شبكة ذي قار

أرشيفات أبريل 8, 2026

خطاب الأمين العام كوثيقة تحوّل: إعادة تعريف البعث بين الذاكرة والمستقبل

خطاب الأمين العام كوثيقة تحوّل: إعادة تعريف البعث بين الذاكرة والمستقبل

  • طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

تمهيد: ليس كل خطاب يحمل وزنه في التاريخ. بعض الخطابات تُقرأ وتُنسى، وبعضها يُختزل في شعاراته، وبعضها يتحول إلى وثيقة. خطاب الأستاذ المناضل: الأمين العام بمناسبة الذكرى 79 لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي ينتمي إلى النوع الثالث. إنه ليس خطاباً عابراً، ولا مناسبة احتفالية روتينية. إنه وثيقة موقف في لحظة تتقاطع فيها أزمات الأمة العربية مع محاولات تصفيتها، وتتداخل فيها محاولات اغتيال الفكرة مع إصرارها على البقاء. هذه القراءة تحاول تفكيك الخطاب إلى مستوياته المتعددة: المستوى الفلسفي (رؤية الفكرة ونظريتها)، والمستوى السياسي (تحليل الواقع وتشخيصه)، والمستوى التنظيمي (الآليات والمقترحات)، والمستوى الخطابي (اللغة والأسلوب والتأثير). وهي محاولة لفهم كيف يبني هذا الخطاب شرعيته، وكيف يقرأ الواقع، وكيف يستشرف المستقبل، وأين تكمن نقاط قوته وضعفه.

أولاً: المستوى الفلسفي: (الفكرة بين الوجود والاستمرار):

  • البعث ليس غاية في ذاته بل وسيلة تاريخية: في لقطة فلسفية عميقة، يقول الأمين العام، (حزب البعث لم يكن يوماً غاية في ذاته، بل وسيلة تاريخية لنهضة الأمة، وإن استمراريته مرهونة بقدرته على التجدد والتطور). هذه العبارة ليست تواضعاً سياسياً، بل هي إعلان عن فلسفة الأداة. فالحزب، في هذا التصور، ليس صنماً يُعبد، ولا غاية يُوقف عندها التاريخ. الحزب هو الأداة التي تصنع النهضة، وإذا توقفت الأداة عن أداء وظيفتها، فإنها تفقد شرعيتها في الوجود. هذا الموقف الفلسفي يحرر الحزب من مخاطر التقديس والجمود، ويضعه في موقع المساءلة الدائمة، هل ما زال الحزب وسيلة صالحة لنهضة الأمة؟ هذه الرؤية تجيب عن سؤال وجودي عميق، ما الذي يمنح الحزب استمراريته؟ الجواب، ليس الماضي، بل القدرة على تجديد نفسه في الحاضر والمستقبل.
  • الفجوات بين النص والممارسة: (كشرط إنساني للتجربة): الخطاب لا يتجنب الحديث عن الإخفاقات، بل يشير إليها بصراحة: (مسيرته النضالية شابتها بعض الإخفاقات لأسباب ذاتية، وأكثر من ذلك لأسباب موضوعية). هذا اعتراف نادر في الخطاب السياسي العربي، حيث تميل النخب إلى تقديس التجارب أو إخفاء عيوبها.

لكن الأهم هو كيف يؤطر هذه الإخفاقات، لا كحوادث عابرة، بل (كتجارب كاشفة لحدود الأدوات وضرورة تطويرها). هذه مقاربة جدلية، الإخفاقات ليست نهاية الطريق، بل هي مواد خام للتجديد. الإخفاق، في هذا المنظور، ليس فشلاً، بل هو كشف لحدود ما هو قائم، ودعوة لتجاوزه. وهنا نصل إلى جوهر فلسفة البعث كما يعرضها الخطاب، فلسفة الاستيعاب والتجاوز. الأمة لا تموت بهزيمة، والحزب لا يسقط بفشل، إذا كان قادراً على تحويل الهزيمة إلى درس، والفشل إلى تجربة، والتجربة إلى برنامج.

  • القومية حقيقة خالدة والشعور بها مقدس: في عصر تتقاذف الأمة فيه تيارات الطائفية والمذهبية والجهوية، يعيد الخطاب تعريف القومية ليس كأيديولوجيا، بل كـ (حقيقة خالدة) و(شعور مقدس). هذا الانتقال من السياسي إلى المقدس هو محاولة لاستعادة البعد الرسالي للقومية العربية. الخطاب يقول إن القومية ليست خطاباً سياسياً عابراً، بل هي حقيقة وجودية مرتبطة بجوهر الإنسان العربي. والشعور بها ليس اختياراً أيديولوجياً، بل هو شعور (مقدس)، أي لا يقبل المساومة أو التفاوض.

هذه المقاربة تحاول مواجهة خطابين في وقت واحد، خطاب التفكيك الطائفي الذي يحاول استبدال الهوية القومية بهويات فرعية، وخطاب العولمة الذي يحاول إذابة الهويات الوطنية في هوية كونية سائلة.

  • الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً بل شرطاً لتحرير طاقات الجماهير: الخطاب يقدم مقاربة متقدمة للديمقراطية، ليست كقيمة غربية مستوردة، بل كـضرورة عضوية للمشروع القومي. الديمقراطية هنا ليست غاية في ذاتها، بل هي شرط لتحرير طاقات الجماهير، وجعلها فاعلة في المعركة القومية. هذه المقاربة تحل إشكالية ظلت عالقة في الفكر القومي العربي طويلاً، كيف نوفق بين ضرورة المركزية الثورية (في مواجهة التحديات) وضرورة المشاركة الشعبية (لبناء الشرعية)؟ الجواب الذي يقدمه الخطاب هو أن الديمقراطية ليست رفاهية تؤجل إلى ما بعد النصر، بل هي سلاح في المعركة ذاتها. فالجماهير المحرومة من المشاركة لا يمكن تعبئتها لخوض معارك كبرى. وهذا تحول مهم في الخطاب القومي.

ومع ذلك، يظل هذا المستوى الفلسفي (على عمقه)، مطروحاً أمام اختبار حاسم، وهو: هل يستطيع الانتقال من كونه إطاراً تفسيرياً إلى كونه أداة تغيير؟ فالتاريخ لا يقيس الأفكار بقدرتها على تفسير الواقع فقط، بل بقدرتها على إعادة تشكيله. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة فلسفة متماسكة، بل في ترجمتها إلى مؤسسات، وسياسات، وممارسات قابلة للتحقق.

ثانياً: المستوى السياسي: (قراءة الواقع وتشخيص المرض): وإذا ما قورن هذا الخطاب بخطابات سابقة للحزب في مراحل مختلفة، يمكن ملاحظة تحول واضح من خطاب تعبوي تقليدي إلى خطاب أكثر ميلاً للتفكيك الذاتي والاعتراف بالتحديات. وهذا التحول يعكس محاولة للانتقال من اليقين الأيديولوجي إلى الوعي التاريخي.

  • تشخيص أزمة الأمة: (التجزئة والتبعية وتغيب الجماهير): يقدم الخطاب تشخيصاً ثلاثياً لأزمة الأمة:
  • التجزئة، وتتمثل مظاهرها في دول قطرية ضعيفة، حدود مصطنعة، صراعات داخلية،
  • التبعية، وتتمثل مظاهرها في ارتباط الأنظمة الرسمية بمراكز القرار الخارجية،
  • تغيب الجماهير، وتتمثل مظاهرها في انعدام الديمقراطية، غياب المشاركة الشعبية.

هذا التشخيص ليس جديداً في حد ذاته، لكن الجديد هو ربطه عضوياً بفكرة (الجبهة القومية الشعبية) كحل. فالخطاب لا يكتفي بالتشخيص، بل ينتقل مباشرة إلى العلاج، لا خلاص بدون جبهة شعبية عريضة تتجاوز الأحزاب إلى كل القوى الحية في الأمة العربية.

  • قراءة التحولات الدولية: (أمريكا وإيران ومشروع الهيمنة): الخطاب يقرأ النظام الدولي الجديد قراءة واقعية، بعيداً عن الشعارات الجاهزة. فهو يصف أمريكا بأنها (سلطان آمرة للعالم)، وإيران بأنها تنطلق من (الحقد الشعوبي الدفين ضد العروبة)، والكيان الصهيوني بأنه (محط الاستهداف المركزي للمشروع الاستعماري).

هذه القراءة تتجاوز النمطية السائدة (أمريكا شر مطلق، إيران صديقة وهمية، إلخ) إلى تحليل أكثر تعقيداً:

  • أمريكا ليست مجرد عدو، بل هي منظومة تعيد إنتاج هيمنتها بأدوات متجددة (عسكرية، اقتصادية، إعلامية، تكنولوجية).
  • إيران ليست مجرد قوة إقليمية، بل هي مشروع معادٍ للعروبة يتخذ من الطائفية غطاءً ووسيلة.
  • الكيان الصهيوني ليس مجرد عدو، بل هو رأس حربة المشروع الاستعماري في المنطقة.
    • فلسطين: (المركزية غير القابلة للتفاوض): يعيد الخطاب تأكيد مركزية القضية الفلسطينية، لكن ليس بالطريقة التقليدية (شعارات براقة). المركزية هنا تُفهم كـمعيار لصدق أي مشروع قومي، وكـبوصلة توجه الفعل السياسي، وكـجرح مفتوح لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. الخطاب يتجاوز الموقف الرسمي العربي (الذي حوّل فلسطين إلى (ملف) من ملفات التفاوض) إلى موقف جماهيري: فلسطين ليست قضية تفاوض، بل هي قضية تحرر. وهذا الفرق جوهري.
    • العراق: (نموذج التحدي والصمود): يخصص الخطاب مساحة مهمة للعراق، ليس كحنين للماضي، بل كـنموذج حي للتحدي والصمود. العراق هنا يمثل ثلاث دلالات:
  • دلالة تاريخية: تجربة تنموية فريدة (خمسة وثلاثون عاماً من الإنجاز) أثبتت أن المشروع القومي ممكن.
  • دلالة نضالية: مقاومة الاحتلال (انطلاق المقاومة في 9 أبريل 2003، وانسحاب قوات الاحتلال 2011)، أثبتت أن الإرادة العربية قادرة على هزيمة المشاريع الغازية.
  • دلالة رمزية: استمرار الحزب في العمل رغم (قرار الحظر والاجتثاث)، أثبت أن الفكرة لا تموت بقرار سلطوي.
    • السودان وإريتريا والأحواز: (توسيع دائرة القضايا القومية): الخطاب لا يقتصر على فلسطين والعراق، بل يتعرض لقضايا عربية: السودان (انتفاضة أبريل 1985)، إريتريا (الهوية العربية المهددة)، الأحواز العربية (تحت الاحتلال الفارسي). هذا التوسيع مهم لأنه:
  • يفضح محاولات اختزال القضية القومية في بعد واحد.
  • يذكر الأمة العربية بأن التحديات متعددة الجبهات.
  • يضع الحزب في موقع المدافع عن كل قضية عربية، مهما كانت مغيبة.

ثالثاً: المستوى التنظيمي: (الآليات والمقترحات):

  • الجبهة القومية الشعبية: (المبادرة المركزية): المقترح التنظيمي الأبرز في الخطاب هو دعوة القوى العربية التحررية إلى حوار لتشكيل الجبهة القومية الشعبية. هذه الفكرة ليست جديدة (طرحت في المؤتمر القومي الثالث عشر)، لكن الخطاب يعيد إحياءها بلغة أكثر إلحاحاً. ما يميز هذه الدعوة:
  • الشمولية: تشمل الأحزاب والهيئات والشخصيات وكل الأطر التمثيلية الناشطة في بيئاتها المدنية.
  • المرحلية: تفهم كإطار مرحلي واستراتيجي معاً.
  • المرونة: ليست إطاراً حزبياً ضيقاً، بل (مساحة التقاء) لكل القوى الحية في الأمة.

التحدي الذي يواجه هذه الدعوة هو ترجمة الشعار إلى آلية عملية، كيف ننتقل من الدعوة إلى التنفيذ؟ الخطاب يلمح إلى (ورشة عمل حوارية للتوافق حول ثوابت الأمة)، لكنه لا يدخل في تفاصيل الآلية. قد يكون أيضاً مرونة مقصودة تترك المجال للتفاوض بين القوى المدعوة.

  • الديمقراطية كأداة وليس كهدف: الخطاب يقدم رؤية عملية للديمقراطية، تتمثل في أنها ليست انتخابات شكلية، بل مشاركة شعبية حقيقية في صنع القرار. وليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحرير طاقات الجماهير وتعبئتها في المعركة القومية. هذه المقاربة تحمي الديمقراطية من مخاطر:
  • التحريف: تحويلها إلى إجراءات شكلية تخدم الأنظمة القائمة.
  • التسويف: تأجيلها بحجة الأولويات (الأمن، التنمية، محاربة الإرهاب).
  • الاستيراد: استنساخ نماذج غربية لا تتناسب مع خصوصية المجتمع العربي.
    • الدولة الوطنية والديمقراطية والمواطنة: الخطاب يتبنى مفهوم (الدولة الوطنية الديمقراطية) كإطار سياسي للمرحلة القادمة. هذا المفهوم يحاول التوفيق بين:
  • الخصوصية القومية: الدولة عربية، وهويتها قومية.
  • العالمية الديمقراطية: الحكم ديمقراطي، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.
  • العدالة الاجتماعية: الفقر والجهل والمرض أعداء يجب محاربتهم.

هذا المفهوم يختلف عن النموذج (الاشتراكي) التقليدي (الذي ركز على التأميم والتخطيط المركزي) وعن النموذج (الليبرالي) (الذي يركز على السوق والحريات الفردية). إنه نموذج ثالث: قومي في هويته، ديمقراطي في نظامه، اشتراكي في عدالته الاجتماعية.

غير أن هذه المقترحات، على أهميتها، تظل رهينة بسؤال الواقعية، ما هي الشروط الموضوعية التي تسمح بتشكيل (جبهة قومية شعبية) في ظل الانقسامات الحالية؟ وما هي القوى القادرة على حمل هذا المشروع؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة تمثل الفارق بين المشروع كفكرة، والمشروع كإمكانية تاريخية.

رابعاً: المستوى الخطابي: (اللغة والأسلوب والتأثير):

  • لغة التحدي لا لغة الرثاء: الخطاب يخلو تماماً من النبرة الرثائية أو الانكسارية التي تطبع الكثير من الخطابات القومية المعاصرة. لا (ماضٍ ضائع) ولا (أمة منهزمة). بدلاً من ذلك، لغة التحدي والصمود والثقة بالقدرة على النهوض. مثال: (إن أمتكم التي حملت رسالة التوحيد للإنسانية جمعاء ليست أمة ضعيفة). هذه العبارة تستحضر الماضي ليس كحنين، بل كـدليل على قدرة الأمة على تجاوز محنها.
  • استحضار الرموز: (بين التقديس والمساءلة): الخطاب يستحضر شخصيات قيادية (ميشيل عفلق، صدام حسين، عزة إبراهيم) لكن بطريقة متوازنة: تكريم وتقدير، لكن دون تقديس. شهيد الحج الأكبر صدام حسين يُوصف بـ(سيد الشهداء)، لكن الخطاب لا يتوقف عنده كرمز نهائي، بل يجعله جزءاً من سلسلة نضالية متصلة. هذا التوازن مهم لأنه:
  • يبني الشرعية التاريخية (نحن وريث هذه التجارب).
  • يمنع الانغلاق على الماضي (نحن قادرون على تجاوز العثرات).
  • يوجه الرسالة إلى أجيال متعددة (لكل جيل قدوته، لكن الجوهر واحد).
    • التكرار الجماهيري: (يا جماهير أمتنا العربية المجيدة): تكرار النداء الجماهيري (يا جماهير أمتنا)، ليس حشواً بل هو بنيوي في الخطاب. الخطاب يخاطب الجماهير مباشرة، متجاوزاً النخب والأنظمة. هذا يعكس:
  • وعياً بأن التغيير الحقيقي يأتي من الأسفل (الجماهير) وليس من الأعلى (الأنظمة).
  • ثقة بأن الجماهير قادرة على الفعل إذا وُجدت القيادة المخلصة.
  • محاولة لبناء علاقة مباشرة بين الحزب والجماهير، دون وساطة الأنظمة الرسمية.
    • اللغة الفلسفية دون تعقيد: الخطاب ينجح في تقديم أفكار فلسفية عميقة (جدلية الفكرة والأداة، الإخفاقات كتجارب كاشفة، القومية كحقيقة مقدسة) بلغة واضحة ومباشرة. هذا إنجاز كبير، لأنه يتجنب:
  • الغموض الأكاديمي (الذي ينفر الجماهير).
  • التبسيط المخل (الذي يخون العمق الفلسفي).

السر في هذا هو استخدام الأمثلة والصور مثل (الفجوة بين النص والممارسة)، التي تجعل المفاهيم المجردة ملموسة.

يمكن قراءة الخطاب أيضاً بوصفه ممارسة لغوية لإنتاج الشرعية، حيث تُستخدم مفردات مثل (الأمة)، (الجماهير)، (النضال)، لإعادة بناء هوية جماعية تتجاوز الانقسامات القائمة. كما يعتمد الخطاب على ثنائية ضمنية (نحن/الآخر)، حيث يتم تعريف الذات القومية في مقابل قوى الهيمنة والتفكيك. هذه البنية اللغوية لا تنقل المعنى فقط، بل تُنتج وعياً وتوجهاً سياسياً.

خامساً: نقاط القوة في الخطاب:

  • فلسفة الأداة: الحزب ليس غاية بل وسيلة – هذا يحرره من التقديس ويضعه في موقع المساءلة.
  • الاعتراف بالإخفاقات: نادر في الخطاب السياسي العربي، يبني المصداقية.
  • الإخفاقات كتجارب كاشفة: تحويل الهزيمة إلى درس، والفشل إلى مادة للتجديد.
  • القومية كحقيقة مقدسة: تجاوز الأيديولوجيا إلى الوجود، مواجهة الطائفية والعولمة.
  • الديمقراطية كشرط وليس ترفاً: حل إشكالية العلاقة بين الثورية والمشاركة.
  • تشخيص ثلاثي للأزمة: التجزئة، التبعية، تغيب الجماهير – شامل ومترابط.
  • قراءة واقعية للتحولات الدولية: أمريكا، إيران، الكيان الصهيوني – تحليل غير نمطي.
  • مركزية فلسطين كمعيار: ليس شعاراً بل بوصلة واختبار صدق.
  • العراق كنموذج حي: تاريخياً ونضالياً ورمزياً – لا حنيناً.
  • الجبهة القومية الشعبية: مقترح عملي لتجاوز الانقسامات.
  • لغة التحدي لا الرثاء: تخلق أفقاً نفسياً إيجابياً.
  • التوازن في استحضار الرموز: تكريم دون تقديس، مساءلة دون هدم.
  • مخاطبة الجماهير مباشرة: بناء علاقة مباشرة مع القاعدة الشعبية.
  • اللغة الفلسفية الواضحة: عمق دون تعقيد، بلاغة دون تكلف.
  • توسيع دائرة القضايا القومية: السودان، إريتريا، الأحواز – فضح الاختزال

خاتمة:

في السابع من نيسان 2026، وبعد 79 عاماً على التأسيس، يطل الأستاذ المناضل الأمين العام على الجماهير العربية والإنسانية جمعاء، ليس ليحتفل بماضٍ انتهى، بل ليعلن أن الفكرة ما تزال حية، وأن الحزب ما يزال أداة، وأن الأمة قادرة على النهوض. الخطاب لا يعد بأيام قادمة سهلة، لكنه يعد بأن الطريق ما يزال ممكناً. والسؤال الذي يتركه الخطاب في نفس القارئ ليس، هل كان البعث عظيماً؟ بل، هل نحن قادرون على أن نكون أهلاً لهذه الأمانة؟ الجواب، كما يقول الخطاب، ليس في الكلمات، بل في الأفعال. وفي الأيام القادمة.

إن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب لا تكمن فقط فيما قاله، بل فيما فتحه من أفق للسؤال. فهو لا يقدم مشروعاً منجزاً، بل يضع إطاراً لمشروع ممكن، مشروط بقدرة الفاعلين على تحويل الوعي إلى فعل، والفكرة إلى قوة تاريخية.

هذا الخطاب هو خطاب انتقالي بالمعنى العميق. إنه ينتقل بالحزب من، موقع الدفاع إلى موقع الفعل، ومن استعادة الماضي إلى استشراف المستقبل، ومن الخطاب النخبوي إلى الخطاب الجماهيري، ومن النظرة الأيديولوجية المغلقة إلى الرؤية الفلسفية المنفتحة.

وإن قوة الخطاب تكمن في صدقه (الاعتراف بالإخفاقات)، وواقعيته (قراءة التحولات الدولية دون أوهام)، وجرأته (دعوة الجبهة القومية، مخاطبة الجماهير مباشرة)، وعمقه الفلسفي (فلسفة الأداة، الإخفاقات كتجارب كاشفة). فالخطاب يضع الحزب أمام مسؤولية تاريخية، إما أن يكون أداة حية لنهضة الأمة، أو أن يفقد شرعية وجوده. وهذا هو أعلى سقف يمكن أن يضعه حزب لنفسه.

بيان قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي في الذكرى الثالثة والعشرين للغزو والاحتلال الأمريكي البغيض للعراق

بيان قيادة قطر العراق

 لحزب البعث العربي الاشتراكي

    في الذكرى الثالثة والعشرين للغزو والاحتلال الأمريكي البغيض للعراق

 

“الاحتلال يوم أسود في تاريخ العراق والأمة العربية”

 

يا أبناء الشعب العراقي العظيم

يا أبناء الأمة العربية المجيدة

 

بعد حصار دولي محكم وظالم لم يشهد مثله العالم منذ عدة قرون، فرضته الولايات المتحدة ومعها تابعها الذليل المملكة المتحدة على العراق باسم مجلس الأمن الدولي لأكثر من ثلاثة عشر سنة، امتص نسخ الحياة في العراق وحجب عنه حتى قلم الرصاص وحليب الأطفال، وبعد تحشيد لكل قوى الشر التي فقدت ضمائرها عن عمد وسبق إصرار، بدأ العدوان الغاشم الذي شاركت فيه بصفة رئيسية كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ومعهما عدد من الدول الأوربية ودول عربية وآسيوية، بعضها بعدة آلاف من الجنود وبعضها ببضع مئات وثالث عدة أفراد لمجرد أن تحضر وليمة نحر العراق الأبي وتقبض ثمن تلك المشاركة البائسة، ولعل أسوأ ما وقع فيها وبأبشع الصور، أن يوجه بعض العرب سلاحهم نحو أشقائهم العراقيين، بعد أن صنع العراقيون من أجسادهم جسورا عبرت فوقها بعض جيوش العرب في فلسطين ومصر وسوريا، نحو انتصارات كان للعراقيين فيها الفضل الكبير، وعلى الرغم من كل الجحود الذي قوبلت به تضحيات العراقيين في عامي 1948 و1973، إلا أنهم لم يردوا على التنكر على دور العراق إلا بمزيد من الإصرار على المضي في طريق نصرة العروبة، لكنهم مع كل ذلك لم يتصوروا في أكثر ساعات التشاؤم أن يصل الحال إلى أن تجيش جيوش أكثر من قطر عربي في سجله مواقف عراقية لو لم يؤدها على وجهها الأكمل لكانت عواصم عربية كثيرة تحت الاحتلال.

لكن العراقيين لم يبالوا وأن كان الجرح عميقاً والنزف راعفاً، فقد استعدوا للمواجهة وإن كانت حساباتهم قد توصلت إلى استنتاجات واقعية بعيداً عن الوهم، ولكن الرجولة والمسؤولية الأخلاقية والوطنية لم تسمح لهم بإلقاء السلاح والاستسلام، بل خاضوا معركة بشجاعة الرجال مقابل تفوق العدو بالسلاح والتكنولوجيا، وعلى الرغم من أنهم قاتلوا من دون غطاء جوي، فقد أحبطوا تصورات أعدائهم من أنهم سيقومون بنزهة عابرة لن تستغرق إلا يوماً أو بعض يوم.

وبعد قتال بطولي نادر تخطى كلَ فواصل الفَرقِ بين إمكانات العراق العسكرية والمادية، وإمكانات الولايات المتحدة وأكثر من ثلاثين جيشا جاءت بهم أحقاد الماضي أو ضغائن الزمن الرديء، ولم تكن الولايات بحاجة حقيقية لمثل ذلك الحشد الدولي الهائل إلا من أجل تصوير الحالة وكأنها إجماع دولي على الرغم من أن العدوان لم يحصل على الشرعية الدولية من جانب الأمم المتحدة.

لقد أكدت جريمة العدوان على العراق سنة 1991، ومن ثم غزوه واحتلاله في مثل هذا اليوم قبل ثلاث وعشرين سنة، جملة حقائق، لعل في المقدمة منها، أن الاعتماد بأي قدر من المقادير على قدرة المجتمع الدولي في وقف نوايا الدول الكبرى في شن العدوان على أي بلد يسعى لتأكيد حقه في اختيار نظام الحكم الذي يتناسب وتطلعات شعبه وطموحاته، في بناء تجربة سياسية واقتصادية تؤمّن له متطلبات العيش الكريم والاحترام، هو وهم كبير يدلل على العجز عن بناء قوة ذاتية، وهذا ما تأكد في الحرب التي اندلعت يوم الثامن والعشرين من شباط، فعلى الرغم من ضخامة الأسلحة الأمريكية التي سبق لدول الخليج العربي أن اشترتها بمليارات الدولارات فقد تأكد أنها تحتاج إلى إرادة سياسية أولاً واستيعاباً كاملاً لفنون القتال بها، كم تأكد أهم من ذلك وهو أن الولايات المتحدة لم تحسم أمرها بالوقوف إلى جانب هذه الدول، عندما تعرضت لهجمات إيرانية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة طالت مراكز إنتاج النفط ومرافق اقتصادية مهمة.

لقد أكدت تجربة العراق قبل الاحتلال، وكذلك ما حصل مع دول الخليج العربي مؤخراً، أن أي تعهدات خارجية لا يمكن الركون إليها في الدفاع عن سيادة الدول واستقلالها، فالعراق كان قد وقع معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي في 9 نيسان عام 1972، ومن المفارقات المريرة أن احتلال العراق قد استكملته القوات الأمريكية والبريطانية ومن تحالف معها في ذكرى توقيع تلك المعاهدة، صحيح أن الاتحاد السوفيتي كان قد خرج من المعادلة السياسة الدولية كثاني مركز استقطاب وذلك بانهيار نظامه الشيوعي عام 1989، إلا أن الصحيح أن روسيا الاتحادية التي ورثت عن الاتحاد السوفيتي التزاماته السابقة سياسياً وتعاهدياً، وكل الحقوق المترتبة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية السابقة، تماماً يرتب عليها تنفيذ تلك الالتزامات مع الآخرين، ولكنها تنصلت من كل التزاماتها تجاه العراق، بل والأكثر من ذلك فإن روسيا الاتحادية التزمت بالتنفيذ الكامل والتقيد ببنود الحصار الاقتصادي وبأكثر مما هو مطلوب منها.

إن العراق الذي تعرض لغزو خارجي تم دعمه عربياً للأسف الشديد بالأموال وفتح القواعد الجوية والممرات البحرية، وكذلك تقديم التسهيلات الأرضية من أجل تقدمِ قوات الغزو عبر الحدود والمشاركة في القصف الجوي، كل هذا فإن العراق لم  يُغيّر منهاجه القومي، بل ربما ازداد تشبثاً به وتمسكاً بآلياته التي لا يؤمن بها إلا من تشبع بالفكر القومي، لكن العراق وبكل تأكيد سيوازن بين النظرة القومية والمصلحة الوطنية، عليه ومن قراءة الأحداث المتفجرة التي أعقبت ما حصل في الثامن والعشرين من شباط الماضي، وما أعقب ذلك من عدوان إيراني غادر على دول الخليج العربي، التي سبق لها وأن ساهمت بعزل العراق والتشدد في الرقابة على المعابر الحدودية لمنع دخول البضائع إليه، فإنه على استعداد لفتح صفحة جديدة من التعاون العربي المتعدد الوجوه والمجالات، ولا يجب ألا يشك أحد من الأشقاء العرب، بأن خروج العراق من معادلة الأمن القومي العربي، هو الذي أغرى إيران بشن الاعتداءات الغادرة على دول ظلت تبذل الجهود الحثيثة من أجل تجنب خيار الحرب، ولكن إيران المعروفة على نطاق واسع إقليميا ودوليا، بأنها أكثر دولة في العالم خرقا لميثاق الأمم المتحدة وللمعاهدات الثنائية والجماعية التي توقع عليها، وقد وجدت في خلو الساحة من الدور المحوري البارز للعراق في حماية البوابة الشرقية للأمة، هو الذي أغرى الزعامة الإيرانية للاستهانة بقوة العرب والاستخفاف بهم، فوضعت كل ما لديها من قدرة عسكرية ظلت مخفية عن العالم عن عمد أو دون قصد، حتى بات السؤال الملح أين كانت هذه الأسلحة مخفية ولماذا لم تستخدم يوم سُحق حزب الله اللبناني، ولماذا لم يطلق صاروخ يوم أُبيدت غزة عن بكرة أبيها، وهي الجزء الجنوبي من فلسطين التي اتخذتها إيران جسراً عبرت عليه للوصول إلى أعلى درجة من الهيمنة على أربع عواصم عربية؟ وهل بقي عربي يصدق الدعاوى الإيرانية الباطلة بأن إيران ما زالت تضحي من أجل تحرير فلسطين؟ لقد جندت إيران الكثير من عرب الجنسية الذي اصطفوا مع مشروعها القومي التوسعي وارتدوا عباءته، لعوامل بعضها طائفي وكثير منها لدوافع انتهازية أو جبنا عن المجاهرة بالموقف القومي، فاستسهلوا الانخراط في قضية ليست قضيتهم، بل هي أخطر مشروع تدميري واجهته الأمة العربية منذ أن فقأ المغول عيون بغداد الأبية.

أيها العراقيون الأشاوس

هذا يومكم الذي اختزنتم ذكريات المآسي التي مرت عليكم منذ أول يوم سقط فيها صاروخ إيراني على مدينة بغداد سواء في مصرف الرافدين أو في مدرسة بلاط الشهداء، أو في أية مدينة أو شارع في مدن العراق القصية ومن يوم سقط أول صاروخ أمريكي على بغداد سنة 1991 أو تمهيدا لغزو 2003، وحتى اليوم حيث يغدر الغادرون في محاولة لوأد الابتسامة عن وجه طفل أبصر النور حديثاً، أو تنفس أول نسمة له من هواء بغداد الحبيبة، فأجمعوا أمركم على كلمة واحدة تحذف كل صوت خائن أو متخاذل، وانطلقوا في عمل منسق من أجل إزالة الظلمة التي لحقت ببلدكم ومن أجل أن ترتفع راية العراق القوي مجدداً في كل زاوية من الزوايا وفي كل بيت يأبى الذل والخنوع.

عاش العراق حراً أبياً قوياً

المجد لشهداء القادسية وأم المعارك وشهداء حرب 2003 وكل المناضلين والمجاهدين الذين سقطوا في مقاومة الاحتلال فرووا بدمائهم الزكية شجرة المجد وأناروا الطريق لمن جاء من بعدهم.

المجد لجيش القادسية جيش البطولات الذي لو كان حاضراً فيها اليوم. لما تجرأت إيران على ارتكاب جرائمها ضد أي بلد عربي نادى بصوته واعراقاه.

تحية للمناضلين البعثيين الشجعان الذين تصدوا للعدوان الثلاثيني بصدور مفتوحة طلباً للشهادة.

تحية لأسرى الحرب الذين سلمتهم قوات الاحتلال لسلطة المحاصصة، وما زالت تمتلك خزيناً من الحقد الفارسي الجبان عليهم.

 

 

قيادة قطر العراق

لحزب البعث العربي الاشتراكي

  بغداد الرشيد 9 نيسان 2026

      ذِكْرَى المِيلَادِ و إِطْلاق مَعْرَكَةِ الوَعي

      ذِكْرَى المِيلَادِ و إِطْلاق مَعْرَكَةِ الوَعي

 

 تحتفل اليوم قوى الامة العربية الطليعية وفي مقدمتها الرفاق البعثيون ومعهم جماهير ألأمة  كافة بالذكرى التاسعة والسبعين لتأسيس حزب الرسالة الخالدة حزب البعث العربي الإشتراكي، مستعيدين في ذكرى ولادته في ٧/ نيسان / ١٩٤٧م ، تلك الإستجابة الحية لحاجات الامة، فكان الحزب منذ التأسيس ولم يزل، حزب المهمات النضالية الذي انتسب اليه رفاق مناضلون حملوا هموم   وطموح وأماني شعبهم وامتهم لتحقيق وحدتها وتحررها ونهضتها ، والذود عنها فكانوا القاعدة الثورية الأمينة في مواجهة القوى المعادية لها .

 لقد كان ميلاد البعث الانعطافة الكبرى في الوجود العربي المعاصر، ليعلن بداية خروج الأمة من واقعها المرير الذي ساده الاستعمار المباشر والهيمنة الاجنبية وكافة مظاهر الضعف والتخلف . فكان تأسيس الحزب بمثابة الاعلان عن انطلاق ارادة المارد العربي نحو التحرر السياسي والاقتصادي والحضاري وتحقيق النهضة الكبرى في كافة مناحي الحياة.

 وقد تجسد كل ذلك من خلال الأهداف الاستراتيجية والمبادئ التي حددها وأرساها الرفيق القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق ورفاقه المؤسسين الأوائل، معلنين  انطلاق حركة البعث الثورية الشاملة والولوج في عصر جديد يهدف الى تحقيق انبعاث الأمة العربية، وخلعها لباس الذلّ والتخلف والتبعية.

ولقد بقي حزب البعث العربي الاشتراكي وعبر ثمانية عقود من النضال المتواصل وفيّاً لتلك المبادئ التي اعلنها منذ تأسيسه، واضعاً نصب عينيه الدفاع عن قضايا الامة العربية المصيرية وفي مقدمتها تحرير فلسطين التي ستبقى القضية المركزية في نضاله  القومي التحرري، متصدياً لكل اشكال العدوان عليها ايا كان شكله أو مصدره، وباذلاً في سبيل ذلك اغلى التضحيات.

 ان ما أبقى البعث الحركة العربية الأقوى المجسِّدة للوجود الحي للأمة، هو صحة مبادئه التي حددتها عقيدته، والتي تثبت الأحداث كل يوم، ان لا إنتصار للأمة في معركة الوجود التي تخوضها، الا باعتماد تلك المباديء وفي مقدمتها وحدة العرب، وتكامُل قواهم ومواردهم، ازاء شراسة ما يواجهونه من استهداف منقطع النظير، وكأن الاعداء قد تركوا الكرة الارضية برمّتها جانباً، ليستفردوا بالعرب في صفحات تامرية متواصلة ومتجددة.

 كما ان  ارادة مناضليه الصلبة التي برهن التاريخ انها لا تُهزَم مهما اشتدت المحن وكبرت التضحيات،  قد اثبتت هي الاخرى ان البعث هو امل الامة الاكبر في  الانتصار على كل التحديات ومواجهة العدوان والمشاريع الاستعمارية المتجددة التي تستهدف وجود الامة العربية وهويتها ومواردها بالصميم.

  ومنذ تأسيسه، اكد البعث ان انتصار الامة على اعدائها لا يتم الا ببعث عوامل حضارتها العريقة. وقد اثبتت المنازلات التي خاضتها الامة العربية ان الصراع مع اعدائها وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، هو صراع وجودي الأهداف ومتجدِّد الوسائل .  فبعد عقود من حصر الصراع بين طرفين اساسيين هما الامة العربية من جهة، والكيان الصهيوني من جهة اخرى، ادرك الاخير ان ذلك قد وحّد الامة العربية حول العداء له،  مما ادى الى زيادة تمسكها بقضيتها المركزية، لذا كان لابد من استحداث عدو جديد للامة يتولى عنه مهمة اضعافها وتشتيت قواها، على ان يتم كل ذلك تحت شعارات براقة للتغطية على الأهداف الحقيقية. فكان اطلاق المشاريع الإقليمية وفي مقدمتها مشروع الولي الفقيه الفارسي، لبث الفرقة الدينية والطائفية والإثنية، وتقسيم المجتمع العربي، واضعاف دوله. وكان ذلك بدءًا من الحرب الايرانية على العراق عام 1980 ثم احتلاله والقضاء على نظامه الوطني سنة 2003 لينهار الامن القومي العربي و تُفتَح البوابة الشرقية للامة العربية على مصراعيها امام تنفيذ المشروع الجهنمي. وقد اثبتت الوقائع ان المشروعين يخدم احدهما الاخر ويتكامل معه. وهكذا تتجدد المشاريع التآمرية ضد الأمة العربية مع تغير المراحل ، مما يتطلب تجدّد وعي ابناء الأمة وقواها الحرة،  طالما ان الأمة  حيّة تنبض بعنفوان الحياة وتزخر بمكامن القوة.

 ومع ما تتعرض له الأمة اليوم في العديد من أقطارها من هجمة جديدة تشمل العدوان المباشر، وتتجاوزه الى محاولة تغيير الهوية والتركيب الديموغرافي نحو تفريس العراق ولبنان واليمن واقطار أخرى، مقرونة بإعادة التدخل الأمريكي الصهيوني تحت عناوين جديدة تهدف في النهاية القضاء عليها و تقاسم النفوذ فيها بين مشروعي النظام الفارسي والصهيوني المعادين لها .

 لذا فإن الأمة العربية تقف اليوم على مفترق طرق جديد،  فهي  إما أن تواصل خوض معارك المصير والتحرير باستجماع الإرادة العربية نحو اطلاق مشروع عروبي يوحِّد امكانياتها،  ويجَذِّر التكامل بينها، ويتجاوز كافة اخطاء الماضي وعوامل الفرقة فيه، أو سيصيبها الفناء والتشرذم وتسيُّد المشاريع المعادية.

 ومن بين كل ذلك تتصدر اليوم الموقع الاول والمتقدم معركة الوعي التي يجب ان يخوضها المناضلون العرب لإفشال مؤامرات تشويه وحرف النضال الوحدوي التحرري. تلك المؤامرات التي تجري بمختلف وسائل التفتيت والتقسيم متغطية بشعارات مقدسة وعلى رأسها الاستثمار بالقضية الفلسطينية، في حين تُنفَّذ على ارض الواقع كافة استراتيجيات مهاجمة العرب واضعافهم و اعاقة جهودهم في الدفاع عنها .

 وفي ظل جسامة المتغيرات الدولية المتسارعة و شراستها، فإن صمود وثبات البعث ومناضليه على المبادئ عبر ثمانية عقود من الزمن، وفي مقدمتها حمايته للأمن القومي العربي بدفاعه القويّ الجسور عن البواية الشرقية للأمة العربية، يجعله اليوم أمل الأمة الحقيقي لمواجهة كل ما تتعرض له من مخاطر وجودية.  

فحزب البعث العربي الاشتراكي كان منذ التأسيس وما يزال حاملاً اميناً لراية النضال العربي، وما انعقاد المؤتمر  القومي الثالث عشر للحزب رغم الظروف الاستثنائية القاسية الا انعكاس لتلك الإرادة  القوية التي جدد فيها الرفاق من كل اقطار الوطن العربي الشرعية بوصفها أحد أهم عوامل الحفاظ على تماسك الحزب ووحدته الفكرية والتنظيمية، كما انه دليل ساطع  على قدرة الحزب على النهوض والانتصارعلى كل ما يتعرض له من استهداف، وتأكيد مواصلته محاربة مشاريع الإستسلام والتفتيت والطائفية والهيمنة والتشديد على تطوير أدوات النضال القومي وأساليب العمل السياسي والتنظيمي وبما يواكب المتغيرات الراهنة مستنداً على جوهرعقيدته العروبية الموحِّدة، بوصفها منظومة نضالية متكاملة تشكل مشروعاً تحررياً للأمة العربية كلها .

 ولأن ما تواجهه الامة العربية من مشروعين، الصهيوني والفارسي، هما في حقيقتهما وجهان لعملة واحدة، فهما مشروعان متكاملان لإضعاف وتفكيك الوطن العربي وفرض الهيمنة على قراره القومي والإقليمي. لذا فإن المسؤولية جسيمة تقع على كل العرب، شعباً وقوى ودول، في اطلاق مشروع  عربي دفاعي نهضوي. فالمواجهة مع الأعداء لم تعد مجرد خلاف فكري او سياسي بل هي معركة وجود مصيرية.

 كما ان مسؤولية كوادر الحزب هي قيادة معركة الوعي نحو تعزيز العمل الوطني، وتفعيل مشاركة كل القوى الوطنية والقومية الخيّرة لمواجهة العدوان  وتحصين الجبهة الداخلية ضد مشاريع التفتيت بكل اشكالها. مستلهمين من انتصارات البعث السابقة في دحر الهجمات الشبيهة، فالمؤامرات والأحداث التي يشهدها الوطن  العربي اليوم ليست  مختلفة عن هجمات سابقة، بل هي إمتداد لها،  وخاصة العدوان الإيراني الغاشم خلال ثمانينيات القرن الماضي والإصطفاف الأمريكي الصهيوني معه، ضد العراق كدولة عربية وقيادة وطنية حرست الأمن القومي العربي برمته.

 واذ نحتفل اليوم بذكرى التأسيس فانما نستحضر قيم الثبات والصلابة و العطاء النضالي المتميز الذي جسده الرفاق الروّاد الأوائل على امتداد الوطن العربي. فليكن هذا العيد محطةً لشحذ الهمم، وانطلاقةً متجددة ليبقى البعث كما كان دوماً، قائداً، ومنارةً لأحرار العرب، مستندين الى ايمان راسخ بحتمية انتصار الأمة العربية، طالما بقيت أمة تنبض بالحياة والوعي واليقضة.

 تحية للرفاق المؤسسين وفي مقدمتهم الرفيق الاستاذ أحمد ميشيل عفلق.

 وتحية لشهداء البعث والأمة العربية وعلى رأسهم شهيد الحج ألأكبر ألأمين العام للحزب صدام حسين والرفيق عزة ابراهيم رحمهما الله.

 الحرية للأسرى والمعتقلين في معسكرات وسجون العدو الصهيوني والفارسي في فلسطين و العراق.

 وعاشت الأمة العربية، وعاشت فلسطين حرة أبية .

 

مكتب الثقافة والإعلام القومي

7 / نيسان / ٢٠٢٦م