من منظور البعث.. القيم والأخلاق والمبادئ ثوابت ومسارات

من منظور البعث.. القيم والأخلاق والمبادئ

ثوابت ومسارات

الرفيق أبو زياد

_

في إطار هذا الموضوع الواقعي والحيوي يتطلب الأمر تأملات فكرية من نمط خاص في رحاب الفكر انطلاقاً صادقاً في الكيفية لمحاورة الأساسيات لواقع اعتماد القيم والأخلاق والمبادئ كنوارس ومنابع في ادبيات الحزب، وهو الممثل الشرعي للأمة العربية والبارز لاعتماد قضاياها المصيرية ،كونه المؤسسة السياسية الفكرية المتفرد في قدرته علي اكتشاف قوانين حركة الواقع العربي وخصوصيته الثورية بإطار علمي مستنبط من خصوصيات أصولية لقيم وأخلاقيات مجتمعه ووضع صيغ التعامل في ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ثم الشروع في بناء رحاب الاستراتيجية للأهداف والنضال من أجل ترجمتها إلى واقع ملموس عبر العمل علي بناء الإنسان العربي الجديد وخلق نظرية التكامل والترابط العضوي بين أهداف الرسالة وأدوات تفعيلها وهو الحزب الوحيد الذي ذهب إلى اكتشاف هذه العلاقة واعتمدها وعمل على تهيئتها في تأهيل الإنسان العربي لتحمل عبء هذه المهمة التاريخية ومسؤوليتها عبر قوام النضال القومي للأمة،

وبذلك تتكامل عمليات الترابط بين النظرية والتطبيق وبناء الهيكلية لاستراتيجية العمل القومي وإحداث التغييرات الجذرية في البنية الشعبوية العربية واعتمد النضال أسلوباً ثورياً للتغيير والانطلاق من مرحلة المخاض إلى مرحلة النضوج المجتمعي وتخليصه من شوائب الأخلاقيات البدائية وواقع الضياع والاغتراب ما بين الواقع المرير لحال الأمة وهي تناضل للخلاص من نير الاستعمار ومصادرة إرادتها الوطنية والقومية وبين عملية بناء إنسانها وفتح أفاق المستقبل والتمدن أمامها والتي لا تتم هذه النظرية إلا بوجود فعلي للأخلاق والقيم والمبادئ (جوهر الحياة العصرية) وتوفير الترابط العضوي بينها لكي تكتسب سمات (البعثية) وعبر الوعي والإيمان بالعقيدة والتطبيق السلوكي اليومي.

فالبعث ومنذ تأسيسه في مطلع الأربعينات يؤمن أن الإنسان هو مصدر الإلهام الجماهيري وهو المادة الأساسية للحراك والتفعيل النضالي لذلك طرح مفهوم الأخلاق والقيم وأطرها بالمبادي لكل تحول نوعي وجذري في مسيرة النضال العربي واعتبرها مسؤولية تاريخية يتحملها البعثي ويمتهن مضامينها ولم يطرحها سائبة بلا نهايات وإنما زينها بصفتي (الالتزام والاحترام) لكي يصلب ويقوي هذه التربية في ثالوثها المقدس فلا أخلاق بدون قيم ولا قيم بدون مبادئ وهي منابع عقيدته في صناعة الحزبي إلى مستوى البعثي المندمج في فكر واستراتيجية البعث ،لأن البعث لم يكن حالة طارئة في حياة الجماهير وإنما كان ولا زال تحول وتجديد للفكر العربي، وأداته الإنسان وهو الذي يؤمن بدور الجماهير وطاقاتها في التغيير.

هكذا ولد البعث خزيناً من الإيمان والفكر الناضج ولم يتكئ على فلسفة أو نظرية غربية إنما نشأ من معاناة واقع الأمة.

لقد تفوق البعث في ولادة قيادات فذة تستوعب المرحلة وما تلاها وتقرأ الواقع وتتعامل معه ضمن بيئته وظروفه المتاحة .

لقد اعتبر البعث الأخلاق والقيم والمبادي مسار لترجمة صفة (الانضباط الحزبي) وعمل على تعميق جذوة هذا المفهوم كبديهية من ثوابته في المسيرة النضالية، لذلك كانت عملية الانتساب للبعث تمتحن بموجب درجة الأخلاقيات والقيم لدى الإنسان وما دعاه (النوعية) لكي تعينه في بلورة هذه الشخصية من دور البداية إلى دور المسؤولية النضالية، فالأخلاق منصة عربية فإن ذهبت الأخلاق ذهبت الأمم.

ومن هذه المسلمة في بناء وتنمية الشخصية البعثية اعتمد الحزب علي عاملين أساسين: الأول هو ما يصرفه البعثي على تزويد شخصيته من اكتساب  الأخلاق والقيم والمبادئ وترجمتها إلى واقع عملي في الميدان عبر دوره القيادي في الوسط الجماهير .

وثانياً مقدار قدرته في اكتساب هذه الأخلاقيات من التنظيم كغذاء يتزود به ويغذي به محيطه الذي يتعامل معه في مفهوم البعث والنظرية البعثية والمسؤولية التاريخية لقيادة الشعب وتفجير طاقاته في التغيير والتي أساس انطلاقتها هي(فن التعامل الأخلاقي) البعث مع جماهير الأمة وقدرته في مواجهة التيارات والتنظيمات السياسية والفكرية الغريبة في ايدولوجيتاها والتي عجزت عن تعريف قوانين حركة الجماهير العربية وتطلعاتها القومية، لذلك ولد البعث مختلفاً في الرؤية والنظرية والمسارات.

فالبعث لم يكن حزبياً باطنياً ولا مؤسسة دينية متطرفة ولا نسخة أجنبية ولا تياراً مؤقتاً يخضع للزمان والمكان، إنما حزباً طليعياً يؤمن ويقتنع بدور الجماهير في تغيير الخارطة المضببة والعفوية للفكر السياسي العربي، فهو حزب الأخلاق، ولا نضال بلا أخلاق، ولا أخلاق بدون قيم ومبادئ ترتكز عليها .

وبهذا الصدد نوه الرفيق المؤسس ميشيل عفلق رحمه الله والرفيق المناضل القدوة رحمه الله صدام حسين عن نزاهة البعثي في نضاله للأمة وتجرده من مغريات الحياة والتحافه بالأخلاق السامية وقيم الرجولة ( البعثي أول من يضحي وآخر من يستفاد) وهو دليل على تطابق قيم الأخلاق وقيم المبادئ .

والأخلاق هي الدافع والمحفز لانتماء الانسان إلى معترك النضال البعثي واستيعاب خصوصياتها في (التوافق بين الغاية والوسيلة) في تحقيق الأهداف القومية .

الأخلاق والقيم والمبادئ…..المفهوم والأحكام

إنها مجموعة من الغرائز والأصول التوارثية والشعور الاندفاعي، تكمن في أغوار النفس البشرية وطبع الإنسان وسجيته في التعامل اليومي مع البيئة، وهي وجود واكتساب يلعب المحيط والتربية والنشأة والاحتكاك والتعرض لعوامل الوعي والاستيعاب والقدرة في مواجهة النوازع الشهوانية والتطرف والاستعلاء وتجاوز المسموح والتطلع غير المشروع، وهي أمراض تصيب الإنسان الذي لم يستكمل التلمذة في مدرسة البعث وبقي عفوياً مهزوزاً في قناعاته وسيرة انضباطه الحزبي وعدم قدرته في مواكبة أخلاقيات البعث.

ومن هذا المنطلق أصاب البعض نتيجة إصابتهم بهذه الأمراض الخروج عن البوصلة البعثية والتوجه نحو التآمر على قيادة الحزب وإيديولوجيته وهو نقص في استيعاب أخلاقيات البعث.

البعث مدرسة الحياة السياسية ولا تتم عمليات الأخلاق إلا ببناء الأخلاق الفردية، وهو ما دعا البعث إلى طرح هذه الأخلاقيات والقيم في فقرات الضوابط (الانضباط الحزبي) في الالتزام باحترام الاجتماعات الحزبية والمسؤول والنقد والنقد الذاتي وغلبة الأكثرية علي الأقلية وتنفيذ المهام والأمانة في الحزب، وهي في مجملها طريق لبلورة شخصية البعثي الجديد وإبعاده عن أنماط ما قد يصاب به من أمراض تغلب كفتها على منطلقات التربية البعثية.

البعث في مسعاه يهدف إلى بناء مجتمع كل من فيه صحيح، كل من فيه مثقف ( وهو بهذه الصفة ) ثورة على الواقع المتخلف والأخلاقيات البالية.

البعث مدرسة للأجيال وزرع الخصال العربية النبيلة.

يقول الرسول العربي صلى الله عليه وسلم (أنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) والرسول محمد عربي قبل أن توحى إليه النبوة، وهو في حديثه الشريف أورد كلمة البعث والأخلاق وهي ما اقتبسه البعث كتنظيم قومي لكي يوظفها في أدبياته ومرتكزاته.

من هذه المسلمة فإن (البعث الثاني هو امتداد للبعث الأول) لم يفصل الأخلاق عن القيم والمبادئ، وإنما أحصاها في ميدان العمل والمقبولية التنظيمية (فمن لا أخلاق له لا قيم ولا مبادئ له) .

إن قيم البعثيين المناضلين هي تجسيد للإيمان المطلق والشجاعة والتضحية والإيثار والشهادة، وهي عناوين تحمل معاني عميقة تتحول تدريجيا إلى ممارسات نضالية تترجم في ميادين العمل التلاحم في الشارع.

إن الالتحاق في صفوف البعث ليس حالة شكلية وإنما هي حالة أصيلة تتغلب فيها قوة الإرادة والنفس الطواعة ودرجة القناعة لأنها تتطلب الالتزام والابتعاد عن الشذوذ التطلعي والمنفعة الشخصية وتغليب التزمت على العقلانية ( بإطار انضباطي أخلاقي قيمي كضرورة للشخصية البعثية).

إن التحلي بأخلاقيات البعث في التعامل هو (نموذجية بعثية).

فمن الخطأ جداً أن نعد البعث مؤسسة عددية أو رقماً فضائياً بل هو نادي تربوي تعليمي يصقل المواهب ويهذب النفوس للتكامل الشخصي وتخريج المؤهلين للعمل في سوح النضال.

إن التزود بالأخلاق البعثية وقيمه تمثل صمامات الأمان ومعين لحمايته من التجاذبات السياسية والفكرية الرخيصة وتحصنه من أمراضها، فحينما نكون بعثيين بحق نكون قادرين على الارتقاء بالمهام النضالية إلى مستوي الرسالة الخالدة وأدوات تعبير عن قيم ومبادئ البعث يجسدها في تفاصيل تعامله اليومي مع الجماهير، أما الذي يلتحق بالبعث بجسمه فقط في كل محطات نضاله بدءً من الاجتماع الحزبي صعوداً فهو سلبي وعاجز وضعيف الإرادة وفقير الرؤية لداخل منظومة البعث وخارجها.

وتبعاً لذلك سيبقي أعرجاً معوقاً لكل مستقبليات النهضة والتنمية الثورية وفاقداً لمستلزمات الإنجاز في التغيير للنضال القومي ويكون عامل تعطيل لمكانة النضال الجماهيري، وربما عنصر يهتز عند الأزمات أو ينزلق إليها. إن الأخلاق البعثية لا تتوقف بوصلتها كالساعة، وإنما هي رافد يزود البعثيين بالطاقات وإرشاد توعوي لما يحدث وما سيحدث.

لقد حمل البعث وزر كل الأزمات والاختناقات للسياسة العربية العرجاء وواجه الأعداء بصلابة وعنفوان الشجاعة والإيمان حتى بعد الاحتلال حيث تم فرز من تربى على الأخلاقية البعثية ومن تربي على قيم دخيلة، وهم نفر من ذوي العاهات الفكرية الذين لم يستوعبوا البعث نظرية وعقيدة وأخلاقاً ،كانت انتماءاتهم ناقصة ومبتورة ولم يحظوا كثيراً بعمق العقيدة البعثية وتكامل الترابط بين روح النضال وديمومة الإيمان بالعقيدة ،لذلك برزت أمراضهم الارتدادية حيث توفرت لهم ظروف الارتداد والعزلة القاتلة أمام قيادة صلبة مؤمنة بخياراتها في اعتناق عقيدة البعث لأجل مصلحة الأمة .

هذا العمق الإيماني للقيادة وقواعدها هو نوط الشرف الرفيع لما تزينوا به من أخلاقيات وقيم ومبادئ، وبقاء قوتها في مزاولة التنظيم لأجل ديمومة الانسجام بين الفكر والممارسة وانتهاج السلوك المنظم الذي تربي البعثيون عليه بعيداً عن السلوكيات المدانة، وتبقى الأخلاق عنوان البعث في نضاله الوطني القومي محوراً تنموياً لكل حاضر ومستقبل.