من التعاون السري إلى الصدام المُعلن:
كيف تلاقت مصالح طهران وتل أبيب ثم افترقت؟
الأستاذ الدكتور عبد الرزاق محمد الدليمي
ابتداء أود هنا التذكير ببعض المعلومات التي تفسر أسباب وقوع بعض الأحداث وفي مقدمتها الأسباب الحقيقية التي جعلت أمريكا وبريطانيا وفرنسا ومعهم اسرائيل ينقلبون على أهم عميل لهم والشرطي الوفي لهم في المنطقة (شاه إيران) وينزلوا عميلهم الجديد الخميني بالبراشوت ؟!
طلبت أمريكا وبريطانيا وفرنسا لتأمين مصالحهم الاستعمارية في المنطقة ودعماً لإسرائيل من شاه إيران ثلاثة مطالب أولها التخلص من كبار قادة الجيش في إيران وشن الحرب على العراق وتخفيض أسعار النفط في أوبك، وواضح أن الشاه محمد رضا بهلوي لم يستطع تنفيذ هذه المطالب المهمة والملحة، لذلك دعمت هذه الدول العظمى ووفرت الظروف لانطلاقة الثورة الشعبية ضد نظام صنيعتهم الشاه ولكن هذه الدول لم تكتف بذلك بل ووجهت بوصلة هذه الصورة الشعبية باتجاه خدمة مصالحها سيما بعد أن أبدى الخميني استعداده الكامل لتنفيذ الشروط الثلاث للدول العظمى التي رفض الشاه تنفيذها، ولذلك نزل خميني من طائرة الخطوط الجوية الفرنسية كما تنزل الكوارث على شعوب إيران والمنطقة فبدأ بحربه على العراق وتخلص من خلالها من كل قادة الجيش الإيراني الذين صنعهم الشاه، وخلق الفوضى في أسواق النفط العالمية، أي أن الخميني أوفى بالتزاماته تجاه أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل ؟؟!!
لذلك نؤكد أن العلاقة بين إيران بعد هيمنة الخميني على ثورة الشعوب فيها عام 1979 وإسرائيل لم تكن علاقة عداء أبداً كما تبدو اليوم بل مرت بمرحلة معقدة من التعاون البراغماتي السري لا سيما قبل وأثناء الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988). حيث تكشف فضيحة إيران–كونترا عن شبكة المصالح الخفية التي جمعت طهران وواشنطن وتل أبيب رغم الخطاب الأيديولوجي العدائي بين الأطراف الثلاثة الذي كان يملأ وسائل الإعلام؟!
في تلك المرحلة كانت إيران تعاني من عزلة دولية خانقة ونقص حاد في قطع الغيار والتسليح خصوصاً أن ترسانتها كانت تعتمد على الأسلحة الأمريكية قبل سقوط نظام الشاه.
هنا برزت إسرائيل كوسيط ومصدر أساسي لتزويد إيران بالسلاح ليس حباً في النظام الجديد بل انطلاقًا من حسابات استراتيجية بحتة.
فقد رأت تل أبيب أن العراق بقيادة صدام حسين كان يمثل التهديد الحقيقي الأكبر والأكثر إلحاحاً على أمنها القومي مقارنة بإيران المنهكة بعد الثورة أو غيرها من دول وأنظمة المنطقة على الإطلاق؟!
ضمن هذا السياق جاءت شحنات صواريخ TOW وHawk وقطع غيار الطائرات الأمريكية الصنع بالإضافة إلى قنوات اتصال سرية أدى فيها وسطاء مثل منوشهر قربانيفار أدواراً محورية. وبلغ هذا التعاون ذروته مع الزيارة السرية التي قام بها روبرت ماكفرلين إلى طهران عام 1986 في إطار صفقة تبادل أسلحة مقابل إطلاق رهائن غربيين في لبنان بدعم من إدارة رونالد ريغان.
أما من الجانب الإسرائيلي فقد عبّر آرييل شارون بوضوح عن هذه السياسة حين أكد أن بلاده تسعى إلى إبقاء النافذة مفتوحة مع إيران الملالي في إشارة إلى أن العداء المعلن للاستهلاك الدعائي لا يلغي المصالح المشتركة حين تفرضها الضرورات الجيوسياسية.
لكن هذا التعاون الضروري لم يكن مستداماً. فمع نهاية الحرب الإيرانية- العراقية وتغير موازين القوى في المنطقة سيما بعد العدوان على العراق ١٩٩١وفرض الحصار الظالم عليه بدأت التناقضات البنيوية بين الطرفين تطفو على السطح.
أول هذه التناقضات التي وظفها بمكر ودهاء الملالي هو البعد الأيديولوجي فالنظام الإيراني القائم على مبدأ تصدير الثورة وجد في العداء الإعلامي لإسرائيل ركيزة أساسية لتوسعة وشرعيته الأيديولوجية والعقائدية الداخلية والخارجية. في المقابل تنظر إسرائيل إلى إيران كتهديد وجودي (خاصة) مع تطور برنامجها النووي ودعمها لقوى إقليمية معادية وحقيقة إسرائيل لا تخشى هي وأمريكا من أن تكون إيران الملالي دولة نووية بقدر خشيتها من أن تثور الشعوب المظلومة في إيران على هذا النظام ويأتي نظام ربما ؟! يستخدم هذا السلاح ضد إسرائيل؟!
ثانياً: تغيّر ميزان التهديد، فبعد احتلال العراق وغيابه الكامل كقوة إقليمية إثر الغزو الأمريكي سنة 2003 لم يعد هناك العدو المشترك الذي يبرر التقارب غير المباشر. بل أصبحت إيران نفسها لاعباً مهيمناً في العراق وسوريا ولبنان واليمن ما وضعها في مواجهة مباشرة مع المصالح الإسرائيلية.
ثالثاً: صعود ما يُعرف كذباً بمحور المقاومة الذي تدعمه طهران والذي يشمل قوى مثل حزب الله في لبنان والمليشيات في العراق والحوثيون في اليمن والخلايا النائمة في سوريا بعد التغيير فيها … جعل الصراع مع إسرائيل أكثر مباشرة وخطورة وانتقل من كونه صراعاً غير مباشر إلى مواجهات ميدانية واستخباراتية مفتوحة وقد توضح ذلك بعمق بعد اندلاع الحرب الحالية بين أمريكا وإسرائيل من جهة وبين ملالي طهران؟!
اليوم انتقلت العلاقة بين إيران وإسرائيل من مرحلة التعاون التكتيكي السري إلى صراع استراتيجي شامل وتقاطع في المصالح؟! سيما ما كان يحكم الأمس بين أكثر المتنافسين على الهيمنة في المنطقة هو منطق المصلحة المشتركة والعدو المشترك المقلق لهما (العراق) أما اليوم فيحكمه صراع النفوذ والهوية والمستقبل للسيطرة على دول الإقليم …
ومع ذلك فإن قراءة التاريخ وخاصة تجربة إيران–كونترا تكشف أن السياسة في الشرق الأوسط بالنسبة للفرس والصهاينة لا تعرف ثوابت دائمة بل تحكمها مصالحهما والتوازنات المتغيرة التي قد تعيد رسم التحالفات في أي لحظة.