بيان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي حول الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران

القيادة القومية:

الرابح من الحرب الدائرة حالياً لن يرتد الى داخله، بل سيندفع للتوسع في الفضاء العربي

 والحاجة باتت ملحة لملء الفراغ بإطلاق المشروع القومي العربي

   

أكدت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، أن المواجهة العسكرية الدائرة بين أميركا والكيان الصهيوني من جهة والنظام الإيراني من جهة ثانية، هي مواجهة تدور في الفضاء العربي وعلى حساب الأمن القومي، وأن الرابح منها لن يرتد إلى داخله بل سيوسع نفوذه في الفضاء العربي، واعتبرت أن ملء الفراغ في الواقع العربي لا يكون إلا بإطلاق المشروع القومي العربي.

جاء ذلك في بيان للقيادة القومية فيما يلي نصه:

إن الحرب الدائرة اليوم بين التحالف الصهيو – أميركي والنظام الإيراني ليست مواجهة محدودة بين قوى متصارعة، بل هي حلقة جديدة في صراع يدور فوق أرض الوطن العربي وعلى حساب أبنائه وثرواته ومستقبله وهي لحظة تتكشف فيها بوضوح حقيقة التصادم بين مشاريع إمبراطورية وإقليمية تتزاحم جميعها فوق الجغرافيا العربية، بينما يعاني النظام العربي من حالة غير مسبوقة من التشتت والضعف.

إن الوطن العربي، لم يكن يوماً مجرد فضاء جغرافي عادي، بل كان دائماً مركزاً استراتيجياً تتحكم جغرافيته بأهم منابع الطاقة العالمية وبأهم الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها الخليج العربي ومضيق هرمز. ولهذا ظل هذا الوطن هدفاً دائماً للمشاريع الإمبراطورية التي تسعى إلى السيطرة عليه للتحكم بممراته الاستراتيجية وبمفاصل الاقتصاد العالمي، ولأجل ذلك جاء الانتشار العسكري الأميركي الواسع في المنطقة، وبناء القواعد العسكرية والأساطيل البحرية، ليس بوصفه ترتيبات أمنية مؤقتة، بل كجزء من استراتيجية بعيدة المدى لضمان بقاء القرار الاستراتيجي في هذه المنطقة تحت السيطرة الأميركية. وقد بلغ هذا المشروع ذروته مع غزو العراق سنة 2003، وهو الحدث الذي شكل نقطة الانكسار الكبرى في النظام العربي المعاصر، والذي بإسقاط الدولة العراقية جرى تدمير إحدى أهم ركائز التوازن الاستراتيجي العربي، وفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الفوضى الإقليمية.

وعليه فإن القيادة القومية للحزب تدين بشدة العربدة الأميركية وتصرف إدارتها خارج أية ضوابط قانونية أو شرعية دولية وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لقواعد النظام الدولي وتهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين ولمبدأ سيادة الدول واستقلالها، وما الاستباحة الأميركية لسيادة الدولة ومثالها الصارخ اقدامها على اختطاف رئيس دولة فنزويلا إلا مثالاً على تجاوزها لأحكام القانون الدولي والمواثيق التي تحكم العلاقات بين الدول وهو ما يدفع العالم نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

لقد تلاقى المشروع الامبراطوري الأميركي مع  المشروع الصهيوني، الذي يجسده الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة وهو  الأكثر عدوانية وتوسعية في المنطقة والذي  لم يتوقف عن ارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني خاصة  والعربي عامة ، سواء في فلسطين أو في الحروب التي شنها على لبنان وبقية الأقطار العربية إذ هو في  جوهره  يتجاوز حدود الاحتلال القائم لفلسطين ليصل إلى حدود ما يسميه  بـ “إسرائيل الكبرى”، مستفيداً من تحالفه  الاستراتيجي العميق مع التيار الذي يمثله المحافظون الجدد  في الولايات المتحدة، والذي يرى في توسع الكيان الصهيوني في المنطقة محاكاة لتصور ديني وسياسي يسعى إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم  الرؤية التلمودية .

وبموازاة هذا الخطر الذي يتمثل بدور الكيان الصهيوني كموقع متقدم  للتحالف الصهيو – استعماري في قلب الوطن العربي  برز المشروع الإيراني كمشروع مستهدفٍ للأمن القومي العربي وللهوية القومية للامة  من خلال دوره التخريبي في العديد من الأقطار العربية وهو الذي حقّق  ما لم يستطع  العدو الصهيوني تحقيقه من تفكيك في بنى بعض  الدول العربية وتحويلها إلى دول فاشلة ملاقياً ومكملاً بنتائج دوره ما لم يستطع العدو الصهيوني تحقيقه وهو ما كان ليتمكن من ذلك لولا غض نظر أميركي وصهيوني لتعميق تغوله في الواقع العربي  وتدميره للحواضر العربية وخاصة في العراق وسورية وهو  الذي جرى تغليفه  برفع  شعارات براقة تتمحور حول دعم فلسطين والمقاومة، فيما الحقيقة أن كل ما قام به في هذا الصدد إنما كان يندرج في إطار الاستثمار بالقضية الفلسطينية نظراً للمكانة التي تحتلها في الوجدان الجمعي العربي وهو الذي سرعان  ما كشف عن البعد الحقيقي لتغوله وهو  التمدد في المجال العربي واستثمار الانقسامات الطائفية والسياسية في المجتمعات العربية خدمة لأجندة أهدافه الخاصة  فضلاً عن كون  الجماهير العربية لا تنسى العلاقات التحالفية  التي كانت قائمة بين الطرفين  على قاعدة  العداء للعروبة، “وإيران غيت” ما تزال ماثلة في الأذهان وكذلك الاعترافات الرسمية الايرانية بأن احتلال أميركا للعراق ما كان لينجح لولا التعاون المباشر بين النظام الإيراني والولايات المتحدة الأميركية. 

وسط هذا الاشتباك الخطير بين المشاريع المتصارعة أصبح الوطن العربي عامة والخليج العربي خاصة في قلب العاصفة حيث أن دوله التي تمثل مركز الثقل الاقتصادي العربي أصبحت ساحة مباشرة للضغوط العسكرية والصراعات الإقليمية، خصوصاً في ظل الهجمات التي تستهدف منشآتها الحيوية أو طرق الملاحة في مياهها. وهذه الهجمات لا تحكمها خلفية استهداف القواعد العسكرية الأجنبية وحسب   بل الاستهداف الأشمل للبنى التحتية وأهداف ذات طبيعة اقتصادية ومدنية فلأجل توظيف ذلك كورقة ضغط استراتيجية في الصراع بين الأطراف المنخرطة في المواجهة العسكرية وبهدف جر هذه الدول إلى أتون الصراع الدائر، ودفعها إلى الانخراط المباشر في المواجهة العسكرية بما يفضي إلى استنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

إن إدخال دول الخليج العربي في دوامة الحرب سيؤدي في النهاية إلى إضعاف أمنها الداخلي وتعريض بناها الاقتصادية الحيوية للخطر، كما سيجعلها تتحمل أعباء صراع لا يخدم في جوهره مصالحها الوطنية بقدر ما يخدم مشاريع القوى المتصارعة على النفوذ في المنطقة.

فحين تتحول أراضي الدول العربية إلى ساحات مواجهة بين القوى الدولية والإقليمية، فإن الخاسر الأول يكون دائماً هو الأمن القومي العربي واستقرار المجتمعات العربية.

إن القيادة القومية للحزب، إذ تعتبر أن المواجهة العسكرية الدائرة بين الحلف الصهيو- أميركي والنظام الإيراني، هي مواجهة بين أطراف تحكمها خلفية العداء للأمة العربية.  فالعدو الصهيوني تخوض الأمة معه صراعاً وجودياً، والنظام الإيراني مارس سياسة العداء المكشوفة ضد العرب منذ استلام الملالي لمقاليد الحكم، ولو لم يقدم نفسه من موقع العداء للعروبة ويترجم ذلك بالمفردات العملية على المستويات السياسية والاجتماعية والأمنية، لكان وجد الأمة العربية في موقع المساند لإيران في الحرب المفتوحة التي تنخرط بها والتي لن يكون الوطن العربي بمنأى عن تأثيراتها وتداعياتها بعد تحوله إلى ساحة تتصارع فوقه المشاريع الأجنبية من دولية وإقليمية. 

وأنه بغض النظر عما ستؤول إليه الحرب الدائرة اليوم، فإن الحقيقة التي يجب أن يدركها العرب بوعي ومسؤولية هي أن الأمة تقف على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخها المعاصر. وإن جميع المشاريع المتصارعة بأطرافها الأميركية والصهيونية والإيرانية والتركية إنما تنطوي في جوهرها على مخاطر جسيمة تهدد مصالح الأمة العربية وأمنها القومي وكل طرف منخرط في هذه المواجهة يسعى إلى توسيع نفوذه داخل المجال العربي وإعادة تشكيل توازنات المنطقة بما يخدم مصالحه الخاصة.

إن القيادة القومية للحزب وفي ضوء تقديرها لأبعاد المواجهة الدائرة حالياً تعتبر أن انفجار الوضع العسكري على نطاقه الواسع قد سرّع به  مستوى الانتفاخ لأدوار القوى المنخرطة فيه ،وخاصة الدور الصهيوني بعد حرب الإبادة على غزة وتوسيع رقعة عدوانه على لبنان وسورية  مع الدعم الأميركي المطلق له، وانتفاخ الدور الإيراني الذي  أصبح عصياً على الاحتواء الأميركي مما اقتضى إعادة تحجميه بحدود ما هو مرسوم له أميركياً إما بالمواجهة  الناعمة عبر نظام العقوبات والمفاوضات حول الملف النووي والدور الإقليمي وإلا بالمواجهة الخشنة وهي التي تدور رحاها في جولة ثانية من المواجهة العسكرية  بعد جولة العام الماضي.

من هنا فإن القيادة القومية للحزب، ترى الأمة العربية معنية بهذه المواجهة بقدر الانعكاسات السلبية عليها حيث أن الرابح من هذه المواجهة لن يرتد إلى داخله، بل سيندفع ليوسع من دائرة نفوذه فيما يعتبره مجالاً حيوياً لمشروعه ونفوذه وهيمنته وهو الذي يتجسد بالفضاء العربي.

  وعليه،   فإنه وفي ضوء الخطورة المهددة للأمن القومي ما على الأمة العربية بنظامها الرسمي وقواها الشعبية  إلا  أن يكونا  في أعلى درجات اليقظة والتهيؤ لمواجهة الاحتمالات الخطرة لتداعيات هذه الحرب على أمن الأمة أياً كان الرابح فيها .وإن الخروج من هذه اللحظة التاريخية الخطيرة بأقل الخسائر الممكنة  وتدارك الانعكاسات السلبية على الأمن القومي إنما يكمن بامتلاك الأمة لمشروعها الخاص الذي يوحد قواها ويحشّد امكاناتها لملء الفراغ في الواقع القومي ، ويحول دون أن تبقى مسرحاً لتصادم المشاريع الأجنبية على أرضها وفي فضائها.

وعليه فإن القيادة القومية للحزب، ترى أن الحاجة باتت اليوم ملحة وأكثر من أي يوم مضى لإطلاق المشروع العربي الذي يضع حداً لاستباحة الوطن العربي بدءاً من خطوات جادة رسمية وشعبية تندرج تحت العناوين التالية:

أولاً: إعادة بناء منظومة الأمن القومي العربي

من خلال إنشاء إطار عربي مشترك للتنسيق العسكري والأمني يهدف إلى حماية الدول العربية من التهديدات الخارجية ومنع تحويل أراضيها إلى ساحات صراع إقليمي وهذا ما يملي تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشركة الموقعة ١٩٥٠ والتي دعا وزير خارجية مصر إلى تفعيلها والذي يجب أن يقترن بموقف حاسم برفض إقامة قواعد عسكرية أجنبية على الأرض العربية وعدم التعويل على حماية الأجنبي الذي يقايض موضوع الحماية بفرض وصايته السياسية والسيطرة على الثروات العربية الطبيعية.

ثانياً: بناء تكتل اقتصادي عربي قوي

يقوم على التكامل بين الاقتصادات العربية وربط الأسواق والموارد العربية في منظومة اقتصادية مشتركة تقلل من الاعتماد على الخارج.

ثالثاً: حماية الدولة الوطنية العربية

باعتبارها خط الدفاع الأول عن وحدة المجتمعات العربية، ومنع انهيارها أو تفككها تحت ضغط الحروب أو الصراعات الداخلية

رابعاً: تحصين المجتمعات العربية من الانقسامات الطائفية

التي استخدمتها المشاريع الخارجية كأداة لاختراق المجتمعات العربية وتفكيكها من الداخل.

خامساً: إطلاق طاقات الجماهير العربية

بوقف محاصرة ومحاربة الطاقات الجماهيرية والشعبية وإطلاق هذه الطاقات من خلال إقامة المؤسسات الديمقراطية والمجتمعات المدنية.

سادساً: استنهاض مشروع النهضة العربية

الذي يعيد الاعتبار لفكرة الوحدة العربية ويعيد بناء الوعي القومي المشترك لدى الأجيال العربية الجديدة.

إن الأمة العربية التي أنتجت أعظم الحضارات في التاريخ ليست أمة عاجزة عن استعادة دورها وما عليها إلا أن تستعيد إرادتها القومية وتبني مشروعها العربي المستقل.

 

القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

في 10-3-2026