افتتاحية العدد – 8 آب 1988
يوم الأيام… نتاج دم الشهيد العراقي الطاهر
في مسيرة الشعوب والأمم، وفي مختلف أشكال الصراعات، سواء كانت حروباً تقليدية أو معارك دفاع وتحرير، تبقى هناك حقيقة راسخة تحكم مسار المواجهات وتؤثر في نتائجها، وهي مدى استعداد الشعوب للتضحية وبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق أهدافها وصون كرامتها.
ويقدم التاريخ العربي والإسلامي، ولا سيما معارك صدر الإسلام بقيادة الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، شواهد واضحة على أن النصر كان دائماً ثمرةً للصبر والثبات والتضحية، وأن لحظات التراجع كانت ترتبط بتراجع العزيمة وفتور الإقدام، ولو بصورة مؤقتة.
وفي ملحمة الدفاع عن العراق أمام الحرب التي اندلعت عام 1980 واستمرت ثماني سنوات، قدّم الشعب العراقي وقواته المسلحة تضحيات كبيرة، وخاضوا واحدة من أقسى الحروب في تاريخ المنطقة الحديث. فقد كانت سنوات الحرب شاهدة على صمود العراقيين في مواجهة تحديات عسكرية واقتصادية وسياسية هائلة، حتى جاءت لحظة التحول الكبرى التي توجت باستعادة مدينة الفاو عام 1988، وانهيار خطوط الهجوم الإيرانية، وصولاً إلى قبول وقف إطلاق النار.
لقد سالت خلال سنوات الحرب دماء الآلاف من الشهداء والجرحى، وكانت تلك التضحيات جزءاً من ذاكرة وطنية تركت أثراً عميقاً في وجدان العراقيين. وقد جسدت المعارك التي خاضها الجيش العراقي والمقاتلون على مختلف الجبهات صوراً من الصمود والبسالة، سواء في ميادين الدفاع أو في عمليات الهجوم واستعادة المواقع.
لقد أدركت الدولة العراقية آنذاك أن تحقيق الصمود في زمن الحروب الكبرى لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من العوامل، تشمل تعزيز الاقتصاد، ودعم المجتمع، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وإدارة العلاقات الدولية، وتطوير الخطاب الإعلامي بما يخدم أهداف البلاد في مواجهة التحديات.
فالنصر لا تصنعه المعارك وحدها، بل تصنعه منظومة كاملة من الإرادة والصبر والتنظيم والتضحيات التي يقدمها الشعب بكل فئاته، حين تتحول المسؤولية الوطنية إلى مشروع جماعي تتكاتف فيه الجهود.
ويبقى فوق كل ذلك أن القيم الكبرى التي تمنح التضحية معناها العميق ترتبط بإيمان الإنسان بمبادئه وقناعته بعدالة ما يدافع عنه، فالتضحيات حين تقترن بالإيمان والثبات تتحول إلى مصدر إلهام للأجيال، وتبقى حاضرة في ذاكرة الأمم بوصفها صفحات من العطاء والصمود.
إن يوم 8 من آب يبقى محطة بارزة في التاريخ العراقي الحديث، يحمل في ذاكرته معاني التضحيات التي قدمها أبناء العراق، ويستدعي قراءة التجارب التاريخية بروح المسؤولية والاعتبار، وفاءً لكل من بذلوا أرواحهم دفاعاً عن وطنهم.