع القيادة القومية للحزب انتخبته أميناً عاماً لحزب البعث الاشتراكي وخولته بعض الصلاحيات التنظيمية بسبب الظروف القاهرة التي تعرض لها العراق آنذاك وليمارس دوره الجهادي والنضالي في قيادة الحزب وتوجيهه حتى انتقاله إلى جوار الرب الرحيم يوم 25 /10 / 2020 رحمه الله، وهكذا كان حريصاً على النظام الداخلي للحزب وعلى أعرافه وتقاليده خاصة وأن حزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر واحداً من أكبر وأهم الأحزاب في الوطن العربي.

     ومن الأمور الأخرى التي تطلبت قرارات حازمة وحاسمة هي التي تتعلق بجانبين أساسيين يكتسبان أهمية خاصة في تلك الظروف وهما:

  • تمثل الأول بالسعي لإعادة الحياة الحزبية الطبيعية والحياة التنظيمية الداخلية للحزب في العراق خاصة بعد أن اعتقلت قوات الغزو والاحتلال معظم الرفاق من أعضاء القيادة القومية والقطرية للحزب والمتواجدين على أرض العراق.. حيث تطلب الأمر البحث عن الكفاءات القيادية الحزبية في المحافظات العراقية من الذين انخرطوا في العمل الجهادي والمقاوم وفي تثوير الشعب ضد قوى الغزو والاحتلال وتعيين الأفضل منهم لقيادة التنظيمات الحزبية في تلك المحافظات بدلاً عن الرفاق الذين اعتقلتهم سلطة الاحتلال ووفقاً لقاعدة أساسية كان قد أقرها وحددها الحزب خلال المداولات التي أعقبت يوم 9 نيسان 2003 والمتمثلة بأن تكون أسبيقية القيادة والتواصل الحزبي وفق الوصف التالي:

ـ الأسبقية الأولى: لمن باشر وانخرط بمقاومة قوات الغزو والاحتلال.

ـ الأسبقية الثانية: لمن باشر وانخرط في التواصل مع تنظيماته الحزبية وأعاد تنظيمها وترتيبها والعمل ضمنها وفقاً للظروف الجديدة.

ـ الأسبيقية الثالثة: لمن التحق بالتنظيمات الحزبية أو عناصر المقاومة وبوقت لاحق أو متأخر.

 وهكذا بدأت عجلة الحياة الحزبية بالانطلاق مجدداً وباتت التعليمات الحزبية توزع وتصل إلى الخلايا الحزبية وكل المستويات الحزبية الأخرى، وبدأ الحزب مجدداً يأخذ صداه في الساحة العراقية المناوئة للاحتلال، ولاحقاً أصبحت مواقفه السياسية هي المعيار الحقيقي لكل المواقف الوطنية والتي التف حولها كل الرافضين لقوى الاحتلال والغزو.  وقد مثل هذا الجانب تحدياً بارزاً ومهماً وخطيراً على الحزب طيلة تلك السنوات حيث تمثلت أبرز تلك التحديات في محاولات الانشقاق والتآمر لبعض المحسوبين على الحزب وبدعم من دول اقليمية ومن قوى الغزو والاحتلال والحديث طويل في هذا المجال وذو شجون كما يقال.

  • أما الجانب الثاني.. فقد تمثل بتطوير العمل المقاوم وحث الشعب على الجهاد والمقاومة وعلى مساندة الأبطال الميامين الذين نذروا أرواحهم وأموالهم وما يملكون وتصدوا لقوات الاحتلال والغزو وحولوا حياة جنود الاحتلال والغزو في العراق إلى جحيم لا يطاق، ومحاولة حشد الطاقات وتأمين مستلزمات القتال التي يحتاجها المقاومون الأبطال، ويعلم الجميع أن أي مقاومة وطنية تحتاج في عملها إلى ثلاث جوانب أساسية يكون لها التأثير الحاسم والمهم في انطلاقها وتطورها وتمكينها من تحقيق أهدافها، وتتمثل هذه في خطاب سياسي واضح المعالم ويمتلك حجج سياسية وشرعية متينة لا مجال للزيغ والمناورة حولها، وقد مثل خطاب البعث ومنهجه وعقيدته الأصيلة هذا الخطاب لكل الثائرين والمقاومين الأباة، ولا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن البعث وخلال تلك الفترة رفع شعاراً ينص على أننا مع كل ثائر ومقاوم ضد قوات الغزو والاحتلال حتى وإن كان بحجر أو حصى يلقيها على قوات العدو، بل أن البعث مع كل عراقي شريف كان ضد قوات الاحتلال حتى وإن كان غير قادر على المقاومة إلا أنه يكتم ذلك في نفسه التي تأبى الانخراط في مشاريع الغزاة المجرمين، ولعمري كان هذا الخطاب قمة في الوطنية الحقة وكان دافعاً للكثير من المترددين والمتخاذلين لدعم المقاومة ورجالها والتي مثلت شرف العراقيين وارثهم المجيد.

كما تمثل الجانب الاساسي الثاني بتأمين المستلزمات المادية (المال ووسائل القتال).. ورغم شحة الأموال وقصر ذات اليد وجوانب سياسية واقتصادية وإدارية قاهرة لا مجال لشرحها ووصفها هنا إلا أن البعث باشر من جديد في العودة إلى تنظيم الاشتراكات الحزبية وتنظيم حملات التبرعات المالية لدعم المقاومين بالإضافة إلى القيام بحملات جمع واخفاء العديد من الأسلحة والمقذوفات والأعتدة التي كانت منتشرة على أرض العراق بشكل واسع والتي أبدع المقاومون في استخدامها والاستفادة منها. أما الجانب الثالث فقد تمثل بالجانب الإعلامي الذي بدأ يظهر للوجود ويشارك فيه الكثير من النخب والكتاب والمثقفين والأدباء العراقيين الوطنيين الذي هالهم احتلال بلادهم وباشروا بتثوير الشعب ضد الغزاة.. 

            كان من الجوانب الأساسية والاستراتيجية المهمة والتي احتاجت جهداً فكرياً خبيراً ومتأنياً ويفهم طبيعة الصراع بعمق ووفقاً لوجهه الحقيقي وبلا مجاملة أو تحريف هو تحديد استراتيجية العمل المسلح وأهدافه وغاياته والمزج بينه وبين العمل السياسي الملائم لطبيعة المجتمع وظروف العراق المعروفة بتنوعها الفكري والعرقي، وهنا كان للرفيق عزة إبراهيم رحمه الله وبخبرته الواسعة والطويلة في النضال والسياسة الدور الأساسي والمهم في كتابة الكراس العتيد ( استراتيجية الحزب والمقاومة بعيده المدى)  في العام 2005  وكان هذا الكتاب الصغير الذي عالج وطرح كيفية إعادة بناء الحزب وفقاً لطروحاته الفكرية الأصيلة بعيداً عن كل  المنزلقات والانحرافات التي كانت تثار هنا وهناك، وطالبت هذه الاستراتيجية بعيدة المدى من الجميع في حالة رغبتهم بالعمل على خلاص العراق والحزب من ظروفه الحرجة بالعودة أولاً إلى أنفسهم ثم إلى حزبهم وشعبهم ودينهم وأمتهم ليستخلصوا العبر التي تساعدهم على عبور تلك المحنة التي أصبحوا فيها.

          وعلى الرغم من محدودية تداول ذلك الكراس وتلك الاستراتيجية لأسباب منطقية أولها عدم جواز عرض خططك وأهدافك الاستراتيجية أمام العدو لمنع استفادته منها ولكيلا يتصدى لها ويجابهها بخطط أخرى، إلا أنها كانت الزاد الروحي للكثير من الأدباء والكتاب والمفكرين والإعلاميين البعثيين والوطنيين والتي ساهمت بتصويب الآراء والأهداف تجاه قضية الوطن الكبرى المتمثلة بالتحرير والاستقلال، كما أنها حددت المنطلقات الفكرية والأساسية التي يعمل حزب البعث العربي الاشتراكي على هداها.

         وفي الجانب الآخر المتعلق بالجهاد والمقاومة ضد الغزاة كان للرفيق عزة إبراهيم رحمه الله وبمعاونة ثلة من الرفاق المؤمنين من التنظيمات العسكرية والمدنية الدور المهم والحاسم في جمع وتوحيد الخلايا والمجموعات الجهادية وتعزيز دورها ورفدها بالعديد من المقاتلين من التنظيمات الحزبية أو جماهير الحزب وبالتالي تحويلها إلى سرايا وجيوش كبيرة كان لها دوراً مهماً وحاسماً في طرد قوات الاحتلال من بلادنا، وكانت من نتائج تلك الجهود انطلاق القيادة العليا للتحرير والجهاد في العام 2007  كواحدة من أهم الجبهات التي قاتلت الاحتلال وقواته وكانت تتبنى مشروعاً وطنياً واضح المعالم نال احترام وتقدير معظم القوى المقاومة للاحتلال داخلياً وخارجياً.

        ولم يكتف الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله بتثوير البعثيين وجماهير الحزب فقط بل سعى إلى توحيد جهود المقاومين والرافضين للاحتلال وبكل الوسائل، فلقد كتب وبعث برسائل عديدة إلى مختلف قادة فصائل المقاومة وبكل أنواعها إسلامية أو وطنية أو قومية  وإلى معظم الجيوش الفصائل والسرايا التي ظهرت خلال فترة مقاومة الاحتلال، وقد كانت هنالك حوارات كثيرة ومتنوعة مع هذه الأطراف ولم يقتصر ذلك على جهة دون أخرى بل شملت تلك الرسائل والحوارات أطرافاً تمثل مختلف مكونات المجتمع العراقي وبالذات من المعارضين والمقاومين والمناوئين لقوات الاحتلال ومشاريع الغزاة. وسيأتي اليوم الذي تكشف فيه كل تلك الرسائل والحوارات والنقاشات والتي تظهر وتبين جهد البعث وقيادته في هذا المجال حيث لم تدخر جهداً في هذا المجال على الإطلاق، ولكن الحقيقة المرة التي لا بد للجميع من الاعتراف بها أن كثيراً من تلك الخطط لم يكتب لها النجاح الكامل لأسباب متعددة ومتنوعة منها سطوة وقدرات قوات الغزو والاحتلال وكذلك التدخلات الإقليمية وعناصر المخابرات ومن يدور في فلك مشروع الغزو والاحتلال بما فيهم بعض الأشقاء العرب للأسف.

           ورغم كل ذلك حاول البعث جاهداً وقائده فقيد العراق الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله التواصل مع كل الخيرين والوطنيين سواء من علماء الدين أو شيوخ العشائر والقبائل أو من الوطنيين الأحرار برسائل مكتوبة ومطولة تشرح وتوضح أهداف الغزو والاحتلال ومراميه وخططه وما يضمره للعراق ويشرح بخبرته السياسية الطويلة ويحذر وينبه عن حالات الغفلة والانحراف، ولم يتوقف رحمه الله عن ذلك العمل أبداً فقد كتب خلال سنوات الاحتلال ولأكثر من 17 عاماً من الرسائل التوجيهية والشخصية أكثر بأضعاف مضاعفة مما كتبه طيلة عمره في العمل السياسي والوظيفي والنضالي وقد يتفوق على معظم من كتب ضد الاحتلال خلال السنوات الماضية.

            وفي هذا المجال تواصل الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله مع معظم الدول العربية والصديقة سواء برسائل مكتوبة أو شفوية حملها مبعوثيه إليهم، وكان يناشد ويشرح ويوضح وضع العراق وحالته الجديدة بعد الغزو والاحتلال ويبين آثار الاحتلال على شعب العراق وممتلكاته وسيادته كما كان يؤكد وباستمرار على أن من يقود البلاد بعد الاحتلال ليس أهلاً للقيادة وأن ما يجري على أرض العراق سوف ينعكس شئنا أم أبينا على بلدان الجوار الشقيقة والصديقة وأن النيران سيكتوي بها الجميع وهذا ما تبين لاحقاً وبشكل واضح تماماً.

            وفي نهاية هذه الحلقة من موضوعنا هذا لا بد لنا أن نؤكد بأن من يتصدى للمسؤولية التاريخية لقيادة حزب كبير ومهم ويمتلك من التاريخ والإرث المعروف لا بد أن يمتلك من الشجاعة ما يكفي ومن صدق النوايا والقدرة على التشخيص والتحليل الشيء الكثير ليتمكن من السير في تلك الأمواج المتلاطمة التي كان عليها العراق خلال السنوات الماضية، ولعمري فإن الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله كان يمتلك الكثير منها وكان فعلاً رجلاً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

            ونحن نختم حلقتنا بكلماتنا هذه نود أن نبين أن هنالك جملة من الآراء والتصورات والاستنتاجات التي كان يقولها الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله والتي يتطلب الأمر تدوينها والإشارة إليها لأنها تنتسب إليه.

     يتبع الحلقة الثالثة

 

بغداد

في 5 / 12 /2020

 

حين يصبح العفو وجهًا آخر للعدل

(حين يصبح العفو وجهًا آخر للعدل)

 

تعودتُ أن لا أنام بعد صلاة الفجر، ففي هذا الوقت الإيماني الصافي تزدحم الخواطر في النفس، وتقترب الروح من أبواب الحقيقة. وأكثر ما يعاودني في تلك الساعات حديثُ النفس عن العقوبة والعفو، عن العدل والرحمة، عن الإنسان حين يُبتلى فيختار بين أن ينهار أو أن يثبت.

لقد أكرمني الله بحفظ كتابه العزيز في زمنٍ كان الامتحان فيه عسيرًا، فترة السجن ظلمًا، يوم ابتُليت لا لذنبٍ اقترفته، بل لأنني كنتُ — قبل عام 2003 — عنوانًا معروفًا في الدولة. هناك، بين الجدران والصمت، أدركت أن الرجولة ليست صخبًا ولا منصبًا، بل ثباتٌ على المبدأ، وصبرٌ على البلاء، وإيمانٌ بأن الله لا يخذل من صدق معه.

ومن تلك التجربة، ومع كل فجرٍ يتجدد، تتوالى الخواطر حول معنى العدل الإلهي ومقام العفو الإنساني، فأحببت أن أشارك هذه التأملات في السطور الآتية، لعلّها تذكّر من يقرأ أن بين الحسم العادل والعفو الرحيم شعرةً لا يراها إلا من ذاق مرارة الظلم وتعلّم كيف يُضيء بها درب الحياة.

في كل عصرٍ، كانت العدالةُ سيفًا مشرعًا في وجهِ البغي، ثم غدت قانونًا مكتوبًا حين ضاق صدرُ الإنسان بحماسة الانتقام. ومنذ أن خطَّت يدُ التاريخ أولَ صكٍّ للقصاص، كان السؤالُ ذاتهُ يتردّد بين العروش والمعابد:
هل العدلُ أن نُعاقِب، أم أن نَغفِر؟

لقد كانت الممالكُ القديمة تُقيمُ عروشها على رماد المظلومين، حتى أدركَ الحكماء أنّ العدالةَ العارية من الرحمة ليست سوى صورةٍ أخرى من الجور، وأنَّ الانتقامَ وإن شفى لحظةً من غليلِ النفس، فإنّه يورِثُ قرونًا من الضغائن. ولولا أنَّ اللهَ يعلمُ ما في الطينةِ البشرية من نزقٍ وغضب، لما شرّع القصاصَ وأوصى بالعفو، فجمعَ بين السيف والسماء في ميزانٍ واحد.

النفسُ تميلُ إلى الثأر، لأنّ الثأر يُرضي كبرياءها الجريحة، لكنّ العفوَ لا يقدرُ عليه إلا من تعلّمَ كيفَ ينتصرُ على نفسه قبل أن ينتصرَ على عدوّه. العدلُ حسمٌ، والعفوُ سموّ، ومن جمعهما فقد بلغَ درجةَ الإنسان الذي توازنتْ في قلبه النارُ والنور.

القوانينُ التي سنَّتها الأمم لم تكن لتُقوِّمَ سلوكًا لو أنّ البشرَ كانوا يُطيعون ضمائرهم؛ ولكنّ التاريخَ أثبتَ أنَّ الإنسانَ يحتاجُ إلى حدٍّ يردعهُ وحدٍّ يعفو عنه. فالأولُ يحفظُ النظام، والثاني يحفظُ الروح.
ولذا، فإنّ من أخطر ما يبتلي به المجتمع، أن يخلطَ بين العدلِ والانتقام، أو بين الرحمةِ والتهاون. فالعدلُ لا يعني القسوة، والعفوُ لا يعني الضعف، بل كلاهما ركنان في بناء الإنسان الممدوح والحضارة المستنيرة.

لقد أقامَ اللهُ الجنةَ والنارَ ليعلمنا أن الطريقَ إلى المصير يمرّ عبر حريةِ الاختيار؛ فمن عاقبَ بالحقّ نجا، ومن عفا بصفاءٍ نجا، أما من تجاوزَ الحدَّ طلبًا للهوى فقد خسرَ الاثنين.
وما زالت الأممُ تتقدّمُ كلّما اقتربتْ من هذا الميزان: أن يُحاسَبَ المجرمُ بقدر جُرمه، وأن يُسامَحَ التائبُ بقدرِ ندمه، وأن يبقى الإنسانُ فوق الجريمةِ والانتقام.

ليسَ كلُّ من عفا حليمًا، ولا كلُّ من انتقمَ ظالمًا، ولكنّ الشرفَ في الخصومةِ هو ما يُبقي وجهَ التاريخِ نقيًّا.
فليكنْ سيفُ العدلِ في يدنا، ولكنْ ليظلَّ قلبُ العفوِ في صدورنا، حتى إذا كتبَ التاريخُ عنّا، قال:
كانوا يحكمون بعقولٍ من حديد، وقلوبٍ من نور.

بقلم محمود ذياب الاحمد