الموقف من إيران… من خداع الشعارات إلى ارتهان المواقف:
كيف تُستهدف القومية العربية من داخلها
❍ عثمان الحاج عمر
أمين سر قطر تونس
ليست المواقف السياسية التي نشهدها اليوم تجاه إيران وليدة اللحظة، بل هي في جانب كبير منها امتداد لأنماط اصطفاف قديمة تعود إلى مرحلة العدوان الإيراني على العراق، في ثمانينات القرن الماضي. فالقوى التي ساندت الخميني في حربه ضد العراق، هي نفسها – مع اختلاف جزئي في المبررات – التي تقف اليوم إلى جانب خامنئي.
في ذلك الوقت، تعددت الذرائع واختلفت الخلفيات الأيديولوجية، لكن النتيجة كانت واحدة: الاصطفاف ضد العراق كدولة عربية وقيادة وطنية. فقد دعم حافظ الأسد إيران تحت عنوان “ضرورة احتضان الثورة الإسلامية”، وساندت جماعات من الإخوان المسلمون خميني باعتباره قائدا “لصحوة إسلامية”، في حين تعاملت الولايات المتحدة مع الحرب كفرصة لاستنزاف الطرفين. كما انخرطت أطراف محسوبة على التيار الناصري، إلى جانب المرحوم معمر القذافي، في تأييد خميني انطلاقًا من عدائهم للشاه واعتبار أنفسهم مناهضين لأمريكا، (ولو أن العقيد القذافي استفاق في 82، وتدارك الأمر، عندما انسحب العراق من الاراضي الإيرانية ورغم اصرار الخميني على مواصلة الحرب، فقال العقيد اما وقد اصبحت حرب توسعية فلن ادعمها وتاكدت له شعوبية نظام الخميني المفعم بالعقد الفارسي على العرب والحقد المجوسي على الإسلام…)، بينما وجدت بعض القوى اليسارية في معاداة نظام صدام حسين مبررًا إضافيًا لهذا الموقف.
اليوم، يتكرر المشهد بصورة لافتة. فمع تغيّر السياقات، بقيت البنية العامة للاصطفاف على حالها: بعض الناصريين وبقايا أنصار النظام السوري يبررون دعمهم لإيران على أساس انها تحارب الولايات المتحدة، وفيهم من يذهب إلى حد التعويل على إيران حتى في تحرير فلسطين وتحقيق الوحدو العربية، (هذا إن كان هو أصلا من دعاة الوحدة العربية)… بينما تنطلق جماعات الإخوان من منطق “نصرة المسلمين”، فيما تستند قوى يسارية إلى خطاب “مناهضة الإمبريالية” والرأسمالية العالمية..و …و… فرغم اختلاف الشعارات، إلا أن المآلات تكاد تكون واحدة.
غير أن الوقوف عند حدود التوصيف العام لهذه المواقف لا يكفي، لأن ما يبدو اختلافًا في القراءة أو “سوء تقدير سياسي” يتجاوز ذلك بكثير. فنحن أمام نمط متكرر من الوعي الزائف المُنتَج بعناية، تُعاد صياغته في كل مرحلة بأقنعة جديدة، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها: ضرب فكرة القومية العربية في عمقها، وتشويه صورتها في وعي الجماهير، وتقديمها كخيار فاشل أو متجاوز.
هذه الأطراف لم تعد مجرد قوى مخطئة في التحليل، بل تحوّلت – بحكم تراكم مواقفها – إلى عبء ثقيل على أي مشروع عربي وحدوي تقدمي. فهي، عن قصد أو عن ارتهان، تشتغل على تفكيك البنية المعنوية للأمة: تزرع الشك بدل الثقة، وتروّج للهزيمة بدل الفعل، وتعيد تعريف الصراع بما يخدم قوى إقليمية على حساب المصالح العربية.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يعيش في فراغ، بل يجد له سندًا ماديًا وإعلاميًا. فمن المعروف أن إيران لم تكتفِ ببناء نفوذها عبر الأدوات العسكرية أو السياسية، بل عملت أيضًا على توظيف المال والإعلام والدعم التنظيمي، بشكل معلن أحيانًا ومقنّع أحيانًا أخرى، لاحتضان شبكات من الجماعات والفاعلين الذين يلتقون معها – موضوعيًا أو مصلحيًا – في تقويض أي مشروع عربي مستقل. هذا “الإغداق” ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصر بنيوي في صناعة الولاءات وإعادة تشكيل الخطاب.
وعندما تتقاطع الشعارات – من “مناهضة الإمبريالية” إلى “نصرة المسلمين” – مع هذا النوع من الدعم، فإنها تتحول من مواقف مبدئية إلى أدوات تبرير، تُستخدم لتغطية انحيازات فعلية تضر بالمجال العربي. وهنا تتجلى المفارقة: خطاب يبدو في ظاهره تحرريًا، لكنه في مآله يساهم في تكريس التبعية وتفتيت الإرادة العربية.
لذلك، فإن توصيف هذه القوى كـ“جزء من المشهد” لم يعد دقيقًا؛ هي في واقع الأمر جزء من الأزمة نفسها. بل يمكن القول إنها، عبر دورها المستمر في تضليل الوعي وتبرير الاختراق، أصبحت أحد العوائق الأساسية أمام أي نهوض عربي حقيقي. فالمشروع القومي التقدمي لا يُهزم فقط من خصومه المباشرين، بل يُستنزف أيضًا من داخله، حين تتسلل إليه أو تحيط به قوى تعيد إنتاج الهزيمة تحت عناوين براقة.
ومن هنا، فإن المواجهة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل معركة وعي بالأساس: وعي يميّز بين التحرر الحقيقي والتحرر المزيّف، بين الاستقلال الفعلي والارتهان المقنّع، ويعيد الاعتبار لفكرة عربية قادرة على أن تكون إطارًا جامعًا للنهوض، لا ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.