شبكة ذي قار
بعد سبعة وخمسين عاماً ثورة 17 تموز تزداد ألقاً

 بعد سبعة وخمسين عاماً

ثورة 17 تموز تزداد ألقاً

 

أ.د. سلمان الجبوري

 

تكاد تنفرد ثورة 17-30 تموز 1968 من بين كل الثورات في العالم بميزات أهمها كونها ثورة بكل معنى الكلمة، إضافة إلى اتسامها بدقة التخطيط لإنجاحها وسرعة تحقيق المنجزات خلال مدة قصيرة لم يتجاوز أمدها العشر سنوات.

ففيما يخص التخطيط لها فرغم الظروف التي أحاطت بالحزب منذ الردة السوداء في 18 تشرين الثاني 1963 من مطاردات وسجون وتضييق فقد استطاعت طليعة من البعث كانوا فتية آمنوا بربهم وبعقيدتهم وبصدق أهدافهم فتعززت ثقتهم بتحقق النصر فتمكنوا من تفجير ثورة بيضاء بكل نجاح.

وقد شرعت قيادة الثورة ومنذ اللحظة الأولى لانطلاقتها بتحقيق ما وعدت به جماهير الشعب.

إن سعي الثورة لتحقيق الأهداف التي رسمتها على المستويين الوطني والقومي قد ألب الأعداء ضدها كون تلك المنجزات كانت تمثل خطوة جريئة وفريدة تضعف مساعي الامبريالية العالمية التي تسعى لإبقاء الصراعات ملتهبة في الوطن العربي والمنطقة لإحكام السيطرة عليها وتوجيهها باتجاه مصالحها.

لذا نرى أن كل الخطوات الثورية التي خطتها ثورة 17تموز قد أغاضت المعسكر الامبريالي بدءً من اتفاق الحكم الذاتي مروراً بتأميم الثروة النفطية ومحو الأمية وتثوير القطاع التربوي والعلمي وتحقيق إنجاز الجبهة الوطنية والقومية التقدمية مما جعل العراق منارة للشرق الأوسط وللعرب يحتذى بها مما أثار مخاوف المعسكر الامبريالي من أن تحذو الدول المحيطة حذو العراق فتتخذ خطوات مشابهة فيفت في عضد المخططات الامبريالية التي تسعى لإبقاء هذه المنطقة ضعيفة ومنشغلة بالصراعات ما بين مكوناتها أو بينها وبين البعض من الجوار.

ولهذا نرى أن المعسكر الامبريالي سعى جاهداً لإيقاف تلك المسيرة وما هو إلا عقد من الزمن لتفعل الماكينة الامبريالية فعلها في اشغال العراق بحرب مع إيران موعزة لها بإطالة أمدها بهدف هدر موارد العراق واضعافه لتتبعها المؤامرات الواحدة تلو الاخرى وفرض الحصار الاقتصادي الذي دام لثلاثة عشر سنة لتختم الامبريالية جهدها باحتلال العراق وتسليم مقاليده لفئات ليس همها سوى التخريب على المستويين القيمي والمادي.

أما على مستوى الإنجازات ذات الصلة المباشرة بحياة المواطن والتي تهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية، فلابد أولا من التطرق إلى الإنجازات التي تصب في تحقيق العدالة وبالتالي الرفاهية المجتمعية التي استطاعت الثورة تحقيقها.

إن هدف تعزيز الوحدة الوطنية يستند إلى تطبيق مبدأ الواجبات أولاً ثم الحقوق وبالتالي تزول الفوارق بين فئات الشعب المختلفة وتسود القناعة لدى المواطن المخلص فينصرف إلى أداء واجباته الوطنية بإخلاص وأمانة تامَّين.

لقد وضعت ثورة 17 تموز ومنذ اليوم الأول لانطلاقتها المواطن العراقي في كافة مراحل حياته في مقدمة أولوياتها، وذلك لأهمية الدور الذي يلعبه في تكوين ذاته وتطوير مجتمعه، ولذا فإن الثورة أولت هذا الأمر جل اهتمامها للوصول بالمواطن إلى درجة من الرقي لكي يكون عنصراً إيجابياً في مجتمعه، ويحقق في النهاية السعادة التي يرجوها من خلال دوره الفاعل في البناء والنهوض الاقتصادي.

ولأجل بلوغ هدف خلق الإنسان الواعي والحريص على بناء وطنه والدفاع عنه كان لابد من التركيز أولا على البناء القيمي وتعزيز روح المواطنة لديه.

وكان البعثيون قدوة في ذلك بدءً من إشاعة روح العمل الجماعي والتطوعي والحرص على أمن العائلة، فانتقلت بالمواطن ليكون قائداً ومنتجاً في آن واحد، وفي هذا المجال سنورد وباختصار ما تحقق في عدد من المجالات:

فعلى الجانب المجتمعي فقد قامت الثورة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وبدء صفحة جديدة من العمل الوطني المشترك وكذلك إعادة المفصولين السياسيين إلى الخدمة وتحسين ظروف معيشة الإنسان العراقي عن طريق توفير فرص العمل، وتحصين المواطن وذلك بزيادة معارفه عن طريق توفير فرص التعليم المجاني بدءً من محو الأمية وانتهاءً بإلزامية التعليم الابتدائي ومجانيته وتوسيع فرص التعليم العالي المجاني.

لم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل شمل تأمين مستلزمات العيش الكريم والأمن للمواطنين بدءً من تطوير مرافق الحياة اليومية الصحية منها أو المتعلقة بالأمن وتحقيق العدالة.

أما على مستوى قطاعات الحياة الاقتصادية فقد أحدثت الثورة نهضة كبيرة على المستويات الاقتصادية كافة، فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قامت الثورة بدعم وتطوير القطاع الزراعي وذلك بتوفير جميع مستلزمات الزراعة وتأمين مستلزمات النهوض بها وذلك بتوفير المياه وبناء السدود وانشاء المصانع الرافدة للعمل الزراعي.

وكذلك الأمر ينطبق على بقية قطاعات الحياة الاقتصادية الصناعية والبنى التحتية والتجارية وكل ما يتعلق بإحداث نقلة نوعية في حياة المواطن والمجتمع.

ولو أردنا أن نستذكر جميع تفاصيل ما أنجزته الثورة خلال الخمس وثلاثين عاماً من عمرها فإن ذلك سيحتاج إلى مجلدات، لذا سأقتصر على الإيجاز أعلاه.

وفي الختام لابد من أن ندعو بالرحمة لمن قضى نحبه من قادة الثورة، وبالعز والسؤدد لمن لازال حياً، والنصر للعراق عرين المناضلين.

 

 

 

 

 

 

 

بيان القيادة القومية حول العدوان الصهيوني الأخير على سوريا

 

القيادة القومية : 

 

الرد على العدوان على سوريا بإعلان التعبئة العامة

وتوسيع دائرة المشاركة السياسية في البناء الوطني.

 

 

اعتبرت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، ان مواجهة نوازع التوسع الصهيوني ،يكون  بالخروج من وهم التسوية واعادة الاعتبار للمقاومة وتجذير ثقافتها ، واكدت على اهمية اطلاق الطاقات الجماهيرية والحريات العامة والتحول الديموقراطي والتداول السلمي للسلطة بكل انعكاساته الايجابية على تكوين السلطة الانتقالية  وذلك لتصليب الارضية الوطنية في مواجهة العدوان الصهيوني.

 جاء ذلك في بيان للقيادة القومية في مايلي نصه.

    في الوقت الذي يستمر فيه العدو الصهيوني في حرب الابادة الجماعية التي يشنها ضد جماهير شعب فلسطين في غزة الصمود والتضحية  والتي قاربت  عامها الثاني ، وفي الوقت الذي يستمر بعدوانه على لبنان بعد ثمانية شهر على وقف اطلاق النار ، يُقْدِم على تصعيد عدوانه ضد سوريا مستهدفاً هذه المرة مقرات رسمية في العاصمة دمشق ومن بينها محيط القصر الرئاسي ووزارة الدفاع وقيادة الاركان ، وقبلها قيامه بقصف اليات عسكرية متوجه الى السويداء لضبط الامن ووضع حدٍ للاشتباكات الدموية التي تبدو اصابعه واضحة في تحريكها لخلق بيئة توتر بين ابناء المنطقة سعياً لاستغلالها  والتدخل في شؤونها بزعم توفير حماية لمكون شعبي كان وسيبقى من نسيج سوريا الوطني والشديد الحرص  على وحدة سوريا ارضاً وشعباً ومؤسسات ، وهوالذي سطر صفحات خالدة في مقاومة المستعمر الفرنسي وفي تأكيد دور سوريا كرافعة للنضال العربي.

ان العدوالصهيوني بتصعيده لعدوانه على سوريا في الوقت الذي تتلمس فيه طريقها لاعادة بناء نفسها بعد عقود من المعاناة والاستلاب الاجتماعي والوطني  ، انما يسعى لتوسيع رقعة احتلاله الى ابعد من حدود فلسطين التاريخية وخاصة  تلك التي تتاخم فلسطين على حدودها الشمالية والشرقية.ولهذا فإن مطامع  التوسع عند الكيان الصهيوني تبرز الى العلن بسبب ماينتاب الوضع العربي من ضعف ووهن ، وما يحظى به من دعم مطلق من الولايات المتحدة الاميركية. وان يبدأ العدو تصعيد عدوانه على سوريا بعد عودة نتنياهو من زيارة لاميركا ، فكأنما ينفذ ماتم التفاهم عليه مع الادارة الاميركية ، وهذا مايكشف زيف الموقف الاميركي حيال ماتتعرض له سوريا من عدوان صهيوني.

ان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، ترى في تصعيد العدوان الصهيوني على سوريا مع استمراره على غزة ولبنان ، يفضي الى تأكيد الحقيقة الثابتة ، بان المشروع الصهيوني الاستيطاني لايقتصر على فلسطين وحسب وانما يستهدف الامة العربية برمتها وفرض هيمنة التحالف الصهيو-  اميركي عليها  اما بالاحتلال المباشر واما باقامة غلافات امنية تكون بمثابة سياج آمنٍ لكيانه ،واما باقتناص حالة  الانكشاف القومي الراهنة لتعميم مايسمى باتفاقات ابراهم والتي تشّرع الاختراق الصهيوني للعمق القومي العربي. ومن يظن ان العدو الصهيوني ستردعه المواثيق الدولية ، فهذا ظن خاطئ لان كيان الاغتصاب الذي يبرر وجوده بنفي الاخر ويمارس سياسية التطهير العرقي وبات يصنف بنظام فصل عنصري ، لاتعني له كل المواثيق الدولية شيئاً ولا يقيم اعتباراً لها  وهو الذي ينتهك احكامها على مرأى من العالم الذي يعجز عن فرض وقف اطلاق نارٍ في غزة كما عجزه عن ايصال المساعدات الغذائية التي باتت مصيدة لالة الحرب الصهيونية التي تحصد يومياً عشرات الشهداء وهم يتهافتون على مراكز المساعدات والاغاثة.

ان عدواً يتسم بالطبيعة العدوانية ، لاسبيل لمواجهته الا بالمقاومة والتصدي له بالامكانات المتاحة ، وحتى يبقى هذا الصراع مفتوحاً على كل الصعد والمستويات وهو  الذي تحكمه قواعد الصراع الوجودي مع المشروع النقيض المتجسد بالمشروع القومي بكل مضامينه التقدمية وابعاده التحررية.

ان القيادة القومية للحزب ، وفي ضوء ادراكها لطبيعة الصراع العربي – الصهيوني والبعد الشمولي الذي يتصف له ترى ان تقديم التنازل تلو التنازل للعدو بحجة ان موازين القوى تميل لصالحه لن يزيده الا صلفاً وتصلباً وتصعيداً في العدوان. وما يحصل اليوم على جبهات فلسطين ولبنان وسوريا الا شواهد حسية على ذلك. 

والعدو الصهيوني اذ  يقدم نفسه مستقوياً على كل العرب فلاستغلاله مما افرزته ادوار تخريبية لقوى اقليمية  عبثت بالامن القومي وحوّلت العديد من الدول العربية الى دول فاشلة فضلاً عن تخلي دول عربية  عن قضية فلسطين ، وبعض ثانٍ   دخل في اتفاقيات تسوية وبعض ثالث دخل  في اتفاقيات تطبيع اقتصادي ، وهذا ماجعل الوضع العربي يفتقر الى مركزية الموقف والقرار بالمواجهة انتصاراً لفلسطين ودرءاً للخطر الذي يتجسد بالمشروع الصهيوني. واذا ما استمر الوضع العربي على وهنه الحالي ، فإن الامور سائرة نحو الاسوأ وستكون عملية التصدي له اكثر تكلفة في المستقبل. ولذلك ، فإن التصدي للمشروع الصهيوني الذي يضرب مخالبه في البنية الوطنية والمجتمعية العربية ، تتطلب :

اولاً : الخروج من دائرة المراهنة على تسوية مع عدوٍ و بات يعتبر الصراع معه وجودياً.

ثانياًان الخروج من وهم التسوية ، يجب ان يقترن بموقف جذري باعتبار ان المقاومة الشاملة هي السبيل الوحيد لانهاء الاحتلال واسترداد الحقوق المغتصبة.

ثالثاً: العودة للجماهير باعتبارها هي العامل الحاسم في تعديل موازين القوى ، وهذه العودة تتطلب اسقاط اطر تعليبها واطلاق طاقاتها وتنظيم صفوفها على قاعدة برنامج كفاحي تترابط فيه قضايا النضال الوطني والقومي بقضايا الديموقراطية والتحرر الاجتماعي.

رابعاً : تحصين الجبهات الداخلية ، عبر توسيع دائرة المشاركة السياسية في البناء الوطني وخاصة في الاقطار التي شهدت اختلالات بنيوية وتسعى لاعادة هيكلة حياتها السياسية على قواعد التعددية وتكوين السلطة الانتقالية وتداولها واحترام الحريات العامة وتوسيع مساحتها.   

ان اكثر الساحات تعرضاً للعدوان الصهيوني هي ساحات فلسطين وسوريا ولبنان ، واذا كانت هذه الساحات تواجه ظروفاً صعبة وضاغطة  في مواجهة ما تتعرض له من عدوان ، فلانها تفتقر الى عوامل المناعة الداخلية ، ولهذا فإن الرد على العدوان وعدم تمكينه من تحقيق اهدافة انما يكون بانتاج وحدة وطنية فعلية في هذه الساحات ، بحيث تتوفر الارضية لتعزيز مقومات الصمود الشعبي والسياسي والاجتماعي وتحد من قدرة العدو على اختراق البنيات الداخلية سواء من خلال الانقسامات العامودية او من خلال تقديم نفسه حامياً لمكونات مجتمعية ليبرر تدخله في الشأن الداخلي وكما يمارسه في سوريا.

ان القيادة القومية للحزب ، ترى ان العدوان على سوريا هو عدوان على الامة كما العدوان على فلسطين ولبنان وكل قطر عربي يطاله مدى العدوان الصهيوني ، وهذا مايملي اتخاذ موقف عربي رسمي وشعبي يرتقي وحجم الخطورة التي تهدد الامن القومي من بوابة تمادي العدوانية الصهيونية. وليكن الرد على العدوان الاخير على سوريا ، بدعوة القيمين على ادارتها السياسية الحالية ، بإعلان حالة التعبئة العامة ، والدعوة الى اوسع مشاركة سياسية في البناء الوطني الجديد لسوريا ، وشعب سوريا الذي كنا وسنبقى ننظر اليه ونعتبره قلب العروبة النابض ، لن يكون الا اميناً على تراثه وتاريخه وقيمه وانتمائه القومي الاصيل.

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي.

في ٢٠٢٥/٧/١٧ 

 

 

          

خطاب الرفيق المناضل أبو خليل في الذكرى 57 لثورة تموز المجيدة

خطاب الرفيق المناضل أبو خليل في الذكرى 57 لثورة تموز المجيدة

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا

صدق الله العظيم

 

يا أبناء شعبنا العراقي العظيم

يا أبناء أمتنا العربية المجيدة

أيها المناضلون البعثيون في كل أقطاركم العربية وفي كل المهاجر التي اضطرتكم ظروف المواجهة مع أعداء أمتكم وأعداء مبادئكم إلى التواجد المؤقت فيها

أيها الأحرار في كل مكان

في فجر يوم الأربعاء السابع عشر من تموز الخير عام 1968، وقبل سبعة وخمسين عاماً، كان فرسان البعث المناضلون على موعد مع القدر، ليرسموا خريطة جديدة لمسار الأحداث في العراق والوطن العربي والمنطقة، عندما استجابوا لنداء الضمير العربي للاضطلاع بدورهم التاريخي الذي ألقت به على عاتقهم ظروف التجزئة والتخلف، كلما انحرف عن طريق العروبة والنضال القومي والوطني، ليعيدوا العراق إلى النهج والطريق القويم، بعد أن أوشك أن ينحرف عن الخط الذي سار عليه مئات السنين.

أيها العراقيون الأباة

لم يكن نجاح رفاقكم الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم فجر السابع عشر من تموز عام 1968، ضربة حظ بل نتيجة خطة مُحكمة حرِصت فيها قيادة البعث على أن تُنفذَ صفحات الثورة بأقل الخسائر وأعلى صور المجد، فاكتسبت بحق صفة الثورة البيضاء، ولقد انطلق منفذو الثورة من مقراتهم إلى أهدافهم بعزم وإصرار، لم يضعوا في حسابهم مفاضلة بين نجاح وفشل، بل كان عزمهم على تحقيق النصر ولا شيء سواه، فالمفاضلة كانت محصورة بين نصرين ولكن أيهما أكثر إشراقاً وألقاً وأملاً بغدٍ أفضل ومستقبلٍ مشرق.

 

 

يا أبناء شعبنا العظيم

يا أبناء الأمة العربية المجيدة

عندما هب أبناء العراق الغيارى فجر السابع عشر من تموز، لم تكن السلطة هدفهم إلا بقدر ما تتيح فرصة وضع منهاج الحزب موضع التنفيذ، وإلا بقدر ما تسمح لهم حل الأزمات الداخلية الموروثة والمزمنة لا سيما قضية شعبنا الكردي العزيز، وكذلك تنفيذ برامج تُحققُ التنميةَ الاقتصاديةَ المتوازنة والاستثمار الوطني لكل ثروات العراق التي ظلت حبيسة أرضه أو نهباً للاحتكارات الدولية الجشعة، تنمية حقيقية تركز على مفهومي السيادة الوطنية وحرية القرار السياسي والإرادة السياسية المستقلة.

لقد تميّز نهوض البعث بذلك العمل الإقدامي الشجاع، بتجسيده لأهداف العراق والأمة العربية من خلال رؤية تاريخية وسياسية عميقة بعيدة المدى، تهدف لقطع الطريق على التيارات الشعوبية من التحكم بخيارات العراق المستقبلية فقد سادت هذه التيارات بحقبة طويلة وذهبت بالعراق بعيداً عن انتمائه العربي الأصيل، فتحكمت في أهله قوى شريرةٌ، تارةً باسم الخراساني وتارةً باسم البرامكة، وثالثة عن طريق احتلاله بصورة مباشرة من قوى طامعة بموقعه الجغرافي المتميز، كطريق لإقامة امبراطوريات كبيرة على حساب مصالح الشعوب، أو بثرواته ومياهه وأرضه الخصبة، وتراث أهله العريق الذين أقاموا أعظم الإمبراطوريات التي شهدها العالم القديم.

تأسيساً على أحداث تاريخية سجل العراقيون فيها أروع صفحات البطولة، مما حدد التوازنات السياسية والعسكرية بين أهم مراكز الاستقطاب في العالم القديم، حيث تؤكد الحقائق التاريخية سطوة بابل وتحكمها بكثير من اتجاهات الامبراطوريات القديمة، فتؤكد مقولة: “لن يستطيع أن يحكم الجهات الأربع إلا من امتلك القدرة على حكم بابل”، فبابل هي العالم أجمع، وكما أن بغداد اليوم ترمز إلى العراق، فإن بابل القديمة هي التي ترمز إلى العنفوان العراقي بكل تجلياته.

أيها العراقيون الأماجد، ونحن إذ نُحيي في هذا اليوم ذكرى ثورتكم المجيدة في السابع عشر من تموز 1968، فإنما نستعيد كل ما رافق لحظات التنفيذ ثم تحقيق النصر في الساعات الأولى من فجر يوم الثورة، ومن حقنا بل من واجبنا أن نستذكر بفخر دور كل الرفاق الذين ساهموا في الثورة، ابتداءً من اليوم الأول الذي طفقت فيه قيادة الحزب في إعداد خطط تنفيذ صفحات الثورة واختيار البدائل تباعاً حتى تم إقرار الخطة في صيغتها النهائية، ومع ذلك ومع كل الاحترازات التي اعتمدتها قيادة الحزب، فقد تسلل جيب عميل أراد أن يجهز على الثورة باسمها ومن داخلها، ولولا يقظة فرسان البعث لكانت الثورة في مهب الريح، فكانت الخطوة اللاحقة هي تصفية الجيب المتسلل إلى صف الثوار، وهذا ما تحقق في الثلاثين من تموز أي بعد ثلاثة عشر يوماً، مرت ثقيلة على كل بعثي وعراقي شريف كان يضع يده على قلبه خوفاً على تجربة الثورة الوليدة.

واليوم نرى أن ثورة السابع عشر الثلاثين من تموز، كان أول رد عربي ناضج على نكسة حزيران 1967، لأنها كانت ذات تصور فكري عميق يعتمد الحل الثوري للقضية الفلسطينية، في وقت كان الحديث عن هدف التحرير يصطدم بعقبات شتى من قبل التيارات التي تزعم اليوم أنها تدافع عن حق الشعب الفلسطيني، ونسيت أو تناست كيف أنها كانت من أشرس أعداء الشعب الفلسطيني وتتحرك بدأب في الساحات العربية سياسياً وإعلامياً وأمنياً لملاحقة أي نشاط شعبي جند نفسه لخدمة هدف التحرير. 

ولأن ثورة تموز كانت ثورة الطريق الجديد، فقد حشّدت قوى الثورة المضادة، كل ما يتاح لها من قوة للتآمر على العراق، بلد التجربة الجديدة التي خرجت عن كل  الخطوط الحمر التي رسمها أعداء العراق وأعداء الأمة العربية، فتم تجنيد شبكات التجسس الصهيونية، ومن بعدها تم التآمر بصورة مباشرة لإسقاط الثورة في بداية طريقها، ولما عجز الأعداء في كل مخططاتهم، انتقلوا إلى الرمي بكل ثقلهم في التخطيط بعيد المدى، فتم تغيير نظام حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وجيء بنظام ثيوقراطي في غاية التخلف، من أجل ترك المنطقة تعيش في دوامة عنف مذهبي وطائفي لاسيما بعد أن وصلت القوى الدولية الكبرى إلى يقين بفشل وظيفة زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، في إثارة الانقسام بل على العكس من ذلك، فقد توحد الموقف العربي الرسمي والشعبي في مواجهة المشروع الصهيوني التوسعي، لذلك تفتق ذهن مخططي الاستراتيجيات الدولية فوضعوا مخططاً يتلخص بإشغال المنطقة بنفسها، بحروب بينية وذلك بإثارة النزعات الطائفية والعودة بالمنطقة إلى خلافات تعود إلى أربعة عشر قرناً، لم يتفق فقهاء الأمة على حلها، وبهذا تلخص دور نظام خميني الوظيفي بإشغال المنطقة بنفسها بحروب بينية، حتى تتمكن قوى الشر من تمرير مؤامراتها والمحافظة على مكتسباتها وفرض الخيارات التي رسمتها مراكز التخطيط الاستراتيجي للقوى الدولية الكبرى، وهكذا تمكن أعداء العراق وأعداء الأمة من احتلال العراق في التاسع من نيسان 2003 والإتيان بأفسدِ ما عرفته البشرية في تاريخها من نظم سياسية، فقد أصبحت المجاهرة بالارتباط بدوائر الغرب والشرق شرفاً لمن اختار هذا الطريق الشائن، وفي أحسن الأحوال أصبح ذلك مجرد وجهة نظر وليست خيانة عظمى، وأصبح التلاعب بالمال العام والمضي في دروب السرقة والسطو على الممتلكات العامة شطارة وليست جرائم مخلة بالشرف.

 

إن الشعب العراقي الذي ذاق الأمرين خلال أكثر من اثنان وعشرين سنة قاحلة عجفاء، وبدأ يتلمس الفرق بين الحكام الذين نصبتهم أمريكا وإيران، وبين القادة الشرفاء الذين خرجوا من بين صفوف الجماهير من أجل خدمتها الخدمة النزيهة والتي تتسم بكل الصفات الحميدة والقيم السامية، إن هذا الشعب لقادر على إعادة المسيرة إلى طريقها الصحيح طريق الأمة المتطلعة إلى العلياء والسمو الوطني والأخلاقي.

تحية اعتزاز لقادة الثورة الرئيس أحمد حسن البكر وصدام حسين وصالح مهدي عماش رحمهم الله.

تحية لقيادة الحزب القومية

تحية لكل الرجال الذين كان لهم شرف المشاركة والإسهام في الثورة المجيدة وتنفيذها وفي مسيرتها اللاحقة وإنجازاتها.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

              الرفيق

             أبو خليل

     أمين سر قيادة قطر العراق

    لحزب البعث العربي الاشتراكي

     بغداد الرشيد

17  تموز    2025 م

22 محرم     1447 هـ

 

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة 17 تموز المجيدة ثَورَة تَمُّوز تَجذِيرٌ نَوعِيٌّ لِتَجرِبةٍ حَداثَويَّةٍ نَهْضَويَّة

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة 17 تموز المجيدة

ثَورَة تَمُّوز تَجذِيرٌ نَوعِيٌّ لِتَجرِبةٍ

حَداثَويَّةٍ نَهْضَويَّة

أ.د. محمد مراد – لبنان

 

 بعد مضي نصف قرن وسبع سنوات على الثورة العراقية التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي – ثورة 17  تموز عام 1968، لا يسع المراقب التاريخي والباحث المحقّق إلاّ أن يتوقّف مليا أمام تجربة هذه الثورة التي باتت إنجازاتها الثورية مخزونة في ذاكرة التاريخ العربي المعاصر، لما هي إنجازات تركت بصماتها الدامغة في تحديث وتطوير العراق مجتمعا ودولة من جهة، وفي تأكيد تفاعلاتها العميقة في الالتزام والتكامل الاستراتيجي بين البنائين الوطني والقومي من جهة أخرى.

 لم تمض سنوات قليلة على الثورة، حتى كانت إنجازاتها الثورية قد أضحت حقيقة واقعة في كل مجالات الحياة العراقية والعربية لجهة التأسيس لبناء دولة قائمة على مرتكزات عميقة حاملة للتطوير والنهوض الوطني وبآفاق قومية منسجمة مع منطلقات وتوجّهات قيادة الثورة المستلهمة لمبادئ البعث الثورية التحررية والقومية.

  أبرز الإنجازات التي سجّلتها الثورة، وهي عديدة لا تحصى، كانت على مستويات ثلاثة أساسية:

الأول، البناء الاقتصادي ومركزيته في البناء العام للدولة والمجتمع

الثاني، اعتماد العلم والتطوير العلمي وامتلاك التكنولوجيا بخصوصية عراقية من غير استهلاك النماذج الأجنبية الجاهزة.

الثالث، تمكين العراق وتحويله الى دولة فاعلة في المجال القومي الوحدوي.

 

الاستقلال الاقتصادي كشرط ملازم للاستقلال السياسي

أولاً: في البناء الاقتصادي

  كانت الخطوة التأسيسية الأولى التي اعتمدتها الثورة قد تمثّلت بتحقيق الاستقلال الاقتصادي كشرط ملازم للاستقلال السياسي والسيادة الوطنية. أمّا الترجمة العملية لهذه الخطوة فقد دلّ عليها قرار قيادة الثورة التاريخي بتأميم النفط في الأول من حزيران 197 وعلى قاعدة شعار” نفط العرب للعرب ” .

  أفضى قرار التأميم الى ارتفاع قياسي في حجم العائدات النفطية العراقية. فبعد أن كانت هذه العائدات 521 مليون دولار لعام 1970، قفزت الى 1834 مليونا عام 1973 أي بعد سنة واحدة على قرار التأميم، ثمّ لم تلبث أن سجّلت 26136 مليونا عام 1980، أي أنّها تكون قد تضاعفت اضعاف عديدة خلال عشر سنوات (1970- 1980 ).

   وعملا بسياسة مركزية لقيادة الثورة قضت بأن تكون الثروة الوطنية العامّة ملكا للشعب العراقي، فقد تمّ توظيف الزيادات الهائلة في موارد الدولة الناجمة عن التأميم في إطلاق جملة من الخطط الاقتصادية والتنموية الطموحة، وخاصّة في مجال التصنيع من خلال بناء القاعدة التصنيعية التي يستند عليها الاقتصاد العراقي، حيث تحوّل العراق الى دولة متقدمة على العديد من اقطار الوطن العربي في هذا المجال.  

  أبرز خطوات حكومة الثورة في مجال التصنيع كانت:

1 – توسيع قاعدة القطاع الصناعي العام ( قطاع الدولة ) بشكل غير مسبوق ، ففي خلال فترة لا تزيد عن عشر سنوات (1970 – 1980) بلغ مجموع ما خصّصته الحكومة العراقية للاستثمار في القطاع الصناعي أي القطاع العام نحو 700 مليون دينار عراقي أي ما يوازي قرابة 25 مليار دولار أمريكي بالأسعار الجارية آنذاك.

2 – تشجيع القطاع الصناعي الخاص على قاعدة التوازن مع القطاع العام          ( القرار رقم 22 لعام 1972، والقرار رقم 899 لعام 1980).

3 – منح رؤوس الأموال العربية حقّ الاستثمار الصناعي في العراق بنفس الامتيازات الممنوحة للمواطنين العراقيين، أما الاستثمار الأجنبي فقد ظلّ محدودا الى أن صدر قرار في 1/11/ 1990 قضى بمنعه من العراق نهائيا.

4 – التوسع في انشاء مراكز البحث العلمي والتطوير الصناعي، وإعطاء أهمية قصوى لإعداد الكوادر العلمية الوطنية، الأمر الذي سمح للعراق، وفي فترة لا تتجاوز العقد من الزمن ( 1970 – 1980) بإعداد عدد ملفت من العلماء، ليس فقط في مجال اكتساب العلوم التطبيقية، وفي القدرة على التحوّل نحو التكنولوجيا وإنتاج المعرفة وحسب، وإنّما، وهذا هو الأهمّ انتاج تجربة علمية إنتاجية بخبرات عراقية صرفة، ودونما أي حاجة لاستيراد الخبرات الأجنبية واستهلاكها.

5 – التوسّع الهائل في حجم المؤسّسات الصناعية في مختلف المحافظات العراقية، حيث وصل عدد هذه المؤسّسات المسجّلة في وزارة الصناعة لغاية نهاية العام 1990 الى 41194 مؤسّسة بينها 575 مصنعا كبيرا، الأمر الذي يشير الى أنّ دينامية التصنيع العراقي فاقت مستويات النشاط التصنيعي في اليابان وألمانيا الغربية قبل توحيد شطري المانيا عام 1989.

  على موازاة الاهتمام بالقطاع الصناعي عملت حكومات الثورة المتعاقبة على تطوير القطاع الزراعي كترجمة لسياساتها الرامية الى تنويع مصادر الإنتاج، ووصول العراق الى مرحلة يتجاوز معها ظاهرة الإنتاج الأحادي السائد في دول النفط العربية. وقد لاقت هذه السياسة نجاحاً باهراً دلّت عليه الأحجام الكمية للإنتاج الزراعي، حيث تحول العراق الى بلد مصدّر لأنواع عديدة من المنتجات الزراعية  الفائضة عن اكتفائه بالأمن الغذائي الذاتي.

 

المعجزة الاقتصادية

 إنّ الطفرة الاقتصادية التي حقّقتها ثورة تموز الرائدة في فترة لا تزيد عن عقد واحد هو عقد السبعينات من القرن الماضي تصل الى حدّ وصفها بالمعجزة الاقتصادية. فهذه المعجزة جاءت لتؤكّد على القدرة الخارقة للعراق كدولة ومجتمع على استيعاب التحدّيات غير العادية التي تواجه الأمّة العربية في تاريخها المعاصر. فالدولة العراقية لم تكتف فقط بالتخطيط والاشراف على عمليات الإنتاج وحسب، وإنّما أيضا عملت بمنهجية ” الكنزية الاقتصادية” لجهة إحداث التوازن السوقي بين عمليتي العرض والطلب من جهة، وفي إيجاد معادلة إنتاجية توازن بين القطاعين العام والخاص من جهة أخرى. هذا التوازن الذي عكسته نسبة المساهمة لكل من القطاعين وهي 50 % في العام 1982.

 ثانيا: اعتماد العلم والتطوير العلمي كأساس للنهوض الشامل 

  أدركت قيادة ثورة 17 تموز، منذ البداية، أنّ العلم  والتطور العلمي يمثّلان حجر الزاوية في عمليات البناء الوطني ونهوض الدولة على غير مستوى اقتصادي واجتماعي وسياسي وحضاري. ففي النصف الاول من السبعينات بدأت الحملة الوطنية الشاملة لمحو الامية. وفي العام 1979 صدر قانون إلزامية التعليم الأساسي، وقد أعطى نتائجه المذهلة خلال سنوات قليلة، بحيث كادت الصفرية تسود نسبة الأميّة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، في وقت ظلت فيه دول عربية عديدة تشهد نسبا مرتفعة من الأميّة تراوحت بين 25 % في الأدنى في دولة الامارات العربية المتحدة، وحوالي 58 % في اليمن على سبيل المثال.

  وفي خطوة أخرى مميّزة عكست مدى الاهتمام والرعاية لقيادة الثورة للعلم الإبداعي أي للعناصر المتفوّقة من الطلاّب والباحثين، تم تشكيل الهيئة العليا لتكريم العلماء،  كما وتم منح “نوط الاستحقاق العالي” للباحثين المتميزين ، اضافة الى منح ” وسام الجامعة”  للمبدعين من التدريسيين الناشطين في البحث العلمي ، كما وتم تخصيص “جائزة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي” الى الاستاذ الاول في البحث والتطوير على مستوى القطر، وجائزة ” العميد المتميز” على مستوى القطر لمن يقود طفرة في مجال البحوث، اضافة الى      ” جائزة صدّام للبحث العلمي”، وهي جائزة تمنح كل مواطن عراقي أو عربي مكافأة مالية تشجيعية قدرها 30 ألف دينار عراقي أي ما يوازي قرابة 100 ألف دولار أميركي بالأسعار الجارية.

وممّا تجدر الإشارة اليه في هذا المجال، أنّ الأعداد الهائلة من الخريجين الجامعيين كانت مستوعَبة في سوق العمل، الأمر الذي جعل البطالة في العراق تكاد أن تكون صفرية قبل فرض الحصار الأميركي الظالم على شعب العراق لمدة ثلاث عشرة سنة بين 1990 – 2003. 

 

 ثالثا: البعد القومي لثورة تموز المجيدة 

 صحيح أنّ الثورة العراقية حقّقت إنجازات عميقة في بنية المجتمع العراقي، الاّ أنّ الطموحات الاستراتيجية لقيادة الثورة لم تكن محكومة بسقف الدولة العراقية كدولة قطرية، وإنّما كانت تسعى الى تأسيس النموذج الوطني العراقي كمدخل الى المجال القومي العربي العام. فالقيادة العراقية كانت تطمح لإقامة الدولة العربية الواحدة على قاعدة التحرّر والاستقلال القومي، وبناء مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية. وعملا بهذه المنطلقات كان عراق الثورة أكثر التزاما بالقضايا القومية العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية. فهو الدولة التي ظلّت حتى حصول الاحتلال الأميركي، تتميّز بمواقفها المبدئية الثابتة تجاه عروبة فلسطين، وضرورة توفير كل الإمكانات المتاحة لتحريرها من المحتل الصهيوني الاستيطاني.

   كذلك، هناك مواقف لا تحصى، عكست التزام القيادة العراقية بقضايا الوحدة القومية، منها على سبيل المثال لا الحصر، الموقف الدّاعم لوحدة اليمن، وتقديم المساعدات الكثيرة لكل الاقطار العربية منها السودان والصومال وتونس والأردن ولبنان وغيرها.

ولا يغيب في هذا المجال اندفاع الجيش العراقي – جيش الثورة – الى جبهات القتال مع العدو الصهيوني في سوريا ومصر، والوثائق التاريخية لا تزال تسجّل للجيش العراقي في حرب تشرين الأول (1973) بسالته في الدفاع عن القنيطرة و حمايته لدمشق من السقوط واعداده خطة مع الجيش السوري لتحرير الجولان المحتل، لكن أوامر القيادة السورية صدرت بوقف اطلاق النار.  

لقد كانت قيادة الثورة تسعى دائما من أجل خلق مؤسّسات عربية فوق قطرية تعزيزا لمسيرة التكامل العربي،  وبما ينسجم مع أهدافها القومية في قيام المجتمع العربي الوحدوي وإقامة دولة الوحدة القومية العربية.

وإذا كان هناك من دوافع عديدة للاحتلال الأمريكي للعراق، فإنّ الدافع الأكثر الحاحا هو ذلك المشروع القومي الوحدوي الذي التزمته ثورة 17 تموز كخيار استراتيجي لأهدافها وتوجّهاتها.

 

 ثورة 17 تموز تجذير نوعي لتجربة حداثوية نهضوية

ولمّا كانت منطلقات الثورة العراقية – ثورة 17 تموز- تجذيراً نوعياً لتجربة حداثوية نهضوية امتلكت أفقا ًاستراتيجيا ًباتجاه التأسيس لتجربة موازية على المستوى القومي العام، فإنّ القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية العربية التابعة هبّت لمناهضة هذه التجربة الواعدة مانعة عليها استكمال مشروعها التاريخي، ليس فقط في مجال استنهاض الأمّة العربية وحسب، وإنما أيضا في مجال تعميم رسالتها الإنسانية التحررية الى العالم أجمع.

  إنّ الهدف البعيد لقوى التآمر الخارجي الدولي والإقليمي والرجعي يكمن، قبل أي شيء آخر، في ضرب تجربة الثورة العراقية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، قبل أن تتحوّل الى تجربة قومية شاملة. ذلك أنّ العراق استطاع خلال ثلث قرن ونيّف ( 1968 – 2003) أن يمتلك نموذجاً نهضوياً نوعياً ذي خصوصية عربية مميّزة قادرة على تأسيس مراكمات ناجحة ومستدامة، وتمثّل خروجا عربيا على التبعية والإلحاق برأسماليات المركز الغربي وزعيمته الولايات المتحدة الأمريكية.

  الهجمة الأمريكية – الصهيونية على تجربة ثورة 17 تموز المجيدة إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على عمق الأزمة التي بلغتها رأسمالية الشركات الحاكمة للاقتصاد والسياسة في أميركا.

هذه الرأسمالية المتوحّشة ترى في تجربة الثورة في العراق معوّقاً رئيسياً أمام مشروعها الراهن في أمركة العالم، والاستحواذ على ثرواته الطبيعية والاقتصادية، وإلغاء هويّات شعوبه الثقافية والحضارية. 

إِيرَان بَينَ مَأْزقِ الإِيديُولوجْيَا وَحَقَائِقِ الحَيَاة

 

إِيرَان بَينَ مَأْزقِ الإِيديُولوجْيَا وَحَقَائِقِ الحَيَاة

 

د. عبد الوهاب القصاب

 

أولاً: أزمة الهوية بين الثورة والدولة

 لقد شكلت احداث “الثورة” الإيرانية عام 1979 لحظة مفصلية في التاريخ الإيراني الحديث، لكنها سرعان ما انقلبت من كونها ثورة شعبية متعددة الاتجاهات إلى مشروع إيديولوجي أحادي اللون، ارتكز على فقه ولاية الفقيه كمرجعية سياسية دينية مطلقة وتمت تصفية كل رموز وقيادات الثورة المعارضة لذلك بكل قسوة وبأبشع الصور. هنا وقعت الدولة الإيرانية في مأزق بنيوي: فهي من جهة ترفع شعارات الثورة و”نصرة المستضعفين”، ومن جهة أخرى تتصرف كدولة إمبريالية ذات نزعة توسعية، تفرض نفوذها عبر الجماعات الوكيلة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

 هذا التناقض البنيوي بين هوية الدولة “الثورية” والدولة الواقعية (البراغماتية)، والذي اُريد له ان يكون مجالاً للمناورة وتوزيع الادوار والافلات امام المجتمع الدولي، أضعف مشروعها في الداخل، حيث بدأت تظهر تناقضات بين الأجيال الشابة التي تطمح إلى الانفتاح والتنمية، وبين نخب الحرس الثوري والمؤسسة الدينية التي تهيمن على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي بشكل مطلق.

  ثانياً: سقوط نظريتي ” أم القرى” و”إيران 2025″

تبنّى النظام الإيراني بعد الحرب الإيرانية العراقية نظريتين استراتيجيتين حاولتا إضفاء الشرعية على التوسع الإقليمي هما :

 نظرية “أم القرى” التي طوّرها محمد جواد لاريجاني، واعتبرت إيران محور العالم الإسلامي وقلبه النابض، ومن ثم يحق لها قيادته وتوجيهه.

  • نظرية “إيران 2025” التي تبنتها حكومة أحمدي نجاد، وهدفت إلى تحويل إيران إلى القوة الإقليمية الأولى سياسياً واقتصادياً وتقنياً.

 إلا أن هاتين النظريتين تعرضتا للانهيار أمام ضغط الواقع: فقد أدى الانخراط الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان إلى استنزاف اقتصادي وعزلة سياسية ودبلوماسية. كما فشلت إيران في بناء نموذج تنموي مقنع لا داخلياً فيها، ولا في الاقطار العربية التي هيمنت عليها. حيث تزايدت معدلات الفقر والبطالة والهجرة في ايران، بينما تفشّت شبكات الفساد بين أذرع الحرس الثوري التي سيطرت على الاقتصاد الوطني ، كما شاع الخراب والتخلف اينما توسعت عربياً.

 ثالثاً: تناقضات سياسة المُكابَرة

 رغم كل المؤشرات التي تدل على تآكل شرعية النظام داخلياً، ورفض شعبي متصاعد تجلّى في احتجاجات متواصلة أعوام 2009، و2019، و2022 (التي تزامنت مع مقتل مهسا أميني)، فإن المرشد علي خامنئي ظلّ يصر على خطاب التحدي والممانعة، دون مراجعة حقيقية لمسار الدولة ومشروعها الإقليمي.

 لقد تبنّى خامنئي خطاب “التحصين الإيديولوجي” والولاء المطلق، وأغلق الباب أمام أي إصلاح حقيقي أو تداول للسلطة. وهو ما أفضى إلى تأزيم العلاقة بين الشعب والنظام، وسقوط جيل الثورة في نظر الجيل الجديد، الذي لم يعد يرى في النظام سوى آلة قمع وشعارات جوفاء.  

رابعاً: هشاشة الداخل رغم تغلغل الخارج

 بينما استطاعت إيران تثبيت نفوذها بالقوة في أربع عواصم عربية هي (بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء)، إلا أنها لم تستطع تحصين الداخل من الانكشاف الأمني والاستخباري. فقد شهدت إيران سلسلة من العمليات النوعية التي طالت منشآتها النووية والعسكرية (كحادثة “نطنز”، واغتيال فخري زاده، والهجمات

السيبرانية)، وكلها تؤكد هشاشة المنظومة الأمنية الإيرانية رغم ضخامة أجهزتها. هذا التناقض يكشف عن خلل هيكلي متمثل في : دولة قادرة على تصدير نفوذها، لكنها عاجزة عن حماية قلبها الداخلي، بسبب فساد أجهزة الدولة، وتفشي النزعة الريعية في الاقتصاد، واعتمادها المفرط على أدوات القمع بدل الإصلاح.

 خامساً: الرفض المجتمعي للهيمنة الايرانية

لقد ادت النتائج الكارثية الانسانية والامنية والاقتصادية والمجتمعية والسياسية وشيوع الفساد والتخلف المُمَنهَج في العراق وسوريا ولبنان واليمن في ظل الهيمنة الايرانية عليها، وانهيار مؤسسات الدولة وتعريض تلك الاقطار الى التفرقة والتفتيت وغياب ابسط مقومات حقوق الانسان فيها، الى طغيان الرفض الشعبي المجتمعي لتلك الهيمنة وتعريتها والعمل على الخلاص منها.

 سادساً:  التحولات الدولية وانحسار الحماية الأمريكية

 شكّلت الإدارات الديمقراطية المتعاقبة منذ أوباما وحتى بايدن حاضنة سياسية للنفوذ الإيراني في المنطقة، سواء بسبب التساهل في الاتفاق النووي، أو الرغبة في الانسحاب المزعوم من الشرق الأوسط وتسليمه عمداً لأطراف إقليمية، متمثلة في إيران. لكن المتغيرات الدولية الجديدة ، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، وبروز تحالفات إقليمية جديدة، جعلت إيران في موقع دفاعي أكثر منه هجومي.

فمع الانفتاح الخليجي المدروس مع الصين ، وتزايد التنسيق الأمني العربي – الغربي، باتت قدرة إيران على المناورة محدودة، خصوصاً في ظل الاضطرابات

 الاقتصادية المتزايدة، والعزلة الدولية الناتجة عن الملف النووي وحجم الانتهاكات الانسانية الحقوقية في الداخل الايراني وفي المنطقة.

 خاتمة: إيران أمام مفترق طرق

 تجد إيران نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فهي إما أن تراجع بنيتها الإيديولوجية وتنخرط في إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، تنهي احتكار السلطة، وتعيد تعريف مشروع الدولة وفق مصالح المواطن الإيراني، لا وفق طموحات النخبة الحاكمة؛ وإما أن تستمر في سياسة الإنكار والمكابرة، وتواجه مزيداً من الانهيار الداخلي، وتآكل نفوذها الخارجي تحت ضغط فشلها من جهة والتحولات الدولية من جهة اخرى.

 إن أزمة إيران ليست فقط في “العقوبات” المُفتَرَضة، أو العداء مع الغرب، بل في مأزقها البنيوي بين إيديولوجيا لم تعد تقنع الداخل، وواقعٍ لم يعد يتحمل العبء التوسعي.

النفط العربي على محك التاريخ: من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة

 

باب الدراسات والبحوث المُستقبلية

 

النفط العربي على محك التاريخ:

من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة

أ. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

-الجزء الثاني –

 

تناولنا في الجزء الاول تجارب بعض الأقطار العربية في سباق الطاقة المتجددة وبعض الدروس العالمية الملهِمة، وسوف نحلل في هذا الجزء تداعيات هذا التحول على سوق العمل العربي، و نطرح رؤية استراتيجية للتعامل مع التحديات الأمنية والمجتمعية والاقتصادية المرتبطة بجيوبوليتيك الطاقة.

من اهم التحديات

أن الطريق إلى التحول نحو انماط طاقة جديدة محفوف بعقبات هيكلية لا يستهان بها. فالبيروقراطيات الحكومية، التي تأسست على عقل ريعي وليس على عقل إنتاجي، تعرقل سرعة التحول. ونقص الكفاءات المحلية في ميادين الاقتصاد الأخضر يجعل من الاستيراد المستمر للخبرة واقعًا مكلفًا وغير مستدام. والأخطر هو مقاومة بعض النخب الاقتصادية التقليدية، لا سيما في شركات النفط الكبرى، لأي تغيير قد يهدد مراكز قوتها ومصالحها المتكلسة. نحن لا نواجه مشكلة تقنية فقط، بل أزمة في بنية السلطة الاقتصادية والثقافية. 

 إن التحول الأخضر يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، يبدأ بسن تشريعات بيئية ملزمة، وتأسيس هيئات رقابية مستقلة، وضمان الشفافية في عقود الطاقة. وقد بدأت اقطار مثل تونس والأردن بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، رغم التحديات.  وعليه، فإن المستقبل العربي في هذا السياق ليس خطًا واحداً، بل شبكة من السيناريوهات المتباينة. وفي حال العجز عن التكيف، فإن السيناريو الكارثي يبدو مرعبًا ويتضمن ما يلي:

  • خسارة أكثر من نصف القيمة السوقية للشركات النفطية
  • ارتفاع البطالة إلى (25%) في بعض دول الخليج العربي
  • وانفجار أزمات مالية حادة على نمط ما حدث في فنزويلا، ولكن دون سند إقليمي أو دولي.

  بالمقابل، فإن سيناريو التحول الذكي قائم على استثمار فوائض النفط في بناء بنية تحتية خضراء، ومدن ذكية، وصناعات معرفية، مع التركيز على تقنيات مثل الذكاء الصناعي، والهندسة البيئية، والهيدروجين النظيف والسعي لريادة سوقه العالمي كما تفعل الان بعض الاقطار العربية.

 أما السيناريو الثالث، الذي قد يكون الأكثر استدامة، فيتمثل فيما يلي:

  • التعاون الإقليمي من خلال تأسيس سوق عربية للطاقة النظيفة
  • وإنشاء صندوق عربي مشترك برأسمال لا يقل عن (50 مليار) دولار لدعم التحول في مجال الطاقة
  • وتأسيس منظمة إقليمية للطاقة المتجددة توازي في مكانتها ما كانت تمثله منظمة أوبك في القرن العشرين.

وحتى تتحقق هذه السيناريوهات، فإن الطريق يتطلب خريطة عملية دقيقة تبدأ بما يلي:

  • إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، تشمل فرض ضريبة كربونية على الشركات الملوثة، وتشجيع الطاقات البديلة بدون جمارك، واحتواء الاثار السلبية، وتقديم حوافز ضريبية وتشريعية للمشاريع الخضراء.

 المباشرة باستثمارات استراتيجية، على الأقل (30%) من فوائض النفط الحالية يجب أن يعاد توجيهها نحو البحث والتطوير وبناء مراكز تميز في الطاقة المتجددة.

  • والشق الثالث، وربما الأهم، هو إعداد الكوادر القادرة على قيادة هذا التحول من خلال إعادة هيكلة المناهج الجامعية، وتطوير برامج تدريب إقليمية، وتقديم منح دراسية متخصصة في الاقتصاد الدائري، وهندسة الطاقة، والحوكمة البيئية.

مستقبل الخبرات والعمالة العربية في قطاع الطاقة

ان الاقطار العربية المنتجة للنفط تحوّلت من مجرد بوابات لتصدير الطاقة الخام إلى ملاذات حيوية لأعداد هائلة من العمالة الوافدة، شكّل عدد كبير منها مواطنو اقطار عربية مثل مصر والسودان واليمن والمغرب. وقد أسهم هذا التداخل البشري والاقتصادي في إعادة رسم الخريطة الاجتماعية والاقتصادية لاقطار الخليج العربي، حيث لم يعد العامل الوافد مجرد ملءٍ لفراغ وظيفي، بل بات عنصراً تأسيسياً في البنية الإنتاجية، ومصدراً لا غنى عنه لاستدامة النشاط الاقتصادي.

غير أن هذه المعادلة ستدخل نفق التحوّل التاريخي. فمع تراجع الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة، والدفع المتسارع نحو الطاقات النظيفة، تلوح في الأفق احتمالات صادمة: فما هو مصير ملايين العاملين في الدول النفطية حين تنكمش الحاجة إلى اليد العاملة المرتبطة بالقطاع النفطي ومرافقه؟ وكيف ستتأثر اقطارهم الأصلية، التي شكلت تحويلاتهم المالية شرياناً نقدياً حيوياً لعقود، وأسهمت في استقرار الأنظمة الاجتماعية والنقدية في هذه الاقطار؟

إن فقدان هذا المصدر الاقتصادي سيعني، بالنسبة لاقطار (كالسودان ومصر واليمن والمغرب العربي) أزمة مزدوجة تتمثل في انكماش في الدخل القومي، وتضخم في البطالة والعجز الاجتماعي، مما يُفاقم من الهشاشة القائمة أصلاً. أما داخل اقطار الخليج العربي، فإن انسحاب هذه الكتلة البشرية سيترك فراغاً مزدوجاً: وظيفي من جهة، وثقافي-اجتماعي من جهة أخرى، مما قد يعيد طرح سؤال (الهوية الاقتصادية) في بيئة ما بعد النفط.

الاثر الجيوسياسي

لكن الأثر الأكثر عمقاً ربما يكون جيوسياسياً. فعلى مدى عقود، شكّل النفط المبرر الجوهري لتموضع القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة، بذريعة (تأمين الموارد الحيوية) و(حماية خطوط الإمداد). ومع أفول مركزية النفط وتراجع ضرورته الاستراتيجية، يبرز سؤال مستقبلي مهم: هل سيبقى للوجود العسكري الخارجي ما يبرره؟ أم أن انسحاب القيمة الاستراتيجية للنفط سيقود إلى مراجعة شاملة لمعادلات الهيمنة والوجود الجيوعسكري من جهة، ومن جهة اخرى ضمان الاستقلال والسيادة ضد الاطماع الاقليمية المُترَبِّصة؟

 إن هذه التحوّلات تضع الوطن  العربي أمام مفترق طرق وجودي. فإما أن يبادر إلى إنتاج استراتيجية تكاملية تسبق الانهيار المتوقع في بنى الاعتماد التقليدية، أو أن يدخل مرحلة تفكك تدريجي في منظومته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. والفرصة التاريخية تكمن في تحويل أدوات (الارتباط النفطي) – من تحويلات العمالة إلى الوجود الأمني والاطماع الاقليمية – إلى أطر جديدة لتعزيز الاستقلال والاستقرار الإقليمي، تقوم على تنمية رأس المال البشري، وتوطين الصناعات، وتفكيك الارتهان السياسي للموارد الأحادية.

 إن النجاة من (لعنة الذهب الأسود)  تكمن في تجاوز بنيته القديمة بكاملها، وإعادة هندسة العلاقة بين الثروة والسلطة والمجتمع، بحيث يُصبح النفط – في ختامه التاريخي – لحظة انعتاق لا بداية لانحدار.

ثالثاً: خارطة طريق عملية لتحول الطاقة العربي

أن التحدي يكمن في تحويل الشعارات إلى خطط تنفيذية وكما يلي:

  1. 1. إنشاء صندوق إقليمي لتمويل المشاريع الخضراء: على غرار (صندوق الأوبك للتنمية الدولية)، يمكن للدول العربية الغنية بالنفط تأسيس صندوق عربي للطاقة النظيفة، يموّل مشاريع الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتحلية

 المياه بالطاقة النظيفة في الدول الفقيرة في الطاقة. سيكون هذا الصندوق أداة لما يسمى بالعدالة المناخية العربية، ويعزز التضامن الاقتصادي داخل الإقليم.

  1. 2. برامج لإعادة تدريب عمال النفط: كما فعلت النرويج بعد تقليصها تدريجيًا الاعتماد على إنتاج النفط في بعض المناطق، يمكن للدول العربية استباق آثار التحول عبر تدريب الفنيين والعاملين في قطاع النفط ليصبحوا خبراء في تركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر. وتحويل الكفاءات بدل الاستغناء عنها مما يخفف من آثار التحول ويمنحه بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا.
  2. 3. حوافز للشركات الناشئة في التقنيات الخضراء: ويشمل منح إعفاءات ضريبية، وتقديم تمويل ميسر عبر صناديق تمويل عربية، سيدعم الشركات الناشئة التي تطور بطاريات صديقة للبيئة، أو حلولًا رقمية لإدارة استهلاك الطاقة، أو تقنيات لخفض انبعاثات المصانع. هذه الحوافز يمكن أن تخلق سوقًا خضراء عربية، وتفتح المجال لجيل جديد من العاملين والمستثمرين البيئيين العرب.
  3. 4. تعزيزًا “للعدالة المناخية” داخل الوطن العربي، يمكن الاستفادة من مؤشرات مثل ( مؤشر العدالة المناخية  (Climate Justice Index’  لوضع سياسات تستند إلى الحاجات العادلة لا فقط الإمكانيات الاقتصادية.
  4. 5. الاعتماد على آليات التنفيذ، والمتمثلة في نماذج التمويل المبتكرة مثل: (السندات الخضراء، حيث أصدرت احدى الدول العربية سندات خضراء بقيمة (1.5 مليار) دولار عام (2022). الاهتمام بالتمويل المستدام، الصكوك المرتبطة بمشاريع الطاقة المتجددة. بالإضافة الى شراكات القطاعين العام والخاص، كنموذج- البناء-التشغيل-التحويل  (BOT) .
  5. 6. تأسيس الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وذلك من خلال إنشاء هيئات مستقلة لتنظيم التحول في الطاقة. تبني فلسفة الحوافز الضريبية للشركات الخضراء (إعفاءات تصل إلى 15 سنة). إضافة الى تأسيس صناديق ضمان للمخاطر لتحفيز الاستثمار الخاص.

إن لحظة الحقيقة لا تنتظر أحدًا. العالم يتغير بسرعة، والنافذة تضيق. وإذا لم نستثمر اليوم فيما بعد النفط، فإننا سنصبح غدًا ضحايا لما كنا نظنه نعمة أبدية. فكما قال الخبير د. محمد الرميح: (لم يعد النفط سلعة استراتيجية، بل أصبحت الاستراتيجية هي كيف نتخلص منه بذكاء). إن ما كان يومًا منحة، قد يتحول إلى محنة، وما اعتبرناه مصدر قوة، قد يغدو عبئًا قاتلًا إن لم نمتلك الشجاعة لرؤية ما بعده، وتصوّر ما بعدنا.

رابعاً: التحول العادل، ضمان عدم تخلف أحد عن الركب، حيث لا يمكن فصل التقني عن الاجتماعي في هذه المعادلة

  1. المجتمعات المعتمدة على النفط: من الهوية الأحادية إلى التنوع

في مدن مثل الأحمدي في الكويت أو الظهران في السعودية أو البريقة في ليبيا، تتشكل هوية اقتصادية واجتماعية حول النفط. يتحتم على السياسات المعنية بالطاقة الجديدة ألا تهدم هذه الهويات، بل تعيد توجيهها. يمكن تحويل هذه المدن إلى مراكز لوجستية لصيانة وتشغيل مزارع الطاقة الشمسية، أو مراكز للبحوث البيئية، أو حتى مناطق اقتصادية خاصة بالطاقة النظيفة، كما جرى في مدن ألمانية مثل (إسن) التي تحولت من مدينة فحم إلى عاصمة بيئية.

  1. دور الإعلام في تغيير الصورة النمطية:

لا يزال كثير من ابناء الشعب العربي يعتقدون أن الطاقة النظيفة رفاهية أو لا تصلح للوطن العربي. الإعلام له دور محوري في تفكيك هذه الصورة النمطية، عبر حملات توعية مستمرة، وبرامج وثائقية، وشراكات مع المؤثرين على وسائل التواصل، لإيصال الرسالة بلغة يفهمها الجميع: الطاقة النظيفة ليست ترفًا، بل ضرورة للبقاء والازدهار.

كما أن الإعلام البديل، ومنصات التواصل التي يقودها شباب بيئيون، بدأت في إحداث تحول في وعي الجيل الجديد، كما في مبادرات مثل (العرب يزرعون) أو (طاقة عربية جديدة) التي تنشط في مصر ولبنان.

  1. 3. الاستفادة من الدروس من الميدان، مثل ما تم من تحول مدينة إسن الألمانية، من الفحم إلى الخضرة، حيث شهدت مدينة (إسن -قلب منطقة الرور الصناعية ) تحولاً جذرياً من مدينة تعتمد كلياً على صناعة الفحم إلى عاصمة البيئة الأوروبية عام (2017). هذا التحول تضمن (إعادة تدريب (95%) من عمال المناجم. وتحويل مناجم الفحم إلى متاحف ومراكز ثقافية. إضافة الى استحداث (25 ألف) وظيفة خضراء جديدة. وتطوير أكبر نظام للمساحات الخضراء الحضرية في أوروبا.
  2. 4. أن تأثير التحول على العمالة، يعتبر أحد أهم التحديات المقبلة في الوطن العربي، حيث تشير دراسات منظمة العمل الدولية إلى : (أن كل (مليون دولار) يستثمر في الطاقة المتجددة يولد (7-10) وظائف مباشرة. وأن الوظائف في قطاع النفط والغاز تتراجع بنسبة (3.5%) سنوياً منذ (2020). بالإضافة الى أن المهارات القابلة للتحويل تشمل، الصيانة الميكانيكية، التحكم الآلي، إدارة المشاريع.

خاتمة:

إن التحول من اقتصاد النفط إلى الطاقة النظيفة ليس مجرد تغيير في مصادر الطاقة، بل هو تحول حضاري و يشمل:

  1. 1. إعادة تعريف العقد الاجتماعي: بين الحكومات التي يجب أن تضمن عدالة التحول، والمواطنين الذين عليهم قبول مرحلة انتقالية صعبة.
  2. 2. تأسيس اقتصاد معرفي: قائم على الابتكار وريادة الأعمال الخضراء بدلاً من الريع.
  1. 3. بناء تحالفات إقليمية جديدة: تعيد تشكيل خريطة القوة العربية على أسس اقتصادية وتكنولوجية.

كما فعلت اقطار الخليج العربي في السبعينيات من القرن الماضي عندما حولت النفط إلى قوة جيوسياسية، على الاقطار العربية اليوم أن تقود معركة التحول الأخضر، لكن بذهنية جديدة. المستقبل لا ينتظر، والفرصة التاريخية لا تعوض. والتحول الأخضر ليس خياراً، بل هو امتحان وجودي لأمة تبحث عن مكانها في عالم ما بعد النفط.

 هنا، لا بد للعرب أن يبادروا لا أن يُبادر بهم. فالانتقال إلى اقتصاد أخضر هو معركة المصير. وتحويل (الذهب الأسود) إلى مورد استراتيجي يموّل التحول الأخضر هو مفتاح النجاة من لعنة الوقود الأحفوري إلى نعمة الحضارة المستدامة.

كما تنهض مسؤوليات كبرى على عاتق الحكومات، والمخططين، والمسؤولين، والاعلاميين وصنّاع الرأي، والمفكرين الاستراتيجيين، والباحثين في المؤسسات الأكاديمية والسياسية والمالية، تتجاوز حدود التشخيص النظري إلى صياغة رؤى عملية تنهض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالواجب يقتضي:

  • بناء استراتيجيات تنموية متكاملة، ترتكز على التنسيق الفعّال بين مؤسسات التدريب والتمويل والبحث العلمي، وتفعيل دورها في إنتاج المعرفة، ومواءمتها مع احتياجات التنمية الوطنية.
  • كما يقع على هذه الجهات مسؤولية خلق بيئة محفزة للابتكار
  • وإرساء سياسات تمويل ذكية
  • وربط البحث العلمي بالتخطيط الاقتصادي، بما يضمن التأسيس لاقتصاد متنوع ومستدام، لا يُختزل في مورد وحيد ولا يُدار بردود الأفعال، بل بعقل استشرافي جمعي يستوعب تعقيدات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

 

النفط العربي على محك التاريخ: من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة
باب الدراسات والبحوث المُستقبلية
تشكل الثقافة في الفكر القومي اهمية خاصة لاستيعاب المفاهيم والنظريات في إطار السعي الى ترسيخ مفهوم الوحدة العربية وصولاً الى افضل السبل على طريق تحقيقها وكذلك في اطار متابعة التطور التاريخي للنظرية الاقتصادية الاشتراكية وللنظرية السياسية الديمقراطية في محاولة لفهم وتحديد تقسيم العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وصولا الى ترسيخ مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية. وتؤكد التحولات التاريخية التي يمر بها عالم اليوم عموماً والوطن العربي خصوصاً على أهمية استشراف المستقبل بوضوح دون انقطاع عن ماضي الامة العربية وتراثها المجيد، وبما يضمن اثراء فكر الحزب وبالتالي الفكر القومي ونظريته ويكفل مواجهة علمية ثورية ناجحة لقضايا النضال العربي. نحتاج اليوم، في اطار الدراسات والبحوث المستقبلية، التعامل مع تطورات الواقع والنظريات السياسية والاقتصادية فيه ومتابعة التحولات السريعة والعميقة في الحياة العربية والعالم اجمع ، والعمل نحو برامج اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية تتجاوز عوامل ضعف الدولة القطرية والنظام العربي والتي افضت الى عدم القدرة على مواجهة تحديات الصراع الاقليمية منها والعالمية، في ظل استهداف منقطع النظير وغير مسبوق للامة العربية ولاي مشروع نهضوي فيها، مما ادى الى اتساع ظواهر شتى منها الانهيارات الامنية و شيوع العنف والتهجير والتغيير الديموغرافي وتفشي مشكلات الفقر والبطالة والتخلف والأمية واستباحة الموارد وهدرها. ولان مواجهة كل ذلك و تحقيق النهوض المنشود يتطلب تطوير الفكر السياسي في الوطن العربي، وصياغة رؤى سياسية تستجيب وتتفاعل مع التطورات العالمية المعاصرة انطلاقا من التحليلات العلمية للفكر العربي القومي خلال القرنين الماضيين. لذا فقد جرى استعراض للملاحظات العلمية النقدية التي وردت في كتاب: د. جورج قرم، “الفكر والسياسة في العالم العربي”، منشورات دار الفارابي، بيروت، 2017م وغيرها من الاعمال، والتي من المؤمل ان تساهم في بناء مدخل علمي شامل لتطوير الفكر السياسي الحديث في الوطن العربي، وصولا الى تعزيز القدرات، و بناء دولة المؤسسات والفصل بين السلطات وضمان الحقوق والكرامة والعدالة وتحقيق الازدهار والرفاه مما يعزز نضالنا القومي في مواجهة تحديات العصر والقوى المعادية بمختلف صنوفها ويمكِّن الامة العربية في مسيرتها النهضوية الحضارية بما يليق بمكامن قوتها وتاريخها المجيد ودورها الريادي في عالم الالفية الثالثة . دراسة اليوم بعنوان النفط العربي على محك التاريخ: من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة
النفط العربي على محك التاريخ:
من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة
أ. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
-الجزء الاول –
مقدمة:
يقف الوطن العربي اليوم على محك التاريخ، حيث تتحول ثروته النفطية من نعمة استراتيجية إلى اختبار وجودي في ظل تحولات الطاقة العالمية. في اللحظة التي يشتد فيها الحصار الكربوني على الكوكب، وتُعقد فيها قمة المناخ الثامنة والعشرون في قلب دولة نفطية عربية، يقف الوطن العربي أمام مفارقة عميقة الجذور: إنه في آنٍ معًا ضحية وجانٍ. فمن ناحية، هو مسؤول عن قرابة ربع الإنتاج العالمي من النفط، ومن ناحية أخرى، تُعدّ جغرافيته من أكثر مناطق العالم هشاشةً أمام آثار التغير المناخي، من تصحّر متسارع، وندرة مائية قاتلة، إلى مدن ساحلية مهددة بالغرق، وزيادة اضطرابات سكانية حادة. غير أن هذه المفارقة لم تعد تحتمل التأجيل أو الزخرفة. فالعالم يتحول بصورة لا رجعة فيها، والطلب على الوقود الأحفوري يتآكل على وقع التكنولوجيا، والعقوبات، والمخاوف البيئية، والأسواق التي تعيد تعريف (القيمة). لم يعد السؤال إذًا: هل سينتهي عصر النفط؟ بل متى؟ وبأي كلفة؟.
والأخطر: هل سنخرج منه واقفين، ومتحولين، أم منسحقين تحت ركام الاقتصاديات الريعية؟ الوطن العربي يواجه مفارقة صارخة: فهو يملك (23%) من النفط العالمي، لكنه أيضًا من أكثر المناطق تضررًا من تغير المناخ.
لا يمكن فهم مفارقة النفط دون العودة إلى جذورها، فالبترول لم يكن مجرد مصدر دخل، بل أداة استعمار اقتصادي. منذ اتفاقيات الامتياز مع شركات أجنبية في أوائل القرن العشرين، وحتى تسليع الثروات الوطنية عبر الأسواق العالمية، تشكّلت علاقة العرب بالنفط في سياق من التبعية والتحكم الخارجي.
تقف الثروة النفطية العربية اليوم على محك التاريخ، فما كان بالأمس مصدر قوة وثراء، أصبح في عصر التحول الأخضر اختباراً لمهارات التكيف الاستراتيجي. الأرقام التي كانت تباهي بها اقطار الخليج العربي والعراق والجزائر بدأت تُقرأ بقلق متزايد: أكثر من (70%)، من موازنات هذه الدول تعتمد على إيرادات النفط، وأكثر من (46%)، من مجمل الناتج المحلي الخليجي العربي يتكون من صناعة النفط والغاز، فيما لا تزال (82%) من الكهرباء في الوطن العربي تُنتج عبر الوقود الأحفوري، بما يضع هذه الدول في مواجهة ثلاثية الخطر: هشاشة اقتصادية، وضغط بيئي، وتغيّرات في الطلب العالمي.
وكالة الطاقة الدولية توقعت تراجع الطلب على النفط بنسبة (30%)، بحلول (2040)، فيما تُشير بعض النماذج الاقتصادية إلى إمكانية خسارة الاقطار العربية لما يفوق (13 مليون) وظيفة في هذا القطاع بحلول منتصف القرن. أضف إلى ذلك أن بعض الشركات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها (أرامكو)، شهدت تراجعًاً في قيمتها السوقية بنسبة (20%) منذ (2019)، ما يُذكّرنا بأن الأسواق لا تغفر البطء، ولا تجامل الذاكرة.
أولاً: بذور التحول العربي، من الريادة إلى التعميم
تثبت التجارب العربية أن التحول ممكن عندما تتوفر الإرادة، ومع ذلك فإن داخل هذا الواقع المتصدّع تظهر نماذج لمحاولات الخروج من المأزق، لا تخلو من الشجاعة.
سجّل العراق الريادة في هذا المجال . ففي تجربةٍ تُعد من أكثر التجارب تفرّدًا في الوطن العربي الحديث، جسّد العراق (قبل الغزو) في ظل الدولة الوطنية (منذ ثورة 17تموز 1968) ولغاية الغزو الامريكي سنة 2003 محاولة جادّة لتحويل النفط من (نعمة خاملة) إلى (أداة للنهضة الشاملة)، واضعًا العوائد النفطية في خدمة مشروع تنمويّ تحرري شامل، يقوم على الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى العدالة الاجتماعية لا الريع الطبقي. وجاء تأميم النفط عام (1972) ليكون لحظة سيادية فارقة، توّجت بإنشاء شركة النفط الوطنية العراقية، وأُعيد توجيه أكثر من (70%) من العائدات النفطية بين عامي (1974 و1980) لتمويل بنى تحتية استراتيجية تمثلت في:(تشييد مجمع الحديد والصلب في البصرة كبوابة للتصنيع الثقيل. وإقامة الصناعات الكيماوية في الجنوب، وخلق نواة لصناعة وطنية متكاملة. ومن ثم بناء شبكة سكك حديد وطنية أعادت ربط الجغرافيا بالاقتصاد). شكّل قرار حزب البعث العربي الاشتراكي بتأميم النفط لحظة حاسمة في مسار الاستقلال الاقتصادي، حيث كسر محاولات إخضاع التجربة الوطنية بالعراق. وقد نجح التأميم بفضل رؤية البعث الاستراتيجية، في توظيف النفط كسلعة ناضبة غير قابلة للتجديد، فتحوّلت الثروة إلى أداة لإعادة تشكيل البنية المجتمعية، عبر:( إصلاح زراعي شامل، أعاد توزيع الأرض والسلطة في الريف. ومجانية للتعليم والصحة، حيث وصلت نسبة الأمية إلى (11%) فقط بحلول (1980 والى نسبة اقل في السنوات اللاحقة لها. (مع توفير (350) ألف وحدة سكنية للطبقة العاملة خلال عقدٍ واحد فقط (1970–1980). لم يقف العراق (قبل الغزو) عند حدود التنمية الداخلية، بل رأى في النفط أداة نضالية، فخصص (5%) من عائداته لدعم: (القضية الفلسطينية بإنشاء صندوق دعم المقاومة عام 1969. وبرامج
تنموية في دول عربية غير نفطية. ومشروعات وحدوية اقتصادية تؤسس لكتلة عربية ذات سيادة تنموية. وقد شكل الغزو الأمريكي سنة (2003) لحظة فاصلة حيث جرى تهديم متعمَّد لكل ما تم بناؤه ولكل مؤسسات الدولة وانجازاتها، ليُعاد العراق إلى المربع الأول – دولة محطمة تتسول الأمن وتستورد الخبز.
اما الان فقد بدأت بعض الاقطار العربية تتخذ الخطوات ازاء مشكلة التحول في مجال الطاقة. فتجارب بعض الدول المنتجة للنفط ، لا تزال قيد التشكّل، ولكنها تشير إلى وعي بالمأزق. وخططتها الاستراتيجية تسعى إلى تأسيس ما يمكن تسميته بـ (اقتصاد ما بعد النفط)، من خلال استثمار يفوق (100) مليار دولار في الطاقة المتجددة، وتشييد مدن بوصفها يوتوبيا خضراء ذكية، وتحويل شركاتها النفطية إلى شركات طاقة شاملة. غير أن السؤال الأهم لم يُجب عنه بعد: هل هذه الرؤية تنبع من الداخل المعرفي، أم هي استجابة للضغوط الخارجية؟
تجارب بعض الأقطار العربية في سباق الطاقة المتجددة: من حقق قفزات نوعية؟ ومن ما زال يعتمد على النفط؟
أما المغرب، فيبدو نموذجًا أكثر وضوحًا في الانتقال نحو الطاقة المتجددة، من خلال مشروعات رائدة مثل (نور ورزازات)، التي تُعدّ من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، فضلًا عن تصدير الطاقة الخضراء إلى أوروبا وتحقيق نسبة (42%) من كهربائه من مصادر متجددة في عام (2023). إنها تجربة تكشف أن التحول الأخضر ليس حلمًا أوروبيًا فقط، بل خياراً عربياً ممكناً يبدأ من التخطيط ويتغذى على الإرادة الوطنية.
وتسير مصر في مسار طموح أيضًا، وأبرز ملامحه هو مشروع (بنبان) للطاقة الشمسية بمحافظة أسوان، الذي يُعد أحد أكبر مجمعات الطاقة الشمسية في العالم. بطاقة إنتاجية تتجاوز (1.5) غيغاواط، يعكس التحول المصري نحو تسخير الطبيعة لتوفير الكهرباء، ويمثل كذلك نموذجًا للمشاريع التي توفر فرص عمل محلية وتقلل من الانبعاثات.
تتجاوز مصر بذلك مرحلة الاستهلاك المحلي لتخطو بثقة نحو تصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا وأفريقيا عبر الربط الكهربائي، لتتحول تدريجيا من دولة مستوردة للطاقة إلى محور إقليمي لتصدير الطاقة المتجددة. كما تسعى إلى الاستثمار في طاقة الرياح والهيدروجين الأخضر في منطقة خليج السويس والعين السخنة، ما يعزز شراكاتها الدولية ويجذب رؤوس الأموال الخضراء.
تعتبر الطاقة المتجددة أولوية في الأردن الذي شهد نموًا ملحوظًا في هذا القطاع ، مع زيادة كبيرة في توليد الكهرباء من الشمس والرياح. يهدف الأردن إلى تحقيق نسبة 50% من الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030. تشمل جهود الأردن: تطوير مشاريع الطاقة المتجددة مثل محطة رياح الطفيلة، ودعم تركيب الأنظمة المنزلية وتحديث الاستراتيجيات الوطنية للطاقة، وتطوير الهيدروجين كمصدر للطاقة و تعديل التشريعات.
وتُعد الإمارات العربية المتحدة من الاقطار العربية السبّاقة في التحول نحو الطاقة النظيفة. فعلى جبهة الهيدروجين الأخضر، أطلقت مشروعات طموحة بالتعاون مع شركاء عالميين مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، في مسعى للتحول إلى مركز عالمي لتصدير الهيدروجين الأخضر. و احتضنت إنشاء واحدة من أولى محطات إنتاج الهيدروجين باستخدام الطاقة الشمسية، ما يضعها في طليعة سباق الطاقة المستقبلية.
أما على صعيد الطاقة النووية السلمية، فإن محطة (براكة) للطاقة النووية تمثل تحوّلًا جذريًا في مزيج الطاقة الوطني، إذ توفر المحطة (عند التشغيل الكامل) ربع احتياجات الدولة من الكهرباء، خالية من الانبعاثات الكربونية. هذا المشروع يعبر عن وعي بضرورة تجاوز الاعتماد الأحادي على النفط نحو مزيج طاقي متوازن ومستدام.
في قلب المأساة السودانية الجارية، تعود مفارقة (لعنة النفط) إلى الواجهة، لكن هذه المرة في شكل أكثر عريًا ودموية. منذ اكتشاف النفط بكميات تجارية في جنوب السودان في أواخر التسعينيات، لم يُستخدم كأداة لبناء اقتصاد منتج أو عقد اجتماعي جديد، بل تحول إلى وقودٍ للصراع، وأداة لتكريس المركزية،
وتعميق التهميش. فبدل أن يُعيد تشكيل الدولة الوطنية على أسس العدالة والتنمية، ساهم في تسليع السلطة، وتعزيز التحالفات الزبائنية، وفتح شهية المراكز الدولية والإقليمية للتدخل في الجغرافيا السودانية، من بوابة الطاقة. واليوم، في ظل الحرب الأهلية المفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، تعود السيطرة على حقول النفط والبنى التحتية المعنية بالطاقة إلى صلب الصراع، لا كرافعة للتنمية، بل كغنيمة حرب. تتقاتل الأطراف على ما تبقّى من شرايين النفط في كردفان والنيل، فيما تُترك المناطق المنتِجة للخراب، والبيئة للتسمم، والشعب للنزوح والمجاعة. تتجلى “اللعنة النفطية” هنا في أوضح صورها: حيث المورد لا يبني الدولة، بل ينسفها من الداخل.
لقد عجزت (السياسات الحكومية) عن تحويل الثروة النفطية إلى قاعدة لتنويع الاقتصاد، أو استثمارها في الطاقة المتجددة، رغم أن السودان يملك من الشمس والرياح والمياه ما يكفي ليكون من كبار منتجي الطاقة النظيفة في القارة. كما أُهملت فرص الشراكة جنوب – جنوب مع دول أفريقية وعربية تملك التكنولوجيا أو التمويل اللازم لهذا التحول.
إن الحالة السودانية تكشف بوضوح أن السؤال لم يعد فقط عن مستقبل النفط في الأسواق العالمية، بل عن قدرة الدول الضعيفة على النجاة منه دون أن تمزقها لعنة التبعية، والانقسام، والتسليع. فلا يمكن فصل فشل الدولة السودانية عن طبيعة نموذجها الريعي الهش، ولا يمكن إنقاذ مستقبلها دون إعادة هيكلة جذرية لوظيفة الثروة، ورؤية جديدة للطاقة كحق جماعي، لا كغنيمة فئوية.
ثانياً: رحلة التحول العالمية، ما يمكن للعرب أن يتعلموه؟
لقد تحولت تجارب دول مثل ألمانيا والنرويج والصين في إدارة الثروة النفطية إلى مختبرات حية تقدم دروساً ثلاثية الأبعاد:
1. نموذج النرويج: (الصندوق السيادي كنموذج للاستدامة)
تمكنت النرويج – رغم كونها أحد أكبر منتجي النفط في أوروبا – من بناء أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم بقيمة تتجاوز (1.4) تريليون دولار. هذا
الصندوق الذي تأسس عام (1990) يحتفظ بوسطاء استثمار في أكثر من (9 آلاف) شركة عالمية، مع سياسة استثمارية صارمة تمنع استثمار أكثر من (3%) من أصول الصندوق سنوياً لضمان الاستدامة. الأهم من ذلك، أن النرويج بدأت منذ (2019) في سحب استثماراتها من شركات النفط والغاز، مع التركيز على قطاعات التكنولوجيا الخضراء.
2. التجربة الألمانية (Energiewende): التحول الشامل في مجال الطاقة بدأت ألمانيا تحولها في مجال الطاقة عام (2010) عبر سياسة شاملة تضمنت التالي : (إغلاق جميع محطات الطاقة النووية بحلول (2022). واستثمار (580) مليار دولار في الطاقة المتجددة حتى (2030). وتطوير شبكة ذكية لتوزيع الطاقة (Smart Grid) إضافة الى تحويل مناطق الفحم السابقة إلى مراكز تكنولوجية خضراء.
3. النموذج الصيني: القيادة بالحجم والابتكار
استطاعت الصين أن تصبح الرائد العالمي في التالي: (إنتاج الألواح الشمسية (75% من الإنتاج العالمي). وتصنيع توربينات الرياح (50% من السوق العالمية) وتطوير بطاريات الليثيوم (70% من الطاقة الإنتاجية العالمية). وقد وصلت الى استثمار (546) مليار دولار في الطاقة النظيفة عام (2022) فقط.
يتبع لطفاً..
من منظور البعث.. القيم والأخلاق والمبادئ ثوابت ومسارات

من منظور البعث.. القيم والأخلاق والمبادئ

ثوابت ومسارات

الرفيق أبو زياد

_

في إطار هذا الموضوع الواقعي والحيوي يتطلب الأمر تأملات فكرية من نمط خاص في رحاب الفكر انطلاقاً صادقاً في الكيفية لمحاورة الأساسيات لواقع اعتماد القيم والأخلاق والمبادئ كنوارس ومنابع في ادبيات الحزب، وهو الممثل الشرعي للأمة العربية والبارز لاعتماد قضاياها المصيرية ،كونه المؤسسة السياسية الفكرية المتفرد في قدرته علي اكتشاف قوانين حركة الواقع العربي وخصوصيته الثورية بإطار علمي مستنبط من خصوصيات أصولية لقيم وأخلاقيات مجتمعه ووضع صيغ التعامل في ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ثم الشروع في بناء رحاب الاستراتيجية للأهداف والنضال من أجل ترجمتها إلى واقع ملموس عبر العمل علي بناء الإنسان العربي الجديد وخلق نظرية التكامل والترابط العضوي بين أهداف الرسالة وأدوات تفعيلها وهو الحزب الوحيد الذي ذهب إلى اكتشاف هذه العلاقة واعتمدها وعمل على تهيئتها في تأهيل الإنسان العربي لتحمل عبء هذه المهمة التاريخية ومسؤوليتها عبر قوام النضال القومي للأمة،

وبذلك تتكامل عمليات الترابط بين النظرية والتطبيق وبناء الهيكلية لاستراتيجية العمل القومي وإحداث التغييرات الجذرية في البنية الشعبوية العربية واعتمد النضال أسلوباً ثورياً للتغيير والانطلاق من مرحلة المخاض إلى مرحلة النضوج المجتمعي وتخليصه من شوائب الأخلاقيات البدائية وواقع الضياع والاغتراب ما بين الواقع المرير لحال الأمة وهي تناضل للخلاص من نير الاستعمار ومصادرة إرادتها الوطنية والقومية وبين عملية بناء إنسانها وفتح أفاق المستقبل والتمدن أمامها والتي لا تتم هذه النظرية إلا بوجود فعلي للأخلاق والقيم والمبادئ (جوهر الحياة العصرية) وتوفير الترابط العضوي بينها لكي تكتسب سمات (البعثية) وعبر الوعي والإيمان بالعقيدة والتطبيق السلوكي اليومي.

فالبعث ومنذ تأسيسه في مطلع الأربعينات يؤمن أن الإنسان هو مصدر الإلهام الجماهيري وهو المادة الأساسية للحراك والتفعيل النضالي لذلك طرح مفهوم الأخلاق والقيم وأطرها بالمبادي لكل تحول نوعي وجذري في مسيرة النضال العربي واعتبرها مسؤولية تاريخية يتحملها البعثي ويمتهن مضامينها ولم يطرحها سائبة بلا نهايات وإنما زينها بصفتي (الالتزام والاحترام) لكي يصلب ويقوي هذه التربية في ثالوثها المقدس فلا أخلاق بدون قيم ولا قيم بدون مبادئ وهي منابع عقيدته في صناعة الحزبي إلى مستوى البعثي المندمج في فكر واستراتيجية البعث ،لأن البعث لم يكن حالة طارئة في حياة الجماهير وإنما كان ولا زال تحول وتجديد للفكر العربي، وأداته الإنسان وهو الذي يؤمن بدور الجماهير وطاقاتها في التغيير.

هكذا ولد البعث خزيناً من الإيمان والفكر الناضج ولم يتكئ على فلسفة أو نظرية غربية إنما نشأ من معاناة واقع الأمة.

لقد تفوق البعث في ولادة قيادات فذة تستوعب المرحلة وما تلاها وتقرأ الواقع وتتعامل معه ضمن بيئته وظروفه المتاحة .

لقد اعتبر البعث الأخلاق والقيم والمبادي مسار لترجمة صفة (الانضباط الحزبي) وعمل على تعميق جذوة هذا المفهوم كبديهية من ثوابته في المسيرة النضالية، لذلك كانت عملية الانتساب للبعث تمتحن بموجب درجة الأخلاقيات والقيم لدى الإنسان وما دعاه (النوعية) لكي تعينه في بلورة هذه الشخصية من دور البداية إلى دور المسؤولية النضالية، فالأخلاق منصة عربية فإن ذهبت الأخلاق ذهبت الأمم.

ومن هذه المسلمة في بناء وتنمية الشخصية البعثية اعتمد الحزب علي عاملين أساسين: الأول هو ما يصرفه البعثي على تزويد شخصيته من اكتساب  الأخلاق والقيم والمبادئ وترجمتها إلى واقع عملي في الميدان عبر دوره القيادي في الوسط الجماهير .

وثانياً مقدار قدرته في اكتساب هذه الأخلاقيات من التنظيم كغذاء يتزود به ويغذي به محيطه الذي يتعامل معه في مفهوم البعث والنظرية البعثية والمسؤولية التاريخية لقيادة الشعب وتفجير طاقاته في التغيير والتي أساس انطلاقتها هي(فن التعامل الأخلاقي) البعث مع جماهير الأمة وقدرته في مواجهة التيارات والتنظيمات السياسية والفكرية الغريبة في ايدولوجيتاها والتي عجزت عن تعريف قوانين حركة الجماهير العربية وتطلعاتها القومية، لذلك ولد البعث مختلفاً في الرؤية والنظرية والمسارات.

فالبعث لم يكن حزبياً باطنياً ولا مؤسسة دينية متطرفة ولا نسخة أجنبية ولا تياراً مؤقتاً يخضع للزمان والمكان، إنما حزباً طليعياً يؤمن ويقتنع بدور الجماهير في تغيير الخارطة المضببة والعفوية للفكر السياسي العربي، فهو حزب الأخلاق، ولا نضال بلا أخلاق، ولا أخلاق بدون قيم ومبادئ ترتكز عليها .

وبهذا الصدد نوه الرفيق المؤسس ميشيل عفلق رحمه الله والرفيق المناضل القدوة رحمه الله صدام حسين عن نزاهة البعثي في نضاله للأمة وتجرده من مغريات الحياة والتحافه بالأخلاق السامية وقيم الرجولة ( البعثي أول من يضحي وآخر من يستفاد) وهو دليل على تطابق قيم الأخلاق وقيم المبادئ .

والأخلاق هي الدافع والمحفز لانتماء الانسان إلى معترك النضال البعثي واستيعاب خصوصياتها في (التوافق بين الغاية والوسيلة) في تحقيق الأهداف القومية .

الأخلاق والقيم والمبادئ…..المفهوم والأحكام

إنها مجموعة من الغرائز والأصول التوارثية والشعور الاندفاعي، تكمن في أغوار النفس البشرية وطبع الإنسان وسجيته في التعامل اليومي مع البيئة، وهي وجود واكتساب يلعب المحيط والتربية والنشأة والاحتكاك والتعرض لعوامل الوعي والاستيعاب والقدرة في مواجهة النوازع الشهوانية والتطرف والاستعلاء وتجاوز المسموح والتطلع غير المشروع، وهي أمراض تصيب الإنسان الذي لم يستكمل التلمذة في مدرسة البعث وبقي عفوياً مهزوزاً في قناعاته وسيرة انضباطه الحزبي وعدم قدرته في مواكبة أخلاقيات البعث.

ومن هذا المنطلق أصاب البعض نتيجة إصابتهم بهذه الأمراض الخروج عن البوصلة البعثية والتوجه نحو التآمر على قيادة الحزب وإيديولوجيته وهو نقص في استيعاب أخلاقيات البعث.

البعث مدرسة الحياة السياسية ولا تتم عمليات الأخلاق إلا ببناء الأخلاق الفردية، وهو ما دعا البعث إلى طرح هذه الأخلاقيات والقيم في فقرات الضوابط (الانضباط الحزبي) في الالتزام باحترام الاجتماعات الحزبية والمسؤول والنقد والنقد الذاتي وغلبة الأكثرية علي الأقلية وتنفيذ المهام والأمانة في الحزب، وهي في مجملها طريق لبلورة شخصية البعثي الجديد وإبعاده عن أنماط ما قد يصاب به من أمراض تغلب كفتها على منطلقات التربية البعثية.

البعث في مسعاه يهدف إلى بناء مجتمع كل من فيه صحيح، كل من فيه مثقف ( وهو بهذه الصفة ) ثورة على الواقع المتخلف والأخلاقيات البالية.

البعث مدرسة للأجيال وزرع الخصال العربية النبيلة.

يقول الرسول العربي صلى الله عليه وسلم (أنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) والرسول محمد عربي قبل أن توحى إليه النبوة، وهو في حديثه الشريف أورد كلمة البعث والأخلاق وهي ما اقتبسه البعث كتنظيم قومي لكي يوظفها في أدبياته ومرتكزاته.

من هذه المسلمة فإن (البعث الثاني هو امتداد للبعث الأول) لم يفصل الأخلاق عن القيم والمبادئ، وإنما أحصاها في ميدان العمل والمقبولية التنظيمية (فمن لا أخلاق له لا قيم ولا مبادئ له) .

إن قيم البعثيين المناضلين هي تجسيد للإيمان المطلق والشجاعة والتضحية والإيثار والشهادة، وهي عناوين تحمل معاني عميقة تتحول تدريجيا إلى ممارسات نضالية تترجم في ميادين العمل التلاحم في الشارع.

إن الالتحاق في صفوف البعث ليس حالة شكلية وإنما هي حالة أصيلة تتغلب فيها قوة الإرادة والنفس الطواعة ودرجة القناعة لأنها تتطلب الالتزام والابتعاد عن الشذوذ التطلعي والمنفعة الشخصية وتغليب التزمت على العقلانية ( بإطار انضباطي أخلاقي قيمي كضرورة للشخصية البعثية).

إن التحلي بأخلاقيات البعث في التعامل هو (نموذجية بعثية).

فمن الخطأ جداً أن نعد البعث مؤسسة عددية أو رقماً فضائياً بل هو نادي تربوي تعليمي يصقل المواهب ويهذب النفوس للتكامل الشخصي وتخريج المؤهلين للعمل في سوح النضال.

إن التزود بالأخلاق البعثية وقيمه تمثل صمامات الأمان ومعين لحمايته من التجاذبات السياسية والفكرية الرخيصة وتحصنه من أمراضها، فحينما نكون بعثيين بحق نكون قادرين على الارتقاء بالمهام النضالية إلى مستوي الرسالة الخالدة وأدوات تعبير عن قيم ومبادئ البعث يجسدها في تفاصيل تعامله اليومي مع الجماهير، أما الذي يلتحق بالبعث بجسمه فقط في كل محطات نضاله بدءً من الاجتماع الحزبي صعوداً فهو سلبي وعاجز وضعيف الإرادة وفقير الرؤية لداخل منظومة البعث وخارجها.

وتبعاً لذلك سيبقي أعرجاً معوقاً لكل مستقبليات النهضة والتنمية الثورية وفاقداً لمستلزمات الإنجاز في التغيير للنضال القومي ويكون عامل تعطيل لمكانة النضال الجماهيري، وربما عنصر يهتز عند الأزمات أو ينزلق إليها. إن الأخلاق البعثية لا تتوقف بوصلتها كالساعة، وإنما هي رافد يزود البعثيين بالطاقات وإرشاد توعوي لما يحدث وما سيحدث.

لقد حمل البعث وزر كل الأزمات والاختناقات للسياسة العربية العرجاء وواجه الأعداء بصلابة وعنفوان الشجاعة والإيمان حتى بعد الاحتلال حيث تم فرز من تربى على الأخلاقية البعثية ومن تربي على قيم دخيلة، وهم نفر من ذوي العاهات الفكرية الذين لم يستوعبوا البعث نظرية وعقيدة وأخلاقاً ،كانت انتماءاتهم ناقصة ومبتورة ولم يحظوا كثيراً بعمق العقيدة البعثية وتكامل الترابط بين روح النضال وديمومة الإيمان بالعقيدة ،لذلك برزت أمراضهم الارتدادية حيث توفرت لهم ظروف الارتداد والعزلة القاتلة أمام قيادة صلبة مؤمنة بخياراتها في اعتناق عقيدة البعث لأجل مصلحة الأمة .

هذا العمق الإيماني للقيادة وقواعدها هو نوط الشرف الرفيع لما تزينوا به من أخلاقيات وقيم ومبادئ، وبقاء قوتها في مزاولة التنظيم لأجل ديمومة الانسجام بين الفكر والممارسة وانتهاج السلوك المنظم الذي تربي البعثيون عليه بعيداً عن السلوكيات المدانة، وتبقى الأخلاق عنوان البعث في نضاله الوطني القومي محوراً تنموياً لكل حاضر ومستقبل.

المَعَايِير الدُّوَلِيَّة لِلْإِنتِخَابَاتِ وَدَوْرها فِي إِرْسَاءِ قَوَاعِدِ القَانُون و النَّزَاهَةِ وَاحْتِرَامِ حُقُوقِ الإِنْسَان

باب الدراسات والبحوث المُستقبلية

تشكل الثقافة في الفكر القومي اهمية خاصة لاستيعاب المفاهيم والنظريات في إطار السعي الى ترسيخ مفهوم الوحدة العربية وصولاً إلى أفضل السبل على طريق تحقيقها وكذلك في إطار متابعة التطور التاريخي للنظرية الاقتصادية الاشتراكية وللنظرية السياسية الديمقراطية في محاولة لفهم وتحديد تقسيم العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وصولا إلى ترسيخ مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية. وتؤكد التحولات التاريخية التي يمر بها عالم اليوم عموماً والوطن العربي خصوصاً على أهمية استشراف المستقبل بوضوح دون انقطاع عن ماضي الامة العربية وتراثها المجيد، وبما يضمن اثراء فكر الحزب وبالتالي الفكر القومي ونظريته ويكفل مواجهة علمية ثورية ناجحة لقضايا النضال العربي.

نحتاج اليوم، في اطار الدراسات والبحوث المستقبلية، التعامل مع تطورات الواقع والنظريات السياسية والاقتصادية فيه ومتابعة التحولات السريعة والعميقة في الحياة  العربية  والعالم اجمع ، والعمل نحو برامج اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية تتجاوز عوامل ضعف الدولة القطرية والنظام العربي والتي افضت الى عدم القدرة على مواجهة تحديات الصراع الاقليمية منها والعالمية، في ظل استهداف منقطع النظير وغير مسبوق للامة العربية ولأي مشروع نهضوي فيها،  مما ادى الى اتساع ظواهر شتى منها الانهيارات الامنية و شيوع العنف والتهجير والتغيير الديموغرافي وتفشي مشكلات الفقر والبطالة والتخلف والأمية واستباحة الموارد وهدرها. ولان مواجهة كل ذلك و تحقيق النهوض المنشود يتطلب التعرف على الاتجاهات المستقبلية وتطوير الفكر السياسي في الوطن العربي، وصياغة رؤى سياسية تستجيب وتتفاعل مع التطورات العالمية المعاصرة انطلاقا من التحليلات العلمية للفكر العربي القومي خلال القرنين الماضيين، وصولا الى تعزيز القدرات، و بناء دولة المؤسسات والفصل بين السلطات وضمان الحقوق والكرامة والعدالة وتحقيق الازدهار والرفاه مما يعزز نضالنا القومي  في مواجهة تحديات العصر والقوى المعادية بمختلف صنوفها ويمكِّن الامة العربية في مسيرتها النهضوية الحضارية بما يليق بمكامن قوتها وتاريخها المجيد ودورها الريادي في عالم الالفية الثالثة . دراسة اليوم تتناول المعايير الدولية للانتخابات ودورها في إرساء قواعد القانون والنزاهة واحترام حقوق الإنسان.

 

المَعَايِير الدُّوَلِيَّة للانتخابات وَدَوْرها فِي إِرْسَاءِ قَوَاعِدِ

القَانُون والنَّزَاهَةِ وَاحْتِرَامِ حُقُوقِ الإِنْسَان

نعمت بيان

 

إن تحوّل النظم السياسية في العالم من نظم استبدادية، أحادية وديكتاتورية، إلى نظم ديمقراطية تتسم باحترام حقوق الإنسان والحريات العامة، أفضت إلى إعطاء الشعوب في معظم دول العالم الحق في التعبير الديمقراطي الحر، والحق في المشاركة في الشأن العام. وهذا الحق يتم عبر الممارسة الديمقراطية عبر الانتخابات إن كانت رئاسية أو تشريعية أو بلدية، التي بدورها تؤسس لإنشاء نظام حكم قادر على ضمان احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وتطوير المؤسسات الديمقراطية.

إذا العملية الانتخابية تُشكل جزءاً حيوياً وأساسياً في العمليات الديمقراطية الحقيقية وليست الصورية، والوسيلة الأهم التي من خلالها يُتاح للأفراد المشاركة في الشأن العام. وحق الانتخاب والمشاركة في الشؤون العامة هو حق كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وما تلاه من أحكام ومعاهدات، ولا سيما المادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وفي هذا الصدد، وفرت المعايير الدولية للانتخابات، التي وضعتها المعاهدات العالمية والإقليمية، أساسا لتقييم العملية الانتخابية.

ومع أن المعايير التي وضعتها الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الاقليمية والدولية لنزاهة الانتخابات تلعب دوراً مهماً في ضبط العمليات الانتخابية من خلال فرق أو لجان المراقبة، لكنها بذات الوقت لم تلغ التجاوزات لهذه المعايير في الكثير من الدول. فإذا كانت الانتخابات تتيح الفرصة للأفراد للتعبير عن إرادتهم وممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، ولا سيما الحق في المشاركة في الشؤون العامة، فإن في العديد من الدول وخاصة المترهلة التي تشهد توترات ونزاعات، تشهد العمليات الانتخابية خرق لحقوق الإنسان، لا سيما حرية الرأي والتعبير، والتجمع السلمي وتكوين جمعيات، إضافة إلى إعاقة الآخر في المشاركة السياسية وقبل كل ذلك تزوير نتائج الانتخابات مما يفرغ العملية برمتها من محتواها وهدفها الحقيقي.

وقد تؤدي العمليات الانتخابية إلى تعديات وإساءة معاملة وتشهير، اضافة الى استخدام الخطاب الشعبوي والطائفي، والأخطر استغلال ظروف الناخبين الاقتصادية السيئة من خلال استخدام المال الانتخابي الذي بدوره يُعتبر شراء للأصوات، وهذا حكما مخالف للمعايير الأخلاقية والقانونية التي وُضعت من أجل إجراء انتخابات نزيهة وشفافة ومعبّرة عن إرادة المواطنين. ان كل ذلك يحتم على القوى الوطنية ان تنهض بواجبها المستقبلي في استيعاب هذه التطورات لصالح الوطن والمواطن وتتصدى لكل اشكال الانحرافات التي ترافقها بوعي وكفاءة.

وتلعب المفوضية العامة للأمم المتحدة دوراً بارزاً في مراقبة العمليات الانتخابية كما ذُكر أعلاه لضمان إجرائها حسب القوانين والمعايير التي حددتها. ولهذا الغرض، وعملاً بقرار الجمعية العامة 46/137، تم تعيين في عام 1991 وكيل الأمين العام للشؤون السياسية كجهة تنسيق للمساعدة الانتخابية، من أجل البت في معايير المساعدة الانتخابية للأمم المتحدة، والمساعدة التي تقدمها الأمم المتحدة لا تتم إلا بناءً على طلب محدد من دولة عضو أو على أساس ولاية من مجلس الأمن أو الجمعية العامة. وقد شددت الجمعية العامة مراراً على أن المساعدة التي تقدمها الأمم المتحدة يجب أن تسترشد بمبادئ رئيسية مثل الموضوعية والنزاهة والحياد والاستقلالية، مع الاحترام الواجب للسيادة الوطنية. إضافة إلى ذلك، تُعزز المساعدة الانتخابية التي تقدمها الأمم المتحدة مشاركة المرأة والفئات المهمشة وتمثيلها وتمكينها في العمليات الانتخابية.

 فما هي المعايير الدولية لحقوق الإنسان المتعلقة بالعمليات الانتخابية وما هي مصادرها؟

لقد أُرسيت المعايير الدولية للانتخابات من مصادر متعددة، أهمها وأبرزها، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمواثيق الدولية والاقليمية الأخرى من خلال نصوص المواد التالية:

  • المادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)
  • المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)،

(العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، هو معاهدة دولية اعتمدت برعاية الأمم المتحدة، وقعت وصادقت عليها أكثر من 160 دولة، بما فيها الدول العربية، وتٌعتبر أحكامها ملزمة قانوناً بالنسبة للدول الأطراف كافة).

  • المادة (24) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004).
  • المادة (23 ب) من إعلان القاهرة بشأن حقوق الإنسان في الإسلام (1990)، الذي أشار إلى حق الجميع في المشاركة في الشأن العام.
  • الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981)، المعني ببلدان الوطن العربي والدول المجاورة.

تنص المواد التي ذكرت أعلاه على التالي:

1.لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يُختارون بحرية.

2.لكل شخص حق تقلّد الوظائف العامة في بلده على قدم المساواة مع الجميع على أساس تكافؤ الفرص.

3 إن إرادة الشعب هي أساس سلطة الحكم، ويجب ان تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دورياً بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

  1. حرية تكوين الجمعيات مع الآخرين والانضمام إليها.
  2. حرية الاجتماع وحرية التجمع بصورة سلمية.
  3. لا يجوز تقييد ممارسة هذه الحقوق بأي قيود غير القيود المفروضة طبقاً للقانون، والتي تقتضيها الضرورة في مجتمع الحريات وحقوق الإنسان، لصيانة الأمن الوطني أو النظام العام أو السلامة العامة أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو لحماية حقوق الغير وحرياتهم.

الشروط الأساسية للمشاركة:

وتجدر الإشارة إلى أن المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تطرح ثلاثة شروط أساسية فيما يخص الحق بالمشاركة وهي:

  • أولاً، إن الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة في بلد ما منوط بمواطني البلد المعني حصرا
  • ثانياً، لا يتمتع المواطنون بحق المشاركة فحسب، بل يتمتعون أيضاً بفرصة ممارسة هذا الحق
  • ثالثاً، يجوز أن يقيّد حق المواطن بالمشاركة، ولكن في هذه الحال، لا بد أن تكون القيود مقبولة دون أي تمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس او اللغة أو الدين أو الرأي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الأسباب.

كما أن هناك معايير دولية أخرى للانتخابات لم ترد في المواثيق الأساسية، غير انها تُعتبر كعرف، وبحكم الواقع هي معايير معمول بها رغم انها غير منصوص عليها في القوانين، لكنها تٌعتبر من ضمن الشروط المتعلقة بالانتخابات المنصوص عليها في المادة (25) للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وبناءً عليه، حددت بـ 6 مبادئ أساسية تُعتبر معايير دولية للانتخابات وهي التالية:

  1. تجري الانتخابات وفقاً للقانون،
  2. تجري الانتخابات بإطار من الشفافية والانفتاح،
  3. تكون المنافسة عادلة، وتؤمن تكافؤ الوصول إلى الموارد العامة،
  4. تحظى الهيئة الانتخابية بالتوعية حول الانتخابات وحقوقها الانتخابية،
  5. تجوز المراقبة المستقلة للانتخابات.
  6. دور ومشاركة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في العمليات الانتخابية.

حيث تقوم مشاركة الأمم المتحدة في العمليات الانتخابية على قواعد ومعايير حقوق الإنسان التي تضمن المشاركة السياسية، ويتم ذلك خلال جميع المراحل، قبل وأثناء وبعد العملية الانتخابية لتأمين والحفاظ على بيئة آمنة وسلمية لتعزيز مصداقية العملية الانتخابية. ورغم أن الانتخابات تتيح للناس فرصاً للتعبير بحرية عن أراداتهم وممارسة حقوقهم المدنية، ولا سيما الحق في المشاركة في الشؤون العامة، إلا أنها قد تؤدي أيضاً إلى حصول توترات وانتهاك لحقوق الإنسان.

 أهم الأنشطة التي تقوم بها المفوضية السامية لحقوق الإنسان خلال العملية الانتخابية:

  1. القيام برصد في الحالات الي توجد فيها شواغل بشأن العنف المحتمل وانتهاكات حقوق الإنسان.
  2. دعم وتنظيم الدعوة من أجل إجراء انتخابات سلمية والامتثال للقوانين المعنية بهذا الشأن، بحيث يُسمح للجميع بالمشاركة الكاملة.
  3. الإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تحصل قبل وأثناء وبعد الانتخابات.
  4. إجراء تحقيقات او بعثات لتقصي الحقائق عند وقوع حوادث خطيرة تتعلق بالانتخابات.
  5. ضمان حماية السكان الأشد ضعفاً.
  6. تقديم المساعدة والمشورة التقنيتين أثناء وقبل الاقتراع لضمان مطابقة التشريعات ذات الصلة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وعلى الصعيد المحلي، يتم التبيلغ عن الانتهاكات وعمليات التزوير التي تشهدها العملية الانتخابية الى السلطات القضائية المحلية، التي تقوم بدورها بإجراء تحقيقات، وتتخذ الإجراءات القانونية اللازمة.

من الثابت، أنه ليس هناك نظم سياسية انتخابية مثالية بالمطلق، إلا أن العديد من الدول ولاسيما الغربية منها تتمتع فيها العمليات الانتخابية بنسبة عالية من النزاهة والشفافية، وإن هامش التزوير وتجاوز القوانين والمعايير ضيق الى حد ما. وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على وعي المواطن/الناخب بممارسة حقه الديمقراطي بحرية، وبحسن اختياره لممثليه في المجالس (برلمانية أو بلدية) ، ويعتمد أيضاً على البرامج الانتخابية للمرشحين التي تستوجب وضع خطط نهضوية وتنموية وقوانين ترسي إلى قيام نظام ديمقراطي يتسم بالشفافية من خلال تطبيق القوانين، والمحاسبة والمساءلة القانونية للفاسدين ومن ينتهكون ويتجاوزون المعايير والقوانين التي ترعى الانتخابات، إن كان بالرشوة، أو بالخطاب التعبوي والطائفي، أو بالشعارات الرنانة الفارغة والاستثمار بعواطف الناس، أو بالتهديد والوعيد، أو بالحملات الإعلامية المضللة، والتشهير ولصق الاتهامات يمنة ويسرة، كما يحصل حالياً في الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، كمثال على تجاوز القوى التي هيمنت على البلد لأكثر من ثلاثة عقود للمعايير القانونية والاخلاقية لمسار العملية الانتخابية.

في النهاية، إن المعايير التي تؤسس لانتخابات حرّة ونزيهة وشفافة، تؤدي حتماً إلى استقرار البلد ونهضته فيما إذا تم تطبيقها بكفاءة وشفافية، أما إذا فقدت هذه المعايير أو بعضها فحتماً ستستشري حالة الفساد الذي بدوره يؤدي إلى عدم الاستقرار وقد تفضي أحياناً إلى فوضى ونزاعات أو حتى حروب أهلية. فتطبيق القوانين والالتزام بالمعايير التي ذُكرت أعلاه هي الدعائم الأساسية للاستقرار والسلم الأهلي ودفع عجلة النمو إلى الأمام، وهذا يضيف مسؤوليات مستقبلية كبيرة على القوى الوطنية في الوطن العربي كي تتصدى لكل اشكال الانحراف او استغلال الانتخابات لتحقيق اهداف خارجية بعيدة كل البعد عن المصالح الوطنية والقومية.

 

المصادر:

https://www.ohchr.org/ar/publications/professional-training-series/human-rights-and-elections-1.

2.الباحث ريتشارد تشامبرز – المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية

3.العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) المادة 25

تهنئة المكتب بمناسبة انعقاد المؤتمر القطري في الجزائر

بسم الله الرحمن الرحيم

 

م/تهنئة

 

الى / الرفيق المناضل الدكتور أحمد شوتري المحترم

أمين سر قيادة قطر الجزائر لحزب البعث العربي الاشتراكي

الرفاق المناضلون أعضاء قيادة قطر الجزائر المحترمون

 

 

بمشاعر مفعمة بعبق تاريخ الجزائر المشرِّف والعزيمة الراسخة، يتقدم إليكم رفاقكم في مكتب الثقافة والإعلام القومي بأسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة انعقاد المؤتمر القطري الثالث للحزب، الذي حمل في طياته روح الوحدة والتكاتف والإصرار على مواصلة طريق المبادئ نحو الحرية والنهضة والتقدم.  

إن نجاح هذا المؤتمر وانتخاب القيادة الجديدة، وإعادة انتخاب الرفيق المناضل الدكتور أحمد شوتري أمين سر لقيادة القطر، شكَّل محطة هامّة في مسيرة نضالنا الكبير في ظل التحديات الراهنة التي تمر بها أمتنا العربية، والتآمر المستعِر للقوى التي تسعى لاستهداف وإضعاف مبادئنا الثابتة.

لذا فإن هذا الإنجاز التأريخي ليس مجرد حدث سياسي، بل هو شهادة حية على وحدة الصف وروح التضامن التي تجمعنا تحت لواء قضية الحق المتمثلة في الوحدة والحرية والاشتراكية.  كما أنه تجسيد حي لمواصلة الكفاح الذي يليق بتاريخ الجزائر الوطني وتاريخ أمتنا القومي. فكان المؤتمر رسالة حاسمة تحاكي آمال شعبنا وامتنا وتطلعاتها في الرفعة والمستقبل المشرق رغم كل ما تواجهه من تحديات تستهدف وجودها بالصميم.

 وفي وقت تتعاظم فيه المِحَن من كل جانب، يأتي نجاح هذا المؤتمر ليشكِّل شهادة على قدرة رفاقنا وقياداتنا على تحويل الأزمات إلى فرصٍ لإبقاء راية البعث خفّاقة في الوطن العربي، ولإعادة بناء الإرادة الثابتة والإيمان الراسخ بحتمية انتصار قضايانا العادلة، فشكّل مؤتمركم هذا نبراساً للمثابرة، ومحطة هامة لترسيخ مواصلة النضال و التعبير عن جوهر هويتنا العربية.

 نؤكد اعتزازنا بوقفتكم التاريخية هذه التي اثبتت بأن لكل تحدٍ فرصة، ولكل محنةٍ ضياء. واذ نقف اليوم، ونحن على مفترق طرق التاريخ، فان هذه الوقفة تعيد تأكيد هويتنا واستعدادنا لمواصلة المسيرة على الدرب الذي رسمه لنا أسلافنا الأوفياء، حاملين مشاعل الحرية والعدالة في وجه كل من يحاول انهاء وجود امتنا وزعزعة استقرارها وتهديد مستقبلها.

 نسأل الله تعالى أن يوفقكم في مهامكم الجديدة، وأن يجعلكم قدوةً تضئ دروب شبابنا في القطر الجزائري العظيم. ولتبقَ قيادتنا منارةً للأمل والعزة، شاهدةً على أن الارادة والعزيمة هما السلاح الأقوى لبناء مستقبل أمتنا العظيمة.

  

رفاقكم في مكتب الثقافة والإعلام القومي

1/6/2025