حركة نصرة العراق…بداية عهد البطولة
د. نضال عبد المجيد
يكتسب الحديث عن حركة مايس ١٩٤١ في العراق، والتي كتب عن مسبباتها ومجريات وقائعها ونتائجها الكثير، كحركة واجهت العدوان البريطاني، برغم ضآلة الامكانيات، إلا أن هذه المواجهة على الجانب الآخر مثلت قرعاً قوياً على الجدار، ألهب المشاعر القومية في الأقطار الأخرى، فالبعد القومي لحركة مايس ١٩٤١ كان له صداه عند البعثيين الأوائل. الذين تفاعلوا معها، وكتبوا واحدة من أهم مجرياتها.
ونحن، نستذكر هذه الصفحة من تاريخ العراق والأمة العربية في ذكراها الخامسة والثمانين، ونعود بالذاكرة إلى الوراء فإننا سنتذكر معها أول فعل نضالي قومي افتتح به البعثيون الأوائل سفر نضالهم، وقبل أن ينعقد المؤتمر التأسيسي في نيسان ١٩٤٧ بست سنوات، تلك هي حركة نصرة العراق، التي اتخذت شعاراً لها ” ضحي برفاهك أياماً… تضمن السعادة لأمتك أجيالاً “، حيث تطوع البعثيون الأوائل للقتال ضد العدوان البريطاني الذي طال العراق، وجمعوا الأموال، لنصرة ثوار العراق في هذه المواجهة. بين جيش فتي، وقوة عظمى في ذلك الوقت، لقد جعل هؤلاء الطليعة النجب تحيتهم ” نفدي العراق”، فالإدراك بقومية المعركة، مثل سبقاً نوعياً ومختلفاً عن الأحزاب والتنظيمات التي كانت طافية على الساحة السياسية في الوطن العربي.
هذا العمل البطولي، الذي افتتح به النضال البعثي، سيكون الصيرورة لولادة حركة البعث، كحركة قومية، لا تحدها حدود القطر الواحد الذي اصطنعته على الرمال القوى الاستعمارية، بعد الحرب العالمية الأولى، لتكتب السفر الخالد لحزب البعث العربي الاشتراكي على مدى خمسة وثمانين عاماً.
واتخذت حركة نصرة العراق دعاء لها كتبه القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق نصه:
” اللهم أنت الذي أردت أن يكون العرب أمة واحدة موحدة قوية هادية تحمل إلى العالم رسالتك، تريد اليوم أن تعيد إليهم وحدتهم وقوتهم ليؤدوا هذه الرسالة من جديد اللهم هبني قوة الإيمان وصفاء الفكر وصلابة الإرادة لأكون جندياً نافعاً فعالاً في الجهاد الذي يقوم به العراق من أجل وحدة العرب”.
هكذا كان خطاب الافتتاح للبعث قوميا، وليس قطريا، خطابا توجه به الى الأمة كلها، فماذا يعني ان ينظم البعثيون الأوائل حركة تناضل بالمال والنفس، لنصرة قطر شقيق تعرض للعدوان البريطاني الغاشم، وهم في مرحلة النشوء، فالبداية القومية الراسخة، والنظرة الشاملة لواقع الأمة العربية آنذاك، افتتح عهد البطولة الذي بشر به القائد المؤسس منذ عام ١٩٣٥.
لقد تطلعت نظرة المؤسسين الأوائل نحو أمة واحدة، ونحو جيل يحمل أعباء الرسالة، رسالة الأمة في مواجهتها لأعداء الخارج، ومعوقات الداخل، وتركة القرون العجاف، فكانت حركة نصرة العراق، امتحاناً أولياً خرج به الجيل الأول من البعثيين ظافرين، وهم بذلك يضعون أساساً صلداً لمشاركة بعثية نضالية حيثما اقتضت الضرورة وأينما تكون في أي جزء من الوطن الكبير، فكانوا وعلى رأسهم مؤسس البعث في فلسطين عام ١٩٤٨، وانتصروا لنضال الأمة في جميع أقطارها، ومازالوا على ذلك العهد الذي قطعوه على انفسهم، والحديث عن ذلك طويل ..طويل.
نعود لحركة نصرة العراق التي أريد لها أن تكون امتحاناً لتلك الصفوة من شباب الأمة الذين آمنوا بفكرة البعث، فخلق الطليعة المؤمنة القادرة على حمل أعباء النضال يقتضي دائما ان تزج في معارك الأمة، فتمتحن قدرات الإنسان الذي رأى فيه البعث، وسيلة النضال وغايته في آن واحد، هو المناضل البعثي المضحي دائما من اجل أمته. والذي لا تلهيه تجارة أو مغنم من مغانم الحياة عن أداء رسالته.
فلم يدر بخلد هؤلاء الشباب الذين ذهبوا إلى العراق في تلك الأيام من شهر مايس ١٩٤١، برغم صعوبة المواصلات، وخضوع القطر السوري للاحتلال الفرنسي الذي زج بهم في المعتقلات فور عودتهم. بعد انتهاء مهمتهم. قد أكدوا وحدة النضال القومي، وأن فعلهم النضالي سيكون مشعلا تهتدي به الأجيال اللاحقة من مناضلي البعث، هي صفحة من الإيمان والإيثار ونكران الذات، صفحة التضحية والفداء خطها البعثيون الأوائل.
تحية الذكرى العطرة والمجد لأعضاء حركة نصرة العراق..
والسلام لروح مبدعها القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق.