شبكة ذي قار

أرشيفات يونيو 2026

بيان طليعة لبنان:  الاتفاق الإطاري يسقط  مرجعية القرارات الدولية وهيئات المتابعة ذات الصلة

طليعة لبنان :

 الاتفاق الإطاري يسقط  مرجعية القرارات الدولية وهيئات المتابعة ذات الصلة

  ويشكل مساً بالسيادة الوطنية وتعارضاً مع قوانين مقاطعة “اسرائيل”  

الخيار الوطني هو اعادة الاعتبار للدولة العادلة التي تصون المقومات الوطنية.

 

 

أكدت  القيادة القطرية لحزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي ، ان الاتفاق الاطاري يمس بالسيادة الوطنية ، ويهدد البنية الوطنية والمجتمعية اللبنانية، ويتعارض مع التزام لبنان مواثيق جامعة الدول العربية. واعتبرت ان  الوسيط الاميركي ليس نزيهاً ولا  حيادياً ، وان الرفض لهذ الاتفاق ومعارضته لا يعني القبول بالحاق لبنان بالمسار الايراني.  وشددت على مواجه المخاطر التي ينطوي عليها الاتفاق الإطار بموقف موحد من الاخطار المحدقة بالامن الوطني وأمن المواطن وهو خيار اعادة الاعتبار للدولة العادلة.

    جاء ذلك في بيان للقيادة القطرية فيما يلي نصه :

في الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان والكيان الصهيوني برعاية اميركية ، تم التوقيع على اتفاق تجاوز حدود الترتيبات الامنية الى المحتوى  السياسي الذي يتمحور حول ماسماه  باقامة سلام بين الدولتين . وهذا الاتفاق الاطاري وان لم يكن ينطوي على اتفاق نهائي  كمقدمة لتسويقه لدي الطرفين المتفاوضين على المستوى المؤسساتي ، إلا ان البنود الاربعة عشر التي تضمنها رسمت بوضوح النتائج التي ستترتب عليه وهو الذي لاقى ترحيباً عارماً لدى الكيان الصهيوني ،فيما لاقاه الجانب اللبناني بانقسام سياسي بين مؤيد له باعتبارهافضل الممكنفي ظل موازين القوى السائدة ، ومعارض له  بشدة باعتباره ينطوي على تلبية للمطالب والشروط الصهيونية ويشكل انتهاكاً للسيادة الوطنية . والحزب من الذين يعارضون هذا الاتفاق لما ينطوي عليه من مخاطر على الامن الوطني اللبناني واستطراداً على الامن القومي العربي  فهذا الاتفاق  وان نص في احد بنوده على استعادة الدولة لسيادتها على كامل اراضيها ، الا أنه تمت محاصرته  باكثرية البنود التي تستجيب والشروط الصهيونية وهو ماعبر عنه صراحة المسؤولين الصهاينة.

  ومعارضتنا لهذا الاتفاق تنطلق من :

اولاً ، 

ان لبنان الرسمي ، جلس على طاولة مفاوضات مباشرة مع طرف اخر لايعترف به  ، ولمجرد الجلوس معه هو اعتراف بشرعيته ، وهذا يتناقض مع احكام الدستور الذي يؤكد على لبنان التزام مواثيق جامعة الدول العربية ، وهي التي ما تزال احكام مقاطعةاسرائيل”  سارية المفعولولهذا كان يفترض بلبنان ، ان يصر على مبدأ المفاوضات غير المباشرة.  

ثانياً ،

ان اتفاق الاطار ، عمد الى اسقاط مرجعية القرارات الدولية ومنها القرار ١٧٠١  واتفاقية الهدنة لعام ١٩٤٩،  كما تجاوز دور الهيئات الدولية المعنية بمتابع القرارات  ذات الصلة بالانسحاب الصهيوني  ومنها لجنة الميكانيزم التي نص عليها اتفاق ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤. وان قبول لبنان بعدم الاشارة الى هذه المرجعيات الدولية ( قرارات ، ولجان متابعة ) ، افقده  متكئاً دولياً  ومرجعاً غير منحاز ،  ووضع البيض كله في سلة   العراب الاميركي الذي يلعب دور القابلة السياسية للاتفاقيات مع العدو. وهو ماكان يوماً وسيطاً حيادياً ، بل كان وسيبقى منحازاً للعدو استناداً الى طبيعة التحالف الاستراتيجي بين الكيان الصهيوني والدولة العميقة في اميركا اياً كانت ادارتها السياسية. وهذا سبب اضافي لجعل النتائج تصب في مصلحة العدو بالاستناد الى مقدماتها.

ثالثاً ،

ان رفضنا لهذا الاتفاق ينطلق من رؤية مبدئية وطنية وقومية لانعكاساته السلبية على معطى الواقع الوطني ولادراكنا بطبيعة المشروع الصهيوني الذي يدخل لبنان ضمن مداياته بحكم ان لبنان يشكل نقيضاً موضوعياً للكيان الصهيوني ، الذي صنفته الهيئات الدولية المعنية بقضايا حقوق الانسان ، بأنه كيان عنصري ( ابارتهايد ). وهذا ماسبق ونبّه اليه  منظرو  “الكيانية اللبنانية “. وبالتالي فأن تمكين  العدو من النفاذ الى معطى الواقع اللبناني تحت عناويناتفاقيات السلامأو التطبيع سيقوض البنيان الوطني والمجتمعي وسيلغي دور لبنان كواحدة من البيئات السياسية والمجتمعية العربية التي تحتضن تنوعاً كان ويجب ان يبقى عامل اغناء للبنان على الصعد االسياسية والثقافية والاجتماعية

رابعاً ،

 ان رفضنا لهذا الاطار الذي يرسم مساراً لاتفاق نهائي مع العدو الصهيوني،  لايعني  اننا نتماهى مع الذين يعارضونه من موقع التحاقهم بالمسار الايراني ، لان كلا المسارين لايلحظان مصلحة لبنان الوطنية ، وانما مصلحة مشروعيهما اللذين يجدان في الفضاء العربي ومنه لبنان مجالاً لنفوذهمافكما نقول لا  لهذا الاتفاق الاطار  ، نقول ، لا ، ايضاً ، لربط لبنان بمسار المفاوضات الاميركية الايرانية ، لان حبر التفاهمات الاميركيةالايرانيةالاسرائيلية في ملف الترسيم البحري لم يجف بعدوالنظام الايراني الذي قايض  بحقوق لبنان البحرية تحصيلاً لمكاسب سياسية خاصة بمشروعه ونفوذه لن يتوانى عن المقايضة  بحقوق لبنان البرية ، وهو الذي كان يعتبر وجوده في لبنان  سيطرةً على عاصمته اسوة بدمشق وبغداد وصنعاء

خامساً،

 ان رفض هذا الاتفاق الاطار ، وكل اتفاق يمس الثوابت الوطنية ، يجب ان لايقتصر على حدود تسجيل المواقف الرافضة وحسب ، بل يجب العمل لاسقاط كل المفاعيل التي تترتب على الاتفاقيات الاولية او النهائية ، وهذا لايتم الا بتحصين الساحة الوطنية من الاختراقات المعادية وعوامل التثقيل التي تضعف المناعية الداخلية وهي التي  تعاني اساساً من ضعف  ذاتي مع تفاقم   الازمة الاقتصادية الاجتماعيه  في ضوء ماترتب على العدوان الصهيوني من نتائج كارثية ، سواء تلك التي تمثلت بالتدمير الهائل والجرف شبه الشامل لبلدات وقرى باكملها والخسائر بالارواح والممتلكات ، فضلاً  عن النزوح الذي بات يجسد ازمة وطنية  ولايمكن التصدي لها وحلها الا عبر مشروع وطني ينخرط الجميع في توفير مستلزماته وعبر رافعات دعم واسناد له. وهذا لاتستطيعه الا الدولة ، التي ندعو الى اعادة الاعتبار لدورها في توفير مستلزمات الامن الاجتماعي ، كما في مواجهات التحديات التي تتهدد الامن الوطني. وهذا هو الخيار الذي يبعد عن لبنان تجرع كأس سم اتفاق الاطار الاخير وملحقه الامني  وكأسم سم أي مسار اخر  يسعى لان  يبقى قابضاً على  خناق لبنان لتوظيفه ورقة تفاوضية لتحسين مواقفه في اطار مايخطط له لاعادة تشكيل نظام اقليمي جديد انطلاقاً من النتائج التي ترتبت على المواجهة بين اميركا والكيان الصهيوني من جهة وايران من جهة ثانية.  

ان الخيار الثالث ، هو المسار الذي تتجسد فيه ارادة الفعل الوطني الجامع  الملتقي على تأكيد استقلالية الخيارات الوطنية بعيداً عن الالتحاق والاستقواء   والرضوخ  لاملاءات الخارج الاقليمي والدولي. ولبنان الذي يبدو ضعيفاً من خلال الانقسام الداخلي ، ومن خلال تثقيله باعباء مشاريع لايقوى على تحملها ، سيعكس الصورة ويبدو قوياً اكثر مما يتصوره البعض اذا ما اجمعت قواه السياسية والشعبية  على موقف واحد مما يواجهه لبنان من تحديات ، بدءأً بتحدي مواجهة الاحتلال الصهيوني وتصاعد عدوانه واتفاقيات  الاذعان كما تحدي  رفع التثقيل الاقليمي عن ساحته والاهم من كل ذلك تحدي اعادة البناء السياسي وتقوية مرتكزات الدولة الوطنية لممارسة دورها الطبيعي  في بسط سيادتها على كامل التراب الوطني وتوفير مقومات امن المواطن بكل نواحي حياتهولا خيار للانقاذ الا بدخول الجميع في مشروع الدولة العادله التي تحكم على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات تحت سقف الدستور والقوانين الناظمة للحياة العامة ،  وهذا تحدٍ مطروح على كافة القوى لوضعها امام الامتحان الحقيقي في تقديم الولاء الوطني على اي ولاء اخر

 

القيادة القطرية لحزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي.

 

بيروت في ٢٠٢٦/٦/٣٠                                   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأستاذ أحمَد ميشيل عَفلَق وسؤال الأمة المُؤجّل: لِماذا يَعود الفِكر القومِي كُلّما تَعمّقَت التَجزِئة؟

 

أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة – السودان

 

في مثل هذه الأيام، لا نستعيد ذكرى قائد رحل، بقدر ما نستعيد سؤالاً لم يرحل. فسيرة القادة تنتهي عادة عند قبورهم، أما أصحاب المشاريع الكبرى فإن قبورهم تتحول إلى علامات استفهام في التاريخ. ولذلك فإن استذكار أحمد ميشيل عفلق ليس استدعاءً لشخص غاب عن الدنيا، بل استدعاءٌ لفكرة ما زالت تبحث عن مكانها في عالم عربي يزداد تمزقاً كلما ظن أنه تجاوز الحاجة إليها.

 الأستاذ احمد ميشيل عفلق، الذي ولد في دمشق عام 1910، ودرس الفلسفة في السوربون، وأسس حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947 مع زملائه صلاح الدين البيطار وزكي الأرسوزي، لم يكن مجرد سياسي، بل كان مفكراً حاول أن يمنح الأمة العربية إطاراً لفهم ذاتها. وفي كتاباته، خاصة كتاب (في سبيل البعث) ومقالاته التأسيسية، ظل السؤال الأكبر حاضراً، كيف يمكن لأمة أن تنهض بعد انكسارها؟

 لقد رحل عفلق جسداً في الثالث والعشرين من حزيران، لكن السؤال الذي كرّس حياته للإجابة عنه ما زال حياً، كيف يتحول الشعب العربي إلى أمة واعية بذاتها ورسالتها ومصيرها؟

 في التاريخ، شخصيات تصنع الأحداث، وشخصيات تصنع الأفكار التي تفسر الأحداث. والنوع الثاني أندر بكثير. فالحدث ابن لحظته، أما الفكرة فهي ابنة المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية الأستاذ احمد ميشيل عفلق. لقد ظهر في لحظة كان العرب فيها يخرجون من تحت ركام الاستعمار الأوروبي، وكانت الخرائط الجديدة تُرسم فوق الجغرافيا العربية بالسلاح والاتفاقيات والمصالح الدولية. وفي ذلك الوقت، لم يكن السؤال المطروح كيف نستقل فقط؟ بل كيف نمنع هذا الاستقلال من أن يتحول إلى تجزئة دائمة؟

 رأى القائد المؤسس ما لم يره كثيرون. رأى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاستعمار وحده، بل في أن تنجح التجزئة في التحول من واقع سياسي مؤقت إلى وعي دائم. فالحدود أخطر حين تستقر في العقول منها حين تُرسم على الخرائط.

 ولم يكن هذا الهاجس الفكري معزولاً عن ظروف عصره، فقد نشأ في مرحلة تشكل فيه الوطن العربي تحت تأثير اتفاقية سايكس ـ بيكو، وتصاعد المشروع الصهيوني في فلسطين، واستمرت فيها أشكال متعددة من الهيمنة الأجنبية السياسية والاقتصادية والثقافية. ثم جاءت لاحقاً موجات الانقسام الطائفي والإثني لتضيف تحديات جديدة إلى سؤال الوحدة والهوية. ولهذا لم يكن المشروع القومي عنده مجرد حلم رومانسي، بل محاولة فكرية للإجابة عن تحديات تاريخية ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.

 كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس الاحتلال وحده، بل فقدان الوعي بذاتها. فالاحتلال قد يسيطر على الأرض، لكن الهزيمة الحقيقية تبدأ عندما تفقد الأمة إيمانها بوجودها التاريخي، وعندما تتحول من فاعل في التاريخ إلى مجرد مادة تتحرك داخل تاريخ يصنعه الآخرون. لهذا لم يبدأ مشروعه من السياسة، بل من الوعي.   لم يسأل أولاً كيف نحكم؟ بل سأل من نحن؟ ولم يسأل كيف نبني دولة؟ بل سأل كيف نستعيد أمة؟ وفي هذا تكمن فرادته الفكرية. فمعظم الحركات السياسية العربية انشغلت بإدارة الواقع، أما هو فانشغل بتفسير أسباب تراجع الأمة نفسها ووضع الاستراتيجيات لنهوضها.

 لقد عاش في زمن كانت الأمة العربية تبدو فيه وكأنها تنهض. الاستعمار ينسحب، حركات التحرر تتقدم، الجماهير تمتلئ بالأمل، والوحدة العربية تتحول من حلم ثقافي إلى مشروع سياسي. لكن الرجل كان يرى ما هو أبعد من المشهد المباشر. كان يدرك أن الأمة التي لا تمتلك وعياً بوحدتها ستعود إليها التجزئة مهما حققت من انتصارات، وأن الدولة التي لا تستند إلى مشروع حضاري ستتحول إلى جهاز إداري كبير بلا روح، وأن الاستقلال السياسي لا يساوي شيئاً إذا ظل العقل مستعمراً. ولم تكن هذه الرؤية مجرد شعارات، بل تجسدت في مثلث الأهداف الذي ظل محورياً في فكر البعث: الوحدة، الحرية، الاشتراكية. فكل هدف كان مرتبطاً بالآخر لا وحدة بدون تحرر من الاستغلال، ولا حرية بدون عدالة اجتماعية، ولا اشتراكية بدون إطار قومي يحميها.

 غير أن أهمية هذا المثلث الفكري اليوم لا تكمن في استعادته بصيغته التاريخية كما ولد في منتصف القرن العشرين، بل في إعادة قراءته في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين.  فالوحدة لم تعد مجرد قضية حدود وجغرافيا، بل أصبحت قضية تكامل معرفي وتكنولوجي واقتصادي. والحرية لم تعد تعني التحرر من الاستعمار المباشر فحسب، بل امتلاك القدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في البيانات والتقنيات الحديثة. أما العدالة الاجتماعية فقد باتت مرتبطة بمكانة الإنسان العربي في اقتصاد رقمي عالمي تقوده الثورة المعرفية والذكاء الاصطناعي. ولذلك فإن سؤال النهضة الذي طرحه القائد المؤسس لا يزال قائماً، لكنه يطرح نفسه اليوم بلغة جديدة وأدوات جديدة وعالم مختلف.

 بعد عقود من رحيله، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فالوطن العربي اليوم يملك اقطارا أكثر مما كان يملك زمن القائد المؤسس، لكنه يملك أمة أقل في الفعل. الحدود أصبحت أكثر صلابة، لكن الروابط أصبحت أكثر هشاشة. والاقطار أصبحت أكثر انشغالاً بحماية الكيانات السياسية والدولة الوطنية والوحدة المجتمعية المهدَّدة، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والمصير المشترك ازاء الهجمات التقسيمية المتكالبة على العرب. 

 ولهذا يعود القائد المؤسس إلى النقاش من جديد.  ليس لأن الناس يبحثون عن الماضي، بل لأن الواقع نفسه يعيد إنتاج الأسئلة التي حاول الإجابة عنها. فكلما تمددت مشاريع التفتيت الطائفي والإثني والمناطقي، عاد السؤال القومي إلى الواجهة. وكلما تحولت الأقطار إلى جزر معزولة، عاد السؤال الوحدوي إلى الواجهة. وكلما جرى اختزال الإنسان العربي في انتماءاته الطائفية والاثنية الصغيرة، عاد السؤال الحضاري الكبير، من يحافظ على جمع هذه الأمة التي هي في حقيقتها واحدة؟ ذلك لأن فكرة الأمة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة تاريخية. فالأمم لا تعيش بالجغرافيا وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالقوة العسكرية وحدها، بل تعيش أولاً بإيمانها بأنها أمة.

 لم تنجح الدولة القطرية في بناء مشروع تاريخي بديل للمشروع القومي. ولهذا نجد أنفسنا اليوم أمام حالة غريبة، الدول موجودة، لكن الأمة غائبة. الحدود قائمة، لكن الأمن مهدد. المؤسسات تعمل، لكن المشروع الحضاري غائب. وكأن العرب ربحوا الجغرافيا وخسروا الفكرة. وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن غياب الفكرة الجامعة لم يؤد فقط إلى تهديد الشعور القومي، بل انعكس أيضاً على الواقع العملي للأقطار العربية نفسها. فالحروب الأهلية، والتدخلات الخارجية، وتآكل منظومات الأمن القومي، وضعف التكامل الاقتصادي، كلها تعكس ثمن الانتقال من فضاء الأمة إلى فضاء الكيانات المنعزلة. ولذلك فإن سؤال الوحدة لم يعد مجرد قضية عاطفية أو أيديولوجية، بل أصبح سؤالاً مصيرياً في صراع البقاء والوجود، يتعلق بمستقبل الاستقرار والتنمية والقدرة على مواجهة تحديات العالم المعاصر.

 ولعل المفارقة التاريخية الأكثر إثارة للتأمل أن كثيراً من الأفكار التي حذّر منها القائد المؤسس أصبحت اليوم جزءاً من الواقع العربي. فالتجزئة التي اعتبرها حالة مؤقتة تحولت في بعض الأحيان إلى سمة سياسية وثقافية تسعى لفرض ديمومتها، والهويات الفرعية التي خشي من صعودها أصبحت في بعض الأقطار تستهدف الهوية الوطنية لتكون اقوى منها، أما التدخلات الخارجية التي رآها نتيجة للضعف العربي فقد تحولت إلى عنصر شبه ثابت في إدارة أزمات المنطقة. وليس المقصود من ذلك القول إن التاريخ أنصف جميع أطروحاته أو أن التجربة القومية كانت بلا أخطاء، بل إن المقصود أن الأسئلة التي طرحها حول الوحدة والهوية والاستقلال الحضاري ما تزال مطروحة بإلحاح أكبر مما كانت عليه في زمنه، لابل ان التاريخ المعاصر بما يفرضه من تحديات يثبت كل يوم سلامة ما دعى اليه .

 غير أن القيمة الحقيقية للقائد المؤسس لا تكمن في الأجوبة التي قدمها فقط، بل في الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام الأجيال. فالرجل لم يورث العرب حزباً فحسب، بل ورّثهم قضية.  ولم يورثهم تنظيماً فحسب، بل ورّثهم رؤية للإنسان العربي باعتباره مشروع نهضة لا مجرد مواطن داخل حدود سياسية. فالأفكار الكبرى أكبر من تجاربها، وأطول عمراً من التنظيمات التي تتبناها، وأعمق من الأخطاء التي يرتكبها البشر باسمها.

 إن القيمة الحقيقية للمفكر لا تُقاس بعدد الذين اتفقوا معه، بل بقدرته على البقاء داخل الأسئلة الكبرى لأمته والاجابة عليها. فهناك مفكرون يجيبون عن مشكلات عصرهم ثم يغادرون معه، وهناك مفكرون يتحولون إلى جزء من البنية الفكرية للتاريخ نفسه. وعندما يعود الناس بعد عقود طويلة إلى مناقشة أفكار رجل رحل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أجوبته واهدافه قد تحققت، بل يعني أن الأسئلة التي طرحها والحلول التي اقترحها والتحديات التي شخصها ما تزال حية ومتفاعلة و تنتظر المزيد من النضال لتحقيقها. وفي هذا المعنى، ربما لا تكمن أهمية القائد المؤسس في أنه قدّم الحل النهائي لمسألة الأمة العربية، بل في أنه جعل هذه المسألة نفسها جزءاً دائماً من الوعي العربي الحديث.

 خاتمة:  

 إن الأمم العظيمة تُقاس بقدرتها على إنتاج الأفكار التي تظل قادرة على الحياة بعد رحيل أصحابها. وفي هذا المعنى، فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لم يعد مجرد شخصية تاريخية. لقد أصبح جزءاً من الوعي العربي حول معنى الأمة ومعنى الحرية ومعنى الوحدة. ربما يكون أعظم ما يمكن أن يُقال في ذكراه اليوم، أن الرجل لم يكن يبحث عن سلطة، بل عن معنى. وكان يعلم أن السلطة تزول، والأنظمة تتبدل، لكن الأفكار التي تلامس جوهر الأمة تبقى قادرة على العودة كلما ظن الناس أنها غابت. وما دام هذا السؤال حياً، فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق سيبقى حاضراً في الذاكرة العربية، لا بوصفه رجلاً من الماضي، بل بوصفه واحداً من أولئك الذين منحوا الأمة العربية صورةً لاستحقاقها الحقيقي هي أوسع من حاضرها، وأعمق من انقساماتها.

  وإذا كان سؤال الأستاذ ما زال حياً، فإن الإجابة عنه اليوم، ليست في استعادة شعاراته، بل في قدرة جيل جديد على حمل الفكرة بوعي جديد. جيل لا يكتفي بالحنين إلى الماضي، بل يعيد قراءة المشروع القومي العربي في ضوء متغيرات العصر والمتمثلة في العولمة، الذكاء الاصطناعي، التحولات الاقتصادية، وتفتت الدولة الوطنية. فالأفكار لا تورث، بل يعاد اكتشافها. ففي ذكرى رحيله، لا نستذكر رجلاً مضى، بل نستحضر سؤالاً ما يزال ينتظر الإجابة، هل يستطيع العرب أن يتحولوا من شعب يجمعه الماضي إلى أمة يصنعها المستقبل؟ ذلك هو السؤال الذي عاش القائد المؤسس من أجله، وذلك هو السؤال الذي يجعل حضوره في الفكر والوجود العربي أكبر من حضوره في التاريخ السياسي.

بيان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي حول الأوضاع العربية

القيادة القومية

أمام ما يرتسم من حلول لإعادة توزيع مراكز النفوذ الدولية والإقليمية:

  لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في صلب الخطاب القومي العربي.

ولتشكيل المركز القومي الجاذب لملء الفراغ والحد من الاستقواء بالأجنبي.

 

اعتبرت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، أن مذكرة التفاهم الأميركي الإيراني هي إطار للتفاوض فرضتها ضرورات أميركية وحاجة إيرانية ، وأن الاستراتيجية الأميركية تعمل على احتواء دور النظام الإيراني ضمن حدود ما تخطط له لتشكيل نظام إقليمي جديد، ودعت إلى إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في صلب الخطاب القومي، وعدم المراهنة على خلافات بين أميركا والكيان الصهيوني، وأن الديموقراطية في الحياة السياسية العربية ضرورة لتفعيل المشروع المقاوم للاحتلال كما ضرورتها لإحداث التغيير الوطني الديموقراطي.  جاء ذلك في بيان للقيادة القومية فيما يلي نصه:

بعد أربعين يوماً  على المواجهة العسكرية بين التحالف الصهيو – أميركي وإيران  والهدنة الهشة التي أعقبتها وامتدت إلى ٦٠ يوماً ، توصلت الإدارة الأميركية والنظام الإيراني بوساطة باكستانية ومشاركة قطرية إلى اتفاق اطار يرسم مسار خارطة طريق لمفاوضات بين الطرفين  وصولاً الى اتفاق حول القضايا التي كانت سبباً في انفجار الوضع العسكري على نطاقه الواسع بدءاً بالملف النووي وما طرأ من عوامل إضافية وأهمها تلك المتعلقة بمضيق هرمز وانعكاسات تعطل الملاحة فيه بفعل الاغلاق والحصار  على انسيابية التجارة العالمية وخاصة ما تعلق منها بالطاقة من نفط وغاز. وقد اكتسبت قضية مضيق هرمز أهمية استثنائية كونها شكلت نقطة تجاذب وصاعق تفجير واسع للواقع العسكري بعد توقف عمليات القصف الجوي والصاروخي والمسيرات والتي لم تسلم منها أقطار الخليج العربي التي تلقت من الاغارات الإيرانية أكثر مما تلقاه الكيان الصهيوني والقواعد الأميركية. وإذا كانت العمليات العسكرية الواسعة قد توقفت وبدأت جولة المفاوضات السياسية استناداً إلى ما تضمنته مذكرة التفاهم من عناوين بدءاً بالملف النووي، فإن الوقت مازال مبكراً للحكم على النتائج السياسية للمفاوضات الأميركية – الإيرانية، بمشاركة باكستانية كوسيط سياسي وقطر كقاعدة خلفية لوساطة مالية وإن كانت المؤشرات التي تستند إلى المقدمات التي خيمت على الواقع الميداني لمسرح العمليات العسكرية لا تبشر بانعكاسات إيجابية على واقع الأمة العربية انطلاقاً من المعطيات التالية: 

أولاً:

إن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية هي إطار لمسار تفاوضي يفترض أن يفضي إلى اتفاق بين الطرفين، وهذا الاتفاق ستحكمه مصالح أطرافه بالدرجة الأولى، وإن من يعتبر نفسه أنه سيخرج رابحاً منها، لن يرتد إلى داخله الوطني بل سيعمد إلى تعزيز مواقعه بموافقة الطرف الآخر وفيما يعتبره مجالاً حيوياً لمشروعه التوسعي وهو الفضاء العربي في الخارطة الجيوسياسية التي دارات في مداها وعلى تخومها المواجهة العسكرية الواسعة النطاق. وإذا كانت الحاجة الأميركية أملت الوصول إلى قواعد التفاهم مع إيران، لتخفيف من حدة الضغط على أسعار الطاقة بكل انعكاساتها الاقتصادية والمعيشية وخاصة في الداخل الأميركي وقرب الانتخابات النصفية للكونغرس، فإن الحاجة الإيرانية كانت أكثر الحاحاً نظراً لحجم الاختناقات الاقتصادية وما تعرضت له البنية السلطوية الأمنية والعسكرية من اختلالات وتأثير ذلك على الداخل الإيراني وهو المثقل أساساً بحزمة من المشاكل لم يستطع النظام تجاوز تأثيراتها في ظل العقوبات الاقتصادية. ولذلك كانت الأولوية لمعالجة المشكلة التي ترتبت على اغلاق مضيق هرمز من ناحية والحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية من ناحية أخرى.  وإن ما تبقى من عناوين والتي كانت سبباً في دفع الوضع إلى الانفجار رُحِّلَ إلى المفاوضات التي حدد مداها الزمني مبدئياً ب ٦٠ يوماً.

ثانياً:

إن ما يدفع إلى تأكيد هذا البُعْد، أن مذكرة التفاهم التي لم تأت على ذكر فلسطين ولو من باب الإشارة إليها، أبقت عناوينها في إطار العموميات المائعة بهدف اعطاء أطرافها مساحة أوسع من المناورة والتفسيرات المختلفة حول القضايا التي بقيت غامضة ومنها الصواريخ البعيدة المدى والأذرع التي ترتبط بمركز التحكم والتوجيه الإيراني المباشر.  

وهذا بقدر ما يعكس حقيقة الموقف الأميركي من هذه القضية، فإنه أماط اللثام عن حقيقة موقف النظام الإيراني من قضية فلسطين التي استثمر فيها فترة طويلة خدمة لأجندة مشروعه في العمق القومي.

وهذا التغييب  للقضية الفلسطينية كقضية محورية عن ملفات تتعلق بالوضع العام في المنطقة ،فلكون ذلك  يندرج  في سياق الاستراتيجية الأميركية التي تبنت حيثيات الموقف الصهيوني بكل ما يتعلق بهذه القضية ورسمت مساراً خاصاً بها تحت مسمى  “مجلس السلام ” وهو الذي يحاكي الرؤية الأميركية  لتشكيل نظام إقليمي يقوم  على أنقاض النظام العربي بعد اسقاط مراكز الثقل فيه، وعلى قاعدة  ثبات الموقف الاميركي تجاه  إيران المنطلق أساساً من ضرورة  احتوائها  في إطار الاستراتيجية الأميركية أياً كانت طبيعة النظام الحاكم فيها، فإن الجزرة التي رمتها أميركا للنظام الإيراني هي لأجل تطويعه وابقاء دوره ضمن حدود ما هو محدد أميركياً على مستوى الإقليم وعلى مستوى بعض الساحات العربية  التي تغول فيها نظامها. 

ثالثاً:

إن العرب  الذين يُهَمش دورهم في مجرى الحراك السياسي الفعلي، وهم الذين كان فضاؤهم مسرحاً للعمليات العسكرية مع الاستهداف المركز والمقصود للمرافق الاقتصادية والحيوية ، بقوا مغيبين فعلياً عن مقدمات التحضير للمفاوضات إلا من دور ثانوي لقطر باعتبارها معنية بالإجراءات التنفيذية المتعلقة بتسييل الأموال الإيرانية المجمدة .ولهذا فإن الأمة العربية التي تدفع الأثمان من أمنها القومي بعد الانكشاف الذي تعرضت له بعد غزو العراق واحتلاله ، تواجه اليوم تحديات كبيرة بدءاً من التداعيات الخطيرة التي خلفتها الحرب التدميرية على غزة، وما هي عرضة له اليوم من إعادة لرسم الأدوار في الإقليم في ضوء ما ستسفر عنه نتائج المفاوضات الأميركية الإيرانية، وهذه التحديات التي تتجسد في تهميش الحضور العربي حيال إعادة رسم خارطة النفوذ في منطقة يشغل الوطن العربي حوضها الأساسي ، يجعل الأمة ضمن دائرة الاستهداف المعادي لأمنها على مستوى الكل القومي، كما على مستوى الأمن الوطني  لأقطارها التي يجري  توظيف معطى ساحتها في توجيه الرسائل المتبادلة وتحسين الأوراق التفاوضية في إطار الصفقة الأشمل التي تستهدف الأمة بأمنها القومي و دون الالتفات للانعكاسات  السلبية على الواقع الوطني لهذه الأقطار ، ولبنان والعراق نموذجاً.

إن القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، التي سبق وحددت موقفاً واضحاً من أبعاد المواجهة العسكرية الواسعة النطاق بين أميركا والكيان الصهيوني من جهة والنظام الإيراني من جهة أخرى باعتبارها مواجهة بين مشاريع متصارعة على حجم النفوذ والأدوار، ترى بأن الأمة العربية هي اليوم على أبواب الدخول في مرحلة مفصلية في تاريخها المعاصر. فهي إما أن تعود لتمسك بزمام المبادرة وخاصة لجهة علاقاتها البينية بين أقطارها أو لجهة علاقاتها مع الخارج الدولي والإقليمي لأجل اثبات وجودها والدفاع عن خياراتها، وإما أن تهوي إلى مزيد من الالتحاق بمراكز التقرير الدولي والإقليمي.

وعليه فإن القيادة القومية للحزب، وهي التي تعي جيداً حجم الامكانات والقدرات التي تمتلكها الأمة فيما لو تم تفعيلها وتنسيقها في إطار مشروع عربي شامل ينطلق من المسلمات الأساسية التي انشد إليها توق الجماهير العربية منذ تفتح وعيها السياسي على قضاياها القومية والوطنية بكل مضامينها الاقتصادية والاجتماعية، ترى أن الأثمان التي تدفعها الأمة في مواجهة المشاريع المعادية والتصدي لها،  من المشروع  الصهيوني وهو الأخطر والامبريالي الأميركي وهو الأشمل  والفارسي وهو الأخبث كما التركي والاثيوبي من بوابة الأمن المائي، تبقى أقل من التكلفة التي ستدفعها  فيما  لو تم  اسقاطها كلياً واحتواءها في إطار هذه المشاريع التي تهدد الوطن العربي من داخله ومداخله.

ولذلك فإن المدخل الصحيح والعملي لمواجهة ما يتهدد الأمة من مخاطر وجودية إنما يكمن بخروجها من دائرة المواقف الرمادية التي لا طعم ولا لون بها والدخول في دائرة المواقف الواضحة التي يتم التأسيس عليها لإطلاق مشروع المواجهة القومية الشاملة.

  وعليه، فإن القيادة القومية للحزب وهي تدرك حجم القوى التي تناصب الأمة العداء، تعتبر أن الأمة لو لم تكن تمتلك من القدرات وميزات موقعها الجيوسياسي وتختزن في ذاتها قوة دفع تاريخي ما يجعلها أمة قادرة على النهوض والاستنهاض، لما ائتلفت ضدها مروحة القوى الدولية والإقليمية التي تتصارع فيما بينها على المصالح وتتلاقى على معاداتها. وعليه فإن القيادة القومية للحزب وهي تدعو لإطلاق مشروع المواجهة الشاملة، تعتبر أن أية مواجهة ذات بعد قومي شامل، لا تستقيم إلا بإعادة الاعتبار لموقع القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة، وترجمة ذلك في آليات العمل السياسي والنضالي للأمة على المستويين الشعبي والرسمي.

وهذا ما بقدر ما يشكل رداً على محاولات اسقاط هذه القضية بما هي قضية وطنية وحق تقرير مصير وحماية للهوية للوطنية الفلسطينية، فإنها تشكل رداً على محاولات اخراجها من صلب الخطاب القومي وحرمانها من حاضنتها القومية وخاصة على المستوى الشعبي. فمن فلسطين بدأ التأسيس لمشروع الهيمنة الاستعمارية على الأمة العربية، ومنها يتم التأسيس لإطلاق المشروع التحرري الشامل. 

ففلسطين كانت وستبقى قضية قومية للأمة العربية وبغض النظر عن مواقف بعض النظام الرسمي العربي، ولأنها كذلك، تعمد الامبريالية الأميركية على تغييب أي دور عربي مؤثر فيما يرسم من ترتيبات أمنية وسياسية تتعلق بإدارة شؤون الفلسطينيين تحت الاحتلال، وضمن هذا السياق يتم استحضار دول الإسلام غير العربي لإشراكها في ترتيبات الحلول ما تعلق منها بالشأن الفلسطيني بشكل خاص أو ما تعلق منها بالشأن العربي بشكل عام نظراً لكون فلسطين ليست قضية قومية لشعوب هذه الدول كما هي الحال بالنسبة للأمة العربية.

وهذا ما يقتضي اعادة التأكيد على الثوابت التي تحكم طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني بكل أبعاده وتحالفاته وتقاطعاته الدولية والإقليمية وانطلاقاً من: 

أولاً_ إن الصراع الشمولي مع المشروع الصهيوني، سيبقى قائماً ما بقي الاحتلال الصهيوني لفلسطين قائماً مع كل تمدده، وهو صراع محكوم بطبيعته الوجودية وهو ما بات العدو يدرجه تحت هذا العنوان أيضاً بعد العدوان على غزة ولبنان وسورية، وإن فرض ترتيبات أمنية أو سياسية في لحظة معينة بفعل موازين السائدة، لا يسقط الحق التاريخي لشعب فلسطين في أرضه ولا حقه في مقاومة الاحتلال وهو الحق الذي حفظته المواثيق الدولية لكل شعب يناضل من أجل الاستقلال وحق تقرير المصير.

ثانياً_ إن بروز تمايزات في المواقف السياسية بين الكيان الصهيوني وحاضنته الاستعمارية المتجسدة اليوم بالدولة العميقة في أميركا، يجب ألا يوقع الأمة في وهْم أن ثمة تناقضاً أساسياً بين العلاقة بين أميركا “واسرائيل”.

فالثابت هو التحالف العضوي بينهما انطلاقاً من الدور الوظيفي الذي يؤديه الكيان الصهيوني في خدمة مشروع الرأسمالية المتوحشة التي ترسم سقفاً للموقف الأميركي بما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، والمتغير هو ظرفية التباينات السياسية التي تمليها الحسابات الخاصة غير المرتبطة بالسياقات الاستراتيجية.

ولهذا فإن أمن “اسرائيل”، هو من ثوابت الاستراتيجية الأميركية، وأنه لولا الدعم الاميركي المطلق، لما تمادى العدو في تصعيد عدوانه وتوسعه وارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وصلت إلى مستوى حرب الإبادة فيما تعرضت له غزة وبعدها سوريا ولبنان، ودون أن تجد مساءلته القانونية والسياسية طريقها إلى التنفيذ بسبب الموقف الأميركي الذي يتبنى حيثية الموقف الصهيوني بكل أبعاده.

ثالثاً_ إن القيادة القومية للحزب، التي تعتبر أن ساحات عربية تحملت أكثر من طاقتها على التحمل وخاصة ساحة فلسطين التي ما تزال عرضة للعدوان الصهيوني المتواصل كما ساحتا لبنان  والعراق، ترى أن هذه الاستباحة لهذه الساحات ما كانت لتصل إلى مستوى ما هي عليه من واقع وطني سياسي واقتصادي ومعيشي وحياتي صعب، لولا الانشطار السياسي الداخلي الذي حال دون الارتقاء إلى مستوى تحقيق الوحدة الفلسطينية على قاعدة برنامج سياسي يواجه تحديات الاحتلال وتصعيد العدوان، وتحدي إدارة الشأن الفلسطيني في داخل الأرض المحتلة وعالم الشتات.

وهذا الانشطار هو ما أضعف بنية الدولة الوطنية اللبنانية وحال دون استعادة دورها في فرض سيادتها على كامل التراب الوطني بفعل استعصاءات داخلية أبرزها التجاذبات حول موضوع حصرية السلاح كما بلورة موقف موحد من إدارة الصراع مع العدو الصهيوني الذي استحضر في عدوانه مشهدية التدمير الشامل لغزة والذي أدى إلى جرف بلدات وقرى بأكملها، ودفع مئات الآلاف إلى النزوح في ظل أوضاع اجتماعية ومعيشية شديدة القسوة.

ولهذا فإن الأمة العربية التي استقال نظامها الرسمي وبعضه لديه الامكانات التي تمكنه من  إطلاق مبادرة سياسية عربية للحد من الاستباحة الخارجية للساحة القومية ، سبق وترك العراق بعد احتلاله فريسة  لتقاسم النفوذ بين أميركا وإيران ، وأدار الظهر له بحيث تحول نظامه الذي تديره عملية سياسية  أفرزها الاحتلال الأميركي واحتواها النظام الإيراني إلى خنجر مسموم في الجسم العربي وآخر موبقاته  استعمال  أرضه  منصة لشن عمليات  عسكرية  عدوانية صاروخية ومسيرات  ضد بعض أقطار الخليج العربي، ولهذا فإنه ليس مقبولاً على الإطلاق أن يقف هذا النظام الرسمي وخاصة دوله المقتدرة موقف المتفرج والعاجز عن إطلاق مبادرات سياسية تجاه الساحات التي هي عرضة للاحتلال وللتثقيل الدولي والإقليمي ومقايضة النفوذ في إطار المشاريع التي ترسم حدود النفوذ والمصالح الإقليمية والدولية في المجال القومي العربي . 

وعليه فإن القيادة القومية للحزب التي سبق وأكدت على وجوب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي وقعت عام 1950م ، تعيد التأكيد على هذه المسألة، لضرورة الحد من وجود القواعد الأجنبية على الأرض العربية وإزالتها كلياً ولتمكين الأمة من الدفاع عن نفسها بقواها الذاتية، وكخطوة على طريق إعادة تكوين المركز القومي الجاذب الذي بقدر ما يضع حداً للفراغ الأمني والعسكري في الواقع القومي فإنه يساعد على إعادة تكوين المراكز الوطنية الجاذبة وهي من أساسيات إعادة الاعتبار للدولة الوطنية في مواجهة تشظيات الداخل.

كما تؤكد على ضرورة وحدة الموقف العربي الخليجي من صراع القوى العالمية والإقليمية، بهدف رسم خارطة طريق مستقبلية تقوم على توحيد الأمن القومي العربي، والتكامل الاقتصادي والغذائي واللوجستي، وتحذر من أن التباين والخلافات حول هذا الموقف سوف يبقي المناخات مهيئة لاستمرار الاختراقات الدولية والإقليمية المعادية.

إن القيادة القومية للحزب، وهي تسجل هذا القصور على دور النظام الرسمي العربي، لا تعفي القوى الشعبية العربية من مسؤولياتها حيال ما تتعرض له الأمة من مخاطر، وهي التي بدت  بأنها دون المستوى المطلوب من الحراك الذي يعيد للشارع العربي اعتباره وحضوره في دعم قضايا الأمة  ومشاريعها الوطنية سواء المتعلق منها بدعم الفعل المقاوم للاحتلال الصهيوني في فلسطين ولبنان وكل أرض عربية أخرى محتلة ، أو المتعلق منها بآليات النضال الديموقراطي لأجل التغيير السياسي وإقامة دولة المواطنة المدنية  على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات وهي المطلب الوطني والشعبي المشترك  في كل الساحات التي تعاني من أزمات بنيوية كحال السودان على سبيل المثال لا الحصر، وتلك التي تواجه فساداً مستشرياً ومحاصصة سلطوية وتطييفاً للحياة السياسية والمجتمعية كحال العراق ولبنان وساحات عربية أخرى.

إن القيادة القومية للحزب وهي تؤكد على دور الجماهير العربية كرقيب وحسيب على الأداء السلطوي، وعلى دورها في توفير الحضن الدافئ لقضايا النضال العربي وفي طليعتها قضية فلسطين، تدعو إلى إيلاء مسألة الديموقراطية الأهمية التي تستحقها في الحياة السياسية والمجتمعية العربية، وتشدد على أهمية الانشداد دائماً إلى المواقف المبدئية في مقاربة القضايا الحيوية  خاصة  المتعلق منها  بقضايا التحرير ومقاومة الاحتلال وعدم تقديم التنازلات المجانية تحت ضغط الظروف الطارئة التي تفرضها اختلالات موازين القوى التي تبقى حالة ظرفية قابلة للتبدل بتغيير معطياتها، وهو الذي يملي عدم الرضوخ لالتزامات تمنح امتيازات لمن اختل ميزان القوى لمصلحته على حساب الحقوق الثابتة خاصة تلك التي تتعلق بالقضايا الوطنية ومنها حق التقرير المصير وحق المواطنة بكل الحقوق والموجبات اللصيقة بها.

المجد والخلود لشهداء الأمة على طريق التحرير والتغيير والخزي والعار للخونة والمتآمرين والمطبعين. 

عاشت فلسطين، عاشت الأمة العربية.

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

 

٢٠٢٦/٦/٢٢

الموقف العام .. والرأي الخاص    

الموقف العام .. والرأي الخاص    

 

د. نضال عبد المجيد

 

    يعتبر الحزب الثوري بمجمله كحركة تاريخية كلاً واحدا موحدا بمواقفه وأراءه وأفكاره، المعبر عنها وفقا لما استقرت عليه عقيدته المتطورة عبر مؤتمراته القومية، والتي يؤطر الالتزام بها مبدأ الديمقراطية المركزية، الأساس الذي تستند عليه نظريته التنظيمية، والتي تستوجب فيما تقتضيه عدم تعدد الآراء والاجتهادات خلافاًّ للموقف الرسمي المعبر عنه بقرارات المؤتمرات وما يصدر عن القيادة العليا من مواقف سياسية، وأن هذا الأمر لا يقمع الكادر الحزبي والأعضاء عن أبداء آرائهم، فهو حق لهم وفقا للنظام الداخلي، وبالوسائل التنظيمية من خلال الحياة الداخلية للحزب، دون سواها من وسائل النشر والإعلان.

    لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي سهولة نشر الأفكار والمواقف، سواء من خلال الكتابة أو الصوت أو الصورة او التسجيلات المرئية، وهذه السهولة في النشر جعلت البعض يستسهل نشر أراءه ولو خالفت رأي المؤسسة القيادية في الحزب، ولو عرفنا ان منهم من له متابعين كثر، يتابعون ما ينشره، فسنصل الى نوع البلبلة والإرتباك، ويقع البعض في حيرة من امره، واين يكمن موقف القيادة من هذه المسألة او تلك.

فالبعث ليس حزب تيارات وأجنحة سياسية وفكرية، وكل جناح او تيار له اراءه ومواقفه، بل هو حزب واحد تعبر قيادته القومية عن مواقفه الفكرية والسياسية تجاه كل القضايا، وعلى مسؤوليتها امام المؤتمر القومي الذي يناقشها فيما اتخذته من قرارات ومواقف، كل ذلك وفقا للنظام الداخلي الذي حدد وبوضوح تام اختصاصات قياداته ومؤتمراتها الحزبية.

ومع كل هذا الوضوح المستقر من خلال النظام الداخلي، وما استقر في الشخصية البعثية من صفات عبر نضالها الطويل، إلا أنه برزت في الآونة الاخيرة، أراء تجاه مواقف فكرية أو أحداث مرت بها تجربة الحزب في وقت مضى، وكل يفسرها بطريقته ويجتهد فيها، ويطلق عليها أوصافاً شتى، بما يخلق نوعا من الارتباك في اوساط القاعدة الحزبية او الجماهير على حد سواء، ويتيح للمتصيدين بالماء العكر فرصة للنيل من مسيرة الحزب وتاريخه ونضاله وقادته، وتجربته النضالية سواء في العمل السري، او بعد تسلم السلطة في العراق.

وهناك امثلة عديدة على ذلك.

إن الجهة المخولة بنقد التجربة الماضية وتقييم أحداثها هي مؤتمرات الحزب القومية والقطرية، وعليه لا يحق لكادر حزبي ان يكتب او ينشر ما يتقاطع معها تحت اية مبررات، أو مجاملات أو علاقات شخصية، مادام هو داخل المؤسسة للحزبية، ويمارس مهامه داخلها.

إن الالتزام بالقرارات والمواقف الحزبية الفكرية والسياسية، هو جوهر الالتزام الحزبي، الذي ينبغي ان يكون هاجس المناضل في كل حين، بعيدا عن المشاعر والتكهنات والتحليلات والتأويلات، التي يجب أن تبقى في أطار المؤسسة الحزبية، ولا تطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبعكس ذلك لا يبقى للالتزام الحزبي من معنى، ويتحول الحزب الى تيارات واجنحة وتفقد مركزية القيادة ويزدهر التكتل بكل ما يحمله من أخطار على وحدة الحزب الفكرية والسياسية. إن نسيان البعض أو تغاضيه عن كل ما تقدم، أمر خطير ينبغي الوقوف عنده.