العروبة في السودان: من سؤال الهوية إلى أفق الرسالة الخالدة
قراءة واستعراض لمحاضرة المؤرخ محمد عبد الرحيم (العروبة في السودان: 1935 م)
م. عادل خلف الله أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
تستند هذه القراءة إلى محاضرة (العروبة في السودان) للمؤرخ محمد عبد الرحيم، وهي من النصوص الفكرية التي كُتبت في سياق مبكر من تشكّل الدولة الوطنية السودانية، حين كان سؤال الهوية يُطرح بوصفه مسألة بناء وتكامل، لا صراع وتشكيك وازدراء وإقصاء. ويُعدّ صاحب المحاضرة من الأصوات التي تعاملت مع العروبة في السودان بوصفها ظاهرة تاريخية–اجتماعية – ثقافية، لا شعارًا أيديولوجيًا أو سياسياُ، وهو ما منح نصه قيمة تحليلية تتجاوز زمن كتابته.
ولا تهدف هذه القراءة إلى تلخيص المحاضرة أو إعادة إنتاجها، بل إلى قراءتها قراءة نقدية معاصرة، تستخرج بنيتها العميقة، وتعيد وصلها بالأسئلة الراهنة حول الهوية، والدولة، والمصير القومي العربي والافريقي، في ضوء ما آل إليه الواقع السوداني والعربي والافريقي.
منهجيًا، لا تتعامل هذه القراءة مع محاضرة المؤرخ محمد عبد الرحيم بوصفها وثيقة تاريخية تُستعاد حرفيًا، ولا نصًا يُقاس بمعايير لحظته الزمنية فحسب، بل كنصٍّ مفتوح على التأويل والتحليل وإعادة الوصل بالسياق الراهن. فالغاية هنا ليست التوثيق أو التأريخ، وإنما تفكيك البنية المفهومية العميقة للمحاضرة، واختبار صلاحيتها التفسيرية في ضوء التحولات التي عرفها السودان والوطن العربي لاحقًا. ومن هذا المنطلق، فإن القراءة لا تُنطق النص باسم الحاضر، ولا تُسقط عليه تصورات خارجية قسرًا، بل تُنصت إليه بوصفه لحظة فكرية قادرة على محاورة واقع لم يكن قد تَشكّل بعد.
1. طبيعة النص(المحاضرة) وسياقه الفكري:
تنتمي محاضرة المؤرخ محمد عبد الرحيم إلى مرحلة فكرية كان فيها سؤال الهوية في السودان يُطرح من داخل أفق بناء الدولة الوطنية، لا من موقع القطيعة أو العداء للذات. لذلك لا يتعامل النص (المحاضرة) مع العروبة بوصفها شعارًا سياسيًا أو تصوراً أيديولوجيًا، بل باعتبارها حصيلة تاريخ طويل من التفاعل الإنساني بين مكونات المكان والزمان واللغة والدين والمجتمع. ومن هنا، فإن المحاضرة لا تنشغل بالسؤال السطحي الذي يطرحه البعض: هل السودان عربي أم لا؟ بل تذهب مباشرة إلى السؤال الجوهري: كيف تشكّلت العروبة في السودان، وبأي معنى يمكن فهمها تاريخيًا؟ وهذا الانتقال من منطق التصنيف إلى منطق التشكّل يمثّل في حد ذاته تقدّمًا معرفيًا واضحًا، مجيبا على من نحن وماذا نريد وما علاقتنا بالمحيط الانساني، الأسئلة التي تؤطر معنى الهوية، ويضع النص (المحاضرة)، في موقع فكري ومعرفي متقدّم مقارنة بالسجالات الهوياتية، اللاحقة له والمعاصرة. بهذا المعنى، تحولت العروبة السودانية إلى محرّك لدورة حضارية منفتحة على المستقبل، لا إطارًا مغلقًا على الماضي.
2. الجغرافيا كأساس للهوية لا كخلفية محايدة:
لا يبدأ المؤلف بسؤال الهوية، بل بسؤال المكان: أين يمتد السودان؟ وكيف شكّلت طبيعته شخصيته؟ يصف ببراعة: وادي النيل أي ضفافه فأرض خضراء ذات أخذيد وهي أشبه شيء بأراضي القطر المصري، أما الأراضي الغربية فكثيرة الكثبان الرملية وتكثر الجبال في جنوب كردفان. لكن الجغرافيا عنده ليست مجرد وصف، إنها حُجّة تاريخية. فالسودان لم يكن معزولاً حيث :
أ. طريق الأربعين (١٠٨٠ ميلاً من أسيوط إلى الفاشر) كان شرياناً تجارياً منذ عهد الليبيين،
ب. البحر الأحمر والبحر العربي ونهر النيل روافد تواصل مع العالم العربي،
ت. الموقع جعله ملتقى هجرات من الجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقيا.
هنا تُفهم العروبة كامتداد طبيعي ل (الجوار ولصق الدار بالدار)، كما يصف (المؤرخ) العلاقة مع مصر.
كما ينطلق المؤلف من المكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في التاريخ، لا مجرد إطار محايد. فيستعرض الحدود، والأنهار، والمناخ، وطرق القوافل، ونهر النيل تحديدًا بوصفه شريان تواصل حضاري لا خط فاصل. ومن خلال هذه المقاربة، يبيّن أن السودان لم يكن يومًا معزولًا عن محيطه العربي والافريقي، بل كان جزءًا عضويًا من فضائه الحيوي. بالتالي فالجغرافيا هنا تتحوّل من وصف إلى حُجّة: (فالمكان الذي شكّل تاريخيًا ملتقى العرب والأفارقة، وممرًا للتجارة والهجرات والثقافات، لا يمكن فهم هويته بمنطق النقاء أو الأحادية، بل بمنطق التفاعل والتراكب).
كما يجدر التنبيه إلى أن السؤال الشائع (هل السودان عربي أم أفريقي؟)، ليس سؤالًا بريئًا في نشأته، بل هو في أحد جذوره نتاج لعملية إعادة هندسة استعمارية للفضاءات الحضارية. فقد عملت القوى الاستعمارية، وفق تقسيماتها لرسم الخرائط والحدود الإدارية والمعرفية والاقتصادية، على تفكيك المجال العربي–الإفريقي المتداخل، وإعادة تعريف العروبة بوصفها هوية عرقية مغلقة، والأفريقانية بوصفها نقيضًا ثقافيًا مقابلا لها.
ومن هذا المنظور، فإن أهمية محاضرة المؤرخ محمد عبد الرحيم لا تكمن فقط في إجاباتها، بل في تجاوزها الضمني لهذا السؤال الاختزالي ذاته، وانتقالها من منطق التصنيف والتضاد الثنائي، إلى منطق التشكّل التاريخي، وهو انتقال سبق في جوهره كثيرًا من أطروحات ما بعد الاستعمار المعاصرة.
3. الهجرة والاختلاط: (تفكيك أسطورة (العروبة العرقية)):
في هذا السياق، تتناول المحاضرة هجرة العرب إلى السودان (القديمة والحديثة) لا بوصفها غزوًا أو إحلالًا، بل تسللًا تاريخيًا سلميًا تم عبر المصاهرة، والتجارة، والدعوة الدينية، والتعايش طويل الأمد. ومن هنا تتشكّل إحدى أهم أطروحات المحاضرة: (العروبة في السودان تشكّلت بالاختلاط لا بالإحلال وبالتفاعل لا الإلغاء). ويستعرض ذلك عبر:
أ. الهجرة التاريخية: (القديمة والحديثة): هجرات ما قبل الإسلام إلى الحبشة والسواحل، وبعد الفتح الإسلامي لمصر (٢٠ هـ) وانتشار العرب في الصعيد، وأهم القبائل المهاجرة: ربيعة ومضر وجهينة وقليل من بني هاشم، حيث يقول المقرّي: (كانت تحمل إليهم المؤن على ٦٠ ألف جمل) .
ب. آليات الاندماج السلمي، والمتمثلة في (المصاهرة، والدين، حيث انتشر الإسلام عبر الطرق الصوفية (القادرية، السمانية، الختمية)، واللغة العربية حيث أصبحت لغة الدين والإدارة والتجارة، والثقافة، والتخاطب، والصلوات والادعية، والتواصل، والمخاطبات، حيث تبنّت الأخلاق العربية في الكرم والشجاعة والوفاء، في المقابل، ظلّت العروبة عاملًا توحيديًا، على النقيض من نزعات شعبوية ونخبوية فوقية تنطلق من تصورات قاصرة وذاتية، تشكك في انتماء السودان القومي وفق تصورات ذاتية للعروبة والأفريقانية على حد سواء.
ت. التنوع الداخلي: يسرد المؤلف ١٠٤ قبيلة عربية بالسودان، لكلّها جذور عربية معروفة. وهو يؤكد على : تنقسم القبائل في السودان إلى ستة أقسام وهي الزنوج والنوبة والبتدون والبيبوني والعرب والخليطون. وهذا اعتراف صريح بالتنوع.
وبهذه الفكرة، ينسف النص (المحاضرة)الأساس النظري للخطاب الذي يختزل العروبة في الدم أو النسب، غض النظر عن مصدره، وهو الخطاب الذي تستثمره سياسياً اليوم الفئات المناهضة للفكر القومي وللوحدة الوطنية، وللتنمية المتوازنة، بتصويرها العروبة كهوية إقصائية بطبيعتها، وبكسل فكرى عاجز عن تقديم دفوعات يسندها منطق تاريخي وافق مستقبلي.
وإذا كان النص (المحاضرة) ينجح في تفكيك أساس التصور العرقي للعروبة، كما أسهم هذا الفهم في هدم احتكار تعريف الهوية تعريفًا ضيقًا يتناقض مع حقيقتها الحضارية وجوهرها الإنساني التفاعلي، عربيةً كانت أم إفريقية، فإنه يفتح – من حيث لا يصرّح – الباب أمام مساءلة الخطاب المضاد الذي يسعى إلى نفي العروبة باسم (الأفريقانية الخالصة). فهذا الخطاب، رغم ادّعائه التحرر من الإرث الإقصائي، يقع في الفخ المنهجي ذاته حين يستبدل اختزالًا باختزال، بالانطلاق من موقف مسبق يحوّل الهوية إلى معادلة دم ونسب مناقضة لصيرورة تاريخ السودان الفعلي ودورته الحضارية. بالتالي فإن الأفريقانية الإقصائية لا تمثّل نقيضًا للعروبة العرقية، بل مرآتها المعكوسة، إذ تعتمد المنطق نفسه في تعريف الذات عبر النقاء والقطيعة، لا عبر التفاعل والتراكم. وبذلك، فإن الصراع بين هذين الخطابين لا يدور حول جوهر الهوية، بل حول احتكار تعريفها.
يجد هذا المعنى صداه في حديث الأستاذ ميشيل عفلق ولقاءه بوفد الحزب الاتحادي الديمقراطي: (الوطنية السودانية هي العروبة، والعروبة السودانية هي الإسلام في جوهره)، بما يشير إلى خصوصية العروبة والإسلام وتلازمهما في التجربة السودانية. فهي عروبةٌ ذات طابع خاص، وإسلامٌ تشكّل داخل سياقٍ ثقافي واجتماعي مميّز، لا نسخة مكررة من تجارب أخرى.
4. السودان والبعد القومي الطبيعي:
وانطلاقًا من هذا التشكّل التاريخي، ينتقل النص (المحاضرة)، ضمنيًا إلى بعد أوسع: وهو البعد القومي. فالسودان، تاريخيًا، ليس قطرًا هامشيًا أو منعزلاً في المجال العربي والافريقي، بل فضاءً تفاعليًا شكّل مع مصر والجزيرة العربية وادي النيل والبحر الأحمر والهضبة الأثيوبية أحد أقدم محاور التواصل القومي والتفاعل.
ومن هذا المنظور، فإن انتماء السودان إلى المشروع القومي العربي والافريقي، لا يُفهم بوصفه خيارًا أيديولوجيًا لاحقًا، بل باعتباره امتدادًا لواقع تاريخي– حضاري – ثقافي- جغرافي سبق نشوء الدولة القطرية الحديثة. ووفق الرؤية القومية، لا تُناقَض القطرية مع الانتماء القومي، بل تُفهم كأحد أشكال تحقّقه التاريخي والمستقبلي. فالسودان لا يُقاس بعروبته بمدى تجانسه ونقاءه العرقي، بل بوظيفته القومية وموقعه في المجال الحضاري العربي والافريقي القاري الأوسع.
من جانب آخر يقدّم المؤلف رؤية ثاقبة للعلاقة مع مصر، لا كعلاقة حكم مركزي، بل كوشائج تاريخية:
أ. القبائل المشتركة (جهينة، قريش، بنو سليم)،
ب. هدايا ملوك سنار إلى شيوخ الأزهر،
ت. مراسلات سلاطين دارفور مع خديوي مصر،
ث. قصيدة التيجاني يوسف بشير: (كل من أنكروا ثقافة مصر كنت من صنعها يراعاً وفكراً).
بل ينتقد الكتب المصرية التي تدرس صورة سكان وادي النيل (كزنوج عراة فقط)، مطالباً بتصحيح هذه الصورة النمطية.
5. اللغة العربية: (من أداة تواصل إلى وعاء هوية):
في هذا الإطار، يولي النص (المحاضرة)، اللغة العربية مكانة مركزية، لا بوصفها لغة رسمية فحسب، بل باعتبارها وعاءً للوعي الجمعي. فقد أصبحت العربية لغة الإدارة، والأدب، والتواصل العام، والمعاملات ، وجمعت جماعات متعددة الأصول داخل أفق ثقافي مشترك. وهنا تبرز نقطة محورية في الحالة السودانية: (اللغة، لا العرق، هي المعيار الأصدق للعروبة في التجربة التاريخية). لكونها انتماء ثقافي وحضاري طوعي.
وتتجاوز وظيفة اللغة العربية في التجربة السودانية كونها وعاءً للهوية إلى كونها أداة للتحرر المعرفي والتاريخي. فمن خلالها انفتح السودان على المجالين الإسلامي والافريقي الأوسعين، وشارك في إنتاج المعرفة الدينية والأدبية والثقافية والعلمية، وتشكّل وعيه الحديث في مواجهة الاستعمار. بهذا المعنى، لم تكن العربية لغة التواصل والمعارف والتعايش فحسب، بل لغة مقاومة وتعبير ونضال مشترك، استخدمها السودانيون في إعادة تعريف ذواتهم، وصياغة خطابهم الوطني، والانخراط في فضاء ثقافي يتجاوز الحدود القطرية الضيقة.
يخصّص المؤلف فصلاً للغة، فيذكر حقيقة مهمة: كل القبائل العربية تتكلم العربية (ماعدا سبع قبائل (تأثرت ببيئتها المحلية. لكنه يضيف فكرة جوهرية: العربية لم تمحُ اللغات المحلية. فالنوبيون في الشمال، والبتدون في الغرب، حافظوا على لغاتهم مع تعلّمهم العربية. وهذا لا ينفي العروبة، بل يؤكد طبيعتها التفاعلية غير الإلغائية. فالأدب السوداني خير شاهد على هذا التداخل: الشعر القومي (كالزجل المصري) كان أبلغ أثراً في النفوس من الأدب العربي الفصيح، وكذلك قصيدة بنت المكاوي التي تحرض المهدي على الثورة، إضافة الى الأمثال الشعبية التي تجسّد (شرعة الخاطر وحسن الإلهامة بالمواضيع).
6. العروبة واللغات(اللهجات) المحلية: (وحدة بلا صهر قسري):
يثار هنا سؤال مشروع: إذا كانت العروبة قد تشكّلت في السودان، فلماذا لم تنصهر اللغات المحلية، خاصة في الأطراف، داخل اللغة العربية؟ والإجابة تكمن في طبيعة العروبة نفسها كما تشكّلت تاريخيًا في السودان. فالعروبة لم تكن مشروع صهر قسري، ولا سياسة دولة مركزية لطمس الخصوصيات، كما انتهجت ذلك فرنسا في مستعمراتها في المغرب العربي والعديد من الدول الافريقية كمثال، بل إطارًا ثقافيًا واجتماعياً عامًا أدّت فيه العربية وظيفة اللغة الجامعة، بينما احتفظت اللغات و (اللهجات) المحلية بوظائفها داخل مجتمعاتها الخاصة. وهذا لا يدل على ضعف العربية وعجز العروبة، بل على طابعها التفاعلي الاستيعابي غير الإلغائي. فالهوية العربية، تاريخيًا، لم تشترط محو التعدّد والتنوع، بل تنظيمه داخل فضاء حضاري مشترك. أو ما أستقر بالتنوع في إطار الوحدة، كما أسهمت صيرورةٌ حضاريةٌ وثقافيةٌ طويلة المدي، وتفاعلٌ ممتدّ عبر النفس التاريخي، في تهيئة الواقع السوداني والانسان السوداني، روحيًا وذهنيا لتقبّل رسالة الإسلام وانتقاله من المسيحية. وفي هذا السياق، جاءت العروبة في السودان منسجمةً مع حقيقتها بوصفها حاملةً لقيمٍ إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون انتماءً لغويًا أو ثقافيًا. ويُجسّد هذا المعنى بقاء المعالم المسيحية والكنائس في شمال السودان، ككنيسة دنقلا العجوز، دون المساس بمحتوياتها حتى طمرتها الرمال، وما نُقل عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وصاياه للجيوش وقادتها: (لا تقتلوا شيخًا ولا امرأةً ولا طفلًا، ولا تهدموا بيتًا، ولا تقطعوا شجرة، ولا تزلوا كريم قوم…). فهي قيمٌ ظلّت ملازمة لانتشار الإسلام عبر العروبة، حيث حافظت الرسالة على الموروث الحضاري والثقافي للشعوب التي بلغتها، ولم تسعَ إلى محوه أو إلغائه، بل إلى إدخاله في أفقٍ أخلاقيٍ أوسع. كما لم تكن العروبة في السودان توجه إلغاء، بل مسار تفاعلٍ وأخذٍ وعطاء؛ فقد أخذت لغات محلية العديد من مفرداتٍ اللغة العربية وقوالبها، كما استوعبت اللغة العربية بدورها العديد من مفردات اللغات السودانية القديمة والمحلية، يمكن مراجعة ذلك بتوسع في كتاب الاستاذ عون الشريف قاسم. وتظهر آثار هذا التفاعل فيما يعرف باللغة السواحلية في عدد من الدول الافريقية وسواحلها، وفي جنوب السودان، بما أطلق عليه (عربي جوبا).
والمفارقة أن بعض الطاعنين في عروبة السودان – والمفارقة من مشارب مختلفة متأسلميين وماركسيين وليبراليين – لم يكتفوا بالتعبير عن ذلك بكتاباتٍ عجولة تفتقر الاساس العلمي الموضوعي، بل أسهمت تصوراتهم تلك في تغذية توجهات رافقت نشأة فصائل مسلحة بمختلف تشكيلاتها، تلتقي في تصوير الصراع الدائر منذ نيل السودان استقلاله السياسي بصراع هويات في ثنائيات اختزالية، شمال في مواجهة جنوب، وعروبة مقابل افريقانية، واسلام في مواجهة مسيحية، وغرب في مواجهة بحر، مع أن هوية أي شعب لا تُفرض قسرًا ولمجرد الرغبة، كما أنها لا تُمحى بالسلاح ولمجرد التشكيك. لكونها ببساطة صيرورة وحقيقة موضوعية ليست قابلة للتسييس.
7. الإسلام كإطار حضاري جامع:
أما الإسلام، فيقدّمه النص (المحاضرة)، لا كعنصر عقدي مجرد، بل كبنية قيمية وأخلاقية أعادت تنظيم المجتمع السوداني، وربطته بالمجال العربي–الإسلامي الأوسع. فالإسلام لم يُلغِ الخصوصيات المحلية، بل استوعبها داخل أفق حضاري مشترك، وهو ما يفسّر خصوصية التجربة الدينية السودانية. كما يقدم المؤلف الإسلام ليس كعقيدة مجردة، بل كبنية قيمية أعادت تنظيم المجتمع في 🙁 انتشار المذهب المالكي، ودور المعاهد الدينية (معهد أم درمان العلمي ونوري والدامر…)، والتصوف السوداني بطرقه المختلفة، كذلك المساجد كمراكز حضارية (جامع الفاشر الجديد). لكن الإسلام السوداني امتزج بالخصوصية المحلية، كما يظهر في: (الخرافات التي ذكرها: المشاهرة، المعرفية، المعالجة بالتمائم بالإضافة الى عادات المرأة في اللباس والحلي والوشم (الشلوخ) والطقوس المرتبطة بالولادة والزواج، وكذلك في العقلية السودانية التي تجمع بين (سرعة الخاطر وحلوله التكية).
8. العقلية السودانية، الزعامة، والصراعات:
وعندما يناقش النص (المحاضرة)، قضايا الزعامة، والحروب الأهلية، والبنية الاجتماعية، فإنه لا يفعل ذلك لتجريم العروبة، بل لتأكيد أن أزمة السودان ليست أزمة هوية، بل أزمة إدارة سياسية واقتصادية واجتماعية للتنوّع في إطار الوحدة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فالعروبة لم تُنتج الصراع، بل غياب المشروع الوطني الجامع هو الذي حوّل التنوّع إلى أداة استقطاب واستقطاب مضاد. بالتالي تكتسب هذه القراءة أهميتها الراهنة في لحظة سودانية مأزومة، تتداخل فيها الحرب العبثية مع انهيار السرديات الوطنية الجامعة. ففي أزمنة التفكك وانحسار وظيفة الدولة، تميل المجتمعات إلى البحث عن هويات بديلة مغلقة، لا بوصفها أدوات تحرر وانعتاق، بل كملاذات نفسية من الفوضى. ومن هنا، فإن إنكار العروبة من لدن تلك النخب اليوم، أو تحميلها مسؤولية الانهيار، لا يمثّل بالضرورة نقد موضوعي جذري، بل رد فعل على أحد أعراض الفراغ السياسي والسردي الذي خلّفه غياب المشروع الوطني إن لم يكن ضعفاً في الاساس الفكري والتحليلي. وفي هذا السياق، تُعيد محاضرة المؤرخ محمد عبد الرحيم – عبر قراءتها المعاصرة – الاعتبار لفهم مركّب للهوية، لا يهرب من التاريخ، ولا يحمله رغباته، ولا يتبرأ من التعدّد، وينظر الي المستقبل.
غير أن تحميل العروبة وزر الصراعات السودانية يمثّل، في جوهره، إسقاطًا نظريًا غير دقيق. فالعروبة، كما تشكّلت تاريخيًا في السودان، لم تكن مشروع دولة مركزية ولا أيديولوجيا قهر، بل نتاج تفاعل اجتماعي طويل الأمد سابق على نشوء الدولة الحديثة ذاتها.
إن ما فشل في السودان ليس العروبة بوصفها إطارًا حضاريًا، بل القوى السياسية والاجتماعية التي تسيدت المشهد ومسئولية الدولة الحديثة، بوصفها أداة إدارة للتنوّع وتوطين الديمقراطية التعددية وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية صيانة حقوق الأنسان. فهذه الدولة أعادت إنتاج هوية سياسية فوقية مختزلة، واستخدمت بعض عناصر العروبة – اللغة أو الانتماء الرمزي – كوسائل للشرعنة السياسية، لا كمكوّنات اندماجية. وبهذا المعنى، فإن العروبة لم تُنتج الصراع، بل جرى توظيفها ضمن نموذج سلطوي فشل في بناء عقد اجتماعي جامع.
إن إدانة الهوية، أي هوية، بسبب ممارسات السلطة لا تختلف، من حيث المنهج، خضعت العروبة في السودان – شأنها شأن الدين، وكثير من الشعارات والمفاهيم كالديمقراطية والاشتراكية والوحدة وتقرير المصير والتنمية – لعمليات تزييف وتشويه على أيدي بعض من دعاتها والمنادين بها، عبر تأويلات وممارسات ابتعدت عن جوهر هذه الشعارات والمفاهيم وتناقضت مع مقاصدها الأصلية نظرياً ومن خلال الممارسة، سواء في السلطة أو المعارضة.
9. القيمة المعاصرة للنص (المحاضرة):
على الرغم من أن المحاضرة كُتبت في سياق تاريخي مختلف، إلا أنها ما تزال تقدّم أساسًا فكريًا متينًا لفهم العروبة السودانية، وترفض القراءات التبسيطية والعنصرية أو الإنكارية، وتصلح اليوم كمرجعية في معركة الوعي، شرط إعادة صياغتها بلغة معاصرة تُخاطب المتشكك لا المقتنع سلفًا. فوق أنها مرجعاً قيماً للدارسين لم تجد حظها من التناول.
غير أن القيمة المعاصرة لهذا النص(المحاضرة)، لا تقتصر على إعادة فتح سؤال العروبة في السودان فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى ما يتيحه من إمكانية لفهم مأزق الهوية في الوطن العربي برمّته. فالأزمات التي تفجّرت في السودان خلال العقود الأخيرة لا يمكن فصلها عن المسار العام لتفكك الدولة القطرية العربية، ضمن مشروع تقسيم المقسم المطروح منذ 1971 علناً. ولا عن التحولات البنيوية التي أصابت المشروع القومي، وفتحت المجال أمام تدخلات خارجية وسرديات تفكيكية تستهدف الوعي القومي والهوية العربية في جوهرها. ومن هنا، يصبح الانتقال من الحالة السودانية إلى المشهد العربي الافريقي الأوسع انتقالًا تحليليًا ضروريًا، لا توسعًا خطابيًا.
10. تفكك الدولة القطرية العربية ومحاولات محو الهوية: (قراءة بعثية للحظة الراهنة):
لا يمكن قراءة سؤال العروبة في السودان بمعزل عن السياق العربي والافريقي الأوسع، حيث تشهد العديد من الأقطار العربية اليوم حالة غير مسبوقة من التفكك والانقسام، لم تعد تُفسَّر فقط بإخفاقات الدولة القطرية، بل بتعرّض الهوية العربية نفسها لهجوم ضارى منظّم ومتعدد المستويات. فالمشهد العربي الراهن هو مشهد أقطار منهكة، وحدود رخوة، وسرديات وطنية متآكلة، في مقابل تمدد مشاريع إقليمية توسعية معادية تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة على أسس ما دون القومية والوطنية، طائفية أو مذهبية او جهوية. ليسهل غضمها او هضمها.
في هذا السياق، يتقدّم المشروع الصهيوني بوصفه رأس الحربة في تفكيك الوطن العربي، ومحو الهوية الفلسطينية والعربية على حد السواء، لا عبر الاحتلال الاستيطاني العسكري فحسب، بل عبر ضرب الوعي والذاكرة والهوية، كما يتجلّى بوضوح في فلسطين، حيث لا يُستهدف الإنسان والأرض والتاريخ فقط، بل يُستهدف المعنى العربي ذاته. وبالتوازي، يعمل المشروع الفارسي التوسعي على اختراق البنية العربية من داخلها، مستثمرًا في الطائفية التي صنعها، وإعادة تعريف الانتماء على أساس مذهبي لا وطني، كما في الأحواز العربية، والعراق، وسوريا، واليمن، والحبل على الجرار. وبالتوازي مع النزوع العثماني الجديد لتركيا، كما يتجلى في سوريا وشمال العراق وليبيا. جنبا الي جنب التدخلات الامريكية والغربية.
ولا يقتصر هذا الاستهداف على المشرق، بل يمتد إلى السودان وأقطار المغرب العربي، حيث تُعاد صياغة أسئلة الهوية بمنطق القطيعة مع العروبة، لا بدافع النقد العلمي، بل في كثير من الأحيان بوصفها استجابة غير واعية لمشاريع تفكيك أوسع. وهنا تصبح العروبة متَّهمة بهذا التوجه، في اقطارها، بينما تُستباح جغرافيتها وتاريخها لصالح سرديات مصنوعة. كما أن من المنظور البعثي، لا تُفهم هذه الأزمة بوصفها أزمة هوية ثقافية فحسب، بل بوصفها إفرازات مشروع حضاري عربي تعرّض للتشظي بعد إجهاض تجربة الوحدة والاطباق على فرص تجديدها، وإضعاف ارادة التحرر، بالعدوان والحصار الفلسطيني واسقاط تجربة الحكم الوطني باحتلال العراق، وتفريغ العدالة الاجتماعية من مضمونها الاقتصادي والاجتماعي. فحين غابت الوحدة، تحوّلت الأقطار إلى ساحات مستباحة؛ وحين أطبق على التحرر، أفرط في التبعية والالحاق والتطبيع؛ وحين غابت العدالة الاجتماعية، انفجرت التناقضات الداخلية وتوالدت المليشيات.
إن مواجهة هذا الوضع العربي الراهن لا تكون بالانكفاء الهويّاتي، ولا بإنكار العروبة، بل بإعادة بنائها بوصفها مشروعًا تحرريًا جامعًا، يستند إلى وعي تاريخي، ووحدة ثقافية، ونضال سياسي، ومصير مشترك، وعدالة اجتماعية. فالعروبة، في جوهرها، كما سلف، ليست ادّعاءً عرقيًا ولا شعارًا عاطفيًا، بل إطار نضالي مفتوح واستعداد دائم، تتجسّد فيه إرادة الأمة العربية وقواها الحية وطلائعها في التحرر والوحدة والديمقراطية والتعددية والتقدم وحقوق الانسان، وتُقاس صدقيتها بقدرتها على حماية الوجود والأمن القومي العربي والقوميات المتآخية معه، وصون كرامته، واستعادة دوره في صنع التاريخ والتحرر الإنساني.
الخاتمة:
إن قراءة العروبة في السودان، كما قدّمها المؤرخ محمد عبد الرحيم وكما أعادت هذه القراءة تفكيكها، لا تنتمي إلى أرشيف الماضي، ولا تُكتب بدافع الحماس الأيديولوجي والسياسي، بل تُستعاد بوصفها سؤالًا حيًا عن المعنى والحاضر والمستقبل والمصير. فالعروبة هنا لا تُفهم كهوية جاهزة تُمنح أو تُسحب، بل معطي موضوعي وكعملية تاريخية مفتوحة، تشكّلت عبر الجغرافيا، واللغة، والنضال والمصير والمصالح والتفاعل الإنساني الطويل، وتعرّضت – شأنها شأن الأمة كلها وامهات الشعارات – لمحاولات التشويه والتفكيك حين غاب المشروع الجامع واشتدت الهجمات المعادية.
إن مأزق السودان، كما مأزق الأقطار العربية كافة، والعديد من بلدان الدول الاقل نمواً، ليس في عروبته، ولا في التنوع الثقافي، بل في غياب الدولة الوطنية المدنية القادرة على إدارة هذا التنوع ضمن الوحدة، وداخل أفق قومي تحرري. فحين تغيب الوحدة، يتحوّل التنوع إلى انقسام وتضاد داخلي، وحين يغيب العدل والمساواة، تُستدعى الهويات الفرعية بوصفها بدائل هشّة عن المواطنة، وحين يغيب المشروع القومي، تصبح الهوية ساحة صراع بدل أن تكون مصدر قوة وحصانة.
ومن هذا المنظور، تكتسب العروبة معناها الحقيقي لا بوصفها نفيًا للآخر، بل بوصفها الإطار التاريخي الوحيد القادر على استيعاب التنوع، وصون الخصوصيات، واحترام الحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وربط الأقطار العربية في مشروع تكامل ووحدة وعدالة اجتماعية. إنها عروبة النضال والعمل لا الانهزام والادّعاء، والمصير المشترك لا النسب، والوعي الجمعي لا الإقصاء والتفرد.
هكذا، لا تعود قراءة العروبة في السودان تمرينًا في التعريف أو التصنيف، بل فعلًا نقديًا يستعيد المعنى القومي في لحظة عربية ووطنية وإنسانية مأزومة، ويعيد طرح السؤال الجوهري: كيف نعيد بناء الدولة، ومعنى الهوية، والمشروع، في آنٍ واحد؟ ذلك أن مستقبل السودان، كما مستقبل الأمة العربية، والإنسانية، لن يُحسم بالهروب من العروبة، والاستسلام لمواجهة الهيمنة، بل بإعادة بنائها في دولة الرعاية والكفاية المدنية، على اسس الديمقراطية والحرية، والوحدة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة باعتبارها شروط الحياة الكريمة، ومعايير النهوض، وأفق المستقبل المفتوح.
وفي هذا الأفق، تكتسب الرسالة الخالدة للامة العربية معناها العميق، لا بوصفها عقيدة حزبية مغلقة، بل باعتبارها تعبيرًا عن حاجة تاريخية مستمرة في حياة الأمة العربية. فهي رسالة لا تُختزل في شعار، ولا تُقاس بلحظة سياسية عابرة، بل تقوم على وعيٍ جدلي يرى في العروبة رابطة حضارية، وفي الوحدة شرطًا للتحرر، وفي الاشتراكية ضمانًا للعدالة الاجتماعية، وفي الإيمان بالقيم الروحية أساسًا أخلاقيًا للنهوض الإنساني.
إن خلود هذه الرسالة لا ينبع من ادّعاء العصمة، بل من قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها في كل مرحلة تاريخية، عبر قراءة الواقع واستيعابه بقراءة نقدية معاصرة، والانحياز للإنسان العربي في كرامته وحريته وحقه في المستقبل. ومن هنا، لا تُطرح العروبة في السودان – ولا في غيره من الأقطار – كهوية ساكنة، بل كجزء من مشروع تحرري مفتوح، يجد في الرسالة الخالدة إطارًا فكريًا وأخلاقياً جامعًا يربط بين الخصوصية الوطنية والمصير القومي، وبين الماضي والتراث والراهن، وبين الإيمان بالهوية والعمل على تحويلها إلى قوة تغيير وطاقة ايجابية موحدة. بذلك، تصبح الرسالة الخالدة ليست مجرد استدعاء للماضي، بل انتماء للحاضر والتزامًا بالمستقبل؛ مستقبلٍ تُعاد فيه صياغة الدولة على أسس مدنية، وتُدار فيه التعددية ضمن وحدة ديمقراطية، ويُستعاد فيه المعنى القومي بوصفه أفقًا للتحرر، لا قيدًا على التنوع، ومشروعًا للحياة، لا خطابًا للتعبئة العابرة. ومن هذا المنظور، لا تعود قراءة العروبة في السودان تمرينًا في الماضي، بل تدريبا لوعينا بحاضر السودان، ضمن سياق مستقبل الأمة العربية، والوحدة الأفريقية والمصير الإنساني.