النصر المبين…
يوم انحنى مشروع الخميني أمام إرادة العراق
د.قدامة عبد الرزاق حبيب
ليس في تاريخ الأمم ما يخلّدها أكثر من صمودها في مواجهة التحديات، وليس في سجل العراق الحديث صفحة أشد إشراقًا من يوم أعلن انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، بعد أن اضطر الخميني إلى الاعتراف بالفشل وقبول وقف إطلاق النار، واصفًا ذلك بأنه (تجرع كأس السم).
ثماني سنوات وقف فيها العراق، جيشًا وشعبًا، سدًا منيعًا أمام مشروع أراد أن يتجاوز الحدود ويفرض إرادته على المنطقة. لم تكن المعركة دفاعًا عن أرض العراق فحسب، بل كانت دفاعًا عن سيادته واستقلال قراره، وعن حق شعبه في العيش آمنًا بعيدًا عن أهوال الحرب.
لقد راهنت القيادة الإيرانية على إطالة أمد القتال، معتقدة أن الزمن سيحقق لها ما عجزت عنه ساحات المعارك، لكن حسابات الميدان كانت مختلفة. فقد أثبتت القوات المسلحة العراقية كفاءتها العالية، واستعادت زمام المبادرة، وحررت الفاو، وأعادت السيطرة على الأراضي العراقية، لتتوالى الانتصارات العسكرية التي غيّرت موازين الحرب.
وحين ضاقت الخيارات أمام القيادة الإيرانية، لم تجد بدًا من القبول بقرار وقف إطلاق النار. عندها جاءت كلمات الخميني التي دخلت التاريخ، عندما قال إن قبول القرار كان أشبه بـ(تجرع كأس السم)، في اعتراف صريح بمرارة التراجع بعد سنوات من الإصرار على مواصلة الحرب.
لقد رأى العراقيون والشرفاء العرب في ذلك اليوم ثمرة تضحيات آلاف الشهداء الأبرار والجرحى، ونتيجة لصبر شعب عظيم لم تنكسر إرادته رغم قسوة الظروف. وكان إعلان وقف إطلاق النار بالنسبة لنا يومًا للنصر، لأنه أكد أن العراق بقي واقفًا، وأن أرضه لم تُنتزع، وأن خصمه قبل في النهاية بالحل الذي رفضه سنوات طويلة.
سيبقى الثامن من آب 1988 محطة بارزة في الذاكرة الوطنية العراقية والعربية، يستذكر فيها العراقيون بطولات جيشهم وتضحيات أبنائهم الابطال، ويستحضرون الدرس الخالد بأن الأوطان تُصان بالإرادة والوحدة والصمود.
المجد لشهداء العراق، والوفاء لكل من حمل السلاح دفاعًا عن أرضه، والرحمة لكل من ضحى في سبيل كرامة وعزة وطنه، مع الأمل بأن تبقى المنطقة بعيدة عن ويلات الحروب والمؤامرات، وأن تكون دروس الماضي حافزًا لبناء مستقبل يسوده الأمن والسلام.