شبكة ذي قار
إنها عروس الثورات

إنها عروس الثورات

بقلم: أبو مهدي

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثانية والستين لثورة الثامن من شباط الموافق الرابع عشر من رمضان عام 1963، تلك الثورة الناصعة والانتفاضة الفارقة في تاريخ العراق الحديث لما حملته من معاني ودلالات، وكانت ثورة 14 تموز التحررية عام 1958 قد قامت للقضاء على الحكم الملكي وإقامة النظام الجمهوري البعيد عن الهيمنة الأجنبية وسياسة الأحلاف وصولاً إلى إقامة نظام جديد وفق أطر وملامح وطنية تعيد للعراق مكانته وهيبته في لعب أدوار وطنية ضمن محيطه القومي.

ولكن سرعان ما انحرفت الثورة عن مسارها، وذلك بتبني النظرة التسلطية الشعوبية والتي ساهمت بخلق نظام دكتاتوري تفرد بالسلطة وأصبح يمارس أبشع الجرائم وأقساها بحق القوى الوطنية والقومية وطليعتها حزب البعث العربي الاشتراكي وجماهيره العريضة المؤمنة به وبتوجهاته وأهدافه السامية، وشهدت تلك المرحلة جرائم يندى لها جبين الإنسانية والتي ارتكبت في شوارع الموصل وكركوك بالإعدام والسحل والتنكيل بخيرة رجال العراق ونصب المشانق الميدانية لبث الرعب والخوف بين المواطنين واقصاء القوى الوطنية والقومية، إضافة للظلم والعنف والأحكام الجائرة التي ارتكبتها محكمة المهداوي سيئة الصيت بحق الوطنيين من أبناء العراق الغيارى، لذلك كان لا بد من حصول انتفاضة شعبية وثورة عارمة تعيد العراق إلى مساره الصحيح، فكانت عروس الثورات والتي جسدت أيدلوجية البعث بالثورة على الواقع المريض وتغييره والارتقاء بالواقع الفاسد نحو آفاق وطموحات عليا مشروعة وبكافة مناحي الحياة.

ففي صباح يوم الجمعة المصادف 14 رمضان 1963 انطلقت طلائع من شباب البعث في وحدات عسكرية يقودها ضباط اشاوس بمساندة ومؤازرة ومشاركة شباب البعث من المدنيين يحدوا الجميع الايمان بحتمية التغيير والقضاء على الحكم الدكتاتوري والانحياز إلى تطلعات الشعب.

وبحدود الساعة التاسعة من صباح الثورة قامت أعداد من الطائرات المقاتلة من السربين السادس والسابع المتواجدة في قاعده تموز الجوية في الحبانية بتنفيذ ضربات على مقر وزارة الدفاع، والتي كان يتحصن داخلها الزعيم عبد الكريم قاسم مع زمرة من أتباعه، في حين قامت وحدات مدرعة بتطويق مقر وزارة الدفاع ومن ثم اقتحامها بالتزامن مع اسناد قطعات مدرعة أخرى تمركزت في منطقه الكرخ وهي الجهة المقابلة لوزارة الدفاع عبر نهر دجلة مع قوة أخرى توجهت وسيطرت على مبنى الإذاعة والتلفزيون، وبدأت ببث الأناشيد الوطنية وانتشر شباب البعث في الشوارع والتقاطعات للسيطرة على الأوضاع في بغداد، وتم محاصرة مبنى السراي الحكومي، وبذلك تم تنفيذ الثورة بنجاح باهر والقضاء على الدكتاتورية والشعوبية الحاقدة.

وبعد هذا النجاح المبارك وإنهاء الحكم الدكتاتوري، باشرت الثورة بطرح مشروعها القومي التقدمي وتكلل ذلك بالتوقيع على ميثاق الوحدة الثلاثية بين العراق ومصر وسوريا، حيث تم التوقيع عليه في 17 نيسان/أبريل عام 1963 في قصر القبة في القاهرة، وبذلك كانت خطوة هامة على طريق التعاون العربي و باتجاه تحقيق الوحدة العربية المنشودة.

 من ناحية أخرى وتجسيداً لمبادئ وفكر الثورة فقد بوشر بوضع الخطط الاقتصادية وتشريع القوانين في مجال القطاع الزراعي والسيطرة على الثروة النفطية وسن قوانين حماية العمال والتخطيط لتنشيط الصناعات وإعادة تشغيل المعامل والمشاريع المتوقفة وبوشر بالجهد الوطني اللازم وإصدار التشريعات الاساسية لحل القضية الكردية حلا جذريا عادلا، وبذلك كانت ثورة الثامن من شباط ثورة انتفاضة جماهيرية وشعبية لتغيير الواقع والارتقاء بالبلد نحو مراحل متقدمة، وتحقيق الحلم العربي والمشروع النهضوي، والذي خططت له قيادة الثورة مستنيرة بفكر الحزب ومبادئه الأصيلة، فكانت ثورة فريدة في اقدامها وجسارتها ضد اعتى الانظمة الامنية، ومذهلة في برامجها وأهدافها وتوجهاتها الوطنية رغم قصر الفترة الزمنية، وإن من أبرز ملامحها أنها ثورة شعبية جماهيرية تقودها نخبة من طلائع البعث، شاركت بها أغلب قطاعات وفئات الشعب، من العمال والفلاحين والكسبة ووحدات من الجيش العراقي البطل صانع الثورات وحامي ثغور الوطن بالانتفاض على الدكتاتورية والتخلف والشعوبية الحاقدة على كل ما هو عربي اصيل، واستطاعت الثورة غرس روح التحدي والإقدام والبطولة، وأعادت اللحمة للشعب العراقي الذي مزقته الشعوبية والطائفية وسياسات قاسم المنحرفة والتي عزلت العراق عن عمقه العربي.

فكانت تجربة الثورة وما تلاها من أحداث حافزاً ملهماً ونبراساً لتفجير ثورة 17 تموز المجيدة عام 1968.

تحية اجلال واكبار لقادة الثورة، وفي مقدمتهم الرفيقين أحمد حسن البكر عضو القيادة القطرية وصالح مهدي عماش عضو القيادة القطرية ومسؤول المكتب العسكري رحمهما الله.

وتحية لطلائع البعث التي ساهمت في صنع هذه الثورة المجيدة.

والرحمة لشهدائها الأبرار الذين سقطوا دفاعاً عن عروبة العراق وحرية أبنائه.

لقطات من صباح يوم الثورة المجيدة

لقطات من صباح يوم الثورة المجيدة

محمد دبدب

ان استذكار التفاصيل التي عشناها والمعنية بثورة الرابع عشر من رمضان المجيدة عام 1963 كثيرة ولا مجال لذكرها هنا، لذا سأروي لقطات صباح يوم الثورة والساعات التي بعدها تلك التي عشتها:

كنا وكجزء من الجهاز الحزبي في حالة انذار قبل وبعد انتهاء الفصل الدراسي الأول من العام 1962- 1963م، وعند الإعلان عن الثورة في صبيحة يوم الجمعة من الثامن من شباط 1963م التحقنا بأحد التجمعات الحزبية. وكان من أوائل التبليغات التي وصلتنا من الحزب هي السيطرة على بعض مراكز الشرطة واستلام السلاح الموجود فيها، وكان في غالبيته بنادق. ثم  توزعنا على أكثر من مهمة، وكنت من المجموعة التي تم الايعاز لها بالتوجه إلى  مقر وزارة الدفاع في مركز العاصمة بغداد حيث كان يتواجد عبد الكريم قاسم.

أذكر أننا وفي حدود الساعة الحادية عشرة شاهدنا عند “الجزرة” الوسطية التي تتوسط الشارع العام تجمع لبعض من ضباط الثورة، واتفقوا بعد مناقشات معنية بالخطة، التوجه نحو وزارة الدفاع بالقرب من مركز شرطة العيواضية، وكانت هناك بعض الدبابات المتوقفة وعلى إثرها قاموا بالتحرك.

أما مجموعتنا من شباب الحزب المدني فقد تحركنا مرتين باتجاه مقر وزارة الدفاع، واقتربنا من بناية قاعة الشعب الشهيرة الملاصقة لمقر وزارة الدفاع، حيث عرف لاحقاً ان قاسم لجأ اليها بعد الشروع بقصف مقر الوزارة من قبل الرفاق الطيارين المنفذين للثورة، ولم نتمكن من تجاوز القاعة.

كان الحدث صدمة لأركان النظام والعناصر المساندة له نتيجة لعنصر المباغتة الذي اتُبِع في التخطيط للثورة. ورغم ذلك فقد حاول بعض الشيوعيين المقاومة وكان قسم منهم من الذين صادفناهم في طريقنا وكانوا يحملون منشورات تحريضية لمواجهة الثورة، ويقومون بتوزيعها، فتم الاشتباك معهم وفروا هاربين على الفور.

ثم تواجهنا مرة اخرى واشتبكنا مع عدد آخر من الشيوعيين عند دوّار (فلكة) منطقة باب المعظم في مركز بغداد وذلك بالقرب من نادي كان يعرف بنادي “المهداوي” وهو القريب من كلية البنات التابعة الى جامعة بغداد. كان عددهم بحدود الخمسة عشر شخصاً، ولم يكن احتجاجهم او تظاهرهم سلمي وانما مسلّح اذ كانوا يحملون اسلحة عبارة عن مسدسات وبنادق اضافة الى اسلحة اخرى حادة مثل السكاكين الكبيرة او ما يعرف “بالقامات” وكذلك العصي، ففروا هاربين  إلى الشوارع والأزقة القريبة في المنطقة.

 من المعروف ان الثورة تميزت باقتحاميتها وجسارتها في الانتفاض ضد السلطة المحكمة امنياً، لذا كان فيها تضحيات حيث استشهد بعض الرفاق الثوار من الجانبين العسكري والمدني، لذا و في طريقنا ونحن نؤدي واجبنا في تنفيذ وحماية الثورة المجيدة، وجدنا أحد الضباط البعثيين من الثوار برتبة ملازم وقد أصيب بطلق ناري في كتفه، فقمنا بنقله الى دارنا بعدما أشعرناه باننا بعثيون أيضاً، وتمكنا من معالجته وإنقاذه. ومن الجدير بالذكر انه بعد سنين طويلة في السبعينات التقيته في احدى المناسبات فعرفته وذكّرته بتفاصيل لقائنا الاول وعلاجنا له.

وبالعودة الى ذكريات ذلك الصباح المجيد اذكر انه كان معنا آنذاك المرحوم الفريق الركن (لاحقاً) سعدي طعمة والرفيق كاظم نعمة سلمان.

وعلى ما اذكر انه في عصر اليوم الثاني ونحن ملتزمين بواجبنا ومتواجدين بالمنطقة المطوقة لوزارة الدفاع، وعند المنطقة المعروفة بمكان “موسيقى الجيش” حصراً،  مرت ناقلة أشخاص عسكرية وعلى متنها فاضل عباس المهداوي وهو من كان رئيساً للمحكمة التي اشتهرت باسمه اي  “محكمة المهداوي”  والتي اشتهرت بغوغائيتها ومحاكمتها لكل رموز القوى الوطنية والقومية والضباط الاحرار والتي حكمت عليهم بالإعدام او السجن حيث تم تنفيذ تلك الاحكام الجائرة بدون اي سند قانوني فاستشهد العديد من ابطال الجيش العراقي من الضباط الاحرار.

وكان معه في الناقلة العسكرية صبيحة ذلك اليوم من الثورة اثنين من الضباط لم أستطع التعرف عليهم وكانوا جميعاً منزوعي الرتب وهم في حالة من الهلع والهستيريا حيث كانوا تحت السيطرة التامة لعدد من الثوار العسكريين.

ونتيجة لتلك المواجهات التي نفذنا من خلالها الواجبات صبيحة الثورة المظفرة فقد تعرضت للموت عدة مرات ولم اكن فيها وحدي وانما شاركنا فيها عدد من الرفاق المناضلين، منهم شبيب المالكي ومحمد ناصر وهو من فلسطين الحبيبة وكريم النجار وغيرهم.

هذه بعضٌ من الذكريات التي تحضرني عن يوم تنفيذ عروس الثورات المجيدة.

فِي إِشْكَالِيَّةِ التَّجْميدِ والتَّجْدِيدِ فِي المَنَاهِجِ المَعْرِفِيَّة العَرَبِيَّة تَبْقَى الحَرَكَة النَّقْدِيَّة الحَكَم الفَيْصَل

 

فِي إِشْكَالِيَّةِ التَّجْميدِ والتَّجْدِيدِ فِي المَنَاهِجِ المَعْرِفِيَّة العَرَبِيَّة تَبْقَى الحَرَكَة النَّقْدِيَّة الحَكَم الفَيْصَل

حسن خليل غريب

 

تمهيد في الانتقال المعرفي الفكري من منهج معرفي جامد إلى منهج معرفي قومي متطور:

على الرغم من أن الإمبراطورية العثمانية دخلت في مراحلها الأخيرة حقل تطوير النظام السياسي، وعلى الرغم من أن الحركة الثقافية العربية دخلت مرحلة النهضة على أيدي مفكرين كبار، انتقلت البيئة المعرفية العربية من مرحلة النظام السياسي الإسلامي العثماني إلى مرحلة النظام السياسي العالمي بخطوة سريعة.  وكان الانتقال في جانب منه نتيجة عمل عسكري اعقب انتهاء الحرب العالمية الاولى وليس نتيجة  تطور معرفي طبيعي. ثم تلاه بلورة فكر نتج من رحم معاناة الامة العربية مع الاستعمار والنفوذ الغربي . ولم تترافق النقلات الناتجة عن التغييرات السياسية بنقلة ثقافية فكرية بنفس المستوى.  فكان الانتقال من عصر إلى عصر آخر سياسياً أكثر منه فكرياً وثقافياً. فالانتقال المعرفي من التجميد إلى التجديد له أسسه وشروطه. ومن أهمها البدء في نقد الثقافة السابقة: استخلاص الإيجابي منها ورفض السلبي وتأسيس للبديل، بحيث تنعكس التغييرات على بنية الثقافة الشعبية. وبغير ذلك ينقطع حبل العلاقة بين الإنتاج الفكري الجديد وميدانه الشعبي.

 كانت الثقافة الشعبية والنخبوية قبل مرحلة التحرر القومي والوطني ذات طابع وجذور دينية وغالباً ما كانت ثقافة المذاهب هي السائدة، لا يميزها التجميد والتقليد فحسب، بل ومنع التجديد أيضاً. وكان إنتاج الثقافة خاضعاً

لسلطتين: سياسية تقود واخرى دينية تُخضع إنتاجها الثقافي لمصلحة السلطة السياسية.

 وقد تزامن مع ذلك وخاصة في الربع الأول من القرن العشرين، ان مهَّدت القوى الغربية لدخولها بتعزيز الإرساليات الأجنبية الى بعض الاقطار العربية ، وكان دورها الثقافي وعاءً ينقل في الكثير منه ثقافة أُعدَّت لمجتمع آخر غير المجتمع العربي. وتواجهت الثقافة القادمة مع الثقافة المقيمة، فلا الثقافة المقيمة نقدت قديمها ولا الثقافة القادمة أخذت الواقع العربي الاجتماعي الثقافي بعين الاهتمام.  وهكذا كان مشهد البيئة الثقافية في تلك الاقطار العربية، في مثل تلك المرحلة، منفعلاً إما بتقليد التراث من دون إغناء وتجديد، أو بنقل الفكر الغربي من دون نقد و تمحيص.

ذلك السبب أدَّى إلى خوض صراعات مريرة بين التيارين. وقلائل هم الذين انخرطوا في التأسيس لورشة بناء معرفي جديد، ينقد التراث ويجدد فيه، ويستفيد من الفكر الغربي بما يتناسب مع خصوصيات وحاجات المجتمع العربي وقيمه. فكانت تلك القلة، ولا تزال، غريبة عن بيئتها لا تجد من يقف إلى جانبها إما خوفاً من التقليديين التجميديين تحت شعار الخوف من خيانة التراث، وإما اتهام من التغريبيين الذين يقيسون التقدمية بمكيال الثقافة المستوردة حصرياً.

ظهور الفكر القومي العربي:

سبقت الحركة القومية العربية ، حركة إصلاح نتجت عن صدمة الوعي بحجم التخلف العلمي والحضاري الذي يعاني منه الوطن العربي بالمقارنة مع الغرب، والذي كان احد اسبابها حملة نابليون على مصر، واتجهت تلك الحركة إلى إنقاذ الإسلام السياسي من التخلف مثل حركة المفكرين العرب الإصلاحيين وكذلك جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده و عبدالرحمن الكواكبي ، حيث رأوا  وجوب إحياء التراث العربي كمقدمة لمشروع النهضة ، كما اشروا الى ان غياب الدولة المستندة إلى الحرية وغياب إحكام العقل كان سببا في هذا التخلف، وكان الاهتمام باللغة العربية في مقدمة الجهود لاستنهاض مفهوم وقيم العروبة.

 وقد أسهمت الأحداث الطائفية في لبنان وسوريا (1860-1861) بتعزيز الوعي الى الحاجة الى المواطنة على أساس القومية العربية بعيداً عن الانتماءات الطائفية. وقد تعزز ذلك بعد ظهور الحركة القومية التركية المتعصبة مثل تركيا الفتاة والنزعة الطورانية فتطور موقف غالبية المثقفين العرب باتجاه بلورة المشروع القومي العربي الذي تميز بكونه غير عنصري،  حيث لم يشترط صلة الدم في الانتماء القومي للامة العربية وانما ركز على اللغة والثقافة والماضي والمصير المشترك . وكان من ابرز مفكريه وروّاده هو القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق.

 وفي القرن العشرين تم تكريس الهوية الثقافية والسياسية القومية، ورغم انتشار الفكر القومي والنظم العربية التي تبنته ، الا انه يسجل على الانظمة العربية ثلاثة قضايا رئيسية :

  • فشلها في بناء الدولة القومية
  • اخفاق اغلب التجارب الوحدوية التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين. ورغم حقيقة محاربة الغرب الاستعماري الشرسة لاي مشروع وحدوي عربي و دور الكيان الصهيوني المتقدم في هذا المجال ، الا ان الأسباب الداخلية لم تكن قليلة بل كانت احيانا هي الطاغية.
  • الاخفاق الخطير في ترسيخ وممارسة الحريات العامة وقيم الديموقراطية وقبول الاخر وعدم بلورة دساتير دائمة وراسخة في هذا المجال.

ان هذا يحتم المواجهة التحليلية الجريئة مع الذات للاجابة على السؤال المهم : لماذا نجح الآخرون وفشل العرب؟

لقد تميزت تلك المرحلة في النصف الثاني من القرن العشرين بغلبة ( السياسي والأمني) في الفكر القومي وقواه ودوله، وبالتالي انعكس ذلك على طبيعة العلاقة بين الانظمة العربية فكان من ابرز اسباب الخلل. فبقي ما تحت السطح الامني – السياسي تتجاذبه تركيبة معينة من المصالح الصغيرة للقوى السياسية والطائفية والتركيبة العشائرية، وليس بنى راسخة للدولة القومية او الوطنية العصرية.

على الرغم من انه على الصعيد الشعبي والجماهيري كان العمل الوحدوي هو امل الجماهير ورغبتها الملحة.

ان كل ذلك افضى الى القناعة بان تجديد المشروع العربي عموماً والفكر القومي بالذات يحتاج إلى ثلاث ركائز هي :

  • تطوير مفهوم وصيغة الدولة وتغليبه على مفهوم السلطة والنظام
  • توسيع نطاق المشاركة السياسية وممارسة الديمقراطية الحقيقية و الحريات العامة والفردية
  • التركيز مجدداً على خطط التنمية واستنهاضها عبر اقتصاد حديث ومعاصر

ونتيجة لغياب او ضعف ذلك فقد غرقت الأكثرية الساحقة من النخب العربية في خطابية الشعار السياسي، لأنها تعتبر أن المهمة الأكثر إلحاحاً هي مهمة النضال من أجل إنجاز مرحلة التحرر الوطني. وفي غمرة هذا الانغماس في إنجازها، تجاهلت التيارات والأحزاب السياسية أهمية العمل الفكري ودوره، فغرقت في السياسة على حساب إنتاج الفكر العربي الجديد وتعميقه. وإذا كنا نعطي أولوية لمعركة التحرر الوطني، فنرى أيضاً أن القيام بالمهمة الفكرية لن يعيق معركة التحرر السياسي على الإطلاق وإنما يزودها بسلاح لا يقل أهمية كي تكون اكثر وتأثيراً وفعالية.

ضرورة اعتماد الحركة القومية بعد مرحلة الانطلاق على معايير التحليل والنقد العلمي

عندما هيمنت الثقافة السياسية على الحركة التحررية، ولا تزال، افتقدت بوصلتها الفكرية وقلَّلت من شأنها، وتحت وطئة الشعارات التي غلبتها السمة العاطفية ، أهملت العناية بمنهجية التحليل والبحث الأكاديمي او العلمي عموماً. وليس ذلك فحسب، بل  نال التحليل والبحث الأكاديمي أيضاً بعض اللوم بسبب صراحته وعقلانيته وايضا تحت حجة أنه خال من “القلب”ومن حرارة النضال!

إن المصالح الحقيقية للامم ومنها الامة العربية واعتماد البحث والتحليل الواقعي العلمي سواء من خلال العمل الأكاديمي او غيره  يجب ان يستند الى العقل والى الواقع فعلاً بعيداً عن العاطفة، لان الاخيرة تمنعه من البحث عن الحقيقة المجردة، فالحقيقة إذا خضعت لمقاييس العاطفة ستظهر بثقل غير حقيقي وبمظاهر متعددة الألوان والأحجام، أما الحقيقة المجردة عن العواطف فهي الحقيقة الأساسية، وهي التي تعبِّر عن الكليات الإنسانية وليس عن الخصوصيات الفئوية. وإذا أغرقت حركة التحرر الوطني بخصوصياتها وأهملت العموميات الإنسانية فلن تجد ما يمنعها من الانحدار نحو التقوقع. لذا نرى أنه يمكننا الاعتماد على البحث العلمي والأكاديمي والوثوق به، وبغيره تكون الحقائق غير مكتملة وغير واضحة، فهي إذا بقيت خاضعة للمصالح المحدودة تبقى عاجزة عن اكتساب أهدافها ووظائفها الإنسانية.

لتلك الأسباب لا ينبغي أن يُفهم من دعوتنا إلى البحث عن الحقيقة الواقعية بطريقة مجردة، خاصة تلك التي لها علاقة بمشروع التطويرالقومي، بأنها دعوة إلى إلغاء قيمة العواطف او الحماس  التي يجب أن تتوفَّر للمناضلين. فإن قضايا الأمة، كي تبقى ذات علاقة وثيقة مع عمقها الإنساني، لا بُدَّ من أن يخضع البحث عنها لمقاييس جادة بالتجريد والتجرد عن الأهواء، ومن بعدها يأتي دور حرارة الإيمان بها.

لم تعط النقلة المفاجئة، التي واجهتها الأمة من حال إلى حال، الفرصة للقيام بما يُسمّى بمرحلة الانتقال الطبيعي في التفتيش عن الحقائق بتجرد، أي للانتقال بالأمة من مرحلة معرفية إلى أخرى، بل وجدت نفسها وجهاً لوجه مع خصم جديد، فراحت تعد نفسها لمواجهته. فكان السلاح المتيسِّر هو سلاح التعبئة الفكرية والسياسية حسب المناهج الإيمانية المكتسبة من عجينة الثقافات السابقة. وإن ما أضاف قوة لتلك المناهج هو فشل التيارات التي استندت إلى نظريات مستوردة جاهزة كانت سبباً لاتهامات نال منها التعقل والعمل العلمي و الأكاديمي نصيبه من الاتهام بالقصور عن فهم طبيعة المرحلة الاستثنائية في حياة الأمة ومتطلبات النضال الاستثنائية.

ولما انتشر تأثير الحركات السياسية والحزبية ذات النظريات الجاهزة، ولما تكاثرت الدعوات المشبوهة لمهادنة الاستعمار الجديد تحت حجة غياب تكافؤ القوى، كانت الدعوات إلى تعبئة الأمة بمناهج الوجدان والضمير قد أخذت تسن أسلحتها المنهجية، فبدا وكأن الأمة قد انقسمت إلى دعاة طوباويين والى دعاة علميين، فكانت أسلحة تلك المعركة تبدو وكأنها قائمة على الاستفزاز من خلال اتهامات يوجهها البعض إلى قصور مناهج الآخر.

فليس إذن، من منطلق التوفيق والمجاملة، أن نقول بأن مناهج المعرفة السياسية تتكامل وتتعاون وتصبح أهدافها أكثر قرباً للتحقق إذا تكافلت تلك المناهج وتعاونت، بدءًا من معرفة الحقائق الواقعية العلمية وصولاً إلى التعبئة والحشد في سبيل تحقيق النجاح لاهداف واقعية تستند الى تلك الحقائق التي ينبغي ان تخدم قضايا الأمة العربية  ومصالحها واهدافها الاستراتيجية.

من بديهيات الأمور أن تستعين الحركات الثورية التقدمية بمختلف الوسائل الثورية شرط ان تنسجم مع ما تدعو اليه من مبادئ تقدمية لتحقيق أهدافها. على أن لا يشكل تحفيز الجماهير بمناهج محددة صفة المناهج الجامدة الثابتة على اساس انها تصلح لكل زمان ومكان.

وهنا من الضرورة بمكان التمييز بين التراث العربي المُلهِم من الحضارة العربية وانجازاتها الانسانية، الذي يشكل  قواعد ودعامات ضرورية نستند عليها في خلق الثقة اللازمة بين ابناء الامة لتحقيق الانطلاق الجديد نحو بعثها ونهضتها المعاصرة ، وبين الثقافة الشعبية التي تستخدم للتعبئة او التحريض، فهما شيئان مختلفان. وفي ثقافة الحزب القومية فان تراث الحضارة العربية وانجازاتها العلمية والانسانية الرائعة التي اغنت بها الحضارة الانسانية،هي حقائق علمية تاريخية راسخة، وهي ليست للتعبئة ، وانما قواعد ثقة للانطلاق في بعث الامة.

نلاحظ، من خلال مراقبة علمية، أن الطبقات المثقفة في الأمة، في المراحل الراهنة، تتحوَّل إلى مزيد من تجذير مستواها الثقافي والاتجاه به نحو المعرفة الأكثر عمقاً من السابق، السبب الذي يوجب على التيارات الثورية فيها أن تعيد صياغة وسائلها في التعبئة لمواصلة النضال. فلا ضير، هنا، من أن نعمل على تعميق المعرفة إلى جانب العمل من أجل تغذية النضال بأكثر ما يمكن من الاندفاع والحماس.

 فدعوة الحب أولاً ثم المعرفة، يجب ان تُعزَّز بالحقائق الواقعية بموجب البيئة الثقافية الجديدة المتطورة . وإن أساليب التخويف من نقد المناهج الفكرية السياسية المستندة الى المناهج الدينية، لم يعد صالحاً، خاصة في هذه المرحلة التي انكشف فيها زيف أكثر التيارات الدينية الإسلامية الأصولية.

 إنكشاف أهداف حركات الإسلام السياسي يساعد على نقد الثقافة التقليدية:

ان البيئة الثقافية الجديدة والمتطورة، وانكشاف الغطاء عن حركات الإسلام السياسي الرسمي وغير الرسمي، تشكل بدايات على الحركة القومية العربية أن تستفيد منها للبدء في تأسيس مرحلة لنقد الفكر المذهبي التفتيتي. على أن تبدأ المرحلة التأسيسية داخل الحركة القومية العربية نفسها على مستوى الإعداد لمشروع نقدي موضوعي يستهدف، في بدايته تعويد العقل الأيديولوجي القومي على أسلوب النقد ومكاشفة الذات والتحليل العلمي الواقعي.

وبالمقابل فان شدة الاستهداف او خطورة المرحلة التي تمر بها الامة العربية منذ قرن من الزمان ومتطلبات النضال التحرري يجب ان لا تكون سبب لإعاقة المراجعة النقدية لتجارب الفكر القومي نفسه وتطبيقاته على ارض الواقع. ولا ان تُستَخدَم كحجة لمصادرة الحريات او اشاعة الاستبداد ، او تكون مدعاة للمزايدة باستخدام اولوية قضايا الامة الملحة، اوتضليل الجماهير بها على اساس ان النضال يقتضي تاجيل القضايا الجوهرية الاخرى .

لان هذه المراجعة التحليلية النقدية تشكل خطوة حيوية لا غنى عنها من اجل ديمومة الفكر القومي وقوَّتَه، كما انها ضرورية لكي تكون الجماهير كما يكون الفكر القومي نفسه، أكثر وثوقاً بمبادئه الفكرية والسياسية والمجتمعية.

مناهج المعرفة الغربية لا تؤخذ بكاملها أو تُرفض بكاملها:

 كان الانتقال المعرفي في بداية القرن العشرين انتقالاً سياسياً، ولهذا انقسمت المناهج المعرفية إلى جزئين متناقضين: إما منبهر بالمنهج الغربي الجديد، وإما متمسك بالمنهج القديم ، فسادت ثنائية «الغربة والتغريب».  وتناسى الطرفان أن مناهج المعرفة الغربية ليست ثنائية «الغزو والإشعاع»، إما أن تُؤخذ بكاملها أو تُرفض بكاملها. بل يمكن اعتبارها تراثاً إنسانياً أصبح ملكاً للإنسانية يمكن الاستفادة من المفيد منه والملائم لواقع امتنا وقيمها ، وترك ما لا يصلح منه.

 لقد طال انتظار البدء بمرحلة نقد المناهج الفكرية والممارسات التطبيقية لها للمرحلة السابقة، وإن ظهرت، حتى في لحظتنا الراهنة، فإنها لا تخرج عن كونها خجولة خوفاً من سيف التقليديين، ورهبة من الاصطدام بعقول العامة السهلة الاستثارة والتحريض. وأصبحت المهمة التحليلية النقدية أكثر صعوبة بعد أن أطلت اصوليتان متوازيتان هما الأصولية الإسلامية حاملة سيف التكفير، واصولية الجمود الفكري المتغطي بشعارات خطورة المرحلة او المتحجج باولوية قضايا الامة المصيرية للحيلولة دون المواجهة والتطوير . وقد تطول المسافة ويمتد الزمن أكثر إذا لم نعمل على ولادة الحركة النقدية اليوم قبل الغد، وتضيع من الأمة فرص الإسراع في التغيير.

 إن خوفنا من ضياع الفرص والوقت ناتج عن أن التغيير الحقيقي، خاصة على الصعيد المعرفي، لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، لأن من شروط نجاحه أن يتعمَّق في عقل مجموعات واسعة من الذين نذروا أنفسهم للتغيير، ولا يمكننا أن نتوهَّم بأن التغيير يمكن أن يتم من خلال بحث من هنا أو مقال من هناك أو محاضرة من هنالك، فالتغيير هو عملية تربوية مستمرة تستهلك، أحياناً كثيرة، حياة أجيال تتبعها أجيال.

 فإلى دعاة تأخير المرحلة النقدية تحت ذريعة أن المرحلة غير مناسبة، لارتباطها بمرحلة التحرر الوطني والقومي خوفاً من انعكاس سلبياتها على علاقات القوى المتحالفة في معركة التحرر، نقول إن فكر او حركة بيزنطية تسقط كل يوم ونحن لا ندري، وسقوطها غير مرتبط بالتفرغ لتحديد مسارات جديدة للفكر القومي. وهي غير مرتبطة أيضاً بمسألة الصراع الفكري، والصراع الفكري لا ينتظر وهو بالفعل غير منتظر، لأن الرجعيات التقليدية والأصوليات التقليدية مما اشرنا اليه اعلاه، لا تعطينا أية هدنة بل هي تصارعنا في كل لحظة، فالفكر الأصولي بكل اشكاله ودوافعه يتابع معركته سواءٌ أعملنا على تجنبها أم لم نعمل.

 أما من ناحية أخرى، فيمكننا ونحن نؤدي مهمتنا التحليلية النقدية، أن يكون خطابنا مرناً وموضوعياً ووحدوياً. فانفتاح الخطاب السياسي ومرونته هو من المسائل المطلوبة ولكن ليس على حساب المبادئ. فالمبادئ، بالنسبة لتيارات التغيير هي أكثر من ضرورية، ووضوح المبادئ هو حصانة لها من الانحراف، لأنه على هديها يمكن تصحيح المسار إذا ما حصلت انحرافات، أما في ظلال غيابها فإنه لا يمكن تصويب المسارات هذا إذا لم نضيعها بالكامل.

 الفكر القومي منهج صادق لا يقبل التجميل والتزويق:

 من اجل ان يستعيد الفكر القومي مكانته وريادته ومصداقيته بين الجماهير ، لا بُدَّ له من أن يكون واضحا وحاسماً في خياراته الفكرية وإلاَّ فسوف يدع شتى تياراته السياسية تسير على غير هدى. وسينعكس التردد في حسم الخيارات على مسار  الجماهير العربية ومواقفها. ولن تكون البنى الفكرية لتيارات التطوير بمنأى عن البلبلة.

 ولان الجماهير تكون ، في الواقع، أقرب إلى سلوك الطريق الفكري الذي يتطلَّب عناءً أقل، لذا يكون طريق الفكر الغيبي أكثر قرباً  من عقول الجماهير لأنه لا يتطلَّب منهم سوى التصديق والتسليم. وفي هذا المجال يستطيع دعاة النهج الأصولي ايا كان أن يصل إلى قلوبهم بشكل أسرع وأيسر من السالك لطريق الفكر القومي المتطور.  وهنا يفقد المشروع القومي التوازن في المقدرة على إيصال المعرفة الإيمانية العقلانية  مع الأصولي الذي يتقن فن تفسير الفكر الغيبي او العواطف أكثر بكثير من الذي يقوم منهجه الفكري على المنهج العلماني العلمي والعقلاني.

العَهد الجَديد والثُلاثيّة المَطلوبَة للبِناءِ الوَطَنيّ للدَولَة

العَهد الجَديد

والثُلاثيّة المَطلوبَة للبِناءِ الوَطَنيّ للدَولَة

بقلم المحامي حسن بيان 

 

بعد سنتين وشهرين وعشرة ايام على الفراغ الرئاسي في لبنان، انتخب المجلس النيابي قائد الجيش العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية باكثرية مريحة في الدورة الثانية من الجلسة الانتخابية التي عقدت في التاسع من كانون الثاني ٢٠٢٥ بحضور كافة اعضاء المجلس كما بحضور دبلوماسي ملفت للنظر.

بعد اداء القسم الدستوري ، وجه  الرئيس المنتخب خطاباً الى المجلس والرأي العام ، حدّد فيه عناوين مايعتبره برنامج حكم ، بعضٌ مما انطوى عليه من بنود سبق وتم تناولها في كل خطابات القسم التي سبقت ، وكان اللبنانيون ينظرون اليها بارتياح لما تنطوي عليه نظرياً من توجهات اصلاحية، لكن الاحباط سرعان ما كان يخيم على الواقع السياسي بعد التربع على كرسي الرئاسة وبدء ادارة الحياة السياسية على قواعد المحاصصة .

 بعد الانتهاء من عملية ملء الشغور في موقع الرئاسة انطلقت عجلة اعادة    الانتظام لعمل مرافق الدولة انطلاقاً  من تشكيل حكومة جديدة وفق ماينص عليه الدستور اللبناني. بعد استشارات  يوم ماراثوني ، اسفر “البونتاج “، عن تسمية رئيس محكمة العدل الدولية القاضي نواف سلام لتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة.

وفي كلمته التي وجهها بعد الاجتماع الثلاثي في قصر بعبدا وتسلمه كتاب التكليف ، لاقى خطاب رئيس الجمهورية في العناوين الاساسية لما يمكن اعتباره خارطة حكم للعهد الجديد ، وموجهاً رسالة لمن اعتبر نفسه “وقع في كمين ”  ، بعكس ماكان سبق وتم التفاهم عليه مع الرئيس المنتخب قبل انطلاق الدورة الثانية من التصويت ، بأن لا اقصاء لاحد وان اليد ممدودة للتعاون مع الجميع تحت سقف الدستور او ما درج على تسميته “بالكتاب “.  وقد دخل الى الاجتماع الثلاثي متأبطاً به وبعد خروجه شاهر  به الى الصحفيين عند توجيه رسالته من على منبر القصر الجمهوري.

 

وبعيداً عن السجالات ووجهات النظر التي اثيرت حول دستورية انتخاب قائد الجيش ، التي ينطلق بعضها  من حسن نيةٍ وتمسكٍ بالنص الدستوري ، وبعض اخر يستبطن خلفيات لاعلاقة لها بالانتظام الدستوري ، فإن ملء الشغور ، حصل على وقع شبه اجماع نيابي ، بحيث لم يعد بالامكان تقديم مراجعة طعن بالعملية ، وبالتالي تصبح النتيجة مبرمة . واستطراداً ، و حتى لو اقتضى الامر البحث في مطابقة دستورية العملية الانتخابية بمقدماتها ونتائجها وتطلب الامر ايضاً تفسيراً لدستوريتها، فان صلاحية تفسير الدستور مناطة بالمجلس ، وهو حكماً لن يعطي تفسيراً يناقض ما قرره   وبما يؤدي الى اعتبار العملية غير دستورية وبالتالي القضاء  ببطلانها ، وهو الذي صوت باكثرية تفوق الثلاثة ارباع لصالح الرئيس المنتخب.

 بغض النظر عن كل هذا، لان لبنان ومنذ نيله استقلاله، لم يكن النص الدستوري هو الناظم الوحيد  لادارة  الشأن العام ، بل كانت تنشأ على جوانبه دائماً ماعرف بالاتفاقات التي ترتقي حد الميثاق  او الاعراف والاخذ بها على قاعدة “المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً” ، او مابات يعرف بالسوابق ، بحيث يبنى اللاحق على السابق وهلم جراً.

  المهم ، ان ملء الشغور في المرافق الدستورية والادراية وكل ماله علاقة بتسيير المرافق العامة، افضل من الفراغ وانفع للعامة التي تعطلت مصالحها من جراء الخلل في بنية الدولة وهو ما ادى الى الغاء وظيفتها الحمائية والرعائية.

 مما لاشك فيه، ان ماورد في خطاب القسم وخطاب التكليف ، ترك ارتياحاً لدى ” العامة ” وان لم يكن الامر كذلك لدى “الخاصة ” ، التي استمرأت ادارتها للسلطة على قواعد المحاصصة ، ومارست الزبائية في الادارة بكل مراتبها ، وانتفخت جيوبها على حساب جيوب الناس وجني عمرهم. وهو ماحوّل الفساد الى سمة من سمات الحكم الاساسية ، بحيث لم تعد السلطة معنية بادارة البلاد على قواعد الشفافية والحوكمة، بل ادارتها على قواعد السمسرة والصفقات والتهريب وتجارة الممنوعات ، واخر موبقاتها السطو على اموال المودِعين.

 هذه السمات الاساسية لمن امسك بمفاصل السلطة على مدى عقود ، جعلت الفساد يعشعش في مفاصل الدولة العميقة ، وان المنتفعين والمستفيدين من ذلك ،  هم ما باتوا يعرفون باطراف المنظومة الحاكمة، وبالتالي فإن هذه الاطراف ستقاوم اية عملية تغييرية في حدها الاقصى او اصلاحية في حدها الادنى ويكون من شأنها ان تمس مصالحهم  وما اعتادوا عليه خلال ممارستهم للحكم وفي مواقعهم الادارية.

 ولهذا، فإن مهمة الرئيسين ليست مهمة سهلة،  وطريقهما ليس مفروشاً بالورود، بل المهمة صعبة والاشواك مغروزة على جوانب مسار الحكم، والمطبات اكثر من ان تحصى على خط السير العام .

 واذا كان يسجل للرئيس المنتخب ، كما الرئيس المكلف ،  انهما لم يأتيا الى الحكم بالاستناد الى كتل نيابية تسعى لحصص في السلطة، بل انهما جاءا من رحم مؤسسات تحكمها قواعد الانضباط والانتظام والعدل والمساواة ، وهما بما انطوى عليه خطابيهما حاكا التوق الشعبي للتغيير، فهذه  ستكون عاملاً مساعداً للتحرر من ضغط الكتل التي تحيط بالموقعين .

 لكن مع التشديد على اهمية المواصفات والمعطيات الشخصية لدى رئيس الجمهورية كما رئيس مجلس الوزراء ، فإنها لن يستطيعا ان يترجما خطابيهما الى مفردات عملية بسلاسة في ظل بنية السلطة القائمة ، لارتباط ذلك بالواقع الفاسد الذي يضرب في بنية الدولة وطريقة الحكم التي ادارت البلاد بالعقلية الميلشياوية .

 وبالتالي ، فإن الاصلاح والذي هو هدف شعبي منشود ، لا تحققه الرغبات الشخصية ، بل لابد من حاضنة شعبية ، كما رافعة سياسية.  واذا كانت  الحاضنة الشعبية  متوفرة ، فإن الرافعة السياسية وضعها ملتبس كون  القوى التي تمتلك قوة تمثيل نيابي ، قادرة على تعطيل ومقاومة اية عملية اصلاحية في ظل غياب تنظيم الحركة الشعبية المعترضة على اداء المنظومة لغياب  تنظيم صفوفها وتقديم نفسها رافعة سياسية للحكم الجديد بالعناوين الاصلاحية التي طرحها.

 من هنا ، فإن على اهمية القضايا التي تم التطرق اليها في الخطابين، خطاب القسم وخطاب التكليف ، إلا أن  المدخل العملي  للاصلاح في ظل تعقيدات الواقع الراهن ، إنما يكمن في مدى القدرة على  اعادة تكوين السلطة والتي نقطة  الارتكاز فيها هو التمثيل الشعبي الصحيح. 

 قد يكون مهماً ، ملء الشواغر في الادارة ، وتطبيق اللامركزية الادارية ، وفتح نافذة امل للمودعين وكشف الحقيقة في جريمة تفجير مرفا بيروت وانصاف الضحايا وغيرها من القضايا الحياتية . لكن الاهم من كل  ذلك هو اعادة تشكيل السلطة  التي تحاكي في اداءها البرنامج الاصلاحي ، وهذا لن يتحقق الا عبر السير على خط “ثلاثية” ،تندرج تحت ثلاثة عناوين. بحيث يكون تحقيقها هو المفتاح لباب الانسداد امام الاصلاح والتغيير في العقلية والاداء. وهذه العناوين هي :

 اولاً ، اقرار قانون استقلالية القضاء ، وثانياً ، اعادة النظر بقانون الانتخاب الحالي ووضع قانون اكثر عدلاً وصدقية للتمثيل الشعبي ، وثالثاً ، تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية واسقاط التمثيل الطائفي عن النيابي وتطبيق احكام المادة ٢٢ من الدستور والتي تنص على استحداث مجلس للشيوخ ، تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية. كانتخاب الرئيس واقرار الموازنة واعلان الطوراىء وقضايا الحرب والسلم.

 ان هذه الثلاثية ، هي التي يرى فيه دعاة التغيير والاصلاح ، كما العامة من الناس الذين اكتووا بنيران المحاصصة سبيلاً للخلاص الوطني بعد مرحلة من المعاناة واختبار الصبر والمصابرة.  وهذه لن تتم بين ليلة وضحاها ، بل تتطلب جهداً وعملاً ، والفرصة مؤاتية امام العهد لان يؤسس لنظام جديد تحكمه قواعد العدل والمساواة والاسراع  في ولوج هذا المسار مستفيداً من زخم القاعدة الشعبية العريضة التي تلتف حول العناوين الاصلاحية .

 ولهذا يجب التقاط الفرصة في زمن التحول الداخلي كما على مستوى الاقليم والمبادرة فوراً لاطلاق  ورشة العمل لاعادة بناء الدولة بناء وطنياً.  وقبل ان تتمكن  قوى المنظومة التي “اعادت انتشارها”، من الخروج  من تأثير الصدمة التي اصابتها بالارتجاج النفسي والسياسي وتعاود الهجوم بعد اعادة ترتيب صفوفها ودفاعاتها ووضع العصي في دواليب عجلة الاصلاح.

 

 

 

 

العَدالَة الإنتِقالِيَّة كي تَجِدُ طَريقَها لِلتَّطْبِيقِ فِي سُورْيَا

 

العَدالَة الإنتِقالِيَّة

كي تَجِدُ طَريقَها لِلتَّطْبِيقِ فِي سُورْيَا

بقلم المحامي حسن بيان                 

 

 في كل مرة يحصل فيها انتقال سياسي للسلطة بغير طريق تداولها الدستوري، تطرح مسالة العدالة الانتقالية ووجوب تطبيق احكامها واجراءاتها، خاصة في الحالات التي تشهد اسقاط انظمة سياسية يحفل سجلها بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان وتحديداً تلك التي تطال المعارضين للنظام السياسي الحاكم وما اكثرها في الوطن العربي. وابرز نموذجين لها سوريا بعد اسقاط النظام والسودان بعد اسقاط نظام البشير ومن بعدها ردة  البرهان – حميدتي على اتفاق انتقال السلطة في ٢٥ اكتوبر ٢٠٢٢ .

  والعدالة الانتقالية يختلف تعريفها وتطبيقها عن اشكال اخرى من العدالة المتعددة العناوين، نظراً لكون العدالة لاتقتصر على عنوان واحد. وقد تم ادراجها في القانون الدولي الانساني بسبعة عناوين هي العدالة المساواتية والسياسية والاجتماعية والتبادلية والقضائية والجنائية والانتقالية. 

 فالعدالة المساواتية ، تعني المساواة بين البشر دون اي تمييز على اساس او العرق او الدين.

 والعدالة السياسية، تعني حق العمل السياسي على قاعدة المساواة بين الناس، وتمكين الجميع من ممارسة حقوقهم السياسية دون قهرٍ أو ظلمٍ اواستعباد .

والعدالة الاجتماعية، تعني المساواة بين الناس في بيئتهم المجتمعية ، لجهة التوزيع العادل للثروة والاستناد الى مبدأ تكافؤ الفرص في الحياة.

والعدالة التبادلية ، تعني توافر نظام التناسب بين ضررٍ  واقع، وتعويض عن هذا الضرر مادياً كان او معنوياً.

والعدالة القضائية، تعني اقامة نظام التناسب بين سلة الحقوق التي للفرد على المجتمع، وسلة الحقوق التي للمجتمع على الفرد، وايضاً سلة الواجبات المتبادلة. 

والعدالة الجنائية، هي بنيان قضائي متكامل، تتناول الجريمة بكل اشكالها ، وتحدد سبل الردع للجريمة والمعالجة بغية الوصول الى مجتمع آمنٍ تسود فيه قيم العدالة الانسانية والاجتماعية.

 اما العدالة الانتقالية، فتعني مجموعة الاساليب التي يجب استخدامها لمعالجة انتهاك حقوق الانسان، وتستمد مشروعيتها ومضمونها من رغبة المجتمع في بناء ثقة اجتماعية.

 ان استحضار مسألة العدالة الانتقالية في هذا الظرف بالذات ، هو الحدث السوري، الذي نتج عنه اسقاط الحكم الذي امسك بمفاصل السلطة لثمانية وخمسين عاماً كانت شديدة الوطأة على شعب سوريا الذي صودرت حرياته العامة، وحفلت سجلاته بالانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان بعضها كان معروفاً ،وبعض تكشفت فظائعه بعد السقوط  ، من الاعتقال لفترات طويلة دون محاكمات، هذا ان كانت عادلة فيما لو حصلت، الى الاختفاء القسري وتدرجاً الى التصفيات الجسدية وهي الاسم الحركي للا عدامات والاغتيالات ، وممارسة كل اشكال القمع المعنوي والمادي التي تندرج  تحت الحالات المحددة حصراً بسلة من الاجراءات العقابية التي يتخذها النظام وفق

 مقتضيات حاجته للامساك برقاب العباد والبلاد على حساب تطبيق احكام العدالة حتى في ادنى معاييرها.

 لفد سقط النظام، وتبين ان السجون ومراكز الفروع الامنية  كانت جحيماً مورست فيه كل اشكال التعذيب، وهذا طبعاً غير الذين كانوا ضحايا البراميل المتفجرة  والغازات السامة والتهجير القسري وانتهاك الحرمات الانسانية والاجتماعية. وانتهاكات النظام المتهاوي لحقوق الانسان لم تقتصر على ابناء سوريا ممن كانوا لايبدون الولاء الاعمى له، بل طالت مواطنين من لبنان وفلسطين والاردن والعراق ومن اقطار عربية اخرى خاصة الطلاب الذين كانوا يدرسون في الجامعات السورية ولم يوالوا النظام السياسي .

 إن اللجوء الى تطبيق اجراءات  العدالة الانتقالية يهدف الى الاعتراف بحقوق الضحايا، وتعزيز ثقة الافراد في مؤسسات الدولة وسيادة القانون  ، وتدعيم احترام حقوق الانسان كخطوة نحو المعالجة ومنع الانتهاكات الجديدة.

 وبالنسبة للامم المتحدة، تغطي العدالة الانتقالية كامل نطاق العمليات والاليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة واقامة العدالة  وتحقيق المصالحة.

 ونظراً للاهمية التي تنطوي عليها العدالة الانتقالية ، انشئ المركز الدولي للعدالة الانتقالية (I.C.T.J) ومركزه الرئيسي في نيويورك ، اضافة الى مركزه الرديف في لاهاي. والمركز يعمل عبر المجتمع للتصدي لاسباب ومعالجة عواقب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان والتأكيد على كرامة الضحايا ومقاومة الافلات من العقاب وتعزيز دور المؤسسات المستجيبة.

 ان العدالة الانتقالية التي ترتكز على ثلاثة اقانيم، هي المساءلة والعدالة والمصالحة ، تُعْنى بالضحايا اولاً، وتصب اهتمامها عليهم للتعويض عن الاضرار التي لحقت بهم، وهذا لا يتم إلا  بالمحاسبة لكل من ثبت ارتكابه انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان. وهذه المحاسبة تحول دون منتهكي حقوق الانسان من الافلات من العقاب. 

 واما العدالة، فهي مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تنطوي على ملاحقات قضائية ولجان تحقيق وبرامج جبر الضرر واشكال متنوعة من اصلاح المؤسسات وتقوي سيادة القانون والديموقراطية . واذا ماطبقت المحاسبة وفق المعايير الانسانية والقانونية  المطلوبة ، فانها مع العدالة تساهمان بلا ادنى شك في كسر دوامة العنف والجرائم الوحشية، واستعادة سيادة القانون والثقة في المؤسسات وبناء مجتمعات قوية وقادرة على وأد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان قبل وقوعها او تجنب تكرارها،  وهذا مايشكل اساساً للمصالحة وهي الهدف الثالث للعدالة الانتقالية.

 ان اعتبار المصالحة واحدة من مرتكزات العدالة الانتقالية، كونها ليست معنية فقط بالتصدي للانتهاكات الحاصلة، انما ايضاً بخلق المناخات التي تحول دون اعادة تكرار تلك الانتهاكات. ولهذا يتم التركيز على تعزيز الثقة بالمؤسسات وبسيادة القانون. وعدم التكرار لايستقيم الا اذا توفرت سلة  من الضمانات القانونية والمجتمعية تشكل بمجملها منظومة متكاملة من الاجراءات الوقائية التي تعالج الاسباب الجذرية للانتهاكات بهدف تجنب تكرارها، وهي تتطلب اصلاحاً دستورياً كما اصلاح مجالي العدالة والامن.

 ان المصالحة تؤدي الى تحقيق سلام مجتمعي، وهو ما يساهم في معالجة المظالم والانقسامات المجتمعية الذي  يفضي لان تكون العدالة الانتقالية محددة السياق وذات بُعْدٍ وطني وتركز على احتياجات الضحايا بقدر تركيزها على تجنب التكرار لانتهاكات حقوق الانسان. وهذا يرمي الى ربط

 المجتمعات بعضها مع البعض الاخر وتمكينها من ايجاد بيئة مجتمعية تساهم في تحقيق السلام المجتمعي.

  ان العدالة الانتقالية التي تعود بدايات الاخذ باحكامها واجراءاتها الى الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية، تبقى مطلوبة بشدة والحاح في المجتمعات التي تحاول وتسعى لاعادة بناء نفسها من جديد والانتقال من واقع اتسم بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان أُرتُكِبتْ في سياق ممارسة القمع السلطوي  او في سياق نزاع مسلح. وفي حال كتلك التي تمر بها سوريا في مرحلة الانتقال السياسي، فإن تطبيق اجراءات العدالة الانتقالية على واقعها الراهن لايقل اهمية عن اجراءات واليات الانتقال السياسي، نظراً لكون السلم المجتمعي والتصالحي ضرورة للسلم الوطني وتحصينه من الاختراقات والانتهاكات الجسيمة.

  وانه بقدر ما هو مهم اعادة البناء المؤسساتي للدولة  واعادة انتاج نظام سياسي جديد يلبي التطلعات الشعبية في دولة مدنية تحكمها قواعد المساواة في المواطنة وديموقراطية الحياة السياسية، فأنه مهم ايضاً وبموازاة البناء السياسي ، بناء سلام مجتمعي مستدام ، وهذا لن يتحقق الا اخذت اجراءات العدالة الانتقالية سبيلها للتطبيق بدءاً بالاعتراف بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وانصاف الضحايا عبر السبل المشار اليها اعلاه.

 ان العدالة الانتقالية التي تتصدى لانتهاكات جسيمة، ُتشعر الفرد او الجماعة المنتهَكة حقوقهم التي كفلتها المواثيق ذات الصلة بحقوق الانسان ، بأن مسؤولية انصافهم هي مسؤولية المجتمع.  اي ان حقوقهم هي حق عام ، لان ما اصابهم، وان الحق  ضرراً مادياً ومعنوياً بهم ، فهو الحَقَ في الوقت نفسه ضرراً مادياً ومعنوياً بالحق العام لانتهاكه احكام القانون.

 وان التصدي لهذا الانتهاك يتعلق بالنظام العام الذي يفترض ان  يثار عفواً من المعنيين بتطبيق اجراءات  العدالة الانتقالية. فهل تطبق احكام هذه العدالة على الواقع السوري في سياق العملية الانتقالية التي املاها اسقاط النظام ؟   ننتظر لنرى …

 

الآثَارُ الاجتماعية والاقتصادية لِلنُّزُوحِ والهِجْرَةِ جَرّاءَ الحَرْبِ فِي السُّودَان

الآثَارُ الاجتماعية والاقتصادية لِلنُّزُوحِ والهِجْرَةِ جَرّاءَ الحَرْبِ فِي السُّودَان

تحليل للتحديات والفرص الممكنة على ضوء الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لتأثيرات الحرب التي أعدتها بعد عام من اندلاعها

قيادة قطر السودان – اللجنة الاقتصادية

 

المقدمة:

 تُعد الحرب، أسوأ الخيارات البشرية الطارئة، ومن أعنف الأزمات التي يمكن أن تؤدي إلى تحولات عميقة في بنية وهياكل الدول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

في السودان، أدت الحرب المدمرة العبثية المستمرة لنحو 21 شهراً، إلى إحداث خسائر فادحة على كافة الأصعدة المختلفة، وهدر غير مسبوق للموارد، منذ نيل البلاد استقلالها السياسي، وضياع الفرص، بالإضافة إلى التدمير الذي طال البنى التحتية، والتخريب والنهب والانتهاكات والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة ضمن مجرياتها، والتحديات المصيرية التي واجهها المواطنون.

وفي المقابل فتحت الحرب ومعاناتها، باباً للفرص التي يمكن استغلالها في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار بوعي جديد وخبرات مكتسبة.

يتناول هذا المبحث تحليل الآثار السلبية والإيجابية للحرب والنزوح والهجرة، مع التركيز على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها جراء طبيعة ومجريات  النزاع الحربي المستمر.

 

أولًا: الآثار الاجتماعية للنزوح والهجرة

 (أ) الآثار الاجتماعية السلبية

1/ تفكك الأسرة والمجتمع: أدى النزوح شبه الجماعي الاضطراري بسبب الحرب إلى تشتيت الأسر وتقسيمها في مناطق مختلفة داخل القطر وخارجه. هذا التشتيت أثر بشكل مباشر على نسيج الأسرة السودانية ونظامها الحياتي، حيث تضررت العلاقات الأسرية بسبب التباعد والعوامل الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الحرب واستمرارها.

2/ زيادة العنف الاجتماعي: بسبب النزوح والهجرة إلى مناطق لأول مرة وربما غير مألوفة وارتفاع الكثافة السكانية في المناطق المستضيفة، ظهرت التوترات بين النازحين والمجتمعات المحلية، إضافة إلى ظهور عدد من الحوادث الاجتماعية في المناطق المستضيفة للنازحين بسبب الاختلاط المفاجئ واختلاف الأنماط الحياتية.

3/ التهديدات الصحية: مخيمات النزوح هي بيئات ذات كثافة سكانية عالية وتفتقر إلى البنية التحتية الصحية، مما يجعلها عرضة لتفشي الأمراض المعدية. حيث يواجه سكان المخيمات والمناطق المستضيفة مخاطر صحية خطيرة بسبب نقص المياه النظيفة، والرعاية الصحية الأساسية، مما عرضهم لأوبئة مثل الكوليرا والملاريا والحمى النزفية وأمراض الصدر والجلدية.

4/ تفاقم الاضطرابات النفسية: تأثرت الصحة النفسية للنازحين، خصوصًا الأطفال والنساء، بشكل كبير بسبب المعاناة من العنف والنزوح القسري. حسب دراسات متعددة أظهرت النتائج أن الأطفال في مناطق النزوح يعانون من اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب، بينما يعاني (40%) من النساء من اضطرابات ما بعد  الصدمة (PTSD).

5/  انعدام الأمن الغذائي: حيث يعاني نحو (25) مليون شخص في السودان من نقص حاد في الأمن الغذائي، بينهم (14) مليون طفل. وحوالي (37%) من السكان، ويقدر بـ (17.7)مليون شخص يعانون من الجوع الحاد. كما أثر النزوح والهجرة على الزراعة، إذ أدى النزوح الجماعي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وتعطل عدد مقدر من المشاريع الزراعية أبرزها مشروع الجزيرة، مما أفقد الملايين مهنهم ومصادر دخلهم، وزاد من الاعتماد على المساعدات الخارجية والواردات.

6/  فقدان الكفاءات وهجرة العقول وتعطل التدريب:

 أدت الحرب إلى نزوح جماعي للكفاءات من الأطباء، المهندسين، والأساتذة الجامعيين، والفنيين والعاملين المهرة، وتعطل مراكز التدريب، مما أدى إلى ضعف التنمية المحلية. كما أدي تعطل التعليم العام والعالي إلى تفاقم مشكلة التعليم وحرمان الطلاب استمرارية العملية التربوية والعلمية وهجرة العقول، مما أضعف فرص التنمية المحلية المستدامة.

7/  ارتفاع معدلات الفقر والتشرد:

فقدان مصادر الدخل أدى إلى ارتفاع مستويات الفقر، وانتشار البطالة في مختلف الفئات العمرية. كما أجبرت الحرب ملايين الأشخاص على النزوح الداخلي والخارجي، والتشرد، مما أدى إلى تفاقم أزمة السكن والخدمات الأساسية وارتفاع أسعارها لمستويات قياسية فاقت قدرة الغالبية الساحقة من النازحين، أجبرتهم على بدائل غير مرضية.

8/ تراجع امدادات الكهرباء : أدى استهداف البنى التحتية لقطاع الكهرباء وتأثر منشآته والعاملين في الحقل إلى تراجع إمدادات الكهرباء وانعدامها بالكامل أو لعدد من الأشهر في غالب الولايات وعدد من المدن الكبرى، إضافة إلى صعوبة توفر المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها خاصة غاز الطهي الذي ارتفع سعر أسطوانته (12.5 ك) من 2.500 قبل الحرب إلى 45.000 ألف جنيه بعد الحرب  إلى حملة  جائرة وواسعة على الغابات والغطاء النباتي كبدائل، سيكون لها تأثيراتها السالبة آنيًا ومستقبليًا، سواء زيادة رقعة وحدة الجفاف والتصحر والزحف الصحراوي أو ارتفاع درجات الحرارة.

 

(ب) الآثار الاجتماعية الإيجابية

1/ تنامي روح التضامن الاجتماعي:

رغم المعاناة، شهدت بعض المجتمعات في السودان تعزيز روح التضامن الاجتماعي من خلال مساعدات إنسانية ومشاريع دعم للنازحين. إضافة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي بين مختلف فئات المجتمع السوداني، من خلال تبني ثقافة التكايا وبنوك الإطعام والعلاج والنفير ومساهمات ومبادرات السودانيين العاملين فى الخارج، التي أظهرت التلاحم والترابط بين المواطنين، ورفع مستويات التعايش، وقبول البعض بغض النظر عن المناطق التي تم النزوح منها في مقابل البديل الزائف المشبع بخطاب الكراهية والعنصرية والتمييز.

2/ مشاركة أوسع للشباب في العمل المدني والطوعي: الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب دفعت الكثير من الشباب، داخل القطر وخارجه، للانخراط في العمل المدني والطوعي بشكل أكبر. حيث شارك العديد منهم في تقديم المساعدات الإنسانية وتنظيم حملات التوعية المجتمعية وإسعاف المصابين والمرضى والإيواء . كما ازدادت الرغبة لدى عدد من الشباب للعمل التطوعي منذ بداية الحرب (بالرغم من المخاطر التي تعرضوا لها، أو التي يُتوقع التعرض لها).

3/ الإندماج الوطني وإعادة تشكيل الهوية الوطنية

أسهم النزاع واستمرار الحرب على بلورة شعور مشترك بالانتماء الوطني والهوية الوطنية الجامعة بين مختلف المكونات السودانية. فقد أدت فترة الحرب إلى بروز وعي وتشكل حركات تطالب بالعدالة والتنمية والسلام والحفاظ على الوحدة الوطنية، وقيمة مضافة بالحلول السلمية، مما يسهم على تشكيل رؤية بثوابت وطنية توافقية جديدة لمستقبل السودان. كما كانت هناك دعوات من قبل العديد من القوى السياسية والاجتماعية لوقف الحرب وإحلال السلام وتشكيل سلطة مدنية ترسي دعائم استدامة نظام ديمقراطي تعددي يوفر المناخ المؤاتي للحلول الوطنية السلمية الديمقراطية لقضايا التطور الوطني وتحقيق التطلعات الشعبية بالإرادة الوطنية .

 

ثانيًا: الآثار الاقتصادية للنزوح والهجرة

 (أ) الآثار الاقتصادية السلبية

1/ الضغط على الموارد الاقتصادية المحلية

 أدى النزوح إلى ضغط هائل على موارد المدن المستضيفة مثل المياه، والغذاء، والطاقة وتزايد مستمر في أسعار المواد الغذائية والسلع الأخرى في غالب المدن التي نزح إليها، مما أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للسكان. كما أن تدمير قواعد الإنتاج الزراعي والصناعي في المناطق الريفية أدى إلى نقص حاد في الإنتاج المحلي.

2/ تعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي

نظرًا لأن الكثير من السكان في المناطق المتأثرة بالحرب يعملون في الزراعة بنحو 65% ، أدى النزوح الجماعي إلى تعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي بشكل كبير. بسبب تدمير الأرض الزراعية ونقص الأيدي العاملة وفقدان الأمان نتيجة للنزوح والحرب.

3/ زيادة معدلات البطالة

 أدى النزوح من الحرب في المدن السودانية، إلى زيادة أعداد السكان في المدن التي نزح إليها المواطنون السودانيين، مما أسهم في تضخم سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة. حيث تجاوزت معدلات البطالة مستوياتها القياسية ما قبل الحرب، بسبب زيادة الطلب على الوظائف والأعمال وقلة الفرص المتاحة.

4/ ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية

ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتكاليف المعيشة في المناطق التي نزح اليها المواطنون، أثر بشكل كبير على الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، في غالب المناطق المستضيفة للنازحين.

5/ خسائر اقتصادية فادحة

 قدر الخبراء خسائر الاقتصاد السوداني بحوالي 200 مليار دولار منذ اندلاع الحرب. (ALQAHERANEWS.NET). إضافة إلى ما أحدثته الحرب من تدمير البنية التحتية تدميراً واسعاَ، مما تسبب في تعطيل عمليات التنمية بمختلف أنواعها.

6/ نهب وتخريب  القطاع المصرفي ومطابع العملة

تعرض الجهاز المصرفي وفروعه وخدمات المالية، والبنك المركزي ومطابع العملة الوطنية، إلى عمليات نهب وتخريب واسعة سواء فى العاصمة التي تهيمن على نحو 65%  في أفرعه وخدماته، إضافة إلى عدد من الولايات والمدن الأخرى، وحالات النزوح، إلى الاستمرار في إغلاق المصارف في العاصمة والولايات التى طالتها العمليات الحربية، مما أدى إلى شلل في الحركة المصرفية والاقتصادية بارتفاع نسبة المخاطر وتآكل رؤوس الأموال وتناقص الاحتياطيات، وتزايد تراجع الثقة بالنظام المالي، مما أضعف الاستثمارات الداخلية والخارجية.

7/ توقف التجارة الخارجية

تضررت حركة التجارة الخارجية، حيث انخفضت صادرات السودان بشكل حاد، مما أثر سلبًا على توفر السلع الأساسية. (PHAROSTUDIES.COM). كما أن توقف حركة الاستيراد والتصدير وتنامي تهريب الذهب وسلع الصادرات والعملات الحرة، أثر سلباً على الميزان التجاري وعلى التجارة الخارجية وتوفر السلع الأساسية مما أسهم في ندرتها أو ارتفاع أسعارها.

8/ انهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع التضخم

 تسببت الحرب في تدهور قيمة الجنيه السوداني، حيث أن تراجع قيمة العملة المحلية بنحو (335%) أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين وتآكل المدخرات إضافة إلى العجز عن الوفاء بصرف مرتبات العاملين بالدولة لعدة أشهر وتوجيه سلطة الأمر الواقع بإيقاف صرف مرتبات من يتهم بالتعاون مع قوات الدعم السريع، دون تحقيق أو صدور حكم قضائي، الأمر الذي يتنافى مع التزامات السودان بالقوانين الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية التي تنص على حماية حقوق العمال وضمان صرف الأجور .

(ب) الآثار الاقتصادية الإيجابية

1/ توزيع القوة العاملة

رغم الضغط على الموارد، ساعد النزوح في إعادة توزيع القوة العاملة وعدد من الصناعات التحويلية على مناطق جديدة، مما أدى إلى نمو بعض الأسواق الجديدة. وتزايد  عدد المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يديرها النازحون في المناطق الحضرية التي نزحوا إليها أو اقتبستها المجتمعات المحلية.

2/ تعزيز التحويلات المالية

حول العديد من النازحين كل أو جزء من أرصدة ورأسمال أعمالهم إلى مناطقهم الأصلية أو مناطق أخرى، مما ساعد في تعزيز الاقتصاد المحلي، والمساهمة في استدامة بعض الاقتصادات المحلية وتطويرها.

3/ إحياء الأسواق المحلية:

تدفق النازحين إلى المدن الكبرى ساهم في تنشيط بعض الأسواق المحلية، حيث ازداد الطلب على السلع والخدمات، مما ساعد في تحفيز بعض القطاعات الاقتصادية غير الرسمية مثل التجارة الصغيرة والورش والمشاريع الزراعية والمهن الحرفية.

4/ ظهور اقتصاد الحرب والابتكار في الأزمات

 نشوء اقتصاد غير رسمي، فبالرغم من الأوضاع المتدهورة، ازدهرت بعض الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية مثل التجارة عبر الحدود والتجارة الإلكترونية الصغيرة، مما وفر فرص عمل محدودة لبعض الفئات. كما أدى تعطل المصارف إلى انتشار حلول مالية غير تقليدية مثل الدفع عبر الهواتف المحمولة وتحويل الأموال عبر قنوات غير رسمية، مما ساهم في إبقاء بعض المعاملات التجارية نشطة.

5/ تعزيز الاعتماد على الموارد المحلية

زيادة الإنتاج المحلي، فنظرًا لصعوبة الاستيراد ومحدودية السوق، توجه بعض المستثمرين إلى تعزيز الإنتاج المحلي في قطاعات مثل الزراعة والصناعات الغذائية، مما يسهم في تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. إضافة إلى تبني تحفيز الابتكار الزراعي، حيث بدأ بعض المزارعين باستخدام تقنيات أكثر كفاءة في استغلال الموارد والمساحات المتاحة، مما يعزز الإنتاج الزراعي في المستقبل.

6/ زيادة الوعي الاقتصادي والإصلاحات المحتملة

المطالبة بالإصلاحات الاقتصادية، حيث أجبرت الحرب سلطة الأمر الواقع والمجتمع المدني على البحث عن حلول لإعادة هيكلة الاقتصاد، مثل مكافحة الفساد وتحسين بيئة الاستثمار. إضافة إلى التحرك نحو اقتصاد حقيقي أكثر شفافية، انطلاقاً من أن مع الأزمات تأتي فرص جديدة أو بديلة لإعادة النظر في السياسات الاقتصادية وتعزيز الشمول المالي والرقابة المالية.

 

يتبع لطفاً..

سينهض المارد ويتحرر العراق بسواعد الشباب
سينهض المارد ويتحرر العراق بسواعد الشباب
علي العتيبي  
حينما نقرأ التاريخ نجد أن العراق هو مهد وسيد الحضارات في العالم، وعمر حضارته أكثر من عشرة آلاف سنة، ومر بظروف عديدة ممكن وضعها وفق رسم الخطوط البيانية فنراه أحياناً في أعلى القمة وأخرى يهبط بسبب عوامل خارجية حاقدة عليه. في تاريخنا نجد أشرس هجمة عليه هي احتلال المغول والتتار بمساعدة وخيانة وزير الخليفة العباسي ومستشاريه ابن العلقمي والطوسي لما يحملانه من بذور الحقد على العروبة وميلهم إلى الفرس وترسيخهم للطائفية التي ولدت لديهم الكره للعرب الذين اطفؤوا نار المجوس وأناروا العالم بنور الإسلام، ولهذا تجد أغلب الفرس يتباهون بحضارتهم ويطعنون برموز الإسلام التي حررتهم من عبادة النار إلى عبادة الواحد الأحد. إن الغزو الوحشي الذي خلط دماء العراقيين بحبر كتبهم دليل على حقد دفين على حضارة بلاد الرافدين،
أما تحالف الفرس مع المغول والتتار ومع اليهود فسببه أن أي حضارة لبلاد فارس لا تقوم إلا باحتلال العراق ونهب خيراته، واستمرت هذه النظرة حتى يومنا هذا، لأنه لولا احتلالهم لبلاد العرب فسنرى بلاد فارس تعيش المجاعة، لأن 70 بالمئة من صادرات إيران هي من الأحواز و80 بالمئة من سلتها الغذائية أيضاً من الأحواز، واطلالتها على الخليج العربي وبحر العرب كلها من الأحواز، ولهذا بدون احتلال إيران لأرض العرب لن تقوم لها قائمة.
أما الغزو الأبشع في تاريخنا الحديث هو الغزو الأمريكي سنة 2003 ومن تحالف معه وخاصة التحالف الثلاثي الغادر (أمريكا وإيران والكيان الصهيوني) والسبب معروف ومعلن لأن الغرب والكيان الصهيوني والفرس لا يريدون أن ترتفع راية العروبة وصنوها الإسلام الحقيقي الذي يمثله في هذا الزمن أفضل تمثيل حزب البعث العربي الاشتراكي الذي سعى ويسعى دوماً إلى وحدة العرب، ويرتكز في نضاله ويستمد عزيمته من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومهما حاول أعداء البعث اتهامه بغير ذلك يبقى البعث هو وريث الرسالة الخالدة، والتي خلدها القائد المؤسس بجملة واحدة ( كان محمد كل العرب فليكن اليوم كل العرب محمدا) وهذا لا يخدم أعداء العروبة والإسلام، لأن وحدة العرب ونهوضهم معناه سيادة الأمة ونشر مبادئ العدل والمساواة والتحرر من قيود العبودية بكل أشكالها، وهذه المبادئ أعلنها ويعلنها البعث دوماً وفي كل مناسبة وتسلمه السلطة في العراق ليس من أجل السلطة، وإنما من أجل تحقيق أهداف البعث لنهضة الأمة، فتكالب عليه الأعداء وتحالف معهم كل حاقد على العرب وعلى البعث ممن ينظرون للبعث عدواً لنزواتهم ويهدد كراسيهم، فكان هذا التحالف الخبيث الذي بث سمومه أولاً من خلال ساعات البث الفضائي ثم الحرب والحصار وآخرها الغزو الذي شارك فيه كل بعض جيران العراق وساندوا المحتل الأمريكي والحلف الصليبي الصهيوني الصفوي، وتحالف معهم عمائم السوء بفتاوى مسمومة تسمح بهدر دماء العراقيين واستباحة أراضيهم وسرقة أموالهم، وقد استخدمت هذه الفتاوى حتى لنشر الرذيلة وفساد الأخلاق وتدمير المجتمع وبث النعرات الطائفية وسيادة الجهل والفقر والجريمة. منذ 2003 ولحد الآن ماذا حصل في العراق؟ فبدلاً من سيادة القانون أصبحت سيادة الجريمة وتحكم الفاسدين بشؤون بالدولة-
إن كانت هناك دولة- قتل كل من يقف ضد المشروع الفارسي وولاية الفقيه، والطعن بكل من يدعو إلى الفضيلة ومحاربة الفساد وبعد هذا كله وبعد أن خرج شباب العراق الثائر ضد الأحزاب والميليشيات والفساد وبعد أن قدموا آلاف الضحايا فلا زالوا ممسكين بمبادئهم التي هي أصلاً مبادئ عروبية أصيلة رسخها الإسلام ونهجها البعث.ومن هنا نقول مهما طال الزمن فالبقاء للأحرار، وكل محتل ومعتدي وظالم إلى زوال، ولنا في تاريخ الغزاة عبرة. ويكفي فخراً لحزب البعث أن شباب العراق وحتى من لم يعش فترة نظام الحكم الوطني يتباهون به ويتمونون رجالاً مثلهم وحتى من بين منتسبي الأحزاب والميليشيات من صار يعلنها صراحة إن الحكم لا يصلح إلا لرجال العراق الأحرار وهذا بحد ذاته ضربة قوية على رأس العملاء. ستمر السنوات الصعاب، وتنجلي هذه الغمة مهما طالت، ويعود العراق- عراق الرجال- والأمل معقود بالشباب لأنهم عماد المجتمع وقادة المستقبل.

لماذا تبقي الحكومة العراقية على القوات الأمريكية بينما الفصائل التابعة لها تقاتلها؟

ميلاد عمر المزوغي    

 

الحكومات العراقية المتتالية منذ العام 2003 م وهي تتمسك ببقاء القوات الامريكية  بحجة التدريب على الاسلحة المختلفة ومقاومة تنظيم الدولة, ترى هل يعقل هذا الكلام؟ العراق في يوم من الايام كنا نعده الاقوى عربيا تسليحا وعددا, وكنا نذهب اليه لأجل التدريب العسكري والانضباطية, سقط النظام امر واقع ولكن ان يسقط الجيش فهذا لا يمكن تصديقه ,نعم قام بريمر الحاكم العسكري للعراق بحل الجيش ولكن هل يعقل ان كل الجيش تم تسريحه بحجة ايديولوجيته وفكره العروبي او البعثي ؟, ثم لو ذهبنا الى ان الجيش تم تسريحه ,ما الذي جعل الحكومات المتعاقبة تعجز عن بناء جيش وطني قوي على مدى عقدين من الزمن؟ والسؤال الاهم هل هي فعلا جادة في بناء جيش وطني يحمي البلاد مخاطر  التدخل الاجنبي؟.

تنظيم الدولة ندرك انه صنيعة امريكية صرفة( لم يكن موجودا بالمنطقة قبل 11 سبتمبر 2001 ) لأجل بث الفتنة بين مكونات شعوب المنطقة  وتدمير مكتسباتها ونهب خيراتها ,هل يعقل ان تنظيما حديث التكوين استطاع ان يسيطر على نصف العراق في لمح البصر؟ وينهب الاموال الطائلة من بعض البنوك؟ أ لم يمددكم الأمريكان بمختلف انواع الاسلحة والذخائر نظير الاموال الهائلة بالخزينة العراقية او الاموال التي تم تجميدها ببنوك امريكا والغرب عقب احتلاله؟ العراق اليوم منتهك السيادة ومسلوب الارادة,التطاحن على السلطة ادى الى شراء الذمم واهدار المال العام ,الاكراد على وشك اعلان دولتهم المستقلة فهم يتعاقدون مع من يريدون من الشركات الاجنبية لبناء الاقليم ويوجهون الدعوات لأفراد وجماعات ينبذها الشعب العراقي ويحرم بل يجرم القانون العراقي التعامل معها وبالأخص الصهاينة افرادا وكيانات (شركات).

نهرا دجلة والفرات يتم التحكم فيهما من قبل العثمانيون الجدد, ولا تحرك الحكومات العراقية المتعاقبة ساكنا بل تكتفي في افضل الاحوال بالإدانة والشجب والاستنكار واللجوء الى المجتمع الدولي. مع تضييق الخناق على الغزاويين. تتبنى بعض الفصائل المسلحة العراقية الهجمات على القواعد الامريكية بالعراق, كيف يحدث ذلك؟ فصائل تتبع الحكومة وقواعد اجنبية متواجدة بالبلد وفق التشريعات النافذة أي اتفاقيات وعقود .

هل يعني ذلك ان الحكومات المتعاقبة وهذه الحكومة بالذات مجبرة على التعامل مع الامريكان والبقاء على قواتهم وقواعدهم بها, لأنها ان لم تفعل ذلك فستعمل امريكا على سحب البساط من تحت ارجلها؟ ولذلك فهي مضطرة للتغاضي عن اعمال تلك الفصائل والتظاهر امام امريكا بعدم قدرتها على لجمها, علّ تلك الهجمات تؤرق مضاجع الامريكان وتستنزفهم وتؤدي الى رحيلهم,ام انها لعبة تقودها الحكومة بالتفاهم مع الامريكان للظهور امام الشعب العراقي الابي الرافض للوجود الاجنبي والامريكي على وجه الخصوص بانها وطنية لامتصاص غضب الشعب؟,

حتما سينكشف الامر وتظهر الامور على حقيقتها وستسقط رؤوس العمالة والانبطاح والمتاجرين بقوت الشعب العراقي الذي لم يعد يقو على العيش .

السابع من نيسان مخاض أمة منذ ما قبل عام 1947 ..(ح- 1)

السابع من نيسان مخاض أمة منذ ما قبل عام 1947 ..(ح- 1)

د. أبا الحكم    

برزت في سماء الأمة الكثير من الاحزاب الوطنية على مدار عقود عديدة من السنين، ثم تلاشت تدريجياً لأسباب تقع في مقدمتها قطريتها واختزالها بقادتها ومحدودية اهدافها الوطنية القطرية وعدم شموليتها واتساعها الفكري والتنظيمي الى محيطها القومي :

1-هذه الاحزاب وعلى وفق اهدافها تلاشت في العراق وفي اقطار الامة على الرغم من دورها المؤثر في حقبة الهيمنة الاستعمارية على ساحاتها سواء كان الامر يتعلق بنضالات التحرير او التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي والايطالي والهولندي والاسباني والبريطاني او يتعلق بنضالات مع السلطات والحكومات القمعية المستبدة .

2-تبنت هذه الاحزاب مطالب الشعب العربي في مضمار التحرر والدفاع عن مصالح الجماهير في اقطارها ولكن قياداتها ظلت في اطر (تحررية) قطرية في ظل ظروف الاحتلال الفرنسي مثلا للجزائر او المغرب او تونس وليبيا، فضلا في ظل مقارعة النظام الملكي المستبد في العراق في تلك الحقبة.

3-ولكن البعث العربي الاشتراكي لم يكن يرتكز على بعد واحد في نهجه الفكري والعملي الميداني، كما لم يكن محدوداً في اطره ونضالاته القطرية إنما ممتداً على رقعة جغرافية عربية واسعة تمتد من اقصى المغرب العربي الى اقصى المشرق العربي ،

كما لم يكن فكره مختزلاً قطرياً ليمثل نهجاً محدوداً ، إنما كان وما يزال يمثل انعكاسا رائدا لما يريده الواقع العربي وفي كل اقطار الامة من مطالب حيوية ذات بعد قومي ..

فالواقع العربي من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي ومن مشرقه الى مغربه كان بحاجة الى وحدة نضالية قادرة على تحمل اعباء النضال الذي يدور على مختلف الصعد الجماهيرية الشعبية والسياسية والاقتصادية والثقافية والامنية، كما كان بحاجة الى تحمل هذه الاعباء من خلال ثورات غير نمطية يلتحم فيها الحزب مع حركة الجماهير ميدانيا من اجل (تغيير) الواقع (الفاسد) وبما يتماشى مع اهداف الجماهير من حيث البناء الجديد لبنية المجتمعات العربية على المستوى السياسي والثقافي والتربوي والاقتصادي والعسكري، الأمر الذي يجعل من الدولة العربية ناهضة بمؤسساتها راسخة بمناهجها تتسع لتحاكي مؤسسات ومنظمات وهياكل نظم الاقطار العربية على اساس التكامل في البناء القومي والتلاحم الجماهيري .

وعلى هذا الأساس، شدد الحزب على الوحدة، وحدة الأقطار العربية، لماذا؟ لأن الأمة العربية مجزأة بفعل الاستعمار، ومقارعة الاستعمار ضرورة نضالية لا بد منها من اجل الوحدة، والوحدة ليست خياراً آنياً أو شكلياً إنما خياراً نضالياً بعيد المدى قد يمتد لأجيال حتى تنضج خلالها الشروط الذاتية وتتلاءم الظروف الموضوعية لقيام الوحدة التي من اهم شروطها انها تبنى من قاعدتها الجماهيرية لكي تبقى وتستمر وذلك بناء على قياداتها السياسية التي تؤمن بالوحدة واهدافها في الحرية والعدالة الاجتماعية.. وبتحقيق الوحدة العربية تتحقق الحرية، لماذا ؟ لأن لا حرية بدون الوحدة ..

وما دامت التجزئة قائمة فأن الاقطار العربية متفرقة ومتشرذمة ومخترقة ومتناحرة ومقسمة على اساس نفوذ قوى كبرى وعظمى وتحت تأثيرات إقليمية .. فخيارات النضال من اجل الوحدة العربية يكتسب طابعاً عمليا وميدانيا وليس فكريا فحسب ..

والوحدة في فكر البعث مطلبا كبيرا ورائدا تتحقق من خلالها الحرية وتتحقق العدالة الاجتماعية ، الأمر الذي جعل مطلب الوحدة في مقدمة نضالات الحزب الفكرية والعملية ، وحدد معوقات عدم تحقيقها من خلال مؤتمراته القطرية والقومية على امتداد تاريخه النضالي منذ السابع من نيسان عام 1947 وما يزال يناضل من اجل الوحدة والحرية والاشتراكية . وللحديث بقية عن معوقات الوحدة العربية.

الاحتفاظ بالرد.. إعلان عن بضاعة رخيصة.!!

الاحتفاظ بالرد.. إعلان عن بضاعة رخيصة.!!

د. أبا الحكم    

المشكلة هي أن بعض مفردات السياسة التي تستخدمها طهران بغطرسة فارغة كـ(الرد في الوقت المناسب) و (الإحتفاظ بالرد في المكان والزمان المعينين) و ( سيكون الرد صاعقاً) و (الرد سيقلب معايير الردع) و (الصبر الإستراتيجي) ..

والقائمة تطول في سجل النظام الايراني، ولم يرى العالم أية ردود تذكر على الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي طالت العمق  الايراني، وهي ضربات تأتي بإستحياء أو خجولة تداري واقع صراع يحرص أعضاؤه على إضفاء صفة الحقيقة المشوبة بالغموض.. سواء من هذا الطرف أو ذاك الأمريكي الاسرائيلي أو الإيراني .

والسبب يكمن في:

أولاً- ضرورة اضفاء شيء من الصدقية على الصراع.

ثانياً- أن يستمر الصراع على هذا المستوى لحين تحقيق الأهداف الكبرى المتفق عليها.

ثالثاً- عدم وجود تكافؤ في القوة بين الاطراف (المتصارعة)، ومن الصعب على الطرف الضعيف أن يجازف بالتصعيد الجدي بدون إسناد عناصر القوة لديه .

وعلى اساس هذه الحقائق تظل (اسرائيل) وأمريكا تستخدمان القوة في اطار الردع وعدم التجاوز في ميدان الصراع، أما إيران فهي ملتزمة بإخبار الطرف الأمريكي عن عزمها على توجه ضربة إنتقامية في المكان والزمان المعينين،

وتبعاً لذلك يتم أخذ الاحتياطات اللازمة بتجنب الخسائر كما حصل بالقرب من قاعدة عين الأسد في العراق وكذلك في اربيل . وجاء حدث شارع المزه في دمشق العاصمة السورية ليشير إلى أكثر من دلالة موضوعية يتوجب اخذها بنظر الاعتبار حول اختيار الضربة الصاروخية الاسرائيلية الأخيره:

1- إنها استهدفت مقراً إيرانيا رسميا مشمولا بالحماية وبالحصانة الدبلوماسية، وهو المقر التابع للسفارة الايرانية في دمشقً.

2- اختار الكيان الصهيوني يوم الجمعه لضربته الصاروخية، وإن كافة الدبلوماسيين والاداريين والسفير الإيراني في خارج مبنى السفارة.

3- الجنرالات الايرانييون وفي مقدمتهم قائد فيلق القدس الايراني اجتمعوا في الملحقية الايرانية المجاورة للسفارة، والتي يفترض أن تكون خالية ومعطلة شأنها شأن السفارة، بيد أن دهاقنة المخابرات الإيرانيين اصروا على عقد الاجتماع المهم لمستقبل سوريا ولبنان والعراق  للتمويه ..

فبدلا من الحماية تحت سقف الدبلوماسية حصد الايرانيون ما خططوا له من عمليات تخص اصلا نقل أسلحة صاروخية من العراق المحتل إلى سوريا ليتم نقلها إلى الجنوب اللبناني ليتولى حزب حسن نصر الله تنفيذ تخطيط العمليات الخارجية الايرانية، خروجاً على الاتفاق الاستراتيجي بين اطراف الصراع. تدرك طهران إنها في مأزق طالما اعلنت إنها لا تسعى إلى توسيع دائرة الصراع في الشرق الاوسط ، والرد الذي ألزمت نفسها به يتوجب أن يراعي مسألتين مهمتين:

الأولى: ان أي رد ايراني سيوسع من دائرة الصراع.

والثانيه: ان أي رد إنتقامي إيراني سيواجه بالتصعيد الرادع المتشعب في ظل أستراتيجية ليست تقليدية كشفتها ضربة شارع المزة في دمشق والتي لم تراع فيها الحصانة الدبلوماسية وأهانت نظام الأمم المتحدة  وروسيا وسوريا وإيران ..

وهذه صفحة جديدة في مستوى الردع الذي قد يأخذ مجرى التصعيد الى العمق الإستراتيجي الإيراني، وهذا لا تريده ايران على الإطلاق. وتقع سياسة (الحفاظ على كيان النظام الديني الايراني) في مفدمة الإستراتيجية الايرانية ..

وعلى أساس هذه الحقيقة أوجدت إيران (مجالات حيوية) على اطرافها الغربية في العراق وسوريا ولبنان واليمن بالتعاون مع أمريكا والغرب، إلا أن إيران لم تكتف بمقاربات هذا التعاون، إنما فضلت العمل بإستراتيجيتها الفارسية على أساس مرحلي وفق منظور (الصبر الإستراتيجي)، البدعة الفرسية التخديرية التي ابتدعها خامنئي .

وأخيراً، وخوفاً من سفك ماء الوجه الصفوي أفرغت طهران شحنتها العدوانية في الرد، ليس على أهداف حيوية امريكية أو إسرائيلية ، وإنما على أطراف الجولان جاء من ذراعها في الجنوب اللبناني وليس من الاراضي الايرانية، كما هو حال الألعاب النارية في سماء سوريا ولبنان وشمال فلسطين المحتلة. اسدلت الستارة على مسرحية فاضحة سمجة باتت مسخرة الجميع .. ولكن هل توقفت المسرحيات وألعابها النارية في الرد الصاعق والرد المدمر والرد المزلزل والرد الذي سيحرر القدس .؟!