شبكة ذي قار
في الذكرى السابعة والخمسين لثورة ١٧-٣٠ تموز المجيدة: استذكار للاستلهام

افتتاحية العدد 421 من مجلة صدى نبض العروبة- الخاص بالذكرى 57 لثورة 17-30 تموز المجيدة

 

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة ١٧-٣٠ تموز المجيدة: استذكار للاستلهام

 

أمس ثورة البعث العظيمة في تموز ١٩٦٨ م في العراق ليس ببعيد، ولم يغب عن ذاكرة شعبنا الأبي، ليس لأنه شامخ بما أنجز فقط بل لأن أعداء الثورة بكل أشكالهم وألوانهم وجغرافية وجودهم يهاجمون الثورة وحزبها وقيادتها إعلامياً ليل نهار بكل وسائل الإعلام والتواصل في محاولات مستميتة، غير إنها فاشلة، لتبشيع تاريخ الثورة المجيد، ولتغييب ما حققته للعراق وللأمة العربية من مكاسب وإنجازات تاريخية كثيرة وعميقة.

لذلك فنحن حين نحتفي بالذكرى ٥٧ للثورة فإننا لا نخوض في التاريخ لاستحضاره بل نتعاطى مع واقع مادي واعتباري قائم لن يزول لأن جذوره ممتدة في عمق أرض العراق، ونوعيته في محصلتها الإجمالية لم ينتج مثلها قبل ثورة الشجعان الوطنيين القوميين الأحرار، ولأن ما جاء على مذبحها هم جيوش الغزاة وقطعان الرذيلة السياسية والاجتماعية والمنقطعون عن سمات الوطنية انقطاعاً وراثياً.

لقد تم تفجير ثورة البعث عام ١٩٦٨ م من رجال عراقيين يمتلكون الفكر والعقيدة، ويعرفون قيم وسبل وقوانين إدارة الدولة، ويجيدون التخطيط، ويعرفون معرفة علمية وموضوعية ما يريدون تبديله.

جاءت الثورة بعقيدتها الوطنية القومية لتطبق معاني الثورة في التغيير الشامل والجذري في كل مسارات حياة الإنسان ومنهج الدولة وسياساتها.

 لقد نجحت ثورة تموز ١٩٦٨ في بناء العراق ورفع شأنه وتحقيق الاستقلال الناجز، وفجرت خطط التنمية بإلغاء هوامش التخلف عبر حرق الزمن بجهد قيادي وشعبي جبار، ونجحت نجاحاً باهراً في تحويل العراق إلى أرض العرب المحررة الممثلة لدولة الأمة الواعدة.

إن عوامل الاستعداء البشع للثورة وللعراق لم يكن لها من أسباب غير نجاح الثورة وقيادتها في تكوين الدولة العربية التي تعرف كيف تحمي نفسها وتعرف كيف تخطط لاستعادة أرض العرب وسيادتهم وثرواتهم.

إن استذكارنا لثورة تموز ١٩٦٨ الباسلة المجيدة لا يخرج قط عن إطار استلهام عظمة الثورة، ونحن نسير قدماً لتحرير العراق ليعود سيد الأوطان.

مَأْسَاة الإهْمَال فِي الكُوت: حَرَائِق تَتَغَذَّى عَلى الفَسَاد وَالعِرَاقِيُّون يَدفَعُون الثَّمَن
مَأْسَاة الإهْمَال فِي الكُوت:
حَرَائِق تَتَغَذَّى عَلى الفَسَاد وَالعِرَاقِيُّون يَدفَعُون الثَّمَن
أحمد ابو داود
ما يشهده العراق منذ سنوات سلسلة متواصلة من حوادث الحرائق باتت تُسجَّل بوتيرة مثيرة للقلق. من الأسواق والمولات إلى الوزارات والمخازن الحكومية، مرورًا بالمستشفيات والمخيمات، تندلع النيران ثم تُختم القصة غالبًا بعبارة: “تماس كهربائي”. ومنها مؤخراً مأساة الحريق المُفجِع الذي اندلع مساء أمس داخل مبنى تجاري مؤلف من خمسة طوابق وسط مدينة الكوت في العراق، أودى بحياة 61 مواطناً بريئاً، من بينهم 14 جثة متفحمة لم يُتَعرَّف على هوياتها .
لكن هل يمكن اختزال هذا التصاعد إلى مجرد أعطال فنية؟ أم أن خلف هذه النيران ما هو أعقد وأعمق؟ فما هي العوامل الحقيقية التي تقف وراء هذه الكوارث التي تحصد العشرات من ارواح المواطنين الابرياء ؟
أولًا: بنية تحتية متهالكة وكهرباء عشوائية
السبب الأكثر تكرارًا في تقارير التحقيقات الرسمية هو “التماس الكهربائي”، وهو أمر قابل للتصديق في ظل غياب اي تنظيم لهذه المنظومة بما يضمن سلامة المواطنين. فالمنظومة الكهربائية العراقية مهترئة. والتمديدات عشوائية،
والمحولات متهالكة، وغياب شبه تام لمعايير السلامة الكهربائية، وكلها عوامل تجعل من الكهرباء “قنبلة موقوتة” داخل كل مبنى.
يُضاف إلى ذلك غياب متطلبات الدفاع المدني والوقاية، خصوصًا في الاماكن المكتظة مثل الأسواق والمستشفيات، حيث يُفترض أن تكون أدوات الإطفاء والإنذار جاهزة وخاضعة الى رقابة نظامية ودورية ، لكن الواقع يُظهر غيابها أو تقادمها.
ثانيًا: الإهمال والفساد.. بيئة محفزة للكارثة
لا يمكن فصل تكرار هذه الحوادث عن منظومة الإهمال الإداري والفساد المؤسسي الذي يغلّف قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة. ففي اهمال تام لخطورة ذلك على حياة المواطنين، غالبًا ما تُمنح التراخيص دون تدقيق في اشتراطات السلامة، وتُصرف أموال “التحصين” والوقاية، دون أن يظهر لها اي أثر فعلي على ارض الواقع.
والأكثر خطورة واجراماً، أن الحرائق أحيانًا تكون متعمدة – حسب شهادات وتحقيقات صحفية – بهدف التغطية على سرقات، أو إتلاف وثائق مرتبطة بملفات فساد، أو حتى لمحو أدلة تتعلق بشبهات انتخابية أو أمنية.
وفي ظل غياب منظومة عدالة فاعلة، تبقى هذه الجرائم بلا فاعل، وتُغلق التحقيقات غالبًا بـ”عدم كفاية الأدلة”.
ثالثًا: البعد السياسي والأمني في المشهد
ما يثير الريبة هو تكرار اندلاع الحرائق في مؤسسات حساسة أو خلال توقيتات معيّنة تتسم بحساسية زمنها وبكونها ذات طابع حرج.
فالحرائق تندلع في ظروف واماكن تثير الريبة منها في اقل تقدير نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي :
• عشية إعلان نتائج انتخابات
• أو في مراكز تُخزَّن فيها وثائق فساد
• أو داخل مستودعات وزارات سيادية.
فهل كل ذلك يحدث مصادفة؟
في بلد تتداخل فيه أجهزة الدولة مع النفوذ الحزبي والسلاح غير الرسمي، يصبح من الصعب استبعاد فرضية التصفية السياسية أو الإخفاء المتعمد للادلة والمعلومات. وعندما يحدث ذلك مع غياب الشفافية عن نتائج التحقيقات ويتكامل معها، فان ذلك يزيد الشكوك أكثر مما يبدّدها. لتصبح حياة المواطنين الابرياء فريسة لالتهام نيران الفساد والاهمال والتواطؤ..
ان ما يحدث في العراق من تكرار الحرائق ليس ظاهرة عرضية، بل مؤشر واضح على خلل بنيوي في منظومة الدولة. خلل يجمع بين الفساد والإهمال، والتسيس والتقصير، ويُدار غالبًا بعقلية “رد الفعل” بدلًا من التخطيط الاستباقي.
ان النيران التي تشتعل في الأسواق والمستشفيات، هي اعلان مأساوي عن احتراق الثقة العامة، و عن الانعدام الفاضح لقدرة الدولة على ضبط الأمن وصيانة قطاع الخدمات.
17 تَمُّوزَ/ يُولْيُو 1968: مَا بَيْنَ المُمْكِن القَوْمِيّ وَ اسْتِئْنَافِ المَعنَى

17 تَمُّوزَ/ يُولْيُو 1968:

مَا بَيْنَ المُمْكِن القَوْمِيّ وَ اسْتِئْنَافِ المَعنَى

 

 

أ‌.    طارق عبد اللطيف أبو عكرمة – السودان

 

 

ليس كل ما يُسمّى ثورة يكون كذلك، فالثورات الحقّة لا تُعرّف من خلال مجرد الاستيلاء على السلطة، بل من خلال قدرتها على زلزلة المفاهيم السائدة، وفتح أفق جديد للكينونة الجماعية. وثورة السابع عشر من تموز 1968، في قطر العراق، لم تكن مجرد انتقال سلطوي في سياق اضطرابات المنطقة، بل كانت خطوة وجودية لإعادة تعريف الزمن العربي، عبر استنطاق ممكنٍ قوميّ ظلّ يراود العقل الجمعي منذ تفكك بنيات الخلافة، وتوزع الكيانات، وتناسل الهزائم.

 لعلّ من الضروري وضع ثورة تموز في سياقها التاريخي الأوسع، فهي لم تنفجر في فراغ، بل جاءت بعد مرحلة من الهزائم العربية والصراعات السياسية والانقلابات، في ظل نكسة (1967)، وصعود مشاريع التحرر الوطني، وانهيار آمال القومية في أكثر من قطر عربي. لقد شكّلت تموز، بهذا المعنى، ليس فقط استئنافًا للمشروع القومي، بل نقلة نوعية إنقاذية لروح الأمة العربية من التشظي واليأس.

 

كانت الثورة اعلاناً بأن الإرادة العربية لم تمت

 لقد جاءت تموز لا كإجابة على سؤال سياسي عابر، بل كمداخلة في خطاب التاريخ ذاته. كانت إعلانًا ضمنيًا بأن الإرادة العربية لم تمت مع نكسة حزيران، وأن الفعل التحرري لا يزال ممكنًا حين تمتلك الأمة العربية مشروعاً، وتحرراً معرفياً من البنية التحتية للتبعية. ولهذا، فإن تموز لا تُقرأ كحدث محلي، بل كواقعة فلسفية وسياسية في آن، عبّرت عن لحظة وعي اشتبكت مع أسئلة الكينونة والمصير، لا من موقع الإنفعال، بل من موقع الفعل المؤسِّس.

 دلالات الثورة

 إن دلالات الثورة تكمن في عمق رفضها لواقع التبعية والخضوع، وفي سعيها الحثيث لإنتاج مشروع ذاتي متحرر من الوصاية، متجاوز للحدود المصطنعة، محكوم برؤية وحدوية تحررية نابعة من الأرض والإنسان. فقد حرّرت تموز السيادة الوطنية من مفاهيمها الشكلية، وردّت السياسة إلى معناها الجوهري: أن تكون تعبيرًا عن إرادة جمعية تسعى لإعادة تشكيل العالم. ومن هنا، فإن تموز لم تكن انفعالاً نخبويًا، بل تمثّلت طموح الإنسان العربي البسيط في الكرامة، والانتماء، والعدالة.

 على مستوى الداخل العراقي، أحدثت الثورة تحولات هيكلية في الدولة والمجتمع؛ فقد أُعيد تعريف الدولة بوصفها أداة للتمكين لا القمع، وبدأ الإنسان يستعيد مكانته كمحور لكل تنمية. التعليم لم يعد امتيازًا طبقيًا، بل حقًا وطنيًا، والنفط لم يبقِ مجرد مورد تستنزفه الشركات الأجنبية، بل تحول إلى ذراع سيادية تموّل التنمية وتعيد رسم خريطة العدالة الاجتماعية. هذه المقاربات لم تكن مجرد إصلاحات، بل كانت تعبيرًا عن رؤية فلسفية للإنسان بوصفه قيمة عليا، لا وسيلة إنتاج فقط.

 فمثلًا، شهدت السنوات الأولى للثورة إطلاق حملات لمحو الأمية، وتوسيع مجانية التعليم، وتأسيس الجامعات ومراكز البحث العلمي، وبرز قانون التأميم سنة (1972) الذي أعاد النفط إلى السيادة العراقية، وموّل سلسلة من مشاريع البنية التحتية والتنمية الريفية. لم تكن هذه السياسات مثالية، لكنها حملت في طياتها وعيًا بنيويًا بضرورة ربط السيادة الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. هذه الرؤية تفسر التحول من دولة تابعة إلى فاعل مستقل، كما تجلت في تأميم النفط ومحو الأمية.

 استعادت الثورة الروح القومية من براثن الإحباط

 وفي المجال القومي، استعادت الثورة الروح القومية من براثن الإحباط والتشكيك، ما حدث في بغداد اي (ثورة 17 تموز) أعاد الاعتبار للمشروع القومي بعد نكسة (1967). هذا التوصيف يربط بين الثورة والمشروع القومي الجامع، مؤكدًا أن إنجازاتها تجاوزت الحدود القُطرية.  وطرحت مشروع الوحدة بوصفه ضرورة وجودية، لا ترفًا أيديولوجيًا. لقد سعت إلى أن تكون الدولة القُطرية، بكل محدودياتها، نقطة ارتكاز نحو أفق عربي مشترك، يحفظ الخصوصيات دون أن يغرق في التجزئة، ويستثمر الثروات لا في خدمة مراكز الهيمنة، بل في بناء كيان عربي جديد. وكان في هذا الطرح وعيٌ دقيق بأن القومية ليست عداءً للآخر، بل تحرر من العلاقة غير المتكافئة معه. 

ولم يكن المشروع البعثي (التموزي) حبيس السياسة والاقتصاد فقط، بل امتد إلى الحقول الثقافية والفنية، حيث شهد العراق آنذاك ازدهارًا في الفنون التشكيلية، والمسرح، والسينما، والكتابة، وتأسست مؤسسات ثقافية حملت مشروعًا نهضويًا يروم استعادة الإنسان العربي كمبدع، لا كمتلقٍ فقط.   لقد كانت الثقافة أداة بناء رمزي للهوية، لا وسيلة تزويق للنظام

دعوة لاستئناف الفعل العربي الذاتي

تموز، إذن، كانت مشروعًا لتحرير المفهوم، لا فقط لتحرير الأرض؛ وكانت دعوة لاستئناف الفعل العربي من موقع الذات، لا كمجرد رد فعل على الخارج. إنها أعادت طرح سؤال: (من نحن؟). لكن لا من موقع النوستالجيا، بل من موقع البناء. لقد كانت القومية فيها رؤية حضارية، لا خطابًا عاطفيًا. وحدة، لا لأننا (نحن)، بل لأن شرطنا التاريخي والاقتصادي والسياسي يفرضها.

وحرية، لا بوصفها رفضًا للاحتلال فقط، بل كتحرر من الاستلاب، من الداخل والخارج. واشتراكية، لا كشعار جاهز، بل كأفق أخلاقي للعدالة وتوزيع الثروة وتمكين الفئات المهمشة. أن الفكرة التي حملتها الثورة، والطاقات التي أطلقتها، لا تزالان شاهدة على إمكانية النهوض. فلا يُقاس المشروع فقط بنتائجه، بل أيضًا بأسئلته، وبما فتحه من أفق أمام وعي الأجيال. 

وإذا كان لا بد من استشراف، فإن تموز تعود اليوم لا بوصفها تجربة ماضية، بل كمشروع مؤجل. وأن الثورة ليست يومًا واحدًا، بل مسيرة متواصلة تُقاس بقدرتها على تجديد نفسها أمام تحديات الأمة العربية. وهذا يفسر ضرورة إعادة قراءة تموز اليوم لا كحدث تاريخي، بل كإطار لتجاوز التشظي الراهن.

 إن ما نشهده من انهيارات في البنية العربية، ومن تفكك الهويات الكبرى إلى طوائف وولاءات صغيرة، يؤكد أننا بحاجة إلى روح تموز؛ لا لنعيد تمثيلها كما كانت، بل لنجدد معناها، ونستعيد وظيفتها الأصلية: إعادة توحيد العقل العربي، واستنهاض الإرادة، واستئناف مشروع النهضة.  تموز، اليوم، هي إمكان يتجدد: أن نكون أمة عربية لا تعيش على هوامش التاريخ، بل تكتبه. 

ولعل السؤال الأعمق الذي تطرحه تموز في وجه الراهن المتشظي هو: هل لا يزال بالإمكان أن نقول (نحن)؟ لا على نحو عاطفي أو أيديولوجي، بل على نحو وجودي؟ وإذا كانت القومية العربية كما تجلّت في الثورة مشروعًا للتحرر، فهل لدينا اليوم شجاعة تجديد القومية كمفهوم مفتوح، لا كماضٍ مغلق(فحسب)؟

  وهل نستطيع أن نعيد بناء المشروع النهضوي، لا كأمنية رومانسية، بل كحاجة تاريخية تفرضها وقائع الانهيار؟

 إحياء ذكرى تموز يكمن في استئناف المشروع النهضوي

 تموز، في جوهرها، ليست تمجيدًا للسلطة، بل استعادة للمعنى. ولذلك فإن الاحتفاء بها لا يكون بالحنين، بل بالاستئناف. استئناف سؤال الكينونة العربية، والتاريخ، والمصير. وهذا يفسر ضرورة إعادة قراءة تموز اليوم لا كحدث تاريخي، بل كإطار لتجاوز التشظي الراهن.

 إن ما يعيشه الوطن العربي اليوم من انقسام هوياتي، واستقطاب طائفي، وانهيار للدولة الوطنية، يعيد طرح سؤال تموز بصورة أكثر إلحاحًا: هل ثمة أفق قومي جديد يمكن أن يولد من تحت ركام الحروب والانقسامات؟ وهل لا تزال فكرة الوحدة والتحرر والمساواة قابلة للبعث في ظل اقتصاد السوق النيوليبرالي والتدخلات الإقليمية؟

  وإذا ما قورنت ثورة 17 تموز بثورات عربية أخرى، فربما كانت من القلائل التي جمعت بين مشروع السيادة الوطنية والتكامل القومي، دون أن تقع تمامًا في فخ الشعبوية أو الانغلاق الأيديولوجي، بالرغم مما افرزه تصديها للعدوان والحرب عليها منذ التأميم وحتى ملحمة الحواسم من ملاحظات في القرار العسكري / السياسي إنها، بهذا المعنى، درس تاريخي مفتوح، لا نموذجًا مغلقًا.

 ليست تموز مجرّد تاريخ يمرّ، بل إمكانية تتجدّد، ما دامت الأمة العربية لم تفقد إحساسها بالكرامة، وما دام هناك من لا يزال يصرّ على أن المشروع القومي النهضوي العربي لا يموت، بل صيرورة نضالية لمئات السنين، ويحتاج إلى من يُعزز تشغيل ذاكرته و يستأنف مسيرة  معناه.

 

بيان قيادة قطر سوريا حول العدوان الصهيوني على سوريا

أمة عربية واحدة.

ذات رسالة خالدة

حزب البعث العربي الاشتراكي

قيادة قطر سوريا

 

بيان حول العدوان الصهيوني على سوريا

 

أقدم العدو الصهيوني خلال الساعات الاخيرة على تصعيد خطير لعدوانه على سوريا من خلال قصفه لمرافق رسمية وحيوية في قلب العاصمة دمشق .  وهذا التصعيد العسكري ترافق مع حملة سياسية عالية المنسوب للتدخل في الشؤون الداخلية السورية. واذا كنا نرى في ما اقدم عليه العدو من عدوان متمادي على بلدنا العزيزر،فإننا  لانجد فيه استغراباً عن سلوك  كيان قام على اغتصاب فلسطين ويرتكب  المجزرة تلو الاخرى بحق جماهير شعب فلسطين في غزة ،مع استمرار اعتداءاته على لبنان ضارباً بعرض الحائط بكل المواثيق الدولية وخاصة احكام القانون الدولي  الانساني الذي تنتهك احكامه في افظع جريمة ابادة ترتكب بحق شعب  يناضل للدفاع عن هويته الوطنية وحقه في تقرير مصيره.    .

ان العدو الصهيوني ما كان ليتمادى في عدوانه المتعدد الاشكال لولا  العجز الذي  وصل اليه الوضع العربي والانكشاف القومي الذي تعاني منه الامة منذ العدوان على العراق واسقاط قلعة الصمود القومي التي يجسدها العراق في ظل نظامه الوطني.  .

لقد استبشرت جماهير سورياً خيراً باسقاط النظام السابق وأمِلَت بتغيير سياسي يكون قادراً على مواجهة التحديات الكبرى،  من تحدي مواجهة تحدي الاحتلال الصهيوني للارض السورية وتحدي اعادة تكوين السلطة على الاسس التي تمكن شعب سوريامن التصدي للمخاطر التي تهدد الوحدة الوطنية . لكن العدو الذي استغل معطى المرحلة الانتقالية سارع الى تصعيد عدوانه لوضع سوريا امام الخيارات الصعبة ،  وهو اذ يوسع من رقعة احتلاله فلكي يفرض احزمة امنية في داخل الارض السورية وعلى طول الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة. وان تقديم نفسه كحام لمكون مجتمعي سوري فهذا ليس ذراً للرماد في العيون ، في وقت ترفض جماهير شعبنا في الجنوب السوري وفي جبل العرب خاصة مزاعم العدو من خلال تأكيدها على ارتباطها الصميمي بهويتها الوطنية وانتمائها القومي واستعدادها للانخراط في انتاج الحلول التي تضع حداً للاختراق الصهيوني ،وتعيد ربط المناطق السورية بمركزية الدولة التي تشكل الضامن الاساسي لحقوق كل ابناء سوريا بكل طيفها المجتمعي. 

اننا في الوقت الذي ندعو فيه الى حشد الامكانات الشعبية والسياسية لمواجهة العدو الصهيوني واختراقاته التي كانت وراء زعزعة الاستقرار في السويداء وجوارها ،نؤكد بان مهمة التصدي لكل من يهدد حرمة الارض وقدسيتهاهي مهمة وطنية شاملة ، وهذا ما يفضي الى وجوب اعادة تكوين السلطة الانتقالية على الاسس التي ترفر ارضية صلبة يتم الوقوف عليها لمواجهة العدو الصهيوني وكل من يضمر شراً بسوريا.  وان توسيع دائرة المشاركة السياسية الوطنية في ورشة اعادة البناء الوطني ، لاتزيد من عوامل المناعة الداخلية في مواجهة العدو واطماعه وحسب، بل ان ذلك سيعزز من دورالدولة في مواجهة حالات التفلت الامني  والتجاوزات على حريات الافراد والجماعات ، ويجعلها في الموقع القادر على المحاسبة والمساءلة لكل من يثبت انتهاكه للحرمات الاجتماعية والانسانية.            .

ان شعب سوريا مفطور على الوطنية وعلى انتمائه الاصيل لعروبته ، وان الاختراقات الصهيونية المتعددة الاشكال والممارسات الشاذة لبعض الخارجين عن القانون  لايمكنها ان تشوه  صورة هذا الشعب وحبه لوطنه.   وما يتناقله الأعداء في وسائل الاعلام فهو عارٍ  عن الحقيقة  وهو يندرج في اطار  المؤامرة على شعبنا في سوريا علماً ان  الرد على الغلط وعلى السوء بالسوء يعني أننا انزلقنا الى ما خطط واراد له الأعداء والتشنج في المحصلة لا يخدم استقرار ورفعة شعبنا .

كما اننا نحث  الادارة السياسية  في سوريا على عدم الانجرار الى مواقع تسيء لأي من ابناء شعبنا بل يفترض بها محاسبة  المسيئين بشكلٍ رادع كي لا تتكرر اساءاتهم .

وليكن واضحاً بان الرد على العدوان الصهيوني المتكرر على سوريا منذ عشرات السنين لن تردعه الشرعية الدولية الممثلة بمجلس امن تابع لقوى العدوان بل بالعمل وبسرعة وبحزم على اعادة سوريا كقلب للعروبة النابض  وبناء جيشها ليأخذ موقعه المتقدم مع الشعب  في مواجهة العدو الصهيوني وكل من يناصب العروبة العداء.  .

ان التفاف جماهير شعبنا حول شعار الدفاع عن سوريا ووحدة ارضها وشعبها  لن يتحقق ما لم تتكاتف القوى الحريصة على استعادة سوريا لموقعها ودورها  وهذا بتصرف الادارة السياسية التي تدير شؤون البلاد في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها سوريا والامة العربية  ,

رحم الله الشهداء الذين سقطوا في سوريا نتيجة العدوان الصهيوني والفتنة التي يغذيها العدو وكل من ينفذ اجندة اهدافه التي باتت مكشوفة .

وعاشت سوريا واحدة موحدة.

قيادة قطر سوريا .

. 17 / 7 / 2025

بعد سبعة وخمسين عاماً ثورة 17 تموز تزداد ألقاً

 بعد سبعة وخمسين عاماً

ثورة 17 تموز تزداد ألقاً

 

أ.د. سلمان الجبوري

 

تكاد تنفرد ثورة 17-30 تموز 1968 من بين كل الثورات في العالم بميزات أهمها كونها ثورة بكل معنى الكلمة، إضافة إلى اتسامها بدقة التخطيط لإنجاحها وسرعة تحقيق المنجزات خلال مدة قصيرة لم يتجاوز أمدها العشر سنوات.

ففيما يخص التخطيط لها فرغم الظروف التي أحاطت بالحزب منذ الردة السوداء في 18 تشرين الثاني 1963 من مطاردات وسجون وتضييق فقد استطاعت طليعة من البعث كانوا فتية آمنوا بربهم وبعقيدتهم وبصدق أهدافهم فتعززت ثقتهم بتحقق النصر فتمكنوا من تفجير ثورة بيضاء بكل نجاح.

وقد شرعت قيادة الثورة ومنذ اللحظة الأولى لانطلاقتها بتحقيق ما وعدت به جماهير الشعب.

إن سعي الثورة لتحقيق الأهداف التي رسمتها على المستويين الوطني والقومي قد ألب الأعداء ضدها كون تلك المنجزات كانت تمثل خطوة جريئة وفريدة تضعف مساعي الامبريالية العالمية التي تسعى لإبقاء الصراعات ملتهبة في الوطن العربي والمنطقة لإحكام السيطرة عليها وتوجيهها باتجاه مصالحها.

لذا نرى أن كل الخطوات الثورية التي خطتها ثورة 17تموز قد أغاضت المعسكر الامبريالي بدءً من اتفاق الحكم الذاتي مروراً بتأميم الثروة النفطية ومحو الأمية وتثوير القطاع التربوي والعلمي وتحقيق إنجاز الجبهة الوطنية والقومية التقدمية مما جعل العراق منارة للشرق الأوسط وللعرب يحتذى بها مما أثار مخاوف المعسكر الامبريالي من أن تحذو الدول المحيطة حذو العراق فتتخذ خطوات مشابهة فيفت في عضد المخططات الامبريالية التي تسعى لإبقاء هذه المنطقة ضعيفة ومنشغلة بالصراعات ما بين مكوناتها أو بينها وبين البعض من الجوار.

ولهذا نرى أن المعسكر الامبريالي سعى جاهداً لإيقاف تلك المسيرة وما هو إلا عقد من الزمن لتفعل الماكينة الامبريالية فعلها في اشغال العراق بحرب مع إيران موعزة لها بإطالة أمدها بهدف هدر موارد العراق واضعافه لتتبعها المؤامرات الواحدة تلو الاخرى وفرض الحصار الاقتصادي الذي دام لثلاثة عشر سنة لتختم الامبريالية جهدها باحتلال العراق وتسليم مقاليده لفئات ليس همها سوى التخريب على المستويين القيمي والمادي.

أما على مستوى الإنجازات ذات الصلة المباشرة بحياة المواطن والتي تهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية، فلابد أولا من التطرق إلى الإنجازات التي تصب في تحقيق العدالة وبالتالي الرفاهية المجتمعية التي استطاعت الثورة تحقيقها.

إن هدف تعزيز الوحدة الوطنية يستند إلى تطبيق مبدأ الواجبات أولاً ثم الحقوق وبالتالي تزول الفوارق بين فئات الشعب المختلفة وتسود القناعة لدى المواطن المخلص فينصرف إلى أداء واجباته الوطنية بإخلاص وأمانة تامَّين.

لقد وضعت ثورة 17 تموز ومنذ اليوم الأول لانطلاقتها المواطن العراقي في كافة مراحل حياته في مقدمة أولوياتها، وذلك لأهمية الدور الذي يلعبه في تكوين ذاته وتطوير مجتمعه، ولذا فإن الثورة أولت هذا الأمر جل اهتمامها للوصول بالمواطن إلى درجة من الرقي لكي يكون عنصراً إيجابياً في مجتمعه، ويحقق في النهاية السعادة التي يرجوها من خلال دوره الفاعل في البناء والنهوض الاقتصادي.

ولأجل بلوغ هدف خلق الإنسان الواعي والحريص على بناء وطنه والدفاع عنه كان لابد من التركيز أولا على البناء القيمي وتعزيز روح المواطنة لديه.

وكان البعثيون قدوة في ذلك بدءً من إشاعة روح العمل الجماعي والتطوعي والحرص على أمن العائلة، فانتقلت بالمواطن ليكون قائداً ومنتجاً في آن واحد، وفي هذا المجال سنورد وباختصار ما تحقق في عدد من المجالات:

فعلى الجانب المجتمعي فقد قامت الثورة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وبدء صفحة جديدة من العمل الوطني المشترك وكذلك إعادة المفصولين السياسيين إلى الخدمة وتحسين ظروف معيشة الإنسان العراقي عن طريق توفير فرص العمل، وتحصين المواطن وذلك بزيادة معارفه عن طريق توفير فرص التعليم المجاني بدءً من محو الأمية وانتهاءً بإلزامية التعليم الابتدائي ومجانيته وتوسيع فرص التعليم العالي المجاني.

لم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل شمل تأمين مستلزمات العيش الكريم والأمن للمواطنين بدءً من تطوير مرافق الحياة اليومية الصحية منها أو المتعلقة بالأمن وتحقيق العدالة.

أما على مستوى قطاعات الحياة الاقتصادية فقد أحدثت الثورة نهضة كبيرة على المستويات الاقتصادية كافة، فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قامت الثورة بدعم وتطوير القطاع الزراعي وذلك بتوفير جميع مستلزمات الزراعة وتأمين مستلزمات النهوض بها وذلك بتوفير المياه وبناء السدود وانشاء المصانع الرافدة للعمل الزراعي.

وكذلك الأمر ينطبق على بقية قطاعات الحياة الاقتصادية الصناعية والبنى التحتية والتجارية وكل ما يتعلق بإحداث نقلة نوعية في حياة المواطن والمجتمع.

ولو أردنا أن نستذكر جميع تفاصيل ما أنجزته الثورة خلال الخمس وثلاثين عاماً من عمرها فإن ذلك سيحتاج إلى مجلدات، لذا سأقتصر على الإيجاز أعلاه.

وفي الختام لابد من أن ندعو بالرحمة لمن قضى نحبه من قادة الثورة، وبالعز والسؤدد لمن لازال حياً، والنصر للعراق عرين المناضلين.

 

 

 

 

 

 

 

بيان القيادة القومية حول العدوان الصهيوني الأخير على سوريا

 

القيادة القومية : 

 

الرد على العدوان على سوريا بإعلان التعبئة العامة

وتوسيع دائرة المشاركة السياسية في البناء الوطني.

 

 

اعتبرت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، ان مواجهة نوازع التوسع الصهيوني ،يكون  بالخروج من وهم التسوية واعادة الاعتبار للمقاومة وتجذير ثقافتها ، واكدت على اهمية اطلاق الطاقات الجماهيرية والحريات العامة والتحول الديموقراطي والتداول السلمي للسلطة بكل انعكاساته الايجابية على تكوين السلطة الانتقالية  وذلك لتصليب الارضية الوطنية في مواجهة العدوان الصهيوني.

 جاء ذلك في بيان للقيادة القومية في مايلي نصه.

    في الوقت الذي يستمر فيه العدو الصهيوني في حرب الابادة الجماعية التي يشنها ضد جماهير شعب فلسطين في غزة الصمود والتضحية  والتي قاربت  عامها الثاني ، وفي الوقت الذي يستمر بعدوانه على لبنان بعد ثمانية شهر على وقف اطلاق النار ، يُقْدِم على تصعيد عدوانه ضد سوريا مستهدفاً هذه المرة مقرات رسمية في العاصمة دمشق ومن بينها محيط القصر الرئاسي ووزارة الدفاع وقيادة الاركان ، وقبلها قيامه بقصف اليات عسكرية متوجه الى السويداء لضبط الامن ووضع حدٍ للاشتباكات الدموية التي تبدو اصابعه واضحة في تحريكها لخلق بيئة توتر بين ابناء المنطقة سعياً لاستغلالها  والتدخل في شؤونها بزعم توفير حماية لمكون شعبي كان وسيبقى من نسيج سوريا الوطني والشديد الحرص  على وحدة سوريا ارضاً وشعباً ومؤسسات ، وهوالذي سطر صفحات خالدة في مقاومة المستعمر الفرنسي وفي تأكيد دور سوريا كرافعة للنضال العربي.

ان العدوالصهيوني بتصعيده لعدوانه على سوريا في الوقت الذي تتلمس فيه طريقها لاعادة بناء نفسها بعد عقود من المعاناة والاستلاب الاجتماعي والوطني  ، انما يسعى لتوسيع رقعة احتلاله الى ابعد من حدود فلسطين التاريخية وخاصة  تلك التي تتاخم فلسطين على حدودها الشمالية والشرقية.ولهذا فإن مطامع  التوسع عند الكيان الصهيوني تبرز الى العلن بسبب ماينتاب الوضع العربي من ضعف ووهن ، وما يحظى به من دعم مطلق من الولايات المتحدة الاميركية. وان يبدأ العدو تصعيد عدوانه على سوريا بعد عودة نتنياهو من زيارة لاميركا ، فكأنما ينفذ ماتم التفاهم عليه مع الادارة الاميركية ، وهذا مايكشف زيف الموقف الاميركي حيال ماتتعرض له سوريا من عدوان صهيوني.

ان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، ترى في تصعيد العدوان الصهيوني على سوريا مع استمراره على غزة ولبنان ، يفضي الى تأكيد الحقيقة الثابتة ، بان المشروع الصهيوني الاستيطاني لايقتصر على فلسطين وحسب وانما يستهدف الامة العربية برمتها وفرض هيمنة التحالف الصهيو-  اميركي عليها  اما بالاحتلال المباشر واما باقامة غلافات امنية تكون بمثابة سياج آمنٍ لكيانه ،واما باقتناص حالة  الانكشاف القومي الراهنة لتعميم مايسمى باتفاقات ابراهم والتي تشّرع الاختراق الصهيوني للعمق القومي العربي. ومن يظن ان العدو الصهيوني ستردعه المواثيق الدولية ، فهذا ظن خاطئ لان كيان الاغتصاب الذي يبرر وجوده بنفي الاخر ويمارس سياسية التطهير العرقي وبات يصنف بنظام فصل عنصري ، لاتعني له كل المواثيق الدولية شيئاً ولا يقيم اعتباراً لها  وهو الذي ينتهك احكامها على مرأى من العالم الذي يعجز عن فرض وقف اطلاق نارٍ في غزة كما عجزه عن ايصال المساعدات الغذائية التي باتت مصيدة لالة الحرب الصهيونية التي تحصد يومياً عشرات الشهداء وهم يتهافتون على مراكز المساعدات والاغاثة.

ان عدواً يتسم بالطبيعة العدوانية ، لاسبيل لمواجهته الا بالمقاومة والتصدي له بالامكانات المتاحة ، وحتى يبقى هذا الصراع مفتوحاً على كل الصعد والمستويات وهو  الذي تحكمه قواعد الصراع الوجودي مع المشروع النقيض المتجسد بالمشروع القومي بكل مضامينه التقدمية وابعاده التحررية.

ان القيادة القومية للحزب ، وفي ضوء ادراكها لطبيعة الصراع العربي – الصهيوني والبعد الشمولي الذي يتصف له ترى ان تقديم التنازل تلو التنازل للعدو بحجة ان موازين القوى تميل لصالحه لن يزيده الا صلفاً وتصلباً وتصعيداً في العدوان. وما يحصل اليوم على جبهات فلسطين ولبنان وسوريا الا شواهد حسية على ذلك. 

والعدو الصهيوني اذ  يقدم نفسه مستقوياً على كل العرب فلاستغلاله مما افرزته ادوار تخريبية لقوى اقليمية  عبثت بالامن القومي وحوّلت العديد من الدول العربية الى دول فاشلة فضلاً عن تخلي دول عربية  عن قضية فلسطين ، وبعض ثانٍ   دخل في اتفاقيات تسوية وبعض ثالث دخل  في اتفاقيات تطبيع اقتصادي ، وهذا ماجعل الوضع العربي يفتقر الى مركزية الموقف والقرار بالمواجهة انتصاراً لفلسطين ودرءاً للخطر الذي يتجسد بالمشروع الصهيوني. واذا ما استمر الوضع العربي على وهنه الحالي ، فإن الامور سائرة نحو الاسوأ وستكون عملية التصدي له اكثر تكلفة في المستقبل. ولذلك ، فإن التصدي للمشروع الصهيوني الذي يضرب مخالبه في البنية الوطنية والمجتمعية العربية ، تتطلب :

اولاً : الخروج من دائرة المراهنة على تسوية مع عدوٍ و بات يعتبر الصراع معه وجودياً.

ثانياًان الخروج من وهم التسوية ، يجب ان يقترن بموقف جذري باعتبار ان المقاومة الشاملة هي السبيل الوحيد لانهاء الاحتلال واسترداد الحقوق المغتصبة.

ثالثاً: العودة للجماهير باعتبارها هي العامل الحاسم في تعديل موازين القوى ، وهذه العودة تتطلب اسقاط اطر تعليبها واطلاق طاقاتها وتنظيم صفوفها على قاعدة برنامج كفاحي تترابط فيه قضايا النضال الوطني والقومي بقضايا الديموقراطية والتحرر الاجتماعي.

رابعاً : تحصين الجبهات الداخلية ، عبر توسيع دائرة المشاركة السياسية في البناء الوطني وخاصة في الاقطار التي شهدت اختلالات بنيوية وتسعى لاعادة هيكلة حياتها السياسية على قواعد التعددية وتكوين السلطة الانتقالية وتداولها واحترام الحريات العامة وتوسيع مساحتها.   

ان اكثر الساحات تعرضاً للعدوان الصهيوني هي ساحات فلسطين وسوريا ولبنان ، واذا كانت هذه الساحات تواجه ظروفاً صعبة وضاغطة  في مواجهة ما تتعرض له من عدوان ، فلانها تفتقر الى عوامل المناعة الداخلية ، ولهذا فإن الرد على العدوان وعدم تمكينه من تحقيق اهدافة انما يكون بانتاج وحدة وطنية فعلية في هذه الساحات ، بحيث تتوفر الارضية لتعزيز مقومات الصمود الشعبي والسياسي والاجتماعي وتحد من قدرة العدو على اختراق البنيات الداخلية سواء من خلال الانقسامات العامودية او من خلال تقديم نفسه حامياً لمكونات مجتمعية ليبرر تدخله في الشأن الداخلي وكما يمارسه في سوريا.

ان القيادة القومية للحزب ، ترى ان العدوان على سوريا هو عدوان على الامة كما العدوان على فلسطين ولبنان وكل قطر عربي يطاله مدى العدوان الصهيوني ، وهذا مايملي اتخاذ موقف عربي رسمي وشعبي يرتقي وحجم الخطورة التي تهدد الامن القومي من بوابة تمادي العدوانية الصهيونية. وليكن الرد على العدوان الاخير على سوريا ، بدعوة القيمين على ادارتها السياسية الحالية ، بإعلان حالة التعبئة العامة ، والدعوة الى اوسع مشاركة سياسية في البناء الوطني الجديد لسوريا ، وشعب سوريا الذي كنا وسنبقى ننظر اليه ونعتبره قلب العروبة النابض ، لن يكون الا اميناً على تراثه وتاريخه وقيمه وانتمائه القومي الاصيل.

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي.

في ٢٠٢٥/٧/١٧ 

 

 

          

خطاب الرفيق المناضل أبو خليل في الذكرى 57 لثورة تموز المجيدة

خطاب الرفيق المناضل أبو خليل في الذكرى 57 لثورة تموز المجيدة

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا

صدق الله العظيم

 

يا أبناء شعبنا العراقي العظيم

يا أبناء أمتنا العربية المجيدة

أيها المناضلون البعثيون في كل أقطاركم العربية وفي كل المهاجر التي اضطرتكم ظروف المواجهة مع أعداء أمتكم وأعداء مبادئكم إلى التواجد المؤقت فيها

أيها الأحرار في كل مكان

في فجر يوم الأربعاء السابع عشر من تموز الخير عام 1968، وقبل سبعة وخمسين عاماً، كان فرسان البعث المناضلون على موعد مع القدر، ليرسموا خريطة جديدة لمسار الأحداث في العراق والوطن العربي والمنطقة، عندما استجابوا لنداء الضمير العربي للاضطلاع بدورهم التاريخي الذي ألقت به على عاتقهم ظروف التجزئة والتخلف، كلما انحرف عن طريق العروبة والنضال القومي والوطني، ليعيدوا العراق إلى النهج والطريق القويم، بعد أن أوشك أن ينحرف عن الخط الذي سار عليه مئات السنين.

أيها العراقيون الأباة

لم يكن نجاح رفاقكم الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم فجر السابع عشر من تموز عام 1968، ضربة حظ بل نتيجة خطة مُحكمة حرِصت فيها قيادة البعث على أن تُنفذَ صفحات الثورة بأقل الخسائر وأعلى صور المجد، فاكتسبت بحق صفة الثورة البيضاء، ولقد انطلق منفذو الثورة من مقراتهم إلى أهدافهم بعزم وإصرار، لم يضعوا في حسابهم مفاضلة بين نجاح وفشل، بل كان عزمهم على تحقيق النصر ولا شيء سواه، فالمفاضلة كانت محصورة بين نصرين ولكن أيهما أكثر إشراقاً وألقاً وأملاً بغدٍ أفضل ومستقبلٍ مشرق.

 

 

يا أبناء شعبنا العظيم

يا أبناء الأمة العربية المجيدة

عندما هب أبناء العراق الغيارى فجر السابع عشر من تموز، لم تكن السلطة هدفهم إلا بقدر ما تتيح فرصة وضع منهاج الحزب موضع التنفيذ، وإلا بقدر ما تسمح لهم حل الأزمات الداخلية الموروثة والمزمنة لا سيما قضية شعبنا الكردي العزيز، وكذلك تنفيذ برامج تُحققُ التنميةَ الاقتصاديةَ المتوازنة والاستثمار الوطني لكل ثروات العراق التي ظلت حبيسة أرضه أو نهباً للاحتكارات الدولية الجشعة، تنمية حقيقية تركز على مفهومي السيادة الوطنية وحرية القرار السياسي والإرادة السياسية المستقلة.

لقد تميّز نهوض البعث بذلك العمل الإقدامي الشجاع، بتجسيده لأهداف العراق والأمة العربية من خلال رؤية تاريخية وسياسية عميقة بعيدة المدى، تهدف لقطع الطريق على التيارات الشعوبية من التحكم بخيارات العراق المستقبلية فقد سادت هذه التيارات بحقبة طويلة وذهبت بالعراق بعيداً عن انتمائه العربي الأصيل، فتحكمت في أهله قوى شريرةٌ، تارةً باسم الخراساني وتارةً باسم البرامكة، وثالثة عن طريق احتلاله بصورة مباشرة من قوى طامعة بموقعه الجغرافي المتميز، كطريق لإقامة امبراطوريات كبيرة على حساب مصالح الشعوب، أو بثرواته ومياهه وأرضه الخصبة، وتراث أهله العريق الذين أقاموا أعظم الإمبراطوريات التي شهدها العالم القديم.

تأسيساً على أحداث تاريخية سجل العراقيون فيها أروع صفحات البطولة، مما حدد التوازنات السياسية والعسكرية بين أهم مراكز الاستقطاب في العالم القديم، حيث تؤكد الحقائق التاريخية سطوة بابل وتحكمها بكثير من اتجاهات الامبراطوريات القديمة، فتؤكد مقولة: “لن يستطيع أن يحكم الجهات الأربع إلا من امتلك القدرة على حكم بابل”، فبابل هي العالم أجمع، وكما أن بغداد اليوم ترمز إلى العراق، فإن بابل القديمة هي التي ترمز إلى العنفوان العراقي بكل تجلياته.

أيها العراقيون الأماجد، ونحن إذ نُحيي في هذا اليوم ذكرى ثورتكم المجيدة في السابع عشر من تموز 1968، فإنما نستعيد كل ما رافق لحظات التنفيذ ثم تحقيق النصر في الساعات الأولى من فجر يوم الثورة، ومن حقنا بل من واجبنا أن نستذكر بفخر دور كل الرفاق الذين ساهموا في الثورة، ابتداءً من اليوم الأول الذي طفقت فيه قيادة الحزب في إعداد خطط تنفيذ صفحات الثورة واختيار البدائل تباعاً حتى تم إقرار الخطة في صيغتها النهائية، ومع ذلك ومع كل الاحترازات التي اعتمدتها قيادة الحزب، فقد تسلل جيب عميل أراد أن يجهز على الثورة باسمها ومن داخلها، ولولا يقظة فرسان البعث لكانت الثورة في مهب الريح، فكانت الخطوة اللاحقة هي تصفية الجيب المتسلل إلى صف الثوار، وهذا ما تحقق في الثلاثين من تموز أي بعد ثلاثة عشر يوماً، مرت ثقيلة على كل بعثي وعراقي شريف كان يضع يده على قلبه خوفاً على تجربة الثورة الوليدة.

واليوم نرى أن ثورة السابع عشر الثلاثين من تموز، كان أول رد عربي ناضج على نكسة حزيران 1967، لأنها كانت ذات تصور فكري عميق يعتمد الحل الثوري للقضية الفلسطينية، في وقت كان الحديث عن هدف التحرير يصطدم بعقبات شتى من قبل التيارات التي تزعم اليوم أنها تدافع عن حق الشعب الفلسطيني، ونسيت أو تناست كيف أنها كانت من أشرس أعداء الشعب الفلسطيني وتتحرك بدأب في الساحات العربية سياسياً وإعلامياً وأمنياً لملاحقة أي نشاط شعبي جند نفسه لخدمة هدف التحرير. 

ولأن ثورة تموز كانت ثورة الطريق الجديد، فقد حشّدت قوى الثورة المضادة، كل ما يتاح لها من قوة للتآمر على العراق، بلد التجربة الجديدة التي خرجت عن كل  الخطوط الحمر التي رسمها أعداء العراق وأعداء الأمة العربية، فتم تجنيد شبكات التجسس الصهيونية، ومن بعدها تم التآمر بصورة مباشرة لإسقاط الثورة في بداية طريقها، ولما عجز الأعداء في كل مخططاتهم، انتقلوا إلى الرمي بكل ثقلهم في التخطيط بعيد المدى، فتم تغيير نظام حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وجيء بنظام ثيوقراطي في غاية التخلف، من أجل ترك المنطقة تعيش في دوامة عنف مذهبي وطائفي لاسيما بعد أن وصلت القوى الدولية الكبرى إلى يقين بفشل وظيفة زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، في إثارة الانقسام بل على العكس من ذلك، فقد توحد الموقف العربي الرسمي والشعبي في مواجهة المشروع الصهيوني التوسعي، لذلك تفتق ذهن مخططي الاستراتيجيات الدولية فوضعوا مخططاً يتلخص بإشغال المنطقة بنفسها، بحروب بينية وذلك بإثارة النزعات الطائفية والعودة بالمنطقة إلى خلافات تعود إلى أربعة عشر قرناً، لم يتفق فقهاء الأمة على حلها، وبهذا تلخص دور نظام خميني الوظيفي بإشغال المنطقة بنفسها بحروب بينية، حتى تتمكن قوى الشر من تمرير مؤامراتها والمحافظة على مكتسباتها وفرض الخيارات التي رسمتها مراكز التخطيط الاستراتيجي للقوى الدولية الكبرى، وهكذا تمكن أعداء العراق وأعداء الأمة من احتلال العراق في التاسع من نيسان 2003 والإتيان بأفسدِ ما عرفته البشرية في تاريخها من نظم سياسية، فقد أصبحت المجاهرة بالارتباط بدوائر الغرب والشرق شرفاً لمن اختار هذا الطريق الشائن، وفي أحسن الأحوال أصبح ذلك مجرد وجهة نظر وليست خيانة عظمى، وأصبح التلاعب بالمال العام والمضي في دروب السرقة والسطو على الممتلكات العامة شطارة وليست جرائم مخلة بالشرف.

 

إن الشعب العراقي الذي ذاق الأمرين خلال أكثر من اثنان وعشرين سنة قاحلة عجفاء، وبدأ يتلمس الفرق بين الحكام الذين نصبتهم أمريكا وإيران، وبين القادة الشرفاء الذين خرجوا من بين صفوف الجماهير من أجل خدمتها الخدمة النزيهة والتي تتسم بكل الصفات الحميدة والقيم السامية، إن هذا الشعب لقادر على إعادة المسيرة إلى طريقها الصحيح طريق الأمة المتطلعة إلى العلياء والسمو الوطني والأخلاقي.

تحية اعتزاز لقادة الثورة الرئيس أحمد حسن البكر وصدام حسين وصالح مهدي عماش رحمهم الله.

تحية لقيادة الحزب القومية

تحية لكل الرجال الذين كان لهم شرف المشاركة والإسهام في الثورة المجيدة وتنفيذها وفي مسيرتها اللاحقة وإنجازاتها.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

              الرفيق

             أبو خليل

     أمين سر قيادة قطر العراق

    لحزب البعث العربي الاشتراكي

     بغداد الرشيد

17  تموز    2025 م

22 محرم     1447 هـ

 

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة 17 تموز المجيدة ثَورَة تَمُّوز تَجذِيرٌ نَوعِيٌّ لِتَجرِبةٍ حَداثَويَّةٍ نَهْضَويَّة

في الذكرى السابعة والخمسين لثورة 17 تموز المجيدة

ثَورَة تَمُّوز تَجذِيرٌ نَوعِيٌّ لِتَجرِبةٍ

حَداثَويَّةٍ نَهْضَويَّة

أ.د. محمد مراد – لبنان

 

 بعد مضي نصف قرن وسبع سنوات على الثورة العراقية التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي – ثورة 17  تموز عام 1968، لا يسع المراقب التاريخي والباحث المحقّق إلاّ أن يتوقّف مليا أمام تجربة هذه الثورة التي باتت إنجازاتها الثورية مخزونة في ذاكرة التاريخ العربي المعاصر، لما هي إنجازات تركت بصماتها الدامغة في تحديث وتطوير العراق مجتمعا ودولة من جهة، وفي تأكيد تفاعلاتها العميقة في الالتزام والتكامل الاستراتيجي بين البنائين الوطني والقومي من جهة أخرى.

 لم تمض سنوات قليلة على الثورة، حتى كانت إنجازاتها الثورية قد أضحت حقيقة واقعة في كل مجالات الحياة العراقية والعربية لجهة التأسيس لبناء دولة قائمة على مرتكزات عميقة حاملة للتطوير والنهوض الوطني وبآفاق قومية منسجمة مع منطلقات وتوجّهات قيادة الثورة المستلهمة لمبادئ البعث الثورية التحررية والقومية.

  أبرز الإنجازات التي سجّلتها الثورة، وهي عديدة لا تحصى، كانت على مستويات ثلاثة أساسية:

الأول، البناء الاقتصادي ومركزيته في البناء العام للدولة والمجتمع

الثاني، اعتماد العلم والتطوير العلمي وامتلاك التكنولوجيا بخصوصية عراقية من غير استهلاك النماذج الأجنبية الجاهزة.

الثالث، تمكين العراق وتحويله الى دولة فاعلة في المجال القومي الوحدوي.

 

الاستقلال الاقتصادي كشرط ملازم للاستقلال السياسي

أولاً: في البناء الاقتصادي

  كانت الخطوة التأسيسية الأولى التي اعتمدتها الثورة قد تمثّلت بتحقيق الاستقلال الاقتصادي كشرط ملازم للاستقلال السياسي والسيادة الوطنية. أمّا الترجمة العملية لهذه الخطوة فقد دلّ عليها قرار قيادة الثورة التاريخي بتأميم النفط في الأول من حزيران 197 وعلى قاعدة شعار” نفط العرب للعرب ” .

  أفضى قرار التأميم الى ارتفاع قياسي في حجم العائدات النفطية العراقية. فبعد أن كانت هذه العائدات 521 مليون دولار لعام 1970، قفزت الى 1834 مليونا عام 1973 أي بعد سنة واحدة على قرار التأميم، ثمّ لم تلبث أن سجّلت 26136 مليونا عام 1980، أي أنّها تكون قد تضاعفت اضعاف عديدة خلال عشر سنوات (1970- 1980 ).

   وعملا بسياسة مركزية لقيادة الثورة قضت بأن تكون الثروة الوطنية العامّة ملكا للشعب العراقي، فقد تمّ توظيف الزيادات الهائلة في موارد الدولة الناجمة عن التأميم في إطلاق جملة من الخطط الاقتصادية والتنموية الطموحة، وخاصّة في مجال التصنيع من خلال بناء القاعدة التصنيعية التي يستند عليها الاقتصاد العراقي، حيث تحوّل العراق الى دولة متقدمة على العديد من اقطار الوطن العربي في هذا المجال.  

  أبرز خطوات حكومة الثورة في مجال التصنيع كانت:

1 – توسيع قاعدة القطاع الصناعي العام ( قطاع الدولة ) بشكل غير مسبوق ، ففي خلال فترة لا تزيد عن عشر سنوات (1970 – 1980) بلغ مجموع ما خصّصته الحكومة العراقية للاستثمار في القطاع الصناعي أي القطاع العام نحو 700 مليون دينار عراقي أي ما يوازي قرابة 25 مليار دولار أمريكي بالأسعار الجارية آنذاك.

2 – تشجيع القطاع الصناعي الخاص على قاعدة التوازن مع القطاع العام          ( القرار رقم 22 لعام 1972، والقرار رقم 899 لعام 1980).

3 – منح رؤوس الأموال العربية حقّ الاستثمار الصناعي في العراق بنفس الامتيازات الممنوحة للمواطنين العراقيين، أما الاستثمار الأجنبي فقد ظلّ محدودا الى أن صدر قرار في 1/11/ 1990 قضى بمنعه من العراق نهائيا.

4 – التوسع في انشاء مراكز البحث العلمي والتطوير الصناعي، وإعطاء أهمية قصوى لإعداد الكوادر العلمية الوطنية، الأمر الذي سمح للعراق، وفي فترة لا تتجاوز العقد من الزمن ( 1970 – 1980) بإعداد عدد ملفت من العلماء، ليس فقط في مجال اكتساب العلوم التطبيقية، وفي القدرة على التحوّل نحو التكنولوجيا وإنتاج المعرفة وحسب، وإنّما، وهذا هو الأهمّ انتاج تجربة علمية إنتاجية بخبرات عراقية صرفة، ودونما أي حاجة لاستيراد الخبرات الأجنبية واستهلاكها.

5 – التوسّع الهائل في حجم المؤسّسات الصناعية في مختلف المحافظات العراقية، حيث وصل عدد هذه المؤسّسات المسجّلة في وزارة الصناعة لغاية نهاية العام 1990 الى 41194 مؤسّسة بينها 575 مصنعا كبيرا، الأمر الذي يشير الى أنّ دينامية التصنيع العراقي فاقت مستويات النشاط التصنيعي في اليابان وألمانيا الغربية قبل توحيد شطري المانيا عام 1989.

  على موازاة الاهتمام بالقطاع الصناعي عملت حكومات الثورة المتعاقبة على تطوير القطاع الزراعي كترجمة لسياساتها الرامية الى تنويع مصادر الإنتاج، ووصول العراق الى مرحلة يتجاوز معها ظاهرة الإنتاج الأحادي السائد في دول النفط العربية. وقد لاقت هذه السياسة نجاحاً باهراً دلّت عليه الأحجام الكمية للإنتاج الزراعي، حيث تحول العراق الى بلد مصدّر لأنواع عديدة من المنتجات الزراعية  الفائضة عن اكتفائه بالأمن الغذائي الذاتي.

 

المعجزة الاقتصادية

 إنّ الطفرة الاقتصادية التي حقّقتها ثورة تموز الرائدة في فترة لا تزيد عن عقد واحد هو عقد السبعينات من القرن الماضي تصل الى حدّ وصفها بالمعجزة الاقتصادية. فهذه المعجزة جاءت لتؤكّد على القدرة الخارقة للعراق كدولة ومجتمع على استيعاب التحدّيات غير العادية التي تواجه الأمّة العربية في تاريخها المعاصر. فالدولة العراقية لم تكتف فقط بالتخطيط والاشراف على عمليات الإنتاج وحسب، وإنّما أيضا عملت بمنهجية ” الكنزية الاقتصادية” لجهة إحداث التوازن السوقي بين عمليتي العرض والطلب من جهة، وفي إيجاد معادلة إنتاجية توازن بين القطاعين العام والخاص من جهة أخرى. هذا التوازن الذي عكسته نسبة المساهمة لكل من القطاعين وهي 50 % في العام 1982.

 ثانيا: اعتماد العلم والتطوير العلمي كأساس للنهوض الشامل 

  أدركت قيادة ثورة 17 تموز، منذ البداية، أنّ العلم  والتطور العلمي يمثّلان حجر الزاوية في عمليات البناء الوطني ونهوض الدولة على غير مستوى اقتصادي واجتماعي وسياسي وحضاري. ففي النصف الاول من السبعينات بدأت الحملة الوطنية الشاملة لمحو الامية. وفي العام 1979 صدر قانون إلزامية التعليم الأساسي، وقد أعطى نتائجه المذهلة خلال سنوات قليلة، بحيث كادت الصفرية تسود نسبة الأميّة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، في وقت ظلت فيه دول عربية عديدة تشهد نسبا مرتفعة من الأميّة تراوحت بين 25 % في الأدنى في دولة الامارات العربية المتحدة، وحوالي 58 % في اليمن على سبيل المثال.

  وفي خطوة أخرى مميّزة عكست مدى الاهتمام والرعاية لقيادة الثورة للعلم الإبداعي أي للعناصر المتفوّقة من الطلاّب والباحثين، تم تشكيل الهيئة العليا لتكريم العلماء،  كما وتم منح “نوط الاستحقاق العالي” للباحثين المتميزين ، اضافة الى منح ” وسام الجامعة”  للمبدعين من التدريسيين الناشطين في البحث العلمي ، كما وتم تخصيص “جائزة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي” الى الاستاذ الاول في البحث والتطوير على مستوى القطر، وجائزة ” العميد المتميز” على مستوى القطر لمن يقود طفرة في مجال البحوث، اضافة الى      ” جائزة صدّام للبحث العلمي”، وهي جائزة تمنح كل مواطن عراقي أو عربي مكافأة مالية تشجيعية قدرها 30 ألف دينار عراقي أي ما يوازي قرابة 100 ألف دولار أميركي بالأسعار الجارية.

وممّا تجدر الإشارة اليه في هذا المجال، أنّ الأعداد الهائلة من الخريجين الجامعيين كانت مستوعَبة في سوق العمل، الأمر الذي جعل البطالة في العراق تكاد أن تكون صفرية قبل فرض الحصار الأميركي الظالم على شعب العراق لمدة ثلاث عشرة سنة بين 1990 – 2003. 

 

 ثالثا: البعد القومي لثورة تموز المجيدة 

 صحيح أنّ الثورة العراقية حقّقت إنجازات عميقة في بنية المجتمع العراقي، الاّ أنّ الطموحات الاستراتيجية لقيادة الثورة لم تكن محكومة بسقف الدولة العراقية كدولة قطرية، وإنّما كانت تسعى الى تأسيس النموذج الوطني العراقي كمدخل الى المجال القومي العربي العام. فالقيادة العراقية كانت تطمح لإقامة الدولة العربية الواحدة على قاعدة التحرّر والاستقلال القومي، وبناء مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية. وعملا بهذه المنطلقات كان عراق الثورة أكثر التزاما بالقضايا القومية العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية. فهو الدولة التي ظلّت حتى حصول الاحتلال الأميركي، تتميّز بمواقفها المبدئية الثابتة تجاه عروبة فلسطين، وضرورة توفير كل الإمكانات المتاحة لتحريرها من المحتل الصهيوني الاستيطاني.

   كذلك، هناك مواقف لا تحصى، عكست التزام القيادة العراقية بقضايا الوحدة القومية، منها على سبيل المثال لا الحصر، الموقف الدّاعم لوحدة اليمن، وتقديم المساعدات الكثيرة لكل الاقطار العربية منها السودان والصومال وتونس والأردن ولبنان وغيرها.

ولا يغيب في هذا المجال اندفاع الجيش العراقي – جيش الثورة – الى جبهات القتال مع العدو الصهيوني في سوريا ومصر، والوثائق التاريخية لا تزال تسجّل للجيش العراقي في حرب تشرين الأول (1973) بسالته في الدفاع عن القنيطرة و حمايته لدمشق من السقوط واعداده خطة مع الجيش السوري لتحرير الجولان المحتل، لكن أوامر القيادة السورية صدرت بوقف اطلاق النار.  

لقد كانت قيادة الثورة تسعى دائما من أجل خلق مؤسّسات عربية فوق قطرية تعزيزا لمسيرة التكامل العربي،  وبما ينسجم مع أهدافها القومية في قيام المجتمع العربي الوحدوي وإقامة دولة الوحدة القومية العربية.

وإذا كان هناك من دوافع عديدة للاحتلال الأمريكي للعراق، فإنّ الدافع الأكثر الحاحا هو ذلك المشروع القومي الوحدوي الذي التزمته ثورة 17 تموز كخيار استراتيجي لأهدافها وتوجّهاتها.

 

 ثورة 17 تموز تجذير نوعي لتجربة حداثوية نهضوية

ولمّا كانت منطلقات الثورة العراقية – ثورة 17 تموز- تجذيراً نوعياً لتجربة حداثوية نهضوية امتلكت أفقا ًاستراتيجيا ًباتجاه التأسيس لتجربة موازية على المستوى القومي العام، فإنّ القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية العربية التابعة هبّت لمناهضة هذه التجربة الواعدة مانعة عليها استكمال مشروعها التاريخي، ليس فقط في مجال استنهاض الأمّة العربية وحسب، وإنما أيضا في مجال تعميم رسالتها الإنسانية التحررية الى العالم أجمع.

  إنّ الهدف البعيد لقوى التآمر الخارجي الدولي والإقليمي والرجعي يكمن، قبل أي شيء آخر، في ضرب تجربة الثورة العراقية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، قبل أن تتحوّل الى تجربة قومية شاملة. ذلك أنّ العراق استطاع خلال ثلث قرن ونيّف ( 1968 – 2003) أن يمتلك نموذجاً نهضوياً نوعياً ذي خصوصية عربية مميّزة قادرة على تأسيس مراكمات ناجحة ومستدامة، وتمثّل خروجا عربيا على التبعية والإلحاق برأسماليات المركز الغربي وزعيمته الولايات المتحدة الأمريكية.

  الهجمة الأمريكية – الصهيونية على تجربة ثورة 17 تموز المجيدة إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على عمق الأزمة التي بلغتها رأسمالية الشركات الحاكمة للاقتصاد والسياسة في أميركا.

هذه الرأسمالية المتوحّشة ترى في تجربة الثورة في العراق معوّقاً رئيسياً أمام مشروعها الراهن في أمركة العالم، والاستحواذ على ثرواته الطبيعية والاقتصادية، وإلغاء هويّات شعوبه الثقافية والحضارية. 

إِيرَان بَينَ مَأْزقِ الإِيديُولوجْيَا وَحَقَائِقِ الحَيَاة

 

إِيرَان بَينَ مَأْزقِ الإِيديُولوجْيَا وَحَقَائِقِ الحَيَاة

 

د. عبد الوهاب القصاب

 

أولاً: أزمة الهوية بين الثورة والدولة

 لقد شكلت احداث “الثورة” الإيرانية عام 1979 لحظة مفصلية في التاريخ الإيراني الحديث، لكنها سرعان ما انقلبت من كونها ثورة شعبية متعددة الاتجاهات إلى مشروع إيديولوجي أحادي اللون، ارتكز على فقه ولاية الفقيه كمرجعية سياسية دينية مطلقة وتمت تصفية كل رموز وقيادات الثورة المعارضة لذلك بكل قسوة وبأبشع الصور. هنا وقعت الدولة الإيرانية في مأزق بنيوي: فهي من جهة ترفع شعارات الثورة و”نصرة المستضعفين”، ومن جهة أخرى تتصرف كدولة إمبريالية ذات نزعة توسعية، تفرض نفوذها عبر الجماعات الوكيلة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

 هذا التناقض البنيوي بين هوية الدولة “الثورية” والدولة الواقعية (البراغماتية)، والذي اُريد له ان يكون مجالاً للمناورة وتوزيع الادوار والافلات امام المجتمع الدولي، أضعف مشروعها في الداخل، حيث بدأت تظهر تناقضات بين الأجيال الشابة التي تطمح إلى الانفتاح والتنمية، وبين نخب الحرس الثوري والمؤسسة الدينية التي تهيمن على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي بشكل مطلق.

  ثانياً: سقوط نظريتي ” أم القرى” و”إيران 2025″

تبنّى النظام الإيراني بعد الحرب الإيرانية العراقية نظريتين استراتيجيتين حاولتا إضفاء الشرعية على التوسع الإقليمي هما :

 نظرية “أم القرى” التي طوّرها محمد جواد لاريجاني، واعتبرت إيران محور العالم الإسلامي وقلبه النابض، ومن ثم يحق لها قيادته وتوجيهه.

  • نظرية “إيران 2025” التي تبنتها حكومة أحمدي نجاد، وهدفت إلى تحويل إيران إلى القوة الإقليمية الأولى سياسياً واقتصادياً وتقنياً.

 إلا أن هاتين النظريتين تعرضتا للانهيار أمام ضغط الواقع: فقد أدى الانخراط الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان إلى استنزاف اقتصادي وعزلة سياسية ودبلوماسية. كما فشلت إيران في بناء نموذج تنموي مقنع لا داخلياً فيها، ولا في الاقطار العربية التي هيمنت عليها. حيث تزايدت معدلات الفقر والبطالة والهجرة في ايران، بينما تفشّت شبكات الفساد بين أذرع الحرس الثوري التي سيطرت على الاقتصاد الوطني ، كما شاع الخراب والتخلف اينما توسعت عربياً.

 ثالثاً: تناقضات سياسة المُكابَرة

 رغم كل المؤشرات التي تدل على تآكل شرعية النظام داخلياً، ورفض شعبي متصاعد تجلّى في احتجاجات متواصلة أعوام 2009، و2019، و2022 (التي تزامنت مع مقتل مهسا أميني)، فإن المرشد علي خامنئي ظلّ يصر على خطاب التحدي والممانعة، دون مراجعة حقيقية لمسار الدولة ومشروعها الإقليمي.

 لقد تبنّى خامنئي خطاب “التحصين الإيديولوجي” والولاء المطلق، وأغلق الباب أمام أي إصلاح حقيقي أو تداول للسلطة. وهو ما أفضى إلى تأزيم العلاقة بين الشعب والنظام، وسقوط جيل الثورة في نظر الجيل الجديد، الذي لم يعد يرى في النظام سوى آلة قمع وشعارات جوفاء.  

رابعاً: هشاشة الداخل رغم تغلغل الخارج

 بينما استطاعت إيران تثبيت نفوذها بالقوة في أربع عواصم عربية هي (بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء)، إلا أنها لم تستطع تحصين الداخل من الانكشاف الأمني والاستخباري. فقد شهدت إيران سلسلة من العمليات النوعية التي طالت منشآتها النووية والعسكرية (كحادثة “نطنز”، واغتيال فخري زاده، والهجمات

السيبرانية)، وكلها تؤكد هشاشة المنظومة الأمنية الإيرانية رغم ضخامة أجهزتها. هذا التناقض يكشف عن خلل هيكلي متمثل في : دولة قادرة على تصدير نفوذها، لكنها عاجزة عن حماية قلبها الداخلي، بسبب فساد أجهزة الدولة، وتفشي النزعة الريعية في الاقتصاد، واعتمادها المفرط على أدوات القمع بدل الإصلاح.

 خامساً: الرفض المجتمعي للهيمنة الايرانية

لقد ادت النتائج الكارثية الانسانية والامنية والاقتصادية والمجتمعية والسياسية وشيوع الفساد والتخلف المُمَنهَج في العراق وسوريا ولبنان واليمن في ظل الهيمنة الايرانية عليها، وانهيار مؤسسات الدولة وتعريض تلك الاقطار الى التفرقة والتفتيت وغياب ابسط مقومات حقوق الانسان فيها، الى طغيان الرفض الشعبي المجتمعي لتلك الهيمنة وتعريتها والعمل على الخلاص منها.

 سادساً:  التحولات الدولية وانحسار الحماية الأمريكية

 شكّلت الإدارات الديمقراطية المتعاقبة منذ أوباما وحتى بايدن حاضنة سياسية للنفوذ الإيراني في المنطقة، سواء بسبب التساهل في الاتفاق النووي، أو الرغبة في الانسحاب المزعوم من الشرق الأوسط وتسليمه عمداً لأطراف إقليمية، متمثلة في إيران. لكن المتغيرات الدولية الجديدة ، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، وبروز تحالفات إقليمية جديدة، جعلت إيران في موقع دفاعي أكثر منه هجومي.

فمع الانفتاح الخليجي المدروس مع الصين ، وتزايد التنسيق الأمني العربي – الغربي، باتت قدرة إيران على المناورة محدودة، خصوصاً في ظل الاضطرابات

 الاقتصادية المتزايدة، والعزلة الدولية الناتجة عن الملف النووي وحجم الانتهاكات الانسانية الحقوقية في الداخل الايراني وفي المنطقة.

 خاتمة: إيران أمام مفترق طرق

 تجد إيران نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فهي إما أن تراجع بنيتها الإيديولوجية وتنخرط في إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، تنهي احتكار السلطة، وتعيد تعريف مشروع الدولة وفق مصالح المواطن الإيراني، لا وفق طموحات النخبة الحاكمة؛ وإما أن تستمر في سياسة الإنكار والمكابرة، وتواجه مزيداً من الانهيار الداخلي، وتآكل نفوذها الخارجي تحت ضغط فشلها من جهة والتحولات الدولية من جهة اخرى.

 إن أزمة إيران ليست فقط في “العقوبات” المُفتَرَضة، أو العداء مع الغرب، بل في مأزقها البنيوي بين إيديولوجيا لم تعد تقنع الداخل، وواقعٍ لم يعد يتحمل العبء التوسعي.

النفط العربي على محك التاريخ: من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة

 

باب الدراسات والبحوث المُستقبلية

 

النفط العربي على محك التاريخ:

من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة

أ. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

-الجزء الثاني –

 

تناولنا في الجزء الاول تجارب بعض الأقطار العربية في سباق الطاقة المتجددة وبعض الدروس العالمية الملهِمة، وسوف نحلل في هذا الجزء تداعيات هذا التحول على سوق العمل العربي، و نطرح رؤية استراتيجية للتعامل مع التحديات الأمنية والمجتمعية والاقتصادية المرتبطة بجيوبوليتيك الطاقة.

من اهم التحديات

أن الطريق إلى التحول نحو انماط طاقة جديدة محفوف بعقبات هيكلية لا يستهان بها. فالبيروقراطيات الحكومية، التي تأسست على عقل ريعي وليس على عقل إنتاجي، تعرقل سرعة التحول. ونقص الكفاءات المحلية في ميادين الاقتصاد الأخضر يجعل من الاستيراد المستمر للخبرة واقعًا مكلفًا وغير مستدام. والأخطر هو مقاومة بعض النخب الاقتصادية التقليدية، لا سيما في شركات النفط الكبرى، لأي تغيير قد يهدد مراكز قوتها ومصالحها المتكلسة. نحن لا نواجه مشكلة تقنية فقط، بل أزمة في بنية السلطة الاقتصادية والثقافية. 

 إن التحول الأخضر يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، يبدأ بسن تشريعات بيئية ملزمة، وتأسيس هيئات رقابية مستقلة، وضمان الشفافية في عقود الطاقة. وقد بدأت اقطار مثل تونس والأردن بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، رغم التحديات.  وعليه، فإن المستقبل العربي في هذا السياق ليس خطًا واحداً، بل شبكة من السيناريوهات المتباينة. وفي حال العجز عن التكيف، فإن السيناريو الكارثي يبدو مرعبًا ويتضمن ما يلي:

  • خسارة أكثر من نصف القيمة السوقية للشركات النفطية
  • ارتفاع البطالة إلى (25%) في بعض دول الخليج العربي
  • وانفجار أزمات مالية حادة على نمط ما حدث في فنزويلا، ولكن دون سند إقليمي أو دولي.

  بالمقابل، فإن سيناريو التحول الذكي قائم على استثمار فوائض النفط في بناء بنية تحتية خضراء، ومدن ذكية، وصناعات معرفية، مع التركيز على تقنيات مثل الذكاء الصناعي، والهندسة البيئية، والهيدروجين النظيف والسعي لريادة سوقه العالمي كما تفعل الان بعض الاقطار العربية.

 أما السيناريو الثالث، الذي قد يكون الأكثر استدامة، فيتمثل فيما يلي:

  • التعاون الإقليمي من خلال تأسيس سوق عربية للطاقة النظيفة
  • وإنشاء صندوق عربي مشترك برأسمال لا يقل عن (50 مليار) دولار لدعم التحول في مجال الطاقة
  • وتأسيس منظمة إقليمية للطاقة المتجددة توازي في مكانتها ما كانت تمثله منظمة أوبك في القرن العشرين.

وحتى تتحقق هذه السيناريوهات، فإن الطريق يتطلب خريطة عملية دقيقة تبدأ بما يلي:

  • إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، تشمل فرض ضريبة كربونية على الشركات الملوثة، وتشجيع الطاقات البديلة بدون جمارك، واحتواء الاثار السلبية، وتقديم حوافز ضريبية وتشريعية للمشاريع الخضراء.

 المباشرة باستثمارات استراتيجية، على الأقل (30%) من فوائض النفط الحالية يجب أن يعاد توجيهها نحو البحث والتطوير وبناء مراكز تميز في الطاقة المتجددة.

  • والشق الثالث، وربما الأهم، هو إعداد الكوادر القادرة على قيادة هذا التحول من خلال إعادة هيكلة المناهج الجامعية، وتطوير برامج تدريب إقليمية، وتقديم منح دراسية متخصصة في الاقتصاد الدائري، وهندسة الطاقة، والحوكمة البيئية.

مستقبل الخبرات والعمالة العربية في قطاع الطاقة

ان الاقطار العربية المنتجة للنفط تحوّلت من مجرد بوابات لتصدير الطاقة الخام إلى ملاذات حيوية لأعداد هائلة من العمالة الوافدة، شكّل عدد كبير منها مواطنو اقطار عربية مثل مصر والسودان واليمن والمغرب. وقد أسهم هذا التداخل البشري والاقتصادي في إعادة رسم الخريطة الاجتماعية والاقتصادية لاقطار الخليج العربي، حيث لم يعد العامل الوافد مجرد ملءٍ لفراغ وظيفي، بل بات عنصراً تأسيسياً في البنية الإنتاجية، ومصدراً لا غنى عنه لاستدامة النشاط الاقتصادي.

غير أن هذه المعادلة ستدخل نفق التحوّل التاريخي. فمع تراجع الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة، والدفع المتسارع نحو الطاقات النظيفة، تلوح في الأفق احتمالات صادمة: فما هو مصير ملايين العاملين في الدول النفطية حين تنكمش الحاجة إلى اليد العاملة المرتبطة بالقطاع النفطي ومرافقه؟ وكيف ستتأثر اقطارهم الأصلية، التي شكلت تحويلاتهم المالية شرياناً نقدياً حيوياً لعقود، وأسهمت في استقرار الأنظمة الاجتماعية والنقدية في هذه الاقطار؟

إن فقدان هذا المصدر الاقتصادي سيعني، بالنسبة لاقطار (كالسودان ومصر واليمن والمغرب العربي) أزمة مزدوجة تتمثل في انكماش في الدخل القومي، وتضخم في البطالة والعجز الاجتماعي، مما يُفاقم من الهشاشة القائمة أصلاً. أما داخل اقطار الخليج العربي، فإن انسحاب هذه الكتلة البشرية سيترك فراغاً مزدوجاً: وظيفي من جهة، وثقافي-اجتماعي من جهة أخرى، مما قد يعيد طرح سؤال (الهوية الاقتصادية) في بيئة ما بعد النفط.

الاثر الجيوسياسي

لكن الأثر الأكثر عمقاً ربما يكون جيوسياسياً. فعلى مدى عقود، شكّل النفط المبرر الجوهري لتموضع القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة، بذريعة (تأمين الموارد الحيوية) و(حماية خطوط الإمداد). ومع أفول مركزية النفط وتراجع ضرورته الاستراتيجية، يبرز سؤال مستقبلي مهم: هل سيبقى للوجود العسكري الخارجي ما يبرره؟ أم أن انسحاب القيمة الاستراتيجية للنفط سيقود إلى مراجعة شاملة لمعادلات الهيمنة والوجود الجيوعسكري من جهة، ومن جهة اخرى ضمان الاستقلال والسيادة ضد الاطماع الاقليمية المُترَبِّصة؟

 إن هذه التحوّلات تضع الوطن  العربي أمام مفترق طرق وجودي. فإما أن يبادر إلى إنتاج استراتيجية تكاملية تسبق الانهيار المتوقع في بنى الاعتماد التقليدية، أو أن يدخل مرحلة تفكك تدريجي في منظومته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. والفرصة التاريخية تكمن في تحويل أدوات (الارتباط النفطي) – من تحويلات العمالة إلى الوجود الأمني والاطماع الاقليمية – إلى أطر جديدة لتعزيز الاستقلال والاستقرار الإقليمي، تقوم على تنمية رأس المال البشري، وتوطين الصناعات، وتفكيك الارتهان السياسي للموارد الأحادية.

 إن النجاة من (لعنة الذهب الأسود)  تكمن في تجاوز بنيته القديمة بكاملها، وإعادة هندسة العلاقة بين الثروة والسلطة والمجتمع، بحيث يُصبح النفط – في ختامه التاريخي – لحظة انعتاق لا بداية لانحدار.

ثالثاً: خارطة طريق عملية لتحول الطاقة العربي

أن التحدي يكمن في تحويل الشعارات إلى خطط تنفيذية وكما يلي:

  1. 1. إنشاء صندوق إقليمي لتمويل المشاريع الخضراء: على غرار (صندوق الأوبك للتنمية الدولية)، يمكن للدول العربية الغنية بالنفط تأسيس صندوق عربي للطاقة النظيفة، يموّل مشاريع الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتحلية

 المياه بالطاقة النظيفة في الدول الفقيرة في الطاقة. سيكون هذا الصندوق أداة لما يسمى بالعدالة المناخية العربية، ويعزز التضامن الاقتصادي داخل الإقليم.

  1. 2. برامج لإعادة تدريب عمال النفط: كما فعلت النرويج بعد تقليصها تدريجيًا الاعتماد على إنتاج النفط في بعض المناطق، يمكن للدول العربية استباق آثار التحول عبر تدريب الفنيين والعاملين في قطاع النفط ليصبحوا خبراء في تركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر. وتحويل الكفاءات بدل الاستغناء عنها مما يخفف من آثار التحول ويمنحه بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا.
  2. 3. حوافز للشركات الناشئة في التقنيات الخضراء: ويشمل منح إعفاءات ضريبية، وتقديم تمويل ميسر عبر صناديق تمويل عربية، سيدعم الشركات الناشئة التي تطور بطاريات صديقة للبيئة، أو حلولًا رقمية لإدارة استهلاك الطاقة، أو تقنيات لخفض انبعاثات المصانع. هذه الحوافز يمكن أن تخلق سوقًا خضراء عربية، وتفتح المجال لجيل جديد من العاملين والمستثمرين البيئيين العرب.
  3. 4. تعزيزًا “للعدالة المناخية” داخل الوطن العربي، يمكن الاستفادة من مؤشرات مثل ( مؤشر العدالة المناخية  (Climate Justice Index’  لوضع سياسات تستند إلى الحاجات العادلة لا فقط الإمكانيات الاقتصادية.
  4. 5. الاعتماد على آليات التنفيذ، والمتمثلة في نماذج التمويل المبتكرة مثل: (السندات الخضراء، حيث أصدرت احدى الدول العربية سندات خضراء بقيمة (1.5 مليار) دولار عام (2022). الاهتمام بالتمويل المستدام، الصكوك المرتبطة بمشاريع الطاقة المتجددة. بالإضافة الى شراكات القطاعين العام والخاص، كنموذج- البناء-التشغيل-التحويل  (BOT) .
  5. 6. تأسيس الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وذلك من خلال إنشاء هيئات مستقلة لتنظيم التحول في الطاقة. تبني فلسفة الحوافز الضريبية للشركات الخضراء (إعفاءات تصل إلى 15 سنة). إضافة الى تأسيس صناديق ضمان للمخاطر لتحفيز الاستثمار الخاص.

إن لحظة الحقيقة لا تنتظر أحدًا. العالم يتغير بسرعة، والنافذة تضيق. وإذا لم نستثمر اليوم فيما بعد النفط، فإننا سنصبح غدًا ضحايا لما كنا نظنه نعمة أبدية. فكما قال الخبير د. محمد الرميح: (لم يعد النفط سلعة استراتيجية، بل أصبحت الاستراتيجية هي كيف نتخلص منه بذكاء). إن ما كان يومًا منحة، قد يتحول إلى محنة، وما اعتبرناه مصدر قوة، قد يغدو عبئًا قاتلًا إن لم نمتلك الشجاعة لرؤية ما بعده، وتصوّر ما بعدنا.

رابعاً: التحول العادل، ضمان عدم تخلف أحد عن الركب، حيث لا يمكن فصل التقني عن الاجتماعي في هذه المعادلة

  1. المجتمعات المعتمدة على النفط: من الهوية الأحادية إلى التنوع

في مدن مثل الأحمدي في الكويت أو الظهران في السعودية أو البريقة في ليبيا، تتشكل هوية اقتصادية واجتماعية حول النفط. يتحتم على السياسات المعنية بالطاقة الجديدة ألا تهدم هذه الهويات، بل تعيد توجيهها. يمكن تحويل هذه المدن إلى مراكز لوجستية لصيانة وتشغيل مزارع الطاقة الشمسية، أو مراكز للبحوث البيئية، أو حتى مناطق اقتصادية خاصة بالطاقة النظيفة، كما جرى في مدن ألمانية مثل (إسن) التي تحولت من مدينة فحم إلى عاصمة بيئية.

  1. دور الإعلام في تغيير الصورة النمطية:

لا يزال كثير من ابناء الشعب العربي يعتقدون أن الطاقة النظيفة رفاهية أو لا تصلح للوطن العربي. الإعلام له دور محوري في تفكيك هذه الصورة النمطية، عبر حملات توعية مستمرة، وبرامج وثائقية، وشراكات مع المؤثرين على وسائل التواصل، لإيصال الرسالة بلغة يفهمها الجميع: الطاقة النظيفة ليست ترفًا، بل ضرورة للبقاء والازدهار.

كما أن الإعلام البديل، ومنصات التواصل التي يقودها شباب بيئيون، بدأت في إحداث تحول في وعي الجيل الجديد، كما في مبادرات مثل (العرب يزرعون) أو (طاقة عربية جديدة) التي تنشط في مصر ولبنان.

  1. 3. الاستفادة من الدروس من الميدان، مثل ما تم من تحول مدينة إسن الألمانية، من الفحم إلى الخضرة، حيث شهدت مدينة (إسن -قلب منطقة الرور الصناعية ) تحولاً جذرياً من مدينة تعتمد كلياً على صناعة الفحم إلى عاصمة البيئة الأوروبية عام (2017). هذا التحول تضمن (إعادة تدريب (95%) من عمال المناجم. وتحويل مناجم الفحم إلى متاحف ومراكز ثقافية. إضافة الى استحداث (25 ألف) وظيفة خضراء جديدة. وتطوير أكبر نظام للمساحات الخضراء الحضرية في أوروبا.
  2. 4. أن تأثير التحول على العمالة، يعتبر أحد أهم التحديات المقبلة في الوطن العربي، حيث تشير دراسات منظمة العمل الدولية إلى : (أن كل (مليون دولار) يستثمر في الطاقة المتجددة يولد (7-10) وظائف مباشرة. وأن الوظائف في قطاع النفط والغاز تتراجع بنسبة (3.5%) سنوياً منذ (2020). بالإضافة الى أن المهارات القابلة للتحويل تشمل، الصيانة الميكانيكية، التحكم الآلي، إدارة المشاريع.

خاتمة:

إن التحول من اقتصاد النفط إلى الطاقة النظيفة ليس مجرد تغيير في مصادر الطاقة، بل هو تحول حضاري و يشمل:

  1. 1. إعادة تعريف العقد الاجتماعي: بين الحكومات التي يجب أن تضمن عدالة التحول، والمواطنين الذين عليهم قبول مرحلة انتقالية صعبة.
  2. 2. تأسيس اقتصاد معرفي: قائم على الابتكار وريادة الأعمال الخضراء بدلاً من الريع.
  1. 3. بناء تحالفات إقليمية جديدة: تعيد تشكيل خريطة القوة العربية على أسس اقتصادية وتكنولوجية.

كما فعلت اقطار الخليج العربي في السبعينيات من القرن الماضي عندما حولت النفط إلى قوة جيوسياسية، على الاقطار العربية اليوم أن تقود معركة التحول الأخضر، لكن بذهنية جديدة. المستقبل لا ينتظر، والفرصة التاريخية لا تعوض. والتحول الأخضر ليس خياراً، بل هو امتحان وجودي لأمة تبحث عن مكانها في عالم ما بعد النفط.

 هنا، لا بد للعرب أن يبادروا لا أن يُبادر بهم. فالانتقال إلى اقتصاد أخضر هو معركة المصير. وتحويل (الذهب الأسود) إلى مورد استراتيجي يموّل التحول الأخضر هو مفتاح النجاة من لعنة الوقود الأحفوري إلى نعمة الحضارة المستدامة.

كما تنهض مسؤوليات كبرى على عاتق الحكومات، والمخططين، والمسؤولين، والاعلاميين وصنّاع الرأي، والمفكرين الاستراتيجيين، والباحثين في المؤسسات الأكاديمية والسياسية والمالية، تتجاوز حدود التشخيص النظري إلى صياغة رؤى عملية تنهض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالواجب يقتضي:

  • بناء استراتيجيات تنموية متكاملة، ترتكز على التنسيق الفعّال بين مؤسسات التدريب والتمويل والبحث العلمي، وتفعيل دورها في إنتاج المعرفة، ومواءمتها مع احتياجات التنمية الوطنية.
  • كما يقع على هذه الجهات مسؤولية خلق بيئة محفزة للابتكار
  • وإرساء سياسات تمويل ذكية
  • وربط البحث العلمي بالتخطيط الاقتصادي، بما يضمن التأسيس لاقتصاد متنوع ومستدام، لا يُختزل في مورد وحيد ولا يُدار بردود الأفعال، بل بعقل استشرافي جمعي يستوعب تعقيدات الحاضر واستحقاقات المستقبل.