الأستاذ أحمَد ميشيل عَفلَق وسؤال الأمة المُؤجّل: لِماذا يَعود الفِكر القومِي كُلّما تَعمّقَت التَجزِئة؟

 

أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة – السودان

 

في مثل هذه الأيام، لا نستعيد ذكرى قائد رحل، بقدر ما نستعيد سؤالاً لم يرحل. فسيرة القادة تنتهي عادة عند قبورهم، أما أصحاب المشاريع الكبرى فإن قبورهم تتحول إلى علامات استفهام في التاريخ. ولذلك فإن استذكار أحمد ميشيل عفلق ليس استدعاءً لشخص غاب عن الدنيا، بل استدعاءٌ لفكرة ما زالت تبحث عن مكانها في عالم عربي يزداد تمزقاً كلما ظن أنه تجاوز الحاجة إليها.

 الأستاذ احمد ميشيل عفلق، الذي ولد في دمشق عام 1910، ودرس الفلسفة في السوربون، وأسس حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947 مع زملائه صلاح الدين البيطار وزكي الأرسوزي، لم يكن مجرد سياسي، بل كان مفكراً حاول أن يمنح الأمة العربية إطاراً لفهم ذاتها. وفي كتاباته، خاصة كتاب (في سبيل البعث) ومقالاته التأسيسية، ظل السؤال الأكبر حاضراً، كيف يمكن لأمة أن تنهض بعد انكسارها؟

 لقد رحل عفلق جسداً في الثالث والعشرين من حزيران، لكن السؤال الذي كرّس حياته للإجابة عنه ما زال حياً، كيف يتحول الشعب العربي إلى أمة واعية بذاتها ورسالتها ومصيرها؟

 في التاريخ، شخصيات تصنع الأحداث، وشخصيات تصنع الأفكار التي تفسر الأحداث. والنوع الثاني أندر بكثير. فالحدث ابن لحظته، أما الفكرة فهي ابنة المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية الأستاذ احمد ميشيل عفلق. لقد ظهر في لحظة كان العرب فيها يخرجون من تحت ركام الاستعمار الأوروبي، وكانت الخرائط الجديدة تُرسم فوق الجغرافيا العربية بالسلاح والاتفاقيات والمصالح الدولية. وفي ذلك الوقت، لم يكن السؤال المطروح كيف نستقل فقط؟ بل كيف نمنع هذا الاستقلال من أن يتحول إلى تجزئة دائمة؟

 رأى القائد المؤسس ما لم يره كثيرون. رأى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاستعمار وحده، بل في أن تنجح التجزئة في التحول من واقع سياسي مؤقت إلى وعي دائم. فالحدود أخطر حين تستقر في العقول منها حين تُرسم على الخرائط.

 ولم يكن هذا الهاجس الفكري معزولاً عن ظروف عصره، فقد نشأ في مرحلة تشكل فيه الوطن العربي تحت تأثير اتفاقية سايكس ـ بيكو، وتصاعد المشروع الصهيوني في فلسطين، واستمرت فيها أشكال متعددة من الهيمنة الأجنبية السياسية والاقتصادية والثقافية. ثم جاءت لاحقاً موجات الانقسام الطائفي والإثني لتضيف تحديات جديدة إلى سؤال الوحدة والهوية. ولهذا لم يكن المشروع القومي عنده مجرد حلم رومانسي، بل محاولة فكرية للإجابة عن تحديات تاريخية ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.

 كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس الاحتلال وحده، بل فقدان الوعي بذاتها. فالاحتلال قد يسيطر على الأرض، لكن الهزيمة الحقيقية تبدأ عندما تفقد الأمة إيمانها بوجودها التاريخي، وعندما تتحول من فاعل في التاريخ إلى مجرد مادة تتحرك داخل تاريخ يصنعه الآخرون. لهذا لم يبدأ مشروعه من السياسة، بل من الوعي.   لم يسأل أولاً كيف نحكم؟ بل سأل من نحن؟ ولم يسأل كيف نبني دولة؟ بل سأل كيف نستعيد أمة؟ وفي هذا تكمن فرادته الفكرية. فمعظم الحركات السياسية العربية انشغلت بإدارة الواقع، أما هو فانشغل بتفسير أسباب تراجع الأمة نفسها ووضع الاستراتيجيات لنهوضها.

 لقد عاش في زمن كانت الأمة العربية تبدو فيه وكأنها تنهض. الاستعمار ينسحب، حركات التحرر تتقدم، الجماهير تمتلئ بالأمل، والوحدة العربية تتحول من حلم ثقافي إلى مشروع سياسي. لكن الرجل كان يرى ما هو أبعد من المشهد المباشر. كان يدرك أن الأمة التي لا تمتلك وعياً بوحدتها ستعود إليها التجزئة مهما حققت من انتصارات، وأن الدولة التي لا تستند إلى مشروع حضاري ستتحول إلى جهاز إداري كبير بلا روح، وأن الاستقلال السياسي لا يساوي شيئاً إذا ظل العقل مستعمراً. ولم تكن هذه الرؤية مجرد شعارات، بل تجسدت في مثلث الأهداف الذي ظل محورياً في فكر البعث: الوحدة، الحرية، الاشتراكية. فكل هدف كان مرتبطاً بالآخر لا وحدة بدون تحرر من الاستغلال، ولا حرية بدون عدالة اجتماعية، ولا اشتراكية بدون إطار قومي يحميها.

 غير أن أهمية هذا المثلث الفكري اليوم لا تكمن في استعادته بصيغته التاريخية كما ولد في منتصف القرن العشرين، بل في إعادة قراءته في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين.  فالوحدة لم تعد مجرد قضية حدود وجغرافيا، بل أصبحت قضية تكامل معرفي وتكنولوجي واقتصادي. والحرية لم تعد تعني التحرر من الاستعمار المباشر فحسب، بل امتلاك القدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في البيانات والتقنيات الحديثة. أما العدالة الاجتماعية فقد باتت مرتبطة بمكانة الإنسان العربي في اقتصاد رقمي عالمي تقوده الثورة المعرفية والذكاء الاصطناعي. ولذلك فإن سؤال النهضة الذي طرحه القائد المؤسس لا يزال قائماً، لكنه يطرح نفسه اليوم بلغة جديدة وأدوات جديدة وعالم مختلف.

 بعد عقود من رحيله، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فالوطن العربي اليوم يملك اقطارا أكثر مما كان يملك زمن القائد المؤسس، لكنه يملك أمة أقل في الفعل. الحدود أصبحت أكثر صلابة، لكن الروابط أصبحت أكثر هشاشة. والاقطار أصبحت أكثر انشغالاً بحماية الكيانات السياسية والدولة الوطنية والوحدة المجتمعية المهدَّدة، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والمصير المشترك ازاء الهجمات التقسيمية المتكالبة على العرب. 

 ولهذا يعود القائد المؤسس إلى النقاش من جديد.  ليس لأن الناس يبحثون عن الماضي، بل لأن الواقع نفسه يعيد إنتاج الأسئلة التي حاول الإجابة عنها. فكلما تمددت مشاريع التفتيت الطائفي والإثني والمناطقي، عاد السؤال القومي إلى الواجهة. وكلما تحولت الأقطار إلى جزر معزولة، عاد السؤال الوحدوي إلى الواجهة. وكلما جرى اختزال الإنسان العربي في انتماءاته الطائفية والاثنية الصغيرة، عاد السؤال الحضاري الكبير، من يحافظ على جمع هذه الأمة التي هي في حقيقتها واحدة؟ ذلك لأن فكرة الأمة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة تاريخية. فالأمم لا تعيش بالجغرافيا وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالقوة العسكرية وحدها، بل تعيش أولاً بإيمانها بأنها أمة.

 لم تنجح الدولة القطرية في بناء مشروع تاريخي بديل للمشروع القومي. ولهذا نجد أنفسنا اليوم أمام حالة غريبة، الدول موجودة، لكن الأمة غائبة. الحدود قائمة، لكن الأمن مهدد. المؤسسات تعمل، لكن المشروع الحضاري غائب. وكأن العرب ربحوا الجغرافيا وخسروا الفكرة. وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن غياب الفكرة الجامعة لم يؤد فقط إلى تهديد الشعور القومي، بل انعكس أيضاً على الواقع العملي للأقطار العربية نفسها. فالحروب الأهلية، والتدخلات الخارجية، وتآكل منظومات الأمن القومي، وضعف التكامل الاقتصادي، كلها تعكس ثمن الانتقال من فضاء الأمة إلى فضاء الكيانات المنعزلة. ولذلك فإن سؤال الوحدة لم يعد مجرد قضية عاطفية أو أيديولوجية، بل أصبح سؤالاً مصيرياً في صراع البقاء والوجود، يتعلق بمستقبل الاستقرار والتنمية والقدرة على مواجهة تحديات العالم المعاصر.

 ولعل المفارقة التاريخية الأكثر إثارة للتأمل أن كثيراً من الأفكار التي حذّر منها القائد المؤسس أصبحت اليوم جزءاً من الواقع العربي. فالتجزئة التي اعتبرها حالة مؤقتة تحولت في بعض الأحيان إلى سمة سياسية وثقافية تسعى لفرض ديمومتها، والهويات الفرعية التي خشي من صعودها أصبحت في بعض الأقطار تستهدف الهوية الوطنية لتكون اقوى منها، أما التدخلات الخارجية التي رآها نتيجة للضعف العربي فقد تحولت إلى عنصر شبه ثابت في إدارة أزمات المنطقة. وليس المقصود من ذلك القول إن التاريخ أنصف جميع أطروحاته أو أن التجربة القومية كانت بلا أخطاء، بل إن المقصود أن الأسئلة التي طرحها حول الوحدة والهوية والاستقلال الحضاري ما تزال مطروحة بإلحاح أكبر مما كانت عليه في زمنه، لابل ان التاريخ المعاصر بما يفرضه من تحديات يثبت كل يوم سلامة ما دعى اليه .

 غير أن القيمة الحقيقية للقائد المؤسس لا تكمن في الأجوبة التي قدمها فقط، بل في الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام الأجيال. فالرجل لم يورث العرب حزباً فحسب، بل ورّثهم قضية.  ولم يورثهم تنظيماً فحسب، بل ورّثهم رؤية للإنسان العربي باعتباره مشروع نهضة لا مجرد مواطن داخل حدود سياسية. فالأفكار الكبرى أكبر من تجاربها، وأطول عمراً من التنظيمات التي تتبناها، وأعمق من الأخطاء التي يرتكبها البشر باسمها.

 إن القيمة الحقيقية للمفكر لا تُقاس بعدد الذين اتفقوا معه، بل بقدرته على البقاء داخل الأسئلة الكبرى لأمته والاجابة عليها. فهناك مفكرون يجيبون عن مشكلات عصرهم ثم يغادرون معه، وهناك مفكرون يتحولون إلى جزء من البنية الفكرية للتاريخ نفسه. وعندما يعود الناس بعد عقود طويلة إلى مناقشة أفكار رجل رحل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أجوبته واهدافه قد تحققت، بل يعني أن الأسئلة التي طرحها والحلول التي اقترحها والتحديات التي شخصها ما تزال حية ومتفاعلة و تنتظر المزيد من النضال لتحقيقها. وفي هذا المعنى، ربما لا تكمن أهمية القائد المؤسس في أنه قدّم الحل النهائي لمسألة الأمة العربية، بل في أنه جعل هذه المسألة نفسها جزءاً دائماً من الوعي العربي الحديث.

 خاتمة:  

 إن الأمم العظيمة تُقاس بقدرتها على إنتاج الأفكار التي تظل قادرة على الحياة بعد رحيل أصحابها. وفي هذا المعنى، فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لم يعد مجرد شخصية تاريخية. لقد أصبح جزءاً من الوعي العربي حول معنى الأمة ومعنى الحرية ومعنى الوحدة. ربما يكون أعظم ما يمكن أن يُقال في ذكراه اليوم، أن الرجل لم يكن يبحث عن سلطة، بل عن معنى. وكان يعلم أن السلطة تزول، والأنظمة تتبدل، لكن الأفكار التي تلامس جوهر الأمة تبقى قادرة على العودة كلما ظن الناس أنها غابت. وما دام هذا السؤال حياً، فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق سيبقى حاضراً في الذاكرة العربية، لا بوصفه رجلاً من الماضي، بل بوصفه واحداً من أولئك الذين منحوا الأمة العربية صورةً لاستحقاقها الحقيقي هي أوسع من حاضرها، وأعمق من انقساماتها.

  وإذا كان سؤال الأستاذ ما زال حياً، فإن الإجابة عنه اليوم، ليست في استعادة شعاراته، بل في قدرة جيل جديد على حمل الفكرة بوعي جديد. جيل لا يكتفي بالحنين إلى الماضي، بل يعيد قراءة المشروع القومي العربي في ضوء متغيرات العصر والمتمثلة في العولمة، الذكاء الاصطناعي، التحولات الاقتصادية، وتفتت الدولة الوطنية. فالأفكار لا تورث، بل يعاد اكتشافها. ففي ذكرى رحيله، لا نستذكر رجلاً مضى، بل نستحضر سؤالاً ما يزال ينتظر الإجابة، هل يستطيع العرب أن يتحولوا من شعب يجمعه الماضي إلى أمة يصنعها المستقبل؟ ذلك هو السؤال الذي عاش القائد المؤسس من أجله، وذلك هو السؤال الذي يجعل حضوره في الفكر والوجود العربي أكبر من حضوره في التاريخ السياسي.