شبكة ذي قار

أرشيفات يوليو 2025

إِيرَان بَينَ مَأْزقِ الإِيديُولوجْيَا وَحَقَائِقِ الحَيَاة

 

إِيرَان بَينَ مَأْزقِ الإِيديُولوجْيَا وَحَقَائِقِ الحَيَاة

 

د. عبد الوهاب القصاب

 

أولاً: أزمة الهوية بين الثورة والدولة

 لقد شكلت احداث “الثورة” الإيرانية عام 1979 لحظة مفصلية في التاريخ الإيراني الحديث، لكنها سرعان ما انقلبت من كونها ثورة شعبية متعددة الاتجاهات إلى مشروع إيديولوجي أحادي اللون، ارتكز على فقه ولاية الفقيه كمرجعية سياسية دينية مطلقة وتمت تصفية كل رموز وقيادات الثورة المعارضة لذلك بكل قسوة وبأبشع الصور. هنا وقعت الدولة الإيرانية في مأزق بنيوي: فهي من جهة ترفع شعارات الثورة و”نصرة المستضعفين”، ومن جهة أخرى تتصرف كدولة إمبريالية ذات نزعة توسعية، تفرض نفوذها عبر الجماعات الوكيلة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

 هذا التناقض البنيوي بين هوية الدولة “الثورية” والدولة الواقعية (البراغماتية)، والذي اُريد له ان يكون مجالاً للمناورة وتوزيع الادوار والافلات امام المجتمع الدولي، أضعف مشروعها في الداخل، حيث بدأت تظهر تناقضات بين الأجيال الشابة التي تطمح إلى الانفتاح والتنمية، وبين نخب الحرس الثوري والمؤسسة الدينية التي تهيمن على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي بشكل مطلق.

  ثانياً: سقوط نظريتي ” أم القرى” و”إيران 2025″

تبنّى النظام الإيراني بعد الحرب الإيرانية العراقية نظريتين استراتيجيتين حاولتا إضفاء الشرعية على التوسع الإقليمي هما :

 نظرية “أم القرى” التي طوّرها محمد جواد لاريجاني، واعتبرت إيران محور العالم الإسلامي وقلبه النابض، ومن ثم يحق لها قيادته وتوجيهه.

  • نظرية “إيران 2025” التي تبنتها حكومة أحمدي نجاد، وهدفت إلى تحويل إيران إلى القوة الإقليمية الأولى سياسياً واقتصادياً وتقنياً.

 إلا أن هاتين النظريتين تعرضتا للانهيار أمام ضغط الواقع: فقد أدى الانخراط الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان إلى استنزاف اقتصادي وعزلة سياسية ودبلوماسية. كما فشلت إيران في بناء نموذج تنموي مقنع لا داخلياً فيها، ولا في الاقطار العربية التي هيمنت عليها. حيث تزايدت معدلات الفقر والبطالة والهجرة في ايران، بينما تفشّت شبكات الفساد بين أذرع الحرس الثوري التي سيطرت على الاقتصاد الوطني ، كما شاع الخراب والتخلف اينما توسعت عربياً.

 ثالثاً: تناقضات سياسة المُكابَرة

 رغم كل المؤشرات التي تدل على تآكل شرعية النظام داخلياً، ورفض شعبي متصاعد تجلّى في احتجاجات متواصلة أعوام 2009، و2019، و2022 (التي تزامنت مع مقتل مهسا أميني)، فإن المرشد علي خامنئي ظلّ يصر على خطاب التحدي والممانعة، دون مراجعة حقيقية لمسار الدولة ومشروعها الإقليمي.

 لقد تبنّى خامنئي خطاب “التحصين الإيديولوجي” والولاء المطلق، وأغلق الباب أمام أي إصلاح حقيقي أو تداول للسلطة. وهو ما أفضى إلى تأزيم العلاقة بين الشعب والنظام، وسقوط جيل الثورة في نظر الجيل الجديد، الذي لم يعد يرى في النظام سوى آلة قمع وشعارات جوفاء.  

رابعاً: هشاشة الداخل رغم تغلغل الخارج

 بينما استطاعت إيران تثبيت نفوذها بالقوة في أربع عواصم عربية هي (بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء)، إلا أنها لم تستطع تحصين الداخل من الانكشاف الأمني والاستخباري. فقد شهدت إيران سلسلة من العمليات النوعية التي طالت منشآتها النووية والعسكرية (كحادثة “نطنز”، واغتيال فخري زاده، والهجمات

السيبرانية)، وكلها تؤكد هشاشة المنظومة الأمنية الإيرانية رغم ضخامة أجهزتها. هذا التناقض يكشف عن خلل هيكلي متمثل في : دولة قادرة على تصدير نفوذها، لكنها عاجزة عن حماية قلبها الداخلي، بسبب فساد أجهزة الدولة، وتفشي النزعة الريعية في الاقتصاد، واعتمادها المفرط على أدوات القمع بدل الإصلاح.

 خامساً: الرفض المجتمعي للهيمنة الايرانية

لقد ادت النتائج الكارثية الانسانية والامنية والاقتصادية والمجتمعية والسياسية وشيوع الفساد والتخلف المُمَنهَج في العراق وسوريا ولبنان واليمن في ظل الهيمنة الايرانية عليها، وانهيار مؤسسات الدولة وتعريض تلك الاقطار الى التفرقة والتفتيت وغياب ابسط مقومات حقوق الانسان فيها، الى طغيان الرفض الشعبي المجتمعي لتلك الهيمنة وتعريتها والعمل على الخلاص منها.

 سادساً:  التحولات الدولية وانحسار الحماية الأمريكية

 شكّلت الإدارات الديمقراطية المتعاقبة منذ أوباما وحتى بايدن حاضنة سياسية للنفوذ الإيراني في المنطقة، سواء بسبب التساهل في الاتفاق النووي، أو الرغبة في الانسحاب المزعوم من الشرق الأوسط وتسليمه عمداً لأطراف إقليمية، متمثلة في إيران. لكن المتغيرات الدولية الجديدة ، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، وبروز تحالفات إقليمية جديدة، جعلت إيران في موقع دفاعي أكثر منه هجومي.

فمع الانفتاح الخليجي المدروس مع الصين ، وتزايد التنسيق الأمني العربي – الغربي، باتت قدرة إيران على المناورة محدودة، خصوصاً في ظل الاضطرابات

 الاقتصادية المتزايدة، والعزلة الدولية الناتجة عن الملف النووي وحجم الانتهاكات الانسانية الحقوقية في الداخل الايراني وفي المنطقة.

 خاتمة: إيران أمام مفترق طرق

 تجد إيران نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فهي إما أن تراجع بنيتها الإيديولوجية وتنخرط في إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، تنهي احتكار السلطة، وتعيد تعريف مشروع الدولة وفق مصالح المواطن الإيراني، لا وفق طموحات النخبة الحاكمة؛ وإما أن تستمر في سياسة الإنكار والمكابرة، وتواجه مزيداً من الانهيار الداخلي، وتآكل نفوذها الخارجي تحت ضغط فشلها من جهة والتحولات الدولية من جهة اخرى.

 إن أزمة إيران ليست فقط في “العقوبات” المُفتَرَضة، أو العداء مع الغرب، بل في مأزقها البنيوي بين إيديولوجيا لم تعد تقنع الداخل، وواقعٍ لم يعد يتحمل العبء التوسعي.

النفط العربي على محك التاريخ: من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة

 

باب الدراسات والبحوث المُستقبلية

 

النفط العربي على محك التاريخ:

من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة

أ. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

-الجزء الثاني –

 

تناولنا في الجزء الاول تجارب بعض الأقطار العربية في سباق الطاقة المتجددة وبعض الدروس العالمية الملهِمة، وسوف نحلل في هذا الجزء تداعيات هذا التحول على سوق العمل العربي، و نطرح رؤية استراتيجية للتعامل مع التحديات الأمنية والمجتمعية والاقتصادية المرتبطة بجيوبوليتيك الطاقة.

من اهم التحديات

أن الطريق إلى التحول نحو انماط طاقة جديدة محفوف بعقبات هيكلية لا يستهان بها. فالبيروقراطيات الحكومية، التي تأسست على عقل ريعي وليس على عقل إنتاجي، تعرقل سرعة التحول. ونقص الكفاءات المحلية في ميادين الاقتصاد الأخضر يجعل من الاستيراد المستمر للخبرة واقعًا مكلفًا وغير مستدام. والأخطر هو مقاومة بعض النخب الاقتصادية التقليدية، لا سيما في شركات النفط الكبرى، لأي تغيير قد يهدد مراكز قوتها ومصالحها المتكلسة. نحن لا نواجه مشكلة تقنية فقط، بل أزمة في بنية السلطة الاقتصادية والثقافية. 

 إن التحول الأخضر يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، يبدأ بسن تشريعات بيئية ملزمة، وتأسيس هيئات رقابية مستقلة، وضمان الشفافية في عقود الطاقة. وقد بدأت اقطار مثل تونس والأردن بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، رغم التحديات.  وعليه، فإن المستقبل العربي في هذا السياق ليس خطًا واحداً، بل شبكة من السيناريوهات المتباينة. وفي حال العجز عن التكيف، فإن السيناريو الكارثي يبدو مرعبًا ويتضمن ما يلي:

  • خسارة أكثر من نصف القيمة السوقية للشركات النفطية
  • ارتفاع البطالة إلى (25%) في بعض دول الخليج العربي
  • وانفجار أزمات مالية حادة على نمط ما حدث في فنزويلا، ولكن دون سند إقليمي أو دولي.

  بالمقابل، فإن سيناريو التحول الذكي قائم على استثمار فوائض النفط في بناء بنية تحتية خضراء، ومدن ذكية، وصناعات معرفية، مع التركيز على تقنيات مثل الذكاء الصناعي، والهندسة البيئية، والهيدروجين النظيف والسعي لريادة سوقه العالمي كما تفعل الان بعض الاقطار العربية.

 أما السيناريو الثالث، الذي قد يكون الأكثر استدامة، فيتمثل فيما يلي:

  • التعاون الإقليمي من خلال تأسيس سوق عربية للطاقة النظيفة
  • وإنشاء صندوق عربي مشترك برأسمال لا يقل عن (50 مليار) دولار لدعم التحول في مجال الطاقة
  • وتأسيس منظمة إقليمية للطاقة المتجددة توازي في مكانتها ما كانت تمثله منظمة أوبك في القرن العشرين.

وحتى تتحقق هذه السيناريوهات، فإن الطريق يتطلب خريطة عملية دقيقة تبدأ بما يلي:

  • إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، تشمل فرض ضريبة كربونية على الشركات الملوثة، وتشجيع الطاقات البديلة بدون جمارك، واحتواء الاثار السلبية، وتقديم حوافز ضريبية وتشريعية للمشاريع الخضراء.

 المباشرة باستثمارات استراتيجية، على الأقل (30%) من فوائض النفط الحالية يجب أن يعاد توجيهها نحو البحث والتطوير وبناء مراكز تميز في الطاقة المتجددة.

  • والشق الثالث، وربما الأهم، هو إعداد الكوادر القادرة على قيادة هذا التحول من خلال إعادة هيكلة المناهج الجامعية، وتطوير برامج تدريب إقليمية، وتقديم منح دراسية متخصصة في الاقتصاد الدائري، وهندسة الطاقة، والحوكمة البيئية.

مستقبل الخبرات والعمالة العربية في قطاع الطاقة

ان الاقطار العربية المنتجة للنفط تحوّلت من مجرد بوابات لتصدير الطاقة الخام إلى ملاذات حيوية لأعداد هائلة من العمالة الوافدة، شكّل عدد كبير منها مواطنو اقطار عربية مثل مصر والسودان واليمن والمغرب. وقد أسهم هذا التداخل البشري والاقتصادي في إعادة رسم الخريطة الاجتماعية والاقتصادية لاقطار الخليج العربي، حيث لم يعد العامل الوافد مجرد ملءٍ لفراغ وظيفي، بل بات عنصراً تأسيسياً في البنية الإنتاجية، ومصدراً لا غنى عنه لاستدامة النشاط الاقتصادي.

غير أن هذه المعادلة ستدخل نفق التحوّل التاريخي. فمع تراجع الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة، والدفع المتسارع نحو الطاقات النظيفة، تلوح في الأفق احتمالات صادمة: فما هو مصير ملايين العاملين في الدول النفطية حين تنكمش الحاجة إلى اليد العاملة المرتبطة بالقطاع النفطي ومرافقه؟ وكيف ستتأثر اقطارهم الأصلية، التي شكلت تحويلاتهم المالية شرياناً نقدياً حيوياً لعقود، وأسهمت في استقرار الأنظمة الاجتماعية والنقدية في هذه الاقطار؟

إن فقدان هذا المصدر الاقتصادي سيعني، بالنسبة لاقطار (كالسودان ومصر واليمن والمغرب العربي) أزمة مزدوجة تتمثل في انكماش في الدخل القومي، وتضخم في البطالة والعجز الاجتماعي، مما يُفاقم من الهشاشة القائمة أصلاً. أما داخل اقطار الخليج العربي، فإن انسحاب هذه الكتلة البشرية سيترك فراغاً مزدوجاً: وظيفي من جهة، وثقافي-اجتماعي من جهة أخرى، مما قد يعيد طرح سؤال (الهوية الاقتصادية) في بيئة ما بعد النفط.

الاثر الجيوسياسي

لكن الأثر الأكثر عمقاً ربما يكون جيوسياسياً. فعلى مدى عقود، شكّل النفط المبرر الجوهري لتموضع القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة، بذريعة (تأمين الموارد الحيوية) و(حماية خطوط الإمداد). ومع أفول مركزية النفط وتراجع ضرورته الاستراتيجية، يبرز سؤال مستقبلي مهم: هل سيبقى للوجود العسكري الخارجي ما يبرره؟ أم أن انسحاب القيمة الاستراتيجية للنفط سيقود إلى مراجعة شاملة لمعادلات الهيمنة والوجود الجيوعسكري من جهة، ومن جهة اخرى ضمان الاستقلال والسيادة ضد الاطماع الاقليمية المُترَبِّصة؟

 إن هذه التحوّلات تضع الوطن  العربي أمام مفترق طرق وجودي. فإما أن يبادر إلى إنتاج استراتيجية تكاملية تسبق الانهيار المتوقع في بنى الاعتماد التقليدية، أو أن يدخل مرحلة تفكك تدريجي في منظومته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. والفرصة التاريخية تكمن في تحويل أدوات (الارتباط النفطي) – من تحويلات العمالة إلى الوجود الأمني والاطماع الاقليمية – إلى أطر جديدة لتعزيز الاستقلال والاستقرار الإقليمي، تقوم على تنمية رأس المال البشري، وتوطين الصناعات، وتفكيك الارتهان السياسي للموارد الأحادية.

 إن النجاة من (لعنة الذهب الأسود)  تكمن في تجاوز بنيته القديمة بكاملها، وإعادة هندسة العلاقة بين الثروة والسلطة والمجتمع، بحيث يُصبح النفط – في ختامه التاريخي – لحظة انعتاق لا بداية لانحدار.

ثالثاً: خارطة طريق عملية لتحول الطاقة العربي

أن التحدي يكمن في تحويل الشعارات إلى خطط تنفيذية وكما يلي:

  1. 1. إنشاء صندوق إقليمي لتمويل المشاريع الخضراء: على غرار (صندوق الأوبك للتنمية الدولية)، يمكن للدول العربية الغنية بالنفط تأسيس صندوق عربي للطاقة النظيفة، يموّل مشاريع الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتحلية

 المياه بالطاقة النظيفة في الدول الفقيرة في الطاقة. سيكون هذا الصندوق أداة لما يسمى بالعدالة المناخية العربية، ويعزز التضامن الاقتصادي داخل الإقليم.

  1. 2. برامج لإعادة تدريب عمال النفط: كما فعلت النرويج بعد تقليصها تدريجيًا الاعتماد على إنتاج النفط في بعض المناطق، يمكن للدول العربية استباق آثار التحول عبر تدريب الفنيين والعاملين في قطاع النفط ليصبحوا خبراء في تركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر. وتحويل الكفاءات بدل الاستغناء عنها مما يخفف من آثار التحول ويمنحه بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا.
  2. 3. حوافز للشركات الناشئة في التقنيات الخضراء: ويشمل منح إعفاءات ضريبية، وتقديم تمويل ميسر عبر صناديق تمويل عربية، سيدعم الشركات الناشئة التي تطور بطاريات صديقة للبيئة، أو حلولًا رقمية لإدارة استهلاك الطاقة، أو تقنيات لخفض انبعاثات المصانع. هذه الحوافز يمكن أن تخلق سوقًا خضراء عربية، وتفتح المجال لجيل جديد من العاملين والمستثمرين البيئيين العرب.
  3. 4. تعزيزًا “للعدالة المناخية” داخل الوطن العربي، يمكن الاستفادة من مؤشرات مثل ( مؤشر العدالة المناخية  (Climate Justice Index’  لوضع سياسات تستند إلى الحاجات العادلة لا فقط الإمكانيات الاقتصادية.
  4. 5. الاعتماد على آليات التنفيذ، والمتمثلة في نماذج التمويل المبتكرة مثل: (السندات الخضراء، حيث أصدرت احدى الدول العربية سندات خضراء بقيمة (1.5 مليار) دولار عام (2022). الاهتمام بالتمويل المستدام، الصكوك المرتبطة بمشاريع الطاقة المتجددة. بالإضافة الى شراكات القطاعين العام والخاص، كنموذج- البناء-التشغيل-التحويل  (BOT) .
  5. 6. تأسيس الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وذلك من خلال إنشاء هيئات مستقلة لتنظيم التحول في الطاقة. تبني فلسفة الحوافز الضريبية للشركات الخضراء (إعفاءات تصل إلى 15 سنة). إضافة الى تأسيس صناديق ضمان للمخاطر لتحفيز الاستثمار الخاص.

إن لحظة الحقيقة لا تنتظر أحدًا. العالم يتغير بسرعة، والنافذة تضيق. وإذا لم نستثمر اليوم فيما بعد النفط، فإننا سنصبح غدًا ضحايا لما كنا نظنه نعمة أبدية. فكما قال الخبير د. محمد الرميح: (لم يعد النفط سلعة استراتيجية، بل أصبحت الاستراتيجية هي كيف نتخلص منه بذكاء). إن ما كان يومًا منحة، قد يتحول إلى محنة، وما اعتبرناه مصدر قوة، قد يغدو عبئًا قاتلًا إن لم نمتلك الشجاعة لرؤية ما بعده، وتصوّر ما بعدنا.

رابعاً: التحول العادل، ضمان عدم تخلف أحد عن الركب، حيث لا يمكن فصل التقني عن الاجتماعي في هذه المعادلة

  1. المجتمعات المعتمدة على النفط: من الهوية الأحادية إلى التنوع

في مدن مثل الأحمدي في الكويت أو الظهران في السعودية أو البريقة في ليبيا، تتشكل هوية اقتصادية واجتماعية حول النفط. يتحتم على السياسات المعنية بالطاقة الجديدة ألا تهدم هذه الهويات، بل تعيد توجيهها. يمكن تحويل هذه المدن إلى مراكز لوجستية لصيانة وتشغيل مزارع الطاقة الشمسية، أو مراكز للبحوث البيئية، أو حتى مناطق اقتصادية خاصة بالطاقة النظيفة، كما جرى في مدن ألمانية مثل (إسن) التي تحولت من مدينة فحم إلى عاصمة بيئية.

  1. دور الإعلام في تغيير الصورة النمطية:

لا يزال كثير من ابناء الشعب العربي يعتقدون أن الطاقة النظيفة رفاهية أو لا تصلح للوطن العربي. الإعلام له دور محوري في تفكيك هذه الصورة النمطية، عبر حملات توعية مستمرة، وبرامج وثائقية، وشراكات مع المؤثرين على وسائل التواصل، لإيصال الرسالة بلغة يفهمها الجميع: الطاقة النظيفة ليست ترفًا، بل ضرورة للبقاء والازدهار.

كما أن الإعلام البديل، ومنصات التواصل التي يقودها شباب بيئيون، بدأت في إحداث تحول في وعي الجيل الجديد، كما في مبادرات مثل (العرب يزرعون) أو (طاقة عربية جديدة) التي تنشط في مصر ولبنان.

  1. 3. الاستفادة من الدروس من الميدان، مثل ما تم من تحول مدينة إسن الألمانية، من الفحم إلى الخضرة، حيث شهدت مدينة (إسن -قلب منطقة الرور الصناعية ) تحولاً جذرياً من مدينة تعتمد كلياً على صناعة الفحم إلى عاصمة البيئة الأوروبية عام (2017). هذا التحول تضمن (إعادة تدريب (95%) من عمال المناجم. وتحويل مناجم الفحم إلى متاحف ومراكز ثقافية. إضافة الى استحداث (25 ألف) وظيفة خضراء جديدة. وتطوير أكبر نظام للمساحات الخضراء الحضرية في أوروبا.
  2. 4. أن تأثير التحول على العمالة، يعتبر أحد أهم التحديات المقبلة في الوطن العربي، حيث تشير دراسات منظمة العمل الدولية إلى : (أن كل (مليون دولار) يستثمر في الطاقة المتجددة يولد (7-10) وظائف مباشرة. وأن الوظائف في قطاع النفط والغاز تتراجع بنسبة (3.5%) سنوياً منذ (2020). بالإضافة الى أن المهارات القابلة للتحويل تشمل، الصيانة الميكانيكية، التحكم الآلي، إدارة المشاريع.

خاتمة:

إن التحول من اقتصاد النفط إلى الطاقة النظيفة ليس مجرد تغيير في مصادر الطاقة، بل هو تحول حضاري و يشمل:

  1. 1. إعادة تعريف العقد الاجتماعي: بين الحكومات التي يجب أن تضمن عدالة التحول، والمواطنين الذين عليهم قبول مرحلة انتقالية صعبة.
  2. 2. تأسيس اقتصاد معرفي: قائم على الابتكار وريادة الأعمال الخضراء بدلاً من الريع.
  1. 3. بناء تحالفات إقليمية جديدة: تعيد تشكيل خريطة القوة العربية على أسس اقتصادية وتكنولوجية.

كما فعلت اقطار الخليج العربي في السبعينيات من القرن الماضي عندما حولت النفط إلى قوة جيوسياسية، على الاقطار العربية اليوم أن تقود معركة التحول الأخضر، لكن بذهنية جديدة. المستقبل لا ينتظر، والفرصة التاريخية لا تعوض. والتحول الأخضر ليس خياراً، بل هو امتحان وجودي لأمة تبحث عن مكانها في عالم ما بعد النفط.

 هنا، لا بد للعرب أن يبادروا لا أن يُبادر بهم. فالانتقال إلى اقتصاد أخضر هو معركة المصير. وتحويل (الذهب الأسود) إلى مورد استراتيجي يموّل التحول الأخضر هو مفتاح النجاة من لعنة الوقود الأحفوري إلى نعمة الحضارة المستدامة.

كما تنهض مسؤوليات كبرى على عاتق الحكومات، والمخططين، والمسؤولين، والاعلاميين وصنّاع الرأي، والمفكرين الاستراتيجيين، والباحثين في المؤسسات الأكاديمية والسياسية والمالية، تتجاوز حدود التشخيص النظري إلى صياغة رؤى عملية تنهض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالواجب يقتضي:

  • بناء استراتيجيات تنموية متكاملة، ترتكز على التنسيق الفعّال بين مؤسسات التدريب والتمويل والبحث العلمي، وتفعيل دورها في إنتاج المعرفة، ومواءمتها مع احتياجات التنمية الوطنية.
  • كما يقع على هذه الجهات مسؤولية خلق بيئة محفزة للابتكار
  • وإرساء سياسات تمويل ذكية
  • وربط البحث العلمي بالتخطيط الاقتصادي، بما يضمن التأسيس لاقتصاد متنوع ومستدام، لا يُختزل في مورد وحيد ولا يُدار بردود الأفعال، بل بعقل استشرافي جمعي يستوعب تعقيدات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

 

النفط العربي على محك التاريخ: من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة
باب الدراسات والبحوث المُستقبلية
تشكل الثقافة في الفكر القومي اهمية خاصة لاستيعاب المفاهيم والنظريات في إطار السعي الى ترسيخ مفهوم الوحدة العربية وصولاً الى افضل السبل على طريق تحقيقها وكذلك في اطار متابعة التطور التاريخي للنظرية الاقتصادية الاشتراكية وللنظرية السياسية الديمقراطية في محاولة لفهم وتحديد تقسيم العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وصولا الى ترسيخ مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية. وتؤكد التحولات التاريخية التي يمر بها عالم اليوم عموماً والوطن العربي خصوصاً على أهمية استشراف المستقبل بوضوح دون انقطاع عن ماضي الامة العربية وتراثها المجيد، وبما يضمن اثراء فكر الحزب وبالتالي الفكر القومي ونظريته ويكفل مواجهة علمية ثورية ناجحة لقضايا النضال العربي. نحتاج اليوم، في اطار الدراسات والبحوث المستقبلية، التعامل مع تطورات الواقع والنظريات السياسية والاقتصادية فيه ومتابعة التحولات السريعة والعميقة في الحياة العربية والعالم اجمع ، والعمل نحو برامج اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية تتجاوز عوامل ضعف الدولة القطرية والنظام العربي والتي افضت الى عدم القدرة على مواجهة تحديات الصراع الاقليمية منها والعالمية، في ظل استهداف منقطع النظير وغير مسبوق للامة العربية ولاي مشروع نهضوي فيها، مما ادى الى اتساع ظواهر شتى منها الانهيارات الامنية و شيوع العنف والتهجير والتغيير الديموغرافي وتفشي مشكلات الفقر والبطالة والتخلف والأمية واستباحة الموارد وهدرها. ولان مواجهة كل ذلك و تحقيق النهوض المنشود يتطلب تطوير الفكر السياسي في الوطن العربي، وصياغة رؤى سياسية تستجيب وتتفاعل مع التطورات العالمية المعاصرة انطلاقا من التحليلات العلمية للفكر العربي القومي خلال القرنين الماضيين. لذا فقد جرى استعراض للملاحظات العلمية النقدية التي وردت في كتاب: د. جورج قرم، “الفكر والسياسة في العالم العربي”، منشورات دار الفارابي، بيروت، 2017م وغيرها من الاعمال، والتي من المؤمل ان تساهم في بناء مدخل علمي شامل لتطوير الفكر السياسي الحديث في الوطن العربي، وصولا الى تعزيز القدرات، و بناء دولة المؤسسات والفصل بين السلطات وضمان الحقوق والكرامة والعدالة وتحقيق الازدهار والرفاه مما يعزز نضالنا القومي في مواجهة تحديات العصر والقوى المعادية بمختلف صنوفها ويمكِّن الامة العربية في مسيرتها النهضوية الحضارية بما يليق بمكامن قوتها وتاريخها المجيد ودورها الريادي في عالم الالفية الثالثة . دراسة اليوم بعنوان النفط العربي على محك التاريخ: من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة
النفط العربي على محك التاريخ:
من لعنة الذهب الأسود إلى نعمة الطاقة النظيفة
أ. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
-الجزء الاول –
مقدمة:
يقف الوطن العربي اليوم على محك التاريخ، حيث تتحول ثروته النفطية من نعمة استراتيجية إلى اختبار وجودي في ظل تحولات الطاقة العالمية. في اللحظة التي يشتد فيها الحصار الكربوني على الكوكب، وتُعقد فيها قمة المناخ الثامنة والعشرون في قلب دولة نفطية عربية، يقف الوطن العربي أمام مفارقة عميقة الجذور: إنه في آنٍ معًا ضحية وجانٍ. فمن ناحية، هو مسؤول عن قرابة ربع الإنتاج العالمي من النفط، ومن ناحية أخرى، تُعدّ جغرافيته من أكثر مناطق العالم هشاشةً أمام آثار التغير المناخي، من تصحّر متسارع، وندرة مائية قاتلة، إلى مدن ساحلية مهددة بالغرق، وزيادة اضطرابات سكانية حادة. غير أن هذه المفارقة لم تعد تحتمل التأجيل أو الزخرفة. فالعالم يتحول بصورة لا رجعة فيها، والطلب على الوقود الأحفوري يتآكل على وقع التكنولوجيا، والعقوبات، والمخاوف البيئية، والأسواق التي تعيد تعريف (القيمة). لم يعد السؤال إذًا: هل سينتهي عصر النفط؟ بل متى؟ وبأي كلفة؟.
والأخطر: هل سنخرج منه واقفين، ومتحولين، أم منسحقين تحت ركام الاقتصاديات الريعية؟ الوطن العربي يواجه مفارقة صارخة: فهو يملك (23%) من النفط العالمي، لكنه أيضًا من أكثر المناطق تضررًا من تغير المناخ.
لا يمكن فهم مفارقة النفط دون العودة إلى جذورها، فالبترول لم يكن مجرد مصدر دخل، بل أداة استعمار اقتصادي. منذ اتفاقيات الامتياز مع شركات أجنبية في أوائل القرن العشرين، وحتى تسليع الثروات الوطنية عبر الأسواق العالمية، تشكّلت علاقة العرب بالنفط في سياق من التبعية والتحكم الخارجي.
تقف الثروة النفطية العربية اليوم على محك التاريخ، فما كان بالأمس مصدر قوة وثراء، أصبح في عصر التحول الأخضر اختباراً لمهارات التكيف الاستراتيجي. الأرقام التي كانت تباهي بها اقطار الخليج العربي والعراق والجزائر بدأت تُقرأ بقلق متزايد: أكثر من (70%)، من موازنات هذه الدول تعتمد على إيرادات النفط، وأكثر من (46%)، من مجمل الناتج المحلي الخليجي العربي يتكون من صناعة النفط والغاز، فيما لا تزال (82%) من الكهرباء في الوطن العربي تُنتج عبر الوقود الأحفوري، بما يضع هذه الدول في مواجهة ثلاثية الخطر: هشاشة اقتصادية، وضغط بيئي، وتغيّرات في الطلب العالمي.
وكالة الطاقة الدولية توقعت تراجع الطلب على النفط بنسبة (30%)، بحلول (2040)، فيما تُشير بعض النماذج الاقتصادية إلى إمكانية خسارة الاقطار العربية لما يفوق (13 مليون) وظيفة في هذا القطاع بحلول منتصف القرن. أضف إلى ذلك أن بعض الشركات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها (أرامكو)، شهدت تراجعًاً في قيمتها السوقية بنسبة (20%) منذ (2019)، ما يُذكّرنا بأن الأسواق لا تغفر البطء، ولا تجامل الذاكرة.
أولاً: بذور التحول العربي، من الريادة إلى التعميم
تثبت التجارب العربية أن التحول ممكن عندما تتوفر الإرادة، ومع ذلك فإن داخل هذا الواقع المتصدّع تظهر نماذج لمحاولات الخروج من المأزق، لا تخلو من الشجاعة.
سجّل العراق الريادة في هذا المجال . ففي تجربةٍ تُعد من أكثر التجارب تفرّدًا في الوطن العربي الحديث، جسّد العراق (قبل الغزو) في ظل الدولة الوطنية (منذ ثورة 17تموز 1968) ولغاية الغزو الامريكي سنة 2003 محاولة جادّة لتحويل النفط من (نعمة خاملة) إلى (أداة للنهضة الشاملة)، واضعًا العوائد النفطية في خدمة مشروع تنمويّ تحرري شامل، يقوم على الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى العدالة الاجتماعية لا الريع الطبقي. وجاء تأميم النفط عام (1972) ليكون لحظة سيادية فارقة، توّجت بإنشاء شركة النفط الوطنية العراقية، وأُعيد توجيه أكثر من (70%) من العائدات النفطية بين عامي (1974 و1980) لتمويل بنى تحتية استراتيجية تمثلت في:(تشييد مجمع الحديد والصلب في البصرة كبوابة للتصنيع الثقيل. وإقامة الصناعات الكيماوية في الجنوب، وخلق نواة لصناعة وطنية متكاملة. ومن ثم بناء شبكة سكك حديد وطنية أعادت ربط الجغرافيا بالاقتصاد). شكّل قرار حزب البعث العربي الاشتراكي بتأميم النفط لحظة حاسمة في مسار الاستقلال الاقتصادي، حيث كسر محاولات إخضاع التجربة الوطنية بالعراق. وقد نجح التأميم بفضل رؤية البعث الاستراتيجية، في توظيف النفط كسلعة ناضبة غير قابلة للتجديد، فتحوّلت الثروة إلى أداة لإعادة تشكيل البنية المجتمعية، عبر:( إصلاح زراعي شامل، أعاد توزيع الأرض والسلطة في الريف. ومجانية للتعليم والصحة، حيث وصلت نسبة الأمية إلى (11%) فقط بحلول (1980 والى نسبة اقل في السنوات اللاحقة لها. (مع توفير (350) ألف وحدة سكنية للطبقة العاملة خلال عقدٍ واحد فقط (1970–1980). لم يقف العراق (قبل الغزو) عند حدود التنمية الداخلية، بل رأى في النفط أداة نضالية، فخصص (5%) من عائداته لدعم: (القضية الفلسطينية بإنشاء صندوق دعم المقاومة عام 1969. وبرامج
تنموية في دول عربية غير نفطية. ومشروعات وحدوية اقتصادية تؤسس لكتلة عربية ذات سيادة تنموية. وقد شكل الغزو الأمريكي سنة (2003) لحظة فاصلة حيث جرى تهديم متعمَّد لكل ما تم بناؤه ولكل مؤسسات الدولة وانجازاتها، ليُعاد العراق إلى المربع الأول – دولة محطمة تتسول الأمن وتستورد الخبز.
اما الان فقد بدأت بعض الاقطار العربية تتخذ الخطوات ازاء مشكلة التحول في مجال الطاقة. فتجارب بعض الدول المنتجة للنفط ، لا تزال قيد التشكّل، ولكنها تشير إلى وعي بالمأزق. وخططتها الاستراتيجية تسعى إلى تأسيس ما يمكن تسميته بـ (اقتصاد ما بعد النفط)، من خلال استثمار يفوق (100) مليار دولار في الطاقة المتجددة، وتشييد مدن بوصفها يوتوبيا خضراء ذكية، وتحويل شركاتها النفطية إلى شركات طاقة شاملة. غير أن السؤال الأهم لم يُجب عنه بعد: هل هذه الرؤية تنبع من الداخل المعرفي، أم هي استجابة للضغوط الخارجية؟
تجارب بعض الأقطار العربية في سباق الطاقة المتجددة: من حقق قفزات نوعية؟ ومن ما زال يعتمد على النفط؟
أما المغرب، فيبدو نموذجًا أكثر وضوحًا في الانتقال نحو الطاقة المتجددة، من خلال مشروعات رائدة مثل (نور ورزازات)، التي تُعدّ من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، فضلًا عن تصدير الطاقة الخضراء إلى أوروبا وتحقيق نسبة (42%) من كهربائه من مصادر متجددة في عام (2023). إنها تجربة تكشف أن التحول الأخضر ليس حلمًا أوروبيًا فقط، بل خياراً عربياً ممكناً يبدأ من التخطيط ويتغذى على الإرادة الوطنية.
وتسير مصر في مسار طموح أيضًا، وأبرز ملامحه هو مشروع (بنبان) للطاقة الشمسية بمحافظة أسوان، الذي يُعد أحد أكبر مجمعات الطاقة الشمسية في العالم. بطاقة إنتاجية تتجاوز (1.5) غيغاواط، يعكس التحول المصري نحو تسخير الطبيعة لتوفير الكهرباء، ويمثل كذلك نموذجًا للمشاريع التي توفر فرص عمل محلية وتقلل من الانبعاثات.
تتجاوز مصر بذلك مرحلة الاستهلاك المحلي لتخطو بثقة نحو تصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا وأفريقيا عبر الربط الكهربائي، لتتحول تدريجيا من دولة مستوردة للطاقة إلى محور إقليمي لتصدير الطاقة المتجددة. كما تسعى إلى الاستثمار في طاقة الرياح والهيدروجين الأخضر في منطقة خليج السويس والعين السخنة، ما يعزز شراكاتها الدولية ويجذب رؤوس الأموال الخضراء.
تعتبر الطاقة المتجددة أولوية في الأردن الذي شهد نموًا ملحوظًا في هذا القطاع ، مع زيادة كبيرة في توليد الكهرباء من الشمس والرياح. يهدف الأردن إلى تحقيق نسبة 50% من الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030. تشمل جهود الأردن: تطوير مشاريع الطاقة المتجددة مثل محطة رياح الطفيلة، ودعم تركيب الأنظمة المنزلية وتحديث الاستراتيجيات الوطنية للطاقة، وتطوير الهيدروجين كمصدر للطاقة و تعديل التشريعات.
وتُعد الإمارات العربية المتحدة من الاقطار العربية السبّاقة في التحول نحو الطاقة النظيفة. فعلى جبهة الهيدروجين الأخضر، أطلقت مشروعات طموحة بالتعاون مع شركاء عالميين مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، في مسعى للتحول إلى مركز عالمي لتصدير الهيدروجين الأخضر. و احتضنت إنشاء واحدة من أولى محطات إنتاج الهيدروجين باستخدام الطاقة الشمسية، ما يضعها في طليعة سباق الطاقة المستقبلية.
أما على صعيد الطاقة النووية السلمية، فإن محطة (براكة) للطاقة النووية تمثل تحوّلًا جذريًا في مزيج الطاقة الوطني، إذ توفر المحطة (عند التشغيل الكامل) ربع احتياجات الدولة من الكهرباء، خالية من الانبعاثات الكربونية. هذا المشروع يعبر عن وعي بضرورة تجاوز الاعتماد الأحادي على النفط نحو مزيج طاقي متوازن ومستدام.
في قلب المأساة السودانية الجارية، تعود مفارقة (لعنة النفط) إلى الواجهة، لكن هذه المرة في شكل أكثر عريًا ودموية. منذ اكتشاف النفط بكميات تجارية في جنوب السودان في أواخر التسعينيات، لم يُستخدم كأداة لبناء اقتصاد منتج أو عقد اجتماعي جديد، بل تحول إلى وقودٍ للصراع، وأداة لتكريس المركزية،
وتعميق التهميش. فبدل أن يُعيد تشكيل الدولة الوطنية على أسس العدالة والتنمية، ساهم في تسليع السلطة، وتعزيز التحالفات الزبائنية، وفتح شهية المراكز الدولية والإقليمية للتدخل في الجغرافيا السودانية، من بوابة الطاقة. واليوم، في ظل الحرب الأهلية المفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، تعود السيطرة على حقول النفط والبنى التحتية المعنية بالطاقة إلى صلب الصراع، لا كرافعة للتنمية، بل كغنيمة حرب. تتقاتل الأطراف على ما تبقّى من شرايين النفط في كردفان والنيل، فيما تُترك المناطق المنتِجة للخراب، والبيئة للتسمم، والشعب للنزوح والمجاعة. تتجلى “اللعنة النفطية” هنا في أوضح صورها: حيث المورد لا يبني الدولة، بل ينسفها من الداخل.
لقد عجزت (السياسات الحكومية) عن تحويل الثروة النفطية إلى قاعدة لتنويع الاقتصاد، أو استثمارها في الطاقة المتجددة، رغم أن السودان يملك من الشمس والرياح والمياه ما يكفي ليكون من كبار منتجي الطاقة النظيفة في القارة. كما أُهملت فرص الشراكة جنوب – جنوب مع دول أفريقية وعربية تملك التكنولوجيا أو التمويل اللازم لهذا التحول.
إن الحالة السودانية تكشف بوضوح أن السؤال لم يعد فقط عن مستقبل النفط في الأسواق العالمية، بل عن قدرة الدول الضعيفة على النجاة منه دون أن تمزقها لعنة التبعية، والانقسام، والتسليع. فلا يمكن فصل فشل الدولة السودانية عن طبيعة نموذجها الريعي الهش، ولا يمكن إنقاذ مستقبلها دون إعادة هيكلة جذرية لوظيفة الثروة، ورؤية جديدة للطاقة كحق جماعي، لا كغنيمة فئوية.
ثانياً: رحلة التحول العالمية، ما يمكن للعرب أن يتعلموه؟
لقد تحولت تجارب دول مثل ألمانيا والنرويج والصين في إدارة الثروة النفطية إلى مختبرات حية تقدم دروساً ثلاثية الأبعاد:
1. نموذج النرويج: (الصندوق السيادي كنموذج للاستدامة)
تمكنت النرويج – رغم كونها أحد أكبر منتجي النفط في أوروبا – من بناء أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم بقيمة تتجاوز (1.4) تريليون دولار. هذا
الصندوق الذي تأسس عام (1990) يحتفظ بوسطاء استثمار في أكثر من (9 آلاف) شركة عالمية، مع سياسة استثمارية صارمة تمنع استثمار أكثر من (3%) من أصول الصندوق سنوياً لضمان الاستدامة. الأهم من ذلك، أن النرويج بدأت منذ (2019) في سحب استثماراتها من شركات النفط والغاز، مع التركيز على قطاعات التكنولوجيا الخضراء.
2. التجربة الألمانية (Energiewende): التحول الشامل في مجال الطاقة بدأت ألمانيا تحولها في مجال الطاقة عام (2010) عبر سياسة شاملة تضمنت التالي : (إغلاق جميع محطات الطاقة النووية بحلول (2022). واستثمار (580) مليار دولار في الطاقة المتجددة حتى (2030). وتطوير شبكة ذكية لتوزيع الطاقة (Smart Grid) إضافة الى تحويل مناطق الفحم السابقة إلى مراكز تكنولوجية خضراء.
3. النموذج الصيني: القيادة بالحجم والابتكار
استطاعت الصين أن تصبح الرائد العالمي في التالي: (إنتاج الألواح الشمسية (75% من الإنتاج العالمي). وتصنيع توربينات الرياح (50% من السوق العالمية) وتطوير بطاريات الليثيوم (70% من الطاقة الإنتاجية العالمية). وقد وصلت الى استثمار (546) مليار دولار في الطاقة النظيفة عام (2022) فقط.
يتبع لطفاً..
من منظور البعث.. القيم والأخلاق والمبادئ ثوابت ومسارات

من منظور البعث.. القيم والأخلاق والمبادئ

ثوابت ومسارات

الرفيق أبو زياد

_

في إطار هذا الموضوع الواقعي والحيوي يتطلب الأمر تأملات فكرية من نمط خاص في رحاب الفكر انطلاقاً صادقاً في الكيفية لمحاورة الأساسيات لواقع اعتماد القيم والأخلاق والمبادئ كنوارس ومنابع في ادبيات الحزب، وهو الممثل الشرعي للأمة العربية والبارز لاعتماد قضاياها المصيرية ،كونه المؤسسة السياسية الفكرية المتفرد في قدرته علي اكتشاف قوانين حركة الواقع العربي وخصوصيته الثورية بإطار علمي مستنبط من خصوصيات أصولية لقيم وأخلاقيات مجتمعه ووضع صيغ التعامل في ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ثم الشروع في بناء رحاب الاستراتيجية للأهداف والنضال من أجل ترجمتها إلى واقع ملموس عبر العمل علي بناء الإنسان العربي الجديد وخلق نظرية التكامل والترابط العضوي بين أهداف الرسالة وأدوات تفعيلها وهو الحزب الوحيد الذي ذهب إلى اكتشاف هذه العلاقة واعتمدها وعمل على تهيئتها في تأهيل الإنسان العربي لتحمل عبء هذه المهمة التاريخية ومسؤوليتها عبر قوام النضال القومي للأمة،

وبذلك تتكامل عمليات الترابط بين النظرية والتطبيق وبناء الهيكلية لاستراتيجية العمل القومي وإحداث التغييرات الجذرية في البنية الشعبوية العربية واعتمد النضال أسلوباً ثورياً للتغيير والانطلاق من مرحلة المخاض إلى مرحلة النضوج المجتمعي وتخليصه من شوائب الأخلاقيات البدائية وواقع الضياع والاغتراب ما بين الواقع المرير لحال الأمة وهي تناضل للخلاص من نير الاستعمار ومصادرة إرادتها الوطنية والقومية وبين عملية بناء إنسانها وفتح أفاق المستقبل والتمدن أمامها والتي لا تتم هذه النظرية إلا بوجود فعلي للأخلاق والقيم والمبادئ (جوهر الحياة العصرية) وتوفير الترابط العضوي بينها لكي تكتسب سمات (البعثية) وعبر الوعي والإيمان بالعقيدة والتطبيق السلوكي اليومي.

فالبعث ومنذ تأسيسه في مطلع الأربعينات يؤمن أن الإنسان هو مصدر الإلهام الجماهيري وهو المادة الأساسية للحراك والتفعيل النضالي لذلك طرح مفهوم الأخلاق والقيم وأطرها بالمبادي لكل تحول نوعي وجذري في مسيرة النضال العربي واعتبرها مسؤولية تاريخية يتحملها البعثي ويمتهن مضامينها ولم يطرحها سائبة بلا نهايات وإنما زينها بصفتي (الالتزام والاحترام) لكي يصلب ويقوي هذه التربية في ثالوثها المقدس فلا أخلاق بدون قيم ولا قيم بدون مبادئ وهي منابع عقيدته في صناعة الحزبي إلى مستوى البعثي المندمج في فكر واستراتيجية البعث ،لأن البعث لم يكن حالة طارئة في حياة الجماهير وإنما كان ولا زال تحول وتجديد للفكر العربي، وأداته الإنسان وهو الذي يؤمن بدور الجماهير وطاقاتها في التغيير.

هكذا ولد البعث خزيناً من الإيمان والفكر الناضج ولم يتكئ على فلسفة أو نظرية غربية إنما نشأ من معاناة واقع الأمة.

لقد تفوق البعث في ولادة قيادات فذة تستوعب المرحلة وما تلاها وتقرأ الواقع وتتعامل معه ضمن بيئته وظروفه المتاحة .

لقد اعتبر البعث الأخلاق والقيم والمبادي مسار لترجمة صفة (الانضباط الحزبي) وعمل على تعميق جذوة هذا المفهوم كبديهية من ثوابته في المسيرة النضالية، لذلك كانت عملية الانتساب للبعث تمتحن بموجب درجة الأخلاقيات والقيم لدى الإنسان وما دعاه (النوعية) لكي تعينه في بلورة هذه الشخصية من دور البداية إلى دور المسؤولية النضالية، فالأخلاق منصة عربية فإن ذهبت الأخلاق ذهبت الأمم.

ومن هذه المسلمة في بناء وتنمية الشخصية البعثية اعتمد الحزب علي عاملين أساسين: الأول هو ما يصرفه البعثي على تزويد شخصيته من اكتساب  الأخلاق والقيم والمبادئ وترجمتها إلى واقع عملي في الميدان عبر دوره القيادي في الوسط الجماهير .

وثانياً مقدار قدرته في اكتساب هذه الأخلاقيات من التنظيم كغذاء يتزود به ويغذي به محيطه الذي يتعامل معه في مفهوم البعث والنظرية البعثية والمسؤولية التاريخية لقيادة الشعب وتفجير طاقاته في التغيير والتي أساس انطلاقتها هي(فن التعامل الأخلاقي) البعث مع جماهير الأمة وقدرته في مواجهة التيارات والتنظيمات السياسية والفكرية الغريبة في ايدولوجيتاها والتي عجزت عن تعريف قوانين حركة الجماهير العربية وتطلعاتها القومية، لذلك ولد البعث مختلفاً في الرؤية والنظرية والمسارات.

فالبعث لم يكن حزبياً باطنياً ولا مؤسسة دينية متطرفة ولا نسخة أجنبية ولا تياراً مؤقتاً يخضع للزمان والمكان، إنما حزباً طليعياً يؤمن ويقتنع بدور الجماهير في تغيير الخارطة المضببة والعفوية للفكر السياسي العربي، فهو حزب الأخلاق، ولا نضال بلا أخلاق، ولا أخلاق بدون قيم ومبادئ ترتكز عليها .

وبهذا الصدد نوه الرفيق المؤسس ميشيل عفلق رحمه الله والرفيق المناضل القدوة رحمه الله صدام حسين عن نزاهة البعثي في نضاله للأمة وتجرده من مغريات الحياة والتحافه بالأخلاق السامية وقيم الرجولة ( البعثي أول من يضحي وآخر من يستفاد) وهو دليل على تطابق قيم الأخلاق وقيم المبادئ .

والأخلاق هي الدافع والمحفز لانتماء الانسان إلى معترك النضال البعثي واستيعاب خصوصياتها في (التوافق بين الغاية والوسيلة) في تحقيق الأهداف القومية .

الأخلاق والقيم والمبادئ…..المفهوم والأحكام

إنها مجموعة من الغرائز والأصول التوارثية والشعور الاندفاعي، تكمن في أغوار النفس البشرية وطبع الإنسان وسجيته في التعامل اليومي مع البيئة، وهي وجود واكتساب يلعب المحيط والتربية والنشأة والاحتكاك والتعرض لعوامل الوعي والاستيعاب والقدرة في مواجهة النوازع الشهوانية والتطرف والاستعلاء وتجاوز المسموح والتطلع غير المشروع، وهي أمراض تصيب الإنسان الذي لم يستكمل التلمذة في مدرسة البعث وبقي عفوياً مهزوزاً في قناعاته وسيرة انضباطه الحزبي وعدم قدرته في مواكبة أخلاقيات البعث.

ومن هذا المنطلق أصاب البعض نتيجة إصابتهم بهذه الأمراض الخروج عن البوصلة البعثية والتوجه نحو التآمر على قيادة الحزب وإيديولوجيته وهو نقص في استيعاب أخلاقيات البعث.

البعث مدرسة الحياة السياسية ولا تتم عمليات الأخلاق إلا ببناء الأخلاق الفردية، وهو ما دعا البعث إلى طرح هذه الأخلاقيات والقيم في فقرات الضوابط (الانضباط الحزبي) في الالتزام باحترام الاجتماعات الحزبية والمسؤول والنقد والنقد الذاتي وغلبة الأكثرية علي الأقلية وتنفيذ المهام والأمانة في الحزب، وهي في مجملها طريق لبلورة شخصية البعثي الجديد وإبعاده عن أنماط ما قد يصاب به من أمراض تغلب كفتها على منطلقات التربية البعثية.

البعث في مسعاه يهدف إلى بناء مجتمع كل من فيه صحيح، كل من فيه مثقف ( وهو بهذه الصفة ) ثورة على الواقع المتخلف والأخلاقيات البالية.

البعث مدرسة للأجيال وزرع الخصال العربية النبيلة.

يقول الرسول العربي صلى الله عليه وسلم (أنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) والرسول محمد عربي قبل أن توحى إليه النبوة، وهو في حديثه الشريف أورد كلمة البعث والأخلاق وهي ما اقتبسه البعث كتنظيم قومي لكي يوظفها في أدبياته ومرتكزاته.

من هذه المسلمة فإن (البعث الثاني هو امتداد للبعث الأول) لم يفصل الأخلاق عن القيم والمبادئ، وإنما أحصاها في ميدان العمل والمقبولية التنظيمية (فمن لا أخلاق له لا قيم ولا مبادئ له) .

إن قيم البعثيين المناضلين هي تجسيد للإيمان المطلق والشجاعة والتضحية والإيثار والشهادة، وهي عناوين تحمل معاني عميقة تتحول تدريجيا إلى ممارسات نضالية تترجم في ميادين العمل التلاحم في الشارع.

إن الالتحاق في صفوف البعث ليس حالة شكلية وإنما هي حالة أصيلة تتغلب فيها قوة الإرادة والنفس الطواعة ودرجة القناعة لأنها تتطلب الالتزام والابتعاد عن الشذوذ التطلعي والمنفعة الشخصية وتغليب التزمت على العقلانية ( بإطار انضباطي أخلاقي قيمي كضرورة للشخصية البعثية).

إن التحلي بأخلاقيات البعث في التعامل هو (نموذجية بعثية).

فمن الخطأ جداً أن نعد البعث مؤسسة عددية أو رقماً فضائياً بل هو نادي تربوي تعليمي يصقل المواهب ويهذب النفوس للتكامل الشخصي وتخريج المؤهلين للعمل في سوح النضال.

إن التزود بالأخلاق البعثية وقيمه تمثل صمامات الأمان ومعين لحمايته من التجاذبات السياسية والفكرية الرخيصة وتحصنه من أمراضها، فحينما نكون بعثيين بحق نكون قادرين على الارتقاء بالمهام النضالية إلى مستوي الرسالة الخالدة وأدوات تعبير عن قيم ومبادئ البعث يجسدها في تفاصيل تعامله اليومي مع الجماهير، أما الذي يلتحق بالبعث بجسمه فقط في كل محطات نضاله بدءً من الاجتماع الحزبي صعوداً فهو سلبي وعاجز وضعيف الإرادة وفقير الرؤية لداخل منظومة البعث وخارجها.

وتبعاً لذلك سيبقي أعرجاً معوقاً لكل مستقبليات النهضة والتنمية الثورية وفاقداً لمستلزمات الإنجاز في التغيير للنضال القومي ويكون عامل تعطيل لمكانة النضال الجماهيري، وربما عنصر يهتز عند الأزمات أو ينزلق إليها. إن الأخلاق البعثية لا تتوقف بوصلتها كالساعة، وإنما هي رافد يزود البعثيين بالطاقات وإرشاد توعوي لما يحدث وما سيحدث.

لقد حمل البعث وزر كل الأزمات والاختناقات للسياسة العربية العرجاء وواجه الأعداء بصلابة وعنفوان الشجاعة والإيمان حتى بعد الاحتلال حيث تم فرز من تربى على الأخلاقية البعثية ومن تربي على قيم دخيلة، وهم نفر من ذوي العاهات الفكرية الذين لم يستوعبوا البعث نظرية وعقيدة وأخلاقاً ،كانت انتماءاتهم ناقصة ومبتورة ولم يحظوا كثيراً بعمق العقيدة البعثية وتكامل الترابط بين روح النضال وديمومة الإيمان بالعقيدة ،لذلك برزت أمراضهم الارتدادية حيث توفرت لهم ظروف الارتداد والعزلة القاتلة أمام قيادة صلبة مؤمنة بخياراتها في اعتناق عقيدة البعث لأجل مصلحة الأمة .

هذا العمق الإيماني للقيادة وقواعدها هو نوط الشرف الرفيع لما تزينوا به من أخلاقيات وقيم ومبادئ، وبقاء قوتها في مزاولة التنظيم لأجل ديمومة الانسجام بين الفكر والممارسة وانتهاج السلوك المنظم الذي تربي البعثيون عليه بعيداً عن السلوكيات المدانة، وتبقى الأخلاق عنوان البعث في نضاله الوطني القومي محوراً تنموياً لكل حاضر ومستقبل.