شبكة ذي قار
عـاجـل













يروي لنا التاريخ وقفة النعمان بن المنذر ووفود العرب الاخرين عند دخولهم على كسرى ، بعد أن توعدهم واراد الحدّ من قدراتهم ، فقد جابه النعمان كسرى بالقول : "واما الأمم التي ذكرت فأية امة تقرنها بالعرب الافضلتها " وعندما سأله كسرى وبماذا فضلتها ؟

أجاب النعمان ( بعزها ومنعاتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وانفتها ووفائها ، فأما عزها ومنعتها فأنها لم تزل لم يطمع ـــ يقصد العرب ـــ فيهم طامع ، ولم ينلهم نائل ، حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الارض وسقوفهم السماء ، وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر ، واما أنسابها وأحسابها فليست أمة من الأمم الا وقد جهلت آباءها واصولها وكثير من أولها ، حتى أن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه فلا ينسبه ولا يعرفه ، وليس أحد من العرب الا يسمى آباءه ابا فأبا ، حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا أنسابهم ، فلا يدخل رجل في غير قومه ، ولا ينسب الى غير نسبه ، ولا يدعى الى غير أبيه، وبعد أن عدد النعمان فضل العرب في مجالات السخاء والحكمة والشجاعة ، أشار الى الوفاء العربي الكبير الذي تميزت به هذه الأمة والذي أفتقده العنصريون من الفرس ، وقال النعمان : ( وأما وفاؤها فأن أحدهم يلحظ اللحظة، ويوميء الايماء ، فهي وَلتٌ – أي عهد- وعقدة لا يحلها الا خروج نفسه ، وانه ليجأ اليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه ، واموالهم دون ماله .

ويسمع كسرى مثل هذا الكلام وأشد منه من زعماء العرب الاخرين كأكثم بن صيفي ، وحاجب بن زرارة ، والحارث البكري ، وعمرو بن شريد السلمي ، وعامر بن الطفيل وسواهم من بلغاء العرب وشجعانهم ، فيزداد غيظاً وحقداً ولايجد مفر من السكوت وكتما أمر الانتقام ، ولكن حقد الفرس الذي تنامى اثر هذه المناظرة وسواها قد تفجر عن محاولة كسر شوكت العرب في معركة ذي قار .

في أواخر العصر الجاهلي وقبيل أنتشار الاسلام بقليل ، جرت معركة ذي قار في القرن السابع الميلادي بين قبيلة بكر من جهة والفرس من جهة أخرى عند ذي قار وهي ماء لبكر قريب من الكوفة .

وسبب المعركة أن كسرى أراد أن يتزوج أبنة النعمان بن المنذر ملك الحيرة، لكن هذا الغيور العربي رفض ما أراد كسرى ، فطار صواب كسرى وسكت يأمن النعمان بوائقه ، ثو ارسل الى النعمان يستقدمه فعرف النعمان أنه مقتول لامحال ، وعند وصله اعتقله وزجّه في السجن ثم أمر بقتله تحت أرجل الفيلة ( هذه اخلاقهم كما فعلوا باسرى الحرب التي فرضة علينا من قبل الفرس الصفوين ، منها ربط اسير وشده في سيارتين تسيران باتجاه معاكس ، وما حرق الابرياء وهم احياء الا مثال اخر ، والامثلة كثيرة ) ،وكان النعمان قد أحس بنوايا كسرى نحوه ، فحمل أسلحته وذهب الى بادية بني شيبان حيث لجأ الى سيدهم هانيء بن مسعود الشيباني وأودع عنده نسوته ودروعه وسلاحه ، وذهب الى كسرى بعد أن أخذ من هانيء عهدا ألا يفرط بالامانة.

وأقام كسرى على الحيرة ملكا جديدا هو إياس بن قبيصة الطائي ، وكلفه أن يتصل بهانيء بن مسعود الشيباني ويحضر ما عنده من نساء النعمان وسلاحه وعتاده ، فلما تلقى هانيء خطاب كسرى رفض تسليم الامانات ، فخيره كسرى إما أن يعطي ما بيده ، أو أن يرحل عن دياره ، أو أن يحارب ، فأختار الحرب .

استعدادات كسرى للحرب :
اــ عقد لإياس بن قبيصة على ثلاثة آلاف مقاتل من القبائل العربية ، وقسم الى قسمين ، وضع على ( تغلب والنمر بن قاسط ) النعمان بن زراعة التغلبي ، ووضع على ( قضاعة و اياد ) خالد بن البهراني . وعززهم بكتبتين ( الشهباء والدوسر ) .

2ــ وعقد لخنابزين على آلف فارس .

3ــ وعقد للهامرز على الافيال الاساورة وجعله قائدا عاما للجيش .

استعدادات وتحضيرات قبيلة بني بكر ابن وائل : من الطبيعي أنه يجب على بني شيبان أن يكونوا على علم بتطورات الموقف وأن تتلقف الأخبار وتلتقط المعلومات من القبائل العربية القريبة من كسرى بالاضافة الى أن قيس ابن مسعود أحد أقرباء هانيء ابن مسعود أرسل ينذر قبيلته بنية كسرى ــ قبل أن يقبض عليه كسرى ويسجنه ويقتله ــ بأن لا تقربوا السواد .

من الاستعدادات :
1- أخذوا يرسلون ليستثيرون الشرف والحمية العربية الى بقية بطون بني بكر والى القبائل العربية المجاورة لهم والبعيدة عن متناول كسرى ، فعندما شعرت هند بنت النعمان بأنهم جادون في لقاء جيوش كسرى دفاعاً عنها ، أخذت تستثير همم بني بكر وقالت أشعار منها ،

آلا ابلغ بني بكر رسول فقد جد النفير بعنق نقير
فليت الجيش كلهم فداكم ونفسي والسرير و ذا السرير
كأني حين جد بهم إليكم معلقة الذوايب بالعبور
فلو أني أطلقت لذاك دفعا إذا لدفعته بدمي وزيري

2- واتفقوا ان يكون ندائهم عن اللقاء ( يامحمد يامنصور ) حيث كان هذا مقترح الصحابي الجليل البراء بن عازب لأنه حضر المعركة .

3- صنعوا راية من مجموع رايات القبائل العربية التي كانت تستخدمها عند الحرب ، بهدف التعبير عن الوحدة والصف الواحد ضد الفرس .

4- اتفقوا مع بعض القبائل العربية التي في جيش كسرى ، حيث أرسل لهم قبيلة اياد هل ترغبرون أن ننسحب من ليتنا ، فقال لهم بل قاتلوا مع جنود كسرى وأصمدوا إلينا ، ثم أنهزموا في الصحراء ، وإذ ذاك ننقض على جيش كسرى ونمزقهم .

5- قدموا العماريات بهوادجهن من بنات ونساء القبائل وجعلوهن خلف الفرسان كي يُنشدن ويُثرن الحماس . وعندما بدأت المعركة قام حنظله بن ثعلبة بن سيار بتقطيع الوضين للهوادج كي يستميتوا الفرسان ولا يتملص أحد أو يهرب أحد .

6- ألقى هانيء بن مسعود خطبته المشهورة والتي منها ( ياقوم مهلك معزوز خير من نجاء معرور، وان الحذر لا يدفع القدر وان الصبر من اسباب الظفر ، المنية ولا الدنية ، واستقبال الموت خير من استدباره والطعن في الثغر خير وأكرم من الطعن في الدبر ) .

وقام حنظله بن ثعلبه يحذرهم من النشاب لان الفرس مشهورون بضربه ويحثهم على اللقاء والشدة والالتحام كي يفوتون عليهم ضرب النشاب .

ووقف الجيشان متقابلين، فكان بنو عجل وعليهم حنظلة بن ثعلبة في الميمنة قبالة خنابزين، وبنو شيبان وعليهم بكر بن زيد في الميسرة قبالة الهامرز، وبنو بكر وعليهم هانيء بن مسعود في القلب . وكان هانيء قد نصب كمينا من وراء الجيش الفارسي ، فأننقض الكمين على الملك الجديد الذي عينه كسرى، وفي أثناء ذلك أحس العرب روابط الاخوة ، فأنسحب من جيش كسرى كثير من العرب الذين كانوا يعطون ولاهم لفارس من قبائل تميم وقيس عيلان فأنقضوا على الفرس بعد أن كانوا يدينون بالولاء لهم . وحملت ميسرة بكر على ميمنة الجيش الفارسي ، وحملت ميمنة بكر على ميسرته ، وشدّ على قلب الجيش ، فأنهزم الفرس جميعاً ، وتبعتهم بكر ، فأمعنت فيهم تمزيقاً وتقتيلاً.

وقتل أبطال فارس كلهم الذين أرسلهم كسرى لإحضار هانيء حياً ، فلما رأهم كسرى على ذلك النحو قال أين هانيء؟ وأين أبطالكم الذين لا يعرفون الفرار ، فسكتوا فصاح بهم ، فقالوا : لقد استقبلنا العرب في صحرائهم فتهنا فيها ومات جميع القادة وخانتنا قبيلة اياد حين رأوا بني جنسهم ، فكاد كسرى يفقد عقله ، ولم يمض عليه وقت طويل حتى مات حسرة ، فتولى مكانه ابنه شيرويه .

وكان يوم ذي قار من مفاخر أيام العرب ، اذ أنتصروا نصرا مبيا على الفرس . وهذا النصر أضعف شوكت الفرس في نظر العرب ، وحطم تصميم كسرى على أزالة العرب الشيبانيين من منطقة الفرات، فلما بلغ هذا الانتصار الباهر رسولنا الكريم قال : ( اليوم أول يوم أنتصف فيه العرب من العجم وبي نصروا ) .

كانت معركة ذي قار الامثولة الخالدة في المقاومة العربية تجاه العنصرية الفارسية ، وما أنتصارات المقاومة العراقية الباسلة الا امتداد لإنتصارات العرب في القادسية الاولى ، وقادسية صدام المجيدة ، وعاصفة الحزم هي الاستمرار في مقاومة الفرس الصفويين لوضع حد للعربدة الصفوية والتمدد الفارسي على حساب الامة العربية .






الثلاثاء ١١ جمادي الثانية ١٤٣٦ هـ   ۞۞۞  الموافق  ٣١ / أذار / ٢٠١٥ م


أكثر المواضيع مشاهدة
مواضيع الكاتب بلال أحمد نسخة للطباعة عودة الى صفحة مقالات دليل كتاب شبكة ذي قار تطبيق شبكة ذي قار للاندرويد إشترك بالقائمة البريدية
أحدث المواضيع المنشورة