نحو مشروع عروبي نهضوي معاصر
كَيف يَتَحَوَّل العَرَب مِن أُمِّةٍ يَجْمَعُها المَاضِي إلَى أُمِّةٍ تُسهِمُ فِي صُنْعِ المُستَقبَل؟
د. فيصل الفهد
الأمم الحية لا تعيش بالماضي وحده …مهما كان مجيداً وعظيماً. فالتاريخ يمنح الهوية والثقة بالنفس لكنه لا يصنع التقدم تلقائياً. والتحدي الذي يواجه العرب اليوم وغداً ليس نقصاً في الأمجاد التاريخية بل كيفية تحويل هذا الإرث الحضاري العظيم إلى قوة دافعة لصناعة المستقبل.
لقد أسهم العرب في مراحل تاريخية مختلفة في بناء الحضارة الإنسانية فكانت مراكز العلم في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة منارات للعلم والفكر والابتكار. غير أن استحضار هذه الإنجازات يجب أن يكون حافزاً للعمل لا مبرراً للركون إلى أمجاد مضت وانقضت. ويتطلب ذلك عدة مقومات لا غنى عنها منها :
أولاً: الانتقال من ثقافة التمجيد إلى ثقافة الإنجاز
المجتمعات المتقدمة لا تقيس نفسها بما أنجزه الأجداد بل بما ينجزه الأبناء. لذلك ينبغي أن تتحول الثقافة العربية الى جانب الحديث عن الماضي إلى تبني ثقافة الإنتاج والإبداع والإنجاز بكل فروعه وفي مقدمتها العلمي والاقتصادي.
ثانياً: الاستثمار في الإنسان
الإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم. ولا يمكن صناعة المستقبل دون توفير الحياة الحرة الكريمة بكل جوانبها من حماية حقوقه الانسانية في الممارسة والتعبير وتوفير فرص العمل والرعاية الصحية وتعليم حديث ورعاية للمواهب وتطوير البحث العلمي، وإعداد أجيال تمتلك مهارات التفكير النقدي والابتكار والتكنولوجيا وغير ذلك . إن بناء الجامعات المتقدمة ودعم العلماء والباحثين وتحويل بحوثهم الى التطبيق الفعلي وتوفير بيئة حاضنة للإبداع كلها شروط أساسية للنهضة.
ثالثاً: بناء الدولة المؤسسية
لا مستقبل لأمة تعيش في ظل الصراعات والانقسامات والفساد وضعف المؤسسات. فالدولة الحديثة تقوم على سيادة القانون والعدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص واحترام المواطنة. وعندما يشعر المواطن بأنه شريك في وطنه يصبح أكثر استعداداً للمساهمة في تنميته والدفاع عن مصالحه.
رابعاً: تعزيز التكامل العربي
يمتلك العالم العربي مقومات هائلة من الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي والأسواق الواسعة والطاقات البشرية الشابة. لكن هذه الإمكانات تبقى محدودة الأثر إذا ظلت الدول العربية تعمل بصورة متفرقة. إن تعزيز التعاون الاقتصادي والعلمي والثقافي والتقني والامني، حتى وان كان بمستوى اقل من الطموح الاعلى، يمكن أن يحول المنطقة إلى قوة إقليمية مؤثرة في النظام الدولي.
خامساً: امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا
العالم يدخل مرحلة جديدة تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة والاقتصاد الرقمي. والأمم التي لا تشارك في إنتاج المعرفة ستتحول إلى مجرد مستهلك لما ينتجه الآخرون. لذلك فإن الاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي ، ليس ترفاً بل ضرورة وجودية.
سادساً: استعادة الثقة بالمستقبل
أخطر ما يواجه الأمة ليس نقص الموارد بل انتشار الإحباط وفقدان الثقة بالقدرة على التغيير. والتاريخ يعلمنا أن الأمم تنهض عندما تمتلك رؤية مشتركة وإرادة سياسية ومجتمعية تؤمن بأن المستقبل يمكن صناعته.
إن تحول العرب من أمة يجمعها الماضي إلى أمة تسهم في صنع المستقبل لا يعني التخلي عن تاريخهم أو هويتهم بل يعني الانتقال من استهلاك الذاكرة إلى إنتاج المعرفة ومن تمجيد الأمجاد السابقة إلى احيائها من خلال بناء أمجاد جديدة، ومن الانقسام إلى التكامل ومن الاعتماد على الآخرين إلى امتلاك أسباب القوة العلمية والاقتصادية والحضارية.
فالأمم الان وغدا لا تُقاس بما كان لها من تاريخ فحسب وإنما بما تضيفه إلى تاريخ الإنسانية في الحاضر وما تتركه للأجيال القادمة من إنجازات ورؤى تصنع المستقبل.
ما الذي ينقص العرب لتحقيق رؤى للمستقبل؟
لا تنقص العرب الموارد ولا الإمكانات البشرية بل تنقصهم مجموعة من الشروط الأساسية التي تحول الإمكانات إلى مشروع حضاري متكامل. ومن أبرز هذه الشروط:
1. الرؤية الاستراتيجية المشتركة
لا تزال معظم السياسات العربية أسيرة إدارة الأزمات اليومية بينما تحتاج النهضة إلى رؤية بعيدة المدى تمتد لعقود وتحدد الأولويات والأهداف الكبرى في التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والتنمية البشرية.
2. الإرادة السياسية
امتلاك الرؤية وحده لا يكفي …إذ يتطلب الأمر إرادة سياسية قادرة على اتخاذ قرارات إصلاحية جريئة وتغليب المصالح الوطنية والقومية على الحسابات الضيقة والخلافات العابرة.
3. اعتماد الانسان كأساس للتنمية
العنصر البشري هو أساس كل نهضة. ولا يمكن بناء المستقبل دون توفير كافة الشروط الانسانية للمواطن العربي في وطنه لكي يصبح قوة اساسية في التنمية والنهضة بما فيها توفير تعليم نوعي ورعاية للمواهب وتمكين الشباب والمرأة وتحويل الجامعات إلى مراكز للبحث والإبداع والتطوير لا إلى مؤسسات لمنح الشهادات فقط وغير ذلك من المقومات التي تنهض بالانسان العربي وترعاه.
4. الانتقال إلى اقتصاد المعرفة
رغم امتلاك العالم العربي ثروات طبيعية كبيرة فإن الثروة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين أصبحت المعرفة والابتكار والتكنولوجيا. لذلك يحتاج العرب إلى زيادة الإنفاق على البحث العلمي والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة.
5. وجود مؤسسات قوية
التنمية المستدامة لا تقوم على الأفراد مهما كانت قدراتهم بل على مؤسسات راسخة تتسم بالكفاءة والشفافية وسيادة القانون والمساءلة وتضمن استمرارية السياسات بعيداً عن التقلبات السياسية.
6. وجود الحد الادنى من التكامل العربي
يمتلك العرب سوقاً واسعة وموارد متنوعة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً لكن ضعف التعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي يقلل من القدرة الجماعية على المنافسة العالمية.
7. ثقافة العمل والإنجاز
لا يكفي الافتخار بالماضي الحضاري …بل يجب ترسيخ قيم الإنتاج والانضباط واحترام الوقت والاعتماد على الكفاءة والجدارة وتحويل النجاح الفردي إلى مشروع مجتمعي.
8. إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار
تشترك الامة العربية شأنها شأن كل امم العالم الكبرى، بوجود التنوع الطبيعي الناتج عن وجود بعض الاقليات فيها، لكن اعداء الامة يسعون الى استغلال هذا التنوع لتأجيج انقسامات سياسية أو طائفية أو عرقية لكي تستنزف طاقاتها وتضعفها. لذا فإن مواجهة هذا التحدي المعادي يجب ان يتم من خلال بناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة والتي تمثل شروط ضرورية لافشال الخطط المعادية من جهة ولتوجيه الموارد نحو التنمية بدلاً من الصراعات من جهة اخرى.
9. الثقة بالذات الحضارية
لا تتحقق النهضة بالتقليد الأعمى للآخرين ولا برفض منجزاتهم وإنما بالاستفادة من التجارب العالمية مع الحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية، وإحياء روح المبادرة والابتكار.
ما ينقص العرب ليس المال ولا الموارد ولا العقول وإنما مشروع حضاري عربي نهضوي يقوم على الرؤية والإرادة والمعرفة والمؤسسات والتكامل. فعندما تتوافر قيادات تمتلك رؤية استراتيجية ومجتمعات تؤمن بقيمة العلم والعمل ودول تستثمر في الإنسان وتدير تنوعها بحكمة يصبح الانتقال من استحضار الماضي إلى صناعة المستقبل أمراً ممكناً وتتحول الأمة العربية من متلقٍ للأحداث والتحديات إلى شريك فاعل في صياغة مستقبل الإنسانية.