الانتخابات العراقية، النتيجة الحتمية لفسادٍ متحكم

الانتخابات العراقية، النتيجة الحتمية لفسادٍ متحكم

ناصر الحريري

 

 

 

يقدم الواقع العراقي الحالي حالة معقدة تجمع بين ثلاثة مستويات من الفشل المركب، النظام السياسي، البنية الاقتصادية، الخدمات الاجتماعية.

ولفهم هذا الواقع بموضوعية، يتطلب التمييز بين الملاحظات الواقعية والتفسيرات السببية.

 

أولاً: واقع النظام السياسي والمحاصصة الطائفية

يقع العراق في المرتبة 140 من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد الدولي لعام 2024، محققاً 26 نقطة فقط من أصل 100. هذا الترتيب ليس مجرد رقم إحصائي، بل يعكس بنية نظام سياسي تعتمد بشكل أساسي على المحاصصة الطائفية.

تم تصميم النظام السياسي الحالي بعد احتلال العراق سنة 2003 على أساس توزيع المواقع السياسية وفقاً للانتماءات الطائفية والعرقية، وليس على أساس الكفاءة أو البرامج الاقتصادية والتنموية. النتيجة المباشرة:

غياب الرقابة الفعلية: البرلمان لا يستطيع محاسبة الوزراء والمسؤولين لأنهم يملكون حمايات حزبية وطائفية. هذا يعني أن الفساد يستمر بلا حساب، وأن المسؤولية تُذوب في شبكات المصالح الجماعية.

تآكل الثقة الشعبية: أظهرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة (نوفمبر 2025) شعوراً واسعاً بالفتور واللامبالاة، حيث يرى الكثير من العراقيين أن الشعارات الإصلاحية مجرد تكرار لوعود لم تتحقق.

 

ثانياً: الفساد المنظم وتبديد الموارد الضخمة

الحقيقة الصادمة أن العراق خسر أو هدر ما يقارب 300 مليار دولار بسبب الفساد الإداري وسوء إدارة الوزارات. في نفس الوقت، تحقق البلاد إيرادات نفطية تجاوزت 115 مليار دولار سنوياً، مما يعني أن مقدار الهدر يعادل سنتين ونصف من الإيرادات الحالية.

لا يقتصر الفساد على المستويات العليا، التقارير توثِّق انتشار الرشاوى في التعاملات اليومية مع الشرطة والجمارك والقضاء، وامتداده إلى قطاعات التعليم والصحة، حيث تتحكم المحسوبيات بالتعيينات بدلاً من الكفاءات. حتى برامج الأمم المتحدة الإنمائية لم تسلم، فقد كشف تحقيق عام 2024 عن رشاوى تصل إلى 15% من قيمة العقود ضمن صندوق التمويل.

 

ثالثاً: الواقع الاقتصادي والاستهلاك الحكومي

يعتمد الاقتصاد العراقي بنسبة 92% على عائدات النفط، مما يجعله اقتصاداً ريعياً هشاً، بدلاً من تحويل هذه الموارد إلى استثمارات في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، تحول الاقتصاد إلى نمط استهلاكي يركز على توظيف القطاع الحكومي.

معدل البطالة الرسمي انخفض إلى 13% في 2025، لكن هذا الانخفاض مرتبط أساساً بـ:​

  • توسع التوظيف الحكومي وليس بخلق فرص عمل إنتاجية
  • الاعتماد على القروض الصغيرة والمتوسطة (تريليون ومئتي مليار دينار عراقي)​.
  • لا يعكس هذا الرقم نمواً اقتصادياً حقيقياً، بل توزيعاً للموارد العامة على نطاق أوسع.

 

رابعاً: تدهور الخدمات الأساسية

قطاع الصحة

شهد القطاع الصحي تراجعاً شديداً على مدى عقدين. المستشفيات تعاني من:​

  • نقص في المعدات الطبية الأساسية.
  • نقص في الكوادر المؤهلة بسبب هجرة الكفاءات الطبية إلى الخارج​.
  • غياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل.
  • فساد إداري ومالي يحول الأموال المخصصة إلى جهات غير مستحقة​.

 

ونتيجة لكل ذلك، بغداد حلَّت أخيراً عالمياً في مؤشرات الرعاية الصحية، وأصبح المواطنون يعانون من انتشار أمراض مرتبطة بتلوث المياه وضعف الخدمات الطبية.​

قطاع التعليم

من بين أكثر من 4 آلاف مدرسة متوسطة، 30% ليس لديها مبانٍ خاصة بها. هناك عجز في أكثر من 8500 منشأة مدرسية على جميع المستويات، بالإضافة إلى آلاف المباني المدرسية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل أو غير صالحة للاستخدام. ​

الفساد الإداري وسياسات التعليم الخاطئة أدت إلى تدهور جودة التعليم، وهو ما يضعف القوى العاملة المستقبلية. ​

 

خامساً: القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة)

الحكومة أعلنت عن خطط لإحياء هذه القطاعات:

 

الصناعة: اتخذت الحكومة قرارات غير مسبوقة تشمل تخفيض الرسوم الجمركية إلى حدود شبه صفرية وقروض بضمانات ميسرة. يعكس هذا اعترافاً بأن الاقتصاد الريعي غير مستدام. ​

 

الزراعة: أضافت وزارة الزراعة 1.5 مليون دونم لخطتها الزراعية في 2025 بعد تسليم منظومات ري حديثة. هذا يشير إلى محاولة لتقليل الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي.

 

لكن السؤال الحقيقي: هل هذه الخطط ستُنفذ بفعالية في ظل الفساد المستشري والمحاصصة؟

 

سادساً: التدخل الخارجي والسيادة الوطنية

التدخل الخارجي عامل حقيقي وموثق: الحكومة العراقية تتخذ قرارات تحت ضغط طاقات خارجية متعددة، ليس فقط من واشنطن بل أيضاً من إيران وقوى إقليمية أخرى.

التقارير الأكاديمية توثق أن التدخل الخارجي أحد العوامل الرئيسة لخلق حالة عدم الاستقرار منذ سنة 2003، وأن بعض القوى تعمل على تجريد الدولة من ممارسة سيادتها الفعلية.

ومثالاً على ذلك: وكالة الأنباء العراقية الرسمية حذفت بيان وزارة الخارجية الذي انتقد التدخل الإيراني، واستبدلته ببيان يشيد بموقف طهران. هذا يعكس ديناميكية الضغط الخارجي على صنع القرار العراقي.

 

سابعاً: المخرجات الانتخابية والتمثيل المدني

نتائج الانتخابات الأخيرة (نوفمبر 2025) كشفت عن فشل القوى المدنية بشكل كارثي: من 389 مرشحاً من التحالفات المدنية الرئيسية، حصلوا على مقعد واحد فقط.

جميع الناجين من حراك تشرين الاحتجاجي (حوالي 20 نائباً) خسروا في هذه الدورة.

 

الأسباب:

  • الأموال الطائلة التي أنفقت على الحملات الدعائية للأحزاب الحاكمة​.
  • شبكات المصالح والنفوذ التي تمتلكها قوى السلطة​.
  • غياب البرامج الانتخابية والاعتماد على التوزيع المالي والمحسوبيات.

هذا يعني أن النظام السياسي يعيد إنتاج نفسه ولا يسمح بتحولات حقيقية.

 

الخلاصة:

الوضع في العراق يعكس فشل مركب متعدد الأبعاد:

  • البنية السياسية غير قادرة على تحقيق الرقابة والمساءلة لأنها مبنية على المحاصصة وليس على المصلحة العامة.
  • الموارد الضخمة لا تُترجم إلى تنمية حقيقية، بل تُهدر عبر الفساد أو تُستخدم للحفاظ على النظام القائم.
  • الخدمات الأساسية تتدهور بينما تنمو البيروقراطية الحكومية.
  • القطاعات الإنتاجية تلاشت واضمحلت لحساب الاقتصاد الريعي.
  • التدخل الخارجي حقيقي وموثق، لكنه يعمل بالتوازي مع الفساد المحلي وليس كبديل له.
  • الحركات الإصلاحية تُسحق لأن النظام السياسي الحالي مصمم لمنع التغيير الحقيقي.

 

ومن منظور تحليلي استراتيجي، المشكلة الأساسية ليست “التآمر الخارجي وحده” بل هي الترابط العضوي بين البنية السياسية الداخلية والضغوط الخارجية.

النخب السياسية المحلية لديها مصلحة راسخة في بقاء الوضع الحالي، والقوى الخارجية لا تجد صعوبة في التأثير على نظام متفكك.

الطريق نحو إصلاح حقيقي يتطلب تفكيك المحاصصة الطائفية نفسها، وليس مجرد تغيير الوجوه السياسية.

الانتخابات المتكررة، في ظل هذه البنية، تعيد إنتاج الفشل نفسه بأشكال مختلفة.

فالمرحلة المقبلة بعد نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية في نوفمبر 2025 تشير إلى استمرار التداخل والتوازنات الدقيقة بين قوى سياسية متنافسة، لكنها تبرز هيمنة ائتلاف “الإعمار والتنمية” بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي تصدر النتائج بعدد أصوات كبير في عدة محافظات كبرى مثل بغداد والنجف والمثنى.

هذا الائتلاف حصل على المركز الأول في ثماني محافظات من أصل 18، بينما جاءت أحزاب مثل “دولة القانون” برئاسة نوري المالكي وتحالف “تقدم” ضمن القوى الرئيسية المنافسة، مع وجود نفوذ قوي أيضاً لقوى إقليمية وكردية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني.

 

المرحلة المقبلة ستشهد:

– تكوين تحالفات معقدة بين الكتل السياسية لمحاولة تشكيل الحكومة ونيل الكتلة الأكبر، وهي عملية ستخضع لحسابات تفصيلية بين المكونات والكتل السياسية.

– من المرجح أن يستمر النظام السياسي الحالي في إعادة إنتاج نفسه عبر المحاصصة الطائفية والسياسية، مع بقاء الفساد واسع الانتشار، وصعوبة تحقيق إصلاحات جذرية ما لم تحدث تغييرات هيكلية عميقة.

– استمرار الضغوط المحلية والإقليمية والدولية في رسم ملامح السياسة العراقية، بحيث ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بالموازنة بين هذه القوى مع الاحتفاظ ببعض من الاستقلالية.

– رغم انتصارات ائتلاف السوداني، فإن التشديد على تمثيل القوى المدنية الضعيف في البرلمان يدعو إلى توقع صعوبة في الدفع باتجاه إصلاحات إصلاحية فعلية.

بالتالي، على المدى القريب والمتوسط، من المتوقع أن تستمر الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع بعض محاولات التخفيف أو الإصلاح الجزئي، لكن التعقيدات المتجذرة ستجعل التغيير الحاسم بحجم توقعات الشعب العراقي تحدياً كبيراً.