شبكة ذي قار
بيان قيادة قطر العراق بمناسبة زيارة الرئيس الايراني “الحالمة”  الى العراق

بيان قيادة قطر العراق

بمناسبة زيارة الرئيس الايراني الحالمة”  الى العراق

 

منذ وصول النظام العنصري التوسعي إلى السلطة في إيران، في شباط 1979، بدعم غربي وشرقي متعدد المحاور والأبواب، وهو يواصل لعبة المرونة والتطرف بين بعض أدواته داخل المؤسسة الحاكمة، وتتناوب على السلطة التنفيذية شخصيات لا تمتلك من سلطة القرار السياسي شيئا، لأنها حكر لما يسمى بالمرشد الأعلى، الثابت في موقعه وغير خاضع لمفهوم التداول السلمي للسلطة، فتارة يوصف هؤلاء بالتطرف والتشدد، ثم لتأتي من بعدها وجوه من داخل مؤسسة الحكم نفسها، لتوصف بالانفتاح داخليا وخارجيا، ويتم تسويقها إعلاميا على أن هناك بارقة أمل بإدخال تعديلات جدية على برامج الحكومة وتوجهات إيران وخاصة على الصعيد الدولي، وانطلت هذه اللعبة على دول غربية وشرقية كثيرة، أو أنها كانت تتعاطى معها على هذا الأساس، أملا بأن تتحول الأمنيات إلى حقائق على الأرض، لكنها في واقع الحال لا تعكس أي قدر من الحقيقة، التي يعرفها القاصي والداني، بأن رأس النظام باقٍ في موقعه وهو الممسك بكل ملفات السياسة الإيرانية واستراتيجيتها، بما في ذلك ملف السياسة الخارجية والملفات الأمنية والاقتصادية، هو الذي يحمل صفة المرشد الأعلى أو ما أصطلح على تسميته بالولي الفقيه أو نائب الإمام الغائب، كل هذا كي يأخذ القائد الصفتين الدينية والدنيوية وبالتالي تعد طاعته تكليفا شرعيا وواجبا دينيا، يًخرج من الملة كل من يعترض على أوامره ونواهيه.

ولأن العراقيين هم وحدهم الذين يعرفون الإيرانيين على حقيقتهم من دون رتوش، فلم تكن كل هذه المسرحيات البائسة لتنطلي حتى على المواطن العراقي البسيط، والعراقيون يعون جيدا أن لإيران وظيفةً محددة ومكلفة بها تعاقديا مع القوى الدولية الكبرى والصهيونية العالمية، أو ضمنياً من خلال التقاء المصالح التي رسمت مساراتها أحداث تاريخية قديمة، وتحديدا منذ قيام قورش باحتلال بابل وإحراقها قبل أكثر من 2500 سنة، و”تحرير” ما يسمى بالسبي البابلي الذي حصل خلال عهد نبوخذ نصر، ومنذ ذلك الوقت والتخادم بين الجانبين قائم على قدم وساق، ولم تعكره السياسات المعلنة لأي من الطرفين، وما يرافقها من شعارات، وقد أشار الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني في أحد تصريحاته السابقة عندما كان يسعى لإزالة سوء الفهم الذي تتركه الشعارات التي ترفع عاليا في إيران ضد الكيان الصهيوني، فذكّر بما فعله الفرس لصالح اليهود في واقعة قورش، واعتبرها عربون صداقة حقيقية بين الطرفين، وحاول تخفيف هواجس الولايات المتحدة خصوصا ومعها الغرب كله، مما يُرفع في بلاده من شعارات حماسية، هدفها الأول والأخير الكسب السياسي في منطقة تنظر إلى فلسطين والأقصى، نظرة عاطفية غلابة، فأرادت بلاده أن تركب الموجة وصولا إلى أهداف أخرى ربما تقع صلتها بفلسطين في آخر جدول الأولويات الحقيقية لإيران.

وفي خضم هذه اللعبة المفضوحة، جرت انتخابات الرئاسة الأخيرة في إيران، والتي تظاهر فيها خامنئي بدعم المرشحين المتشددين بوجه المرشح الإصلاحي مسعود بزشكيان، وكي تأخذ لعبة الولي الفقيه مداها، فقد حث المرشحين المتشددين أن يتنازل بعضهم لبعض، كي يفوتوا على المرشح الإصلاحي فرصة الفوز، ثم أشار إلى اسم محدد كمرشح أقرب إليه من سواه، ولكن صناديق الاقتراع جاءت بغير ما اشتهاه خامنئي أو رغباته المعلنة، فإما أنه كان يتظاهر بعدم دعم مسعود بزشكيان كي يعطي انطباعا عن حرية حقيقية للمواطن الإيراني في الاختيار، وهذه رسالة محددة للغرب حصرا، وإما أن سلطة الولي الفقيه بدأت بالتآكل ولم يعد قادرا على فرض كلمته واحتواء الشارع الإيراني.

ثم فاز بزشكيان بالرئاسة وأعلن برنامجه السياسي، لا سيما ما يتعلق بعلاقات بلاده الخارجية، فحدد مسارها بدول الجوار كأولوية أولى له، ثم وعد بأنه سيسعى لتعزيز علاقات بلاده معها ومع أصدقاء إيران التقليدين مثل روسيا والصين، وبعد ذلك أعلن أنه يتطلع إلى أوربا كمنطقة مصالح مشتركة بين الطرفين، وحرص على تجاهل الولايات المتحدة بشأن مساعيه الخارجية، مع أن القاصي والداني يعرف عمق غاطس الود والاتصالات بين الطرفين، والتي لم تنقطع حتى أثناء احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران، وكأنه يريد أن يقول بأن العالم كله في كفة والولايات المتحدة وحدها في الكفة الأخرى، لأنه يعي جيدا ما لأمريكا في بلاده من رصيد كبير، يدحض كل الشعارات التي ترفعها الأفواه المتعطشة لعودة العلاقات مع واشنطن إلى ما كانت عليه أيام الشاه، بل أعمق من ذلك.

وفي أول خروج له من وراء الستار الحديدي في بلاده، زار بزشكيان العراق، وتعامل معه كأقاليم مختلفة وليس كدولة واحدة ذات سيادة، فكشف في هذه الزيارة عن قناعاته الحقيقية تجاه العراق، وما يضمره له من كراهية متأصلة كموروث وطني مضاد للعراق، ولكن أسوأ ما في هذه الزيارة التصريحات الوقحة عن إزالة الحدود بين البلدين، وكأن هذه الحدود رسمتها معاهد الجغرافية في العالم، ولم ترسمها دماء الآلاف المؤلفة من الشهداء العراقيين عبر التاريخ، الذين دافعوا عن بلادهم، ابتداءً من معركة ذي قار ثم قادسية المثنى بن حارثة الشيباني وسعد بن أبي وقاص، وأخيرا ما شهده القرن العشرين من مواجهات حدودية انتهت أخيرا بقادسية صدام المجيدة والتي كانت تحصل نتيجة تنفس الأحقاد الفارسية ضد العراق، القادسية التي حقق فيها العراقيون أعظم انتصار في أطول حرب شهدها القرن العشرين، عندما جرّع أبطال القادسية الثانية، الخميني ومؤسسته العسكرية والسياسية كأس السم، فأذعن الإيرانيون وركعوا أمام إصرار العراقيين على انتزاع النصر من عيون أعدائهم.

 وظن بعض العراقيين أن الأمر قد استقر على حال جديدة على طرفي الحدود، طويت معها كل صفحات التوتر، وربما كان هذا التصور مبنيا على حسن نية أكثر مما تسمح ظروف العلاقات السياسية بين دول يختزن سجلها التاريخي عداء ثابتا، لن تغيره العقود والاتفاقيات الثنائية والجماعية، فقد اختزن الإيرانيون عامل حقد جديد على العراق ليضاف إلى رصيد الأحقاد القديمة، لا سيما وأن الخميني أمرهم في بيانه الطويل بالموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي 598 عندما قال لهم “احبسوا حقدكم في صدوركم”، وهذا ما تحقق فعلا أثناء معارك 1991، عندما تواطأت إيران مع دول العدوان الثلاثيني في أبشع صور التواطؤ، فمارست أسوأ ما يمكن أن تفعله الدول مع الدول المجاورة لها، فقد أضمرت نزعة الحقد والثأر الأسود من العراق، تواطئا مع الشيطان الأكبر لطعن العراق بخناجر الغدر التي عُرفت إيران بها عبر التاريخ، ولم يتوقف خزين الحقد عن التعبير عن نفسه مرة أخرى في الغزو الأمريكي الأطلسي الغاشم الذي انتهى باحتلال العراق عام 2003 إذ كشفت التقارير التي خرجت من دول الاحتلال أو صدرت عن مسؤولين إيرانيين.

أن إيران قدمت من التسهيلات والخدمات ما سهّل كثيرا نجاح الغزو، ومن باب رد الجميل لإيران قدمت الولايات المتحدة لها الجائزة الكبرى لتكون شريكا في الاحتلال، بتفاصيل معقدة، فالولايات المتحدة تملك القرار الاستراتيجي الذي يجعلها المتحكمة بالقرار السياسي الأعلى في العراق، وبالمقابل أعطت لإيران كل ما كانت تريده من الامتيازات المالية والاقتصادية والتحكم الشكلي في تشكيلة الحكومة على أساس المكونات، والتحكم بسلطة القرار السياسي المحلي بما لا يتصادم مع المصالح الأمريكية العليا والاستراتيجية في العراق والمنطقة، فصارت “التحالفات الحاكمة شكلاً” في العملية السياسية ألعوبة بيد الحرس الثوري والاطلاعات، يتحكمان فيها كيفما شاءوا، مما لا يتيح فرصة إطلاق كلمة إيجابية واحدة عن كيان الدولة العراقية أو مصالح العراق وسيادته وأمن حدوده، لأن ذلك من المحرمات، ونتيجة تفسير تلك الممارسات تفسيرا دينيا، فقد أصبح من المقدسات التي لا يجوز التقرب من أسوارها لأي عراقي أو مليشيا ولائية يتحكم بها قرار الولي الفقيه.

إن حديث بزشكيان عن إزالة الحدود، لا يقبل تفسير الوضع القائم حاليا على جانبي الحدود، بل يتعداه إلى ما هو أبعد من ذلك، فهو يريد لهذه الخطوة أن تأخذ بعداً دستورياً وتعاهديا رسميا، وإلا فإنه لو كان يقصد إزالة الحدود بمعنى الغاء الحواجز الكمركية أو السماح بتنقل الأفراد بحرية على طرفي الحدود، أو تصدير البضائع من دون قيود تحد منها، لأخذ حديثه تفسيرا اقتصاديا حتى وإن خلا من التكافؤ بين طرفي المعادلة، ولو كان هذا هو مقصد بزشكيان لكان حديثه باهتا بلا معنى، فهذا كله جارٍ العمل به ومعمول به دون قيود.

ومن باب تأكيد العلاقة غير المتكافئة بين الطرفين، نؤكد أن ما تم توقيعه من مذكرات تفاهم استنادا إلى اتفاقيات سابقة، جاء لصالح إيران ولا مصلحة ولو صغيرة للعراق فيها، فالإيرانيون يتدفقون على العراق بالملايين من دون تأشيرة دخول أو أية رسوم قانونية، فضلا عن أنهم يحظون بالضيافة الكاملة، مما يجعل العراق يخسر مرتين، مرة عندما يعفي الإيرانيين من رسوم الحصول على تأشيرة الدخول إلى اراضيه، ومرة عندما يستضيف الداخلين بأعدادهم المليونية ضيافة كاملة من أموال الدولة العراقية، على حساب فرص العراق من الانتفاع من السياحة، التي تعتبرها دول أخرى أهم مصادر دخلها القومي، في حين أن العراقي عندما يسافر إلى إيران فإن عليه أن يتحمل تكاليف باهظة فضلا عن كل غرائز الانتقام التي تعتمل في صدور مزقها الحقد على البلد الذي انتصر على فارس ثلاث مرات انتصارات ما زالت ماثلة في كتب التاريخ.

إن دعوة الرئيس الإيراني الذي يوصف بالاعتدال، لإزالة الحدود بين البلدين، يعني العودة إلى شريعة الغاب عندما تتغير معادلات القوة بين الدول المتجاورة، فيسوق وهم القوة بعضها إلى ابتلاع الدول الأصغر منها أو الأضعف منها، وهذا تلخيص شديد لسياسة الضم القسري التي عانى منها العالم طويلا وكانت سببا في إثارة حروب طاحنة، وكان بعض المراقبين يبسّطون المشهد، فيظنون أنها دعوة نابعة من حماسة عابرة سيطرت على بزشكيان عندما لاحظ لهاث بعض الأنفار من مسؤولين أو مواطنين، وجريهم وراءه كمتسول يريد صدقة، ذلك أنهم يتصورون أن مفاتيح السلطة والمستقبل السياسي في العراق، بيد الراعي الإيراني يمنحها لمن يشاء ويصرفها عمن يشاء وينزعها ممن يشاء، ولهذا كله لم يجد هذا التصريح الخطير الذي عفى على مغزاه الزمن منذ قرون طويلة، وذهب بعضهم إلى القول، لو أن في الأمر خطورة سياسية تهدد سلامة دول المنطقة وسيادتها وحدودها الوطنية، لكانت سلطة المنطقة الخضراء أول طرف يحتج عليها ويندد بها، ولكن هؤلاء نسوا أن المتسلطين على رقاب العراقيين ومقادير بلدهم، وصلوا إلى مواقعهم بأوامر إيرانية أو بصفقات فرضتها إيران كجزء من المحاصصة الطائفية القائمة منذ 2003.

ومن جانب آخر، نوجه رسالة إلى الأشقاء في دول الخليج العربي ونحذرهم بأن الخطر اقترب منهم إلى أبوابهم الداخلية مما يهدد الكيانات السياسية لدول الخليج العربي كلها، ألم تنتفع تلك الدول من الدروس المستنبطة من الكارثة الكبرى التي حلت على العراق وسوريا ولبنان واليمن نتيجة تسلط إيران عليها وتغولها على المواطن في تلك الأقطار؟ ألم تكتشف أن ذلك تم بتواطؤ من الدول الكبرى، التي تظن دول الخليج العربي أنها ضامنة لأمنها واستقلالها ولحدودها الدولية، وهي التي مكنت إيران ومهدت لها الأرضية كي تتوسع، فهل يركن أي من أقطار الخليج العربي إلى الاطمئنان تجاه نوايا الشر والعدوان الإيرانية بالقضم التدريجي ثم الضم اعتمادا على أطراف محلية وقوى دولية فاعلة، ثم أليس من واجب جامعة الدول العربية أن تتبنى موقفا واضحا إزاء التهديد الإيراني الوقح والذي جاء على شكل دعوة لإزالة الحدود بكل ما يعنيه من نوايا لإلحاق دولة مؤسسة للجامعة، سواء كان الرئيس فيها إصلاحيا أو متشددا على وفق المصطلحات الإيرانية السائدة؟

ثم ما هو موقف الأمم المتحدة والدول الكبرى وخاصة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بمواجهة خطط إيران لضم العراق إلى ممتلكات الإمبراطورية الفارسية بعد إلباسها لبوسا دينية مشحونة بأعلى شعارات تحاكي العواطف العربية والإسلامية عن تحرير الأقصى؟ وحذفه من قاموس دول المنطقة بعد أن كان خط الصد الأول بوجه كل التيارات المتطرفة والمصنِعة للإرهاب؟ ألم يحن الوقت لترسل رسالة واضحة لإيران بأن عليها أن تتحرر من وهم القوة الذي قد يخيم فوق منطقة هي الأكثر جذبا لعوامل التوتر وأكثرها مصلحة بالاستقرار والأمن.

إن نوايا الشر التي تختزنها إيران تجاه العراق لعوامل ذاتية وموضوعية، يجب أن يقرع أجراس الخطر في كل عواصم الخليج العربي، ويدعوها للتحرك في إطار علاقاتها الدولية المتشعبة مع القوى الدولية، ومصالح تلك الدول مع دول الخليج العربي بما يفوق كثيرا مصالحها مع إيران، لبلورة موقف دولي ضد توجهات الضم الإيراني بالقوتين الناعمة أو الصلبة لدول المنطقة تباعا عن طريق تخدير أطراف عربية كثيرة كي تستفرد بدولة عربية واحدة، ثم تبدأ الصفحات تتعاقب الواحدة تلو الأخرى.

فهل يستفيق النظام العربي الرسمي من غفوته التي طال أمدها كثيرا؟

 نحن وإن كنا نعلق الأمل الأكبر على قدرات شعبنا العراقي في إفشال مخططات إيران التوسعية، لا يسمح لنا تجاهل قيمة وقوف الشعب العربي على طول الساحة العربية وعرضها، مع الشعب العراقي في وقفته التاريخية للحفاظ على هويته وسيادته الوطنية وأمنه القومي الذي كان الرقم الأصعب في معادلة الأمن القومي العربي.

 

 

قيادة قطر العراق

لحزب البعث العربي الاشتراكي

بغداد 15 ايلول 2024

بيان قيادة قطر العراق للذكرى السادسة والثلاثين ليوم النصر العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم

كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

صدق الله العظيم

 

بيان قيادة قطر العراق للذكرى السادسة والثلاثين ليوم النصر العظيم

 

يا أبناء شعبنا العظيم

أيها العراقيون الأماجد

أيها البعثيون المناضلون في كل مكان

يا أبناء الأمة العربية المجيدة

 

في مثل هذا اليوم قبل ستة وثلاثين عاما، وقف العالم كله بخشوع وإكبار أمام إرادة العراقيين وقدرتهم على انتزاع النصر من عيون أعدائهم وإن كثروا وتعددت سحناتهم ولهجاتهم، العراقيون الذين أوصلوا عدوهم المتغطرس دونما سبب والجاهل عن إصرار، إلى حافة الانهيار التام ولولا شهامة العراقيين لقذفوا بالإيرانيين في مطاوي النسيان إلى الأبد،  ولكنهم اكتفوا بإيصالهم إلى حافة العجز واليأس عن أي قدرة للقتال، في منازلة هي الأطول في حروب القرن العشرين، بعد أن كبدوا عدوهم التاريخي من الخسائر ما أذهله وأذهل القوى الكبرى الساندة له سرا وعلانية، والتي أرادت للحرب أن تبقى مفتوحة الصفحات ولا تجد طريقاً لها إلى نهاية معلومة، فأرادوها حرباً لا غالب فيها ولا مغلوب، لأنهم ما كانوا ليسمحوا “لو استطاعوا” للعراق أن يخرج منتصراً فيها بأي شكل من الأشكال، لا سيما وأنهم ومن خلال معرفتهم لتاريخ هذا البلد العريق عبر حقبه التاريخية المتنوعة، يعرفون حق المعرفة أن العراق لن يسمح لنفسه أن يكون بلداً هامشياً، أو مجرد رقم مهمل في معادلة التوازنات الدولية، فقد كان وطنكم أيها العراقيون على الدوام، قوة فاعلة في صناعة التاريخ ومساراته وكتابة فصوله، وظل مركز الاستقطاب الدولي الوحيد قروناً طويلة قبل أن يأفل نجمه لفترة وجيزة ثم سرعان ما يستعيد وعيه وقدرته على قيادة المسيرة الإنسانية نحو السمو وأعالي المجد.

لقد انتقل الإنسان بفعل الإضافات الخلاقة للعراقيين، من ظلمة الجهل والخرافة، إلى عوالم التألق والمعرفة والتنوير، فقد اخترع العراقيون الحرف الأول، ليضيفوا إلى مسيرة الإنسان ألواناً لا نهاية لها من المعرفة والعلوم، ولم تتوقف مسيرة شعب ميزوبيتاميا عند هذا الحد، بل تفجرت عبقريتهم عن تدوير النهايات، فتم صنع العجلة التي كانت بداية لنهضة إنسانية لا حدود لها، فقد أمكن لهذا الاختراع الذي لا غنى عنه أن يدخل في كل ما نعرفه من مكائن ومعدات حديثة، فلولا العجلة المسجلة باسم العراقيين كبراءة اختراع سرمدية، ما كان للطائرات أن تحلق في الجو، وما كان للمركبات أن تتحرك في الشوارع والطرق، وما كان للسفن أن تمخر عباب البحار البعيدة بهذه السرعة، ذلك هو تاريخ بلدكم أيها العراقيون الأماجد الذي سُجل بأحرف من نور وذهب، ومن حقكم بل من واجبكم أن تتمسكوا به وتدافعوا عنه بكل ما أوتيتم من قوة.

أيها العراقيون الأُباة، يا من أثبتم بتضحياتكم وبذلِكُم الغالي والنفيس من أجل علياء وطنكم، أنكم شعب حي لن تستطيع قوى الأرض “وإن اجتمعت”، أن تهز يقينه بأحقيته بالحياة بعز وكرامة وإباء، وأن يكون بلداً له دوره في حركة التاريخ وفي صنع مستقبل الإنسانية، كما كان في الحقب التاريخية الغابرة.

في مثل هذا اليوم قبل ستة وثلاثين عاماً، انتزع أبطال الجيش العراقي الباسل، نصراً مؤزراً، لم يكن مفاجأة لأبناء العراق والأمة العربية الذين خَبِروا بأس العراقيين في كل الساحات التي خاض فيها العراقيون غمار الحروب، ولكن النصر كان مفاجأة للعدو الفارسي العنصري الذي فغر فاه من دهشةٍ نزلت عليه كوقع الصاعقة، فراح يبحث عن أسباب هزيمته في القادسية الثانية، التي أرغمت قياداته الدينية والسياسية والعسكرية على تجرع كأس السم في مجلس عزاء وعويل جماعي، شهد العالم كثيراً من فصوله المنكسرة، التي خيمت فوق إيران بتساؤل مرير عن عوامل هذا التحول الكبير في موازين القوى وأسبابه، وعلى الرغم من أن تاريخ بلاد فارس لم يسجل لها انتصاراً واحداً في كل المواجهات التي وقعت بينها وبين ميزوبيتاميا، إلا أن الإيرانيين الذين ورثوا التركة الفارسية بكل صفحات الانكسار والخيبة، تساءلوا بحرقة كيف انتصر العراقيون عليهم؟ والعراق لا يمتلك عمقاً استراتيجياً، وعدد سكانه بثلث عدد سكان إيران، ولا يمتلك إطلالة بحرية، تلك العوامل هي التي راهن عليها خميني عندما اختار بدء أولى خطواته لتصدير ما يسمى (بالثورة الإسلامية) بدأً من العراق، هذا الحلم العدواني التوسعي الذي يمتلك خزيناً هائلاً من الحقد وعقدة الدونية تجاه العملاق الغربي على حدود إيران، وشاركه العالم بحسابات تقليدية بائسة عند إجراء أية مقارنة في موازين القوى بين البلدين.

 

يا أبناء شعبنا العراقي العظيم

يا أبناء شعبنا العربي الأبي

أيها المناضلون البعثيون المرابطون على طريق الحق والنضال

لقد سجل العراقيون في مثل هذا اليوم، في الثامن من آب 1988، نصراً لامعاً لن يفقد ألقه، مهما تقادم الزمن، ومهما مرّ به العراقيون من محن وأزمات وكوارث ألحقتها بهم قوى الشر، سواء بالعدوان الثلاثيني الذي تعرض له العراق سنة 1991 ثم احتلاله سنة 2003 والذي شاركت به أطراف عربية، لم تكن لتتحمل وجود  بلد عربي يحمل برنامجاً حضارياً نهضوياً رائداً يرتكز على قاعدة عريضة من التأييد والدعم للنهوض والارتقاء، وقع العدوان الشرير بتواطؤ إيراني مباشر أو من خلال عملائها، حرّكته نوازع الثأر لموروث الخزي المتراكم الذي يحفل به قاموس فارس منذ هزيمتها على أيدي العراقيين في ذي قار ثم في القادسية الأولى وأخيراً في قادسية صدام المجيدة، التي سطرتم أيها البعثيون الأبطال بتضحياتكم الأسطورية التي سيخلدها التاريخ جيلاً بعد جيل، أروع صفحات المجد والفخار.

من هنا فقد استشعر أعداء الأمة المتربصين بها، أن العراق بما امتلكه من جيش كبير وقوي حديث التدريب والتسليح، وقيادة عامة على أعلى درجات الاقتدار والتصميم، وقيادات على مختلف المستويات، لخوض الحروب الحديثة استراتيجياً وتعبوياً، بحكم ما اكتسبته من خبرة حرب الثماني سنوات، فانطلقت خططهم لتدمير العراق بعد أن أصبح قوة عسكرية ضاربة يحسب لها الأعداء ألف حساب، وبعد أن امتلك قاعدة صناعية راسخة الجذور استندت على مبدأ توطين التكنولوجيا، والتي بدأت تشق طريقها بثقة واقتدار لا سيما في مجالات التصنيع الحربي، فسعى الأعداء لتدمير القاعدة الاقتصادية المتنوعة الموارد صناعياً وزراعياً، واستغلال موارد البلاد الطبيعية في خطةِ تنمية متوازنة، لا تترك مرفقا أو زاوية إلا وشملتها بالرعاية والتخطيط المدروس، فكان هذا الانتصار هو جرس الإنذار الثاني الذي تقرعه مراكز صنع القرار الغربية، بعد قرار التأميم الخالد في الأول من حزيران 1972، لتؤشر أن هناك حقائق جديدة باتت تسعى لفرض نفسها على المنطقة والعالم، فاستنفرت قوى الاستكبار العالمي كل ما لديها من رصيد مخابراتي وإعلامي، لتأليب الرأي العام المحلي والعربي على وطنكم المجاهد، بهدف عزل النظام الوطني عن قاعدته الجماهيرية محلياً وعربياً، فالتقت إرادات الشر كلها على إخراج العراق من منظومة الأمن القومي العربي، كي تخلو لها الساحة للعبث بمصير الأمة العربية بعد نزع إرادة الصمود والثبات فيها، في مواجهة الأخطار المحدقة بها نتيجة لغياب قوتها الاستراتيجية المتمثلة في العراق عن ساحة النضال العربي.

أين العراق الذي كان يُحكم من أبنائه الحقيقيين وليس الأغراب المستوردين بقرار أمريكي إيراني؟ لقد صار عراق الاحتلالين غريب الوجه واللسان، وأين آلت إليه أوضاع الأمة العربية التي تحولت إلى كرة تلعب بها أقدام محترفي السياسة وهواتها من الجهات الأربع؟ هل كان للأمة أن تمر في مثل حالة الضياع وفقدان البوصلة التي تعاني منها الآن لو أن السيف بقي ممسوكاً بقبضة عراقية بعثية قوية وثابتة الأقدام؟ أمتنا أمة مثقلة بكل أشكال البؤس وضياع الرؤية السليمة للمخاطر التي تتهددها بمصيرها لا بمستقبلها فقط وما كان لهذا كله أن يحصل لولا أن الولايات المتحدة اختارت إيران حليفاً تابعا ومقاولاً ثانويا لتنفيذ المهمات التي لا تريد أمريكا خوض غمارها، فتتحكم بقدراته وتمنعه من اجتياز خطوطها الحمر، لكنها تريده قوة إقليمية قوية حسب الخطوط المرسومة لها، لا تسمح لها بالخروج عن إرادتها، ولكنها تبقى وظيفة إقليمية مطلوبة بإلحاح، وهراوة ترفعها ثم تهوي بها على رؤوس بعض العرب، الذين توصلوا إلى قناعة أنهم بعلاقاتهم مع أمريكا، خسروا أنفسهم وخسروا كل فرصة لهم بالتطور والنهوض، فالولايات المتحدة اختارت إيران لهذا الدور الإقليمي المدروس، لتبتز بها العرب ولتعيد من يحاول الخروج عن بيت الطاعة الأمريكي إلى سيرته الأولى.

في التاسع من نيسان سنة 2003، لم يسقط العراق بل سقط جدار الكرامة العربية نتيجة تآمر دولي أطلسي صهيوني صفوي، لنراقب ما يحصل في فلسطين وفي غزة على وجه الخصوص، فماذا سنرى، سنرى شعباً يُهّجَرُ من مدنه وقراه ومساكنه، وفي كل يوم في دوامة تهجير بلا نهاية يعيشها منذ عام النكبة سنة 1948، وسوف نعرف عن يقين أن العراق كان سيف الأمة ورمحها اللذين لم يسقطا من الذراع العراقية لولا تظافر التآمر المتعدد المحاور والمصادر عليه من الشرق والغرب، ومن القريب قبل البعيد، نعم للأسف الشديد شارك في تهديم سد العرب العالي وجدار عزتها عراق العزة والكرامة، أشقاء عرب قدم بعضهم الأرض وبعضهم القواعد الجوية والبحرية، بعضهم تحمل التكاليف المالية لتحرك قوات الغزو من قواعدها في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الناتو، وبعضها جاهر بفخرٍ بأنه قدم جهداً متعدد الأوجه لقوى العدوان، وعندما انطلقت المقاومة العراقية الوطنية الباسلة على أكتاف أبطال القادسية الثانية، لتواجه قوات الاحتلال باقتدارٍ قل نظيره وبسرعة التشكل وحمل السلاح، تصدى لها المتآمرون القريب منهم والبعيد، المحلي والخارجي، على الرغم من أنها أرادت لهم العز والمجد والكبرياء، ولكن الأعداء أخلدوا إلى الأرض وحاولوا التستر على فضيحتهم المدوية، بإظهار بعض الحكمة الزائفة في سلوكهم المنحرف تارة، وفي الندم على ما اقترفت أيديهم من جرائم مروعة، ذهب ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين تارة أخرى، كان لمناضلي البعث الكأس المُعَلّى من التضحية والفداء في كل سطر دُوّنَ في سفر الخالدين في هذه الأمة.

العراق أيها المناضلون البعثيون الأشداء، كما كان على الدوام شعب المعجزات وهو وحده القادر على تجاوز أسباب المحنة، وخلق الفرص لنفسه، ليخرج من بين الرماد والركام عملاقا كأن لم تمر به أزمة، هذا العراق قادر بتضحيات مناضليه وبدعم من كل الشرفاء من أبناء الأمة العربية الذين شعروا بحز سكين الغدر في العظم العربي، قادر على أن يعيد الألق لأبناء الأمة العربية الحية على مدى الدهور والعصور، والتي ستسمو فوق الجراح وتعيد مجد ميزوبيتاميا إلى سابق عهده، قوة عربية وإقليمية ودولية فاعلة لن يجرؤ أحد على تخطيها في أي ظرف من الظروف، ولن يسمح مناضلو البعث لعربة النضال أن تتدحرج إلى قاع عميق، بل لن يسمحوا لها أن تتوقف من دون تحقيق أهدافها كاملة، نعم هذا كله يتطلب نضالا شاقا وتضحيات كبرى، ولكن هذا ما نذر البعثيون أنفسهم له، ليعيدوا ألق الثامن من آب، ويعيدوا دروس ذي قار والقادسية الأولى.

 

الله أكبر والمجد لأبطال القادسية الثانية وقائد النصر فيها شهيد الأضحى الرئيس الخالد صدام حسين.

المجد لشهداء الأمة العربية في كل مكان والمجد لشهداء فلسطين، وشهداء الأحواز السليب.

الله أكبر وليخسأ الخاسئون.

 

 

قيادة قطر العراق

لحزب البعث العربي الاشتراكي

بغداد 8/8/2024

3 صفر 1446 هـ