سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة أبراهيم شذرات على طريق الجهاد والرباط-الحلقة الثالثة

سيرة ومسيرة القائد المجاهد عزة أبراهيم

شذرات على طريق الجهاد والرباط

الحلقة الثالثة

بقلم الفريق الركن

محمد صالح علوان

 

           بعد أن قدمنا موجزاً بسيطاً عن رحلته بعد الاحتلال، نقول إننا نعلم أن هنالك المئات من الصفحات التي يمكن أن تكتب في هذا المجال وسنجد أن الكثير من الرفاق والأبطال المجاهدون والذين يختزنون مئات القصص والروايات والحوادث في مخيلتهم سيدونونها يوماً ما باعتبارها أرثاً انسانياً لشعب العراق، شعب البطولات والأمجاد والذي لم يستكن للضيم والظلم وستوضح تلك الصفحات مآثر وبطولات الميامين من الرجال وتدون من خلال تفاصيلها الكثير الكثير مما تعذر ذكره في هذه الصفحات الموجزة.

وهنا لا بد لنا من تأشير بعض الصفات والمزايا التي تتعلق بالرجل فقيد العراق الكبير الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله والتي عرفناها عنه وتعلمناها منه وسندونها باختصار في النقاط التالية:

  1. لقد كان الرفيق عزة إبراهيم يمتلك شجاعة حقيقية، ولم تكن شجاعة مصطنعة بل كان يعبر عنها في الكثير من المواقف من خلال تماسكه وصبره ومطاولته، ولن نتكلم عن شجاعته المعروفة قبل الغزو والاحتلال ولكننا سنشير إلى ما يتعلق في الفترة التي أعقبت يوم 9 /4 / 2003، كانت شجاعته واضحة من خلال تحمله لمسؤولية القيادة الأولى بعد الاحتلال واعتقال الشهيد صدام حسين رحمه الله، خاصة وأن المجابهة كانت ضد قوى الغزو والاحتلال وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. لم يترك الرفيق عزة إبراهيم مسدسه الشخصي المحشو بالإطلاقات ولا بندقيته الشخصية من نوع كلاشنكوف يوماً أو ساعة بعيدة عن متناول يديه، وكان مستعداً على الدوام لمقابلة الغزاة وجنودهم وعملائهم حتى الشهادة التي كان يتمناها دوماً رحمه الله.. وكانت هنالك مواقف كثيرة ومتنوعة مر بها خلال سنوات قيادته للأبطال المقاومين والمجاهدين وخلال تنقلاته الكثيرة، وكم من مرة تطوق مكان أو منطقة الاجتماع الذي يديره في مناطق مختلفة من أرض العراق ولكن الله حفظه وحفظ رفاقه الأبطال من المجاهدين ومن تنظيمات الحزب الأخرى.. وسيطول الحديث عن هذا الجانب، وسيأتي يوماً يكتب عن تلك المواقف والبطولات كل من كان شاهداً مباشراً عليها ومشاركاً فيها.
  2. وعلى ما يبدو وكما شعر الجميع وبيقين راسخ أن الرفيق عزة إبراهيم كان مؤمناً حقيقياً وهو المعروف بمنهجه الصوفي في ممارساته وعباداته.. لقد كان حريصاً على الصلاة وباقي العبادات وكان ناسكاً ورعاً متوجهاً إلى رب العباد وطالباً منه الحفظ والنصر على الأعداء، ونظن والعلم عند الله أن نقاوة إيمانه وتمسكه بالعبادات هي التي حفظته من عيون الأعداء والذين شكلوا كل أشرار الدنيا.
  3. لقد امتلك الرفيق عزة إبراهيم قرار المناضلين التاريخيين المضحين الأصلاء في قراره بمواجهة العدوان والغزو والتصدي له، فكان يقول ولمرات كثيرة في أنه اليوم في بحبوحة الجهاد التي أنعم الله عليه بها، وكان يقول أنني سأبقى أقاتل الغزاة وأحث الشعب على الجهاد والمقاومة حتى ولو تركتموني وبقيت لوحدي فإنني لن أتراجع عن هذا الطريق الذي آمنت به راغباً متطوعاً، وقد اقترن ذلك بالقرار على عدم مغادرة أرض العراق مهما اشتدت المنازلة والنوائب، وكان صادق تماماً في عدم مغادرته أرض العراق ولو ليوم واحد وهذه شهادة يستحقها رغم أن كثير من تقارير الاستخبارات للقوات الأمريكية والحكومة العميلة وأراذل القوم كانوا يكررون مراراً وتكراراً بأنه في أرض اليمن أو سوريا أو السعودية أو أماكن أخرى، أخزاهم الله ورحم الرفيق عزة إبراهيم الذي تحول إلى نموذج للصبر والمطاولة والمقاومة.
  4. تميز الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله بتحسبه الأمني الشديد وبسبب خبرته الطويلة وتجربته في فترة النضال السري وخلال تجربة الحكم الوطني كان المعلم والمرشد والموجه والمساهم في وضع الخطط الأمنية، وبالتالي وبسبب كل ذلك وبجهد دؤوب ومستمر من رفاقه المجاهدين وتحسبهم العالي ومحافظتهم على الأمن والكتمان، لم يتمكن الغزاة الأمريكان وبكل أجهزتهم الأمنية والاستخبارية وعملائهم وأتباعهم ويعاونهم الفرس الأشرار ودول كثيرة أخرى من الوصول إليه، وعلى الرغم من كثرة الاجتماعات واللقاءات الدورية والاستثنائية والاعتيادية التي كان يجريها مع رفاقه وفي أماكن مختلفة، لم يتمكنوا من تحقيق أي اختراق يذكر، كان الرفاق الأبطال من الذين يحضرون تلك اللقاءات والاجتماعات الكثيرة والمتنوعة هم من حاز على الثقة الكبيرة في الكتمان وحفظ الأسرار وساهموا في تحقيق النجاحات الأمنية المشهودة.
  5. كان الرفيق عزة إبراهيم صلباً في موقفه ومؤمن تماماً بصلاحية منهجه الذي اعتمده في الجهاد وفقاً لعقيدة البعث الوطنية والقومية والإنسانية، وكان محارباً عنيداً لكل من يتطاول على منهج الجهاد أو يزايد على المرابطين في أرض الرباط والجهاد، فهو من خبر وعرف عن قرب جهدهم ودورهم وهو المطلع والعارف لما تعرضوا له من أذى وقتل وتدمير واعتقالات ومطاردات وتهجير خاصة وهو يعيش بينهم أو قريباً منهم، وكان هو المسيطر والضابط لمسيرة الجهاد والمحذر والمنبه لكل زيغ أو انحراف يحاول المساس في تجربة الجهاد في العراق، وعلى الرغم من مداراته لبعض الطروحات ومحاولة تقبلها وقتياً إلا أنه سرعان ما يثور عليها بشدة ليقاتلها في مهدها خاصة عندما تتقاطع من المنهج الوطني أو مسيرة الجهاد العملاقة في العراق والتي ركعت قوات الاحتلال وعملائها.
  6. كان الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله بسيطاً هادئاً غير متكلفاً في حياته ومعيشته، وكان بسطاء الشعب يعتنون بخدمته ورعايته وتأمين مستلزماته، ورغم اشتغاله بمناصب رفيعة في الدولة العراقية قبل الغزو والاحتلال فإنه لم يحاول يوماً أن يعيش حياة البذخ والبطر وإنما كان يعيش بين الناس وفي بيوتهم الطينية البسيطة وأكواخهم الاعتيادية ويتنقل بأبسط أنواع العجلات، وقد روض نفسه وبمساعدة من يخدمه على حياة الجهاد والمرابطة والتي تحتاج إلى الصبر والتأني وتقبل أشياء لم يتعود الإنسان عليها في الأيام الطبيعية.
  7. وخلال السنوات الأولى من الغزو والاحتلال وبعد أن كثرت وتنوعت الفصائل والجيوش والجبهات الجهادية ضد الغزو والاحتلال والتي كانت تعتمد عقائد ومناهج مختلفة وتسوقها دوافع مختلفة كان الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله يقول ومنذ وقت مبكر أن معظم هذه القوى ستنتهي وتتلاشى من الميدان وستبقون أنتم يا رجال البعث والمقاومة الوطنية الحقة في الميدان لوحدكم لأنكم أنتم أصحاب القضية الأساسية ولأن الغزو والاحتلال هو من استهدفكم بالقتل والتدمير والاجتثاث والاعتقال والتهجير، وبالتالي أنتم من مثل الهدف الحقيقي لقوات الغزو والاحتلال، وهذا ما أثبتته الأيام والوقائع ولكل متابع حصيف.
  8. كان الرفيق عزة إبراهيم رحمه الله يقول دوماً أن أمريكا استهدفت تجربة العراق الجديدة التي يقودها البعث، ولم تستهدف دينه كما يروج بعض المتأسلمين، لأن تجربة العراق توصف بأنها تجربة علمانية رغم ارتكازها على الدين الإسلامي الحق، أي أن الحكم في العراق لم يكن يدعي أنه يحكم مثل ولاية الفقيه في إيران والتي اتخذت من الدين الإسلامي غطاءً مزيفاً لمشروعها، ولذلك فإن من استهدف في العراق هو تجربة الحكم الجديدة والتي يقودها البعث وصدام حسين والتي باتت تشكل عائقاً تجاه طموحات ومشاريع المستعمرين الجدد.

 يتبع الحلقة الرابعة .

 

بغداد

6 كانون الأول 2020