8 آب 1988 يوم تجرع خميني السم

8 آب 1988 يوم تجرع خميني السم

 

علي العتيبي

حينما قام الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بزيارة الكيان الصهيوني والتي أفضت إلى معاهدة كامب ديفيد الخيانية، انبرى العراق للوقوف وبحزم ضد هذه الزيارة وضد أي اعتراف من قبل العرب بالكيان الصهيوني، وقد توجت جهود العراق بمقررات القمة العربية التي عقدت في بغداد عام 1978 والتي كانت قراراتها عروبية في الصميم، من أجل فلسطين وتحرير فلسطين، ونظراً للحزم الذي اتخذه العراق في هذه القمة فقد اقترح أحد الزعماء من القادة العرب بأنه يجب وعلى الفور أن نشن حرباً ضد الكيان الصهيوني، ولكن العراق طلب التريث لشن الحرب وقال أمهلونا سنتين، ولكن مع الأسف أن صاحب المقترح عبر عن وجهة نظر وصلت إلى الكيان الصهيوني مشيراً إلى المقترح وطلب العراق التريث (بأن العراق طلب التريث لمدة سنتين وهذا يعني أن العراق بحلول عام 1980 سوف يمتلك القنبلة النووية)، وحسب ما تشير إليه حقائق التاريخ أن أعداء العراق طلبوا من شاه إيران شن حرب على العراق، لكن كان رد الشاه بأن لديه اتفاقية سلام وعدم التدخل مع العراق، ويقصد اتفاقية الجزائر  التي عقدت عام 1975، فلم يكن لدى أمريكا والغرب إلا أن يتم استبدال الشاه بنظام جديد مستعد لشن الحرب على العراق، وهكذا تم ترجيح كفة عميلهم الذي دربوه في فرنسا بعد أن علموا عقدته من نظام البعث في العراق وقائده صدام حسين، فتعهد لهم بأنه في حال وصوله إلى السلطة في إيران فإن أول مهامه هي شن الحرب على العراق من خلال برنامج تصدير الثورة، وقد استقرأت القيادة العراقية نهج خميني فتم ارسال أحد أصدقائه ليتأكد من توجهات خميني وجاء الرأي متوافقاً مع استقراءات القيادة في العراق بأن خميني رجل سياسة وعميل وليس رجل دين وحاقد على العراق، وأنه مهيأ لشن الحرب على العراق، والذي كانت لديه آمال بأنه يحمل درجة آية الله في الاجتهاد من المرجعية وله مقلديه، ويتوقع أن أبناء العراق في الجنوب والفرات الأوسط سيقفون معه، وخاصة أن حزب الدعوة ومؤسسه محمد باقر الصدر يدين بالولاء إلى خميني، وهكذا تم التخلي عن الشاه الذي خدم أمريكا والغرب والكيان الصهيوني طيلة حكمه، لكن رفضه شن الحرب على العراق جعله طريداً ولم تستقبله أي دولة عدا مصر السادات، وجاء خميني على الطائرة الفرنسية وبإشراف وحماية مخابراتية غربية وخاصة فرنسا، ونزل في مطار طهران وتم تسليمه السلطة على طبق من ذهب بعد أن أوقفت أمريكا  دعم الجيش الإيراني لحكومة الشاه من خلال قادة الجيش الإيراني الذين تربطهم بهم علاقة والذين تم إعدامهم لاحقاً من قبل خميني فأضاعوا فرصتهم (لاهم من انقلب واستلم الحكم ولاهم من وقف مع الشاه للحفاظ على الحكم).

وبالنتيجة شن خميني حربه على العراق إعلامياً بعد تسلمه الحكم ورده غير المهذب والخارج عن الأعراف الدبلوماسية على رسالة التهنئة التي بعثتها له القيادة العراقية التي كانت تأمل من خلال الرسالة مباركة الحكم الجديد في إيران وتتطلع إلى علاقات حسن الجوار، وهكذا استمرت الحملات الإعلامية الإيرانية والتواصل مع عميلهم محمد باقر الصدر الذي طلبوا منه أن يكون هو زعيم الثورة (الإسلامية) في العراق،  وكذلك الاعتداءات الحدودية وصولاً إلى قصف القرى والقصبات الحدودية واحتلال بعضها والتي تخللت بقصف الطائرات الإيرانية للمدن العراقية والتي بدأت بتاريخ 4 أيلول 1980، وقد تم اسقاط إحدى الطائرات الإيرانية وأسر أحد طياريها واسمه (حسن لشكري) يوم 4 أيلول 1980 وهو آخر أسير إيراني تم اطلاق سراحه كونه أحد الأدلة على بدء إيران الحرب على العراق، ورغم أن العراق قدم مذكرات الاحتجاج إلى الحكومة الإيرانية وإلى الجامعة العربية وإلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، فقد استمر النهج العدواني والذي جاء بخطاب رئيس جمهورية خميني ( أبو الحسن بني صدر) الذي قال لدينا 20 مليون مقاتل لن يتوقفوا إلا في بغداد، فما كان من العراق إلا أن يتخذ استعداداته للمواجهة.

وسبق أن صرح صادق طباطبائي أحد معاوني خميني ومستشاريه بإعلانه إلغاء اتفاقية الجزائر في حزيران 1979 أي بعد تسلم خميني للحكم بأربعة أشهر، والخبر منشور في صحيفة اطلاعات الإيرانية بتاريخ 19 حزيران/ يونيو 1979.

أما العراق فقد أعلن رسمياً إلغاء الاتفاقية في 17 أيلول 1980 أي بعد إلغائها من جانب إيران بسنة وثلاثة أشهر، وعلى أثرها قام العراق بتحرير المدن والقصبات التي احتلتها إيران بعد مجيء خميني، ورغم ذلك اشتد القصف الإيراني ونزحت العوائل من المدن والقرى الحدودية نتيجة ذلك العدوان، ولم يكن أمام العراق إلا ردع هذا العدوان السافر الذي بدأته إيران على العراق التي كانت تحلم باحتلاله، لكن الصبر العراقي نفذ بعد أن وصلت الحرب إلى حياة المواطن العراقي، فكان يوم الرد في 22 ايلول 1980 حيث استهدف الطيران العراقي أغلب المطارات والقواعد الإيرانية والتي كانت تنطلق منها طائرات العدوان على العراق، وهكذا كانت الحرب الطاحنة على طول الجبهة والحدود التي تصل إلى 1300 كم، وقد استجاب العراق لجميع قرارات مجلس الأمن الدولي والتي تنص على وقف إطلاق النار، إلا أن خميني رفضها جميعاً، وكذلك وافق العراق على كل مقترحات اللجان والوفود التي سعت لوقف الحرب، ولكن أيضاً رفضها خميني واستمرت الحرب لمدة ثمان سنوات، ونتيجة لقرارات مجلس الأمن بعدم تسليح الدولتين فقد سعى العراق إلى بعض الدول الصديقة والتي استغلت الموقف وفرضت أسعاراً وشروطاً مبالغ فيها لبيع السلاح للعراق، وهذا جعل العراق يهتم بالتصنيع العسكري فأصبح أغلب السلاح الخفيف والمتوسط ولاحقاً الصواريخ بعيدة المدى صناعة عراقية، بينما تطوعت أمريكا لدعم نظام خميني بالأسلحة والمعدات والتي كشفتها فضيحة (كونترا – إيران غيت ) وكذلك الدعم الصهيوني من خلال العلاقات التجارية بين إيران وإسرائيل وقام الكيان الصهيوني بإرسال الأسلحة وحتى الخبراء إلى إيران لدعمهم ضد العراق، وقد كشفت هذه العلاقات حينما سقطت الطائرة المحملة بالأسلحة الاسرائيلية في مطار لارنكا، وقد أيد هذه العلاقة وزير خارجية بريطانيا جاك سترو في مقابلة متلفزة بوجود علاقات تسليح بين إسرائيل وإيران طيلة الـ 8 سنوات وكذلك اعتراف رئيس جمهورية خميني أبو الحسن بني صدر وكيف سأل خميني عن هذه العلاقة مع اسرائيل والتي باركها خميني قائلا المهم اننا نستمر بالحرب على العراق ( الآن بعض الذيول يدافعون عن التسليح الاسرائيلي لإيران ويقولون أن الإمام وضح الأمور وكانت لها ظروفها، يحللون ويحرمون على مزاجهم) ومن الذين دعموا إيران كرهاً وحقداً على شخص القائد الشهيد صدام حسين نظام حافظ أسد وأحد الأنظمة العربية بتزويد الأسلحة إلى إيران، ومنها الصواريخ البالستية ومنها ما غنمته القوة البحرية العراقية من خلال السيطرة على أحد السفن المحملة بالصواريخ إلى إيران، ومنها ما أسقطته القوة الجوية العراقية من خلال ملاحقة طائرات الشحن التي تحمل الأسلحة من سوريا إلى إيران وضربها في العمق الإيراني.

إننا نتحدث عن يوم الأيام يوم النصر الكبير والذي قال فيه خميني قولته المشهورة (في خطابه الإذاعي معبراً عن مرارة القرار (“ويل لي أنا الذي ما زلت على قيد الحياة، أتجرّع كأس السُّم المُلوّث بقبول القرار”).

إن العراق ومنذ الأسبوع الأول أعلن موافقته لكل قرارات وقف إطلاق النار لكن خميني رفضها جميعاً، ولكن العقلية الفارسية لا تنصاع إلى الحق إلا بالقوة، فكان تحرير الفاو التي تبجح خميني وخامنئي ورفسنجاني باحتلالها ومَنوا أنفسهم بأحلامهم المريضة والتي وصلت إلى قول رفسنجاني إلى أمير الكويت أثناء زيارته للكويت ولقائه ( إننا الآن أصبحنا جيراناً برياً ويقصد أن الفاو أصبحت إيرانية وهي مجاورة للكويت)، ولكن تحريرها الذي هو صدمة كبيرة لهم ولم يتخيلوا أن العراق سيحرر الفاو, ولكنه حررها بخطة عسكرية وأمنية محكمة خلال 35 ساعة  فقط، ولهذا أطلق عليها الشهيد اسم مدينة الفداء وبوابة النصر العظيم، وبتحرير الفاو قامت أجهزة المخابرات الغربية بالإيعاز إلى عميلهم خميني بالموافقة على قرار وقف اطلاق النار رقم 598 في 20/6/1987 أي بعد سنة من صدوره.

إن يوم 8/8/ هو يوم كلما يتذكره الإيرانيون وعملاؤهم يستذكرون كيف وصف كبيرهم خميني قبوله بالقرار ووقف الحرب ضد العراق بتجرع السم، والتي هي عادة فارسية متوارثة، حيث حينما يضيق الخناق على أحدهم سواء في المعارك أو حين القاء القبض عليه بجريمة فإنه يحمل خاتماً له قفل صغير خاص يفتحه ليتناول السم من داخل الخاتم لينتحر.

ومن المفارقات حول التاريخ 8/8 التي لم ينتبه لها إلا القليل ونشير لها دوماً في احتفالنا بيوم تأسيس الجيش العراقي الباسل حيث نرى حكومة العملاء تحتفل معنا بتاريخ 6 كانون الثاني من كل عام بعيد الجيش، وهذا تدليس منهم لأن الجيش الحالي تم تأسيسه بقرار من المجرم بريمر بتاريخ 8/8/2003 وتشكل من دمج الميليشيات التابعة لأحزاب السلطة والموالية لإيران مع قبول الضباط المطرودين من جيشنا الباسل ممن عليهم قضايا لا أخلاقية أو فساد أو هروب أو تخاذل، وممن تلون بلون الطائفية من المتهافتين على السلطة، ولهذا لا يحتفلون بتاريخ تأسيس جيشهم في 8/8 لأنه اليوم الذي نفتخر به بأن العراق وجيشه وشعبه جرع خميني السم، وسنحتفل قريباً بتجرع إيران وذيول خميني مرة أخرى السم بالنصر العراقي المؤزر بتحرير العراق وتطهيره من إيران وميليشياتها ومن كل أعداء العراق وشعبه وبسواعد العراقيين الأبطال.