شبكة ذي قار

أرشيفات 2025

في سبيل البعث الجزء الأول – الأرض والسماء  

في سبيل البعث

الجزء الأول

الأرض والسماء  

لا مفر من هذا التعبير «الأرض والسماء» حتى بعد أن أفرغ من محتواه الديني. وليس أقرب إلى الحقيقة من هذا التضاد بين عالمين، ما هو وقتي عارض فان، وما هو جوهري دائم. للعالم، للفنان، أرضه وسماؤه. الأرض هي مطالب الجسم ولذات الحياة اليومية ومشاغلها. والسماء هي مطالب العقل والروح، ولذات الحياة العليا وواجباتها. هذه السماء لا تبلغ الا بتضحية الارض، وخسارة الارض على الارض معناها عذاب الجحيم. وفي هذا الجحيم ومن خلال لهيبه ترمق العين وتستشف أفياء الخلود.

لو كان الإفراط في اللذة وطلب الرفاهية وحب متع الحياة هو الذي يبعد السماء عن الإنسان لهان الأمر، لأن المفرطين قليلون، وشروط الإفراط غير سهلة ولكن البلية ان أكبر خطر يعرض سماء الإنسان الى الضياع، وأكبر حائل يقف بينه وبينها هو مطالب حياته المعتدلة وسعادته المشروعة، وكل ما تنزع اليه الطبيعة السليمة ويأمر به العقل وتوافق عليه الأخلاق، النصيب المشروع من الراحة والرفاهية والحرية والحب والصداقة. ذلك لأن السماء غير طبيعية ولا معقولة، ولان لها أخلاقها الخاصة.

للحياة قوانين، بينها وبين القوانين الطبيعية هذا الفرق الجوهري، قوانين الطبيعة تستكشف مرة واحدة، وقوانين الحياة يجب على كل فرد أن يستكشفها في حياته من جديد.

من هذه القوانين: أنه لا ربح بلا خسارة، ولا ربح الا على قدر الخسارة، الى حد ان الذي يقبل بأن يخسر كل شيء يستطيع وحده ان يأمل بالربح الأكبر.

أبعد الناس عن فهم الحياة، هم الذين يعتقدون بإمكان التوفيق بين النقيضين باستطاعة المرء أن يربح من غير خسارة، ان يصعد الى السماء وقدماه لاصقتان بالارض. إذا صح ذلك فلأن هذه السماء التي يقصدونها حقيرة الى حد ان المرء يتناولها وهو قاعد، كاذبة زائفة يربحها بخدع القمار.

وهناك وهمان يجب ان يبددا، الأول ان نحسب السماء تبلغ بلا مشقة، والثاني حسبان المشقة وحدها موصلة الى السماء، أو أنها هي السماء. الوهم الأول أشاعه غرور بعض الفنانين او ذهولهم، فقد كتموا كل العذاب الذي قاسوه حتى امتلكوا قياد فنهم، او ان عذوبة الفن لطفت من مرارة العمل الفني، وجمال القمة انساهم وعورة الطريق الذي سلكوه لبلوغها. صحيح انه لا يبلغ السماء الا من وهب جناحان وقدرت له مواهب أساسية، ولكن ما لا يقل عن ذلك صحة ان هذه المواهب لا تظهر الا اذا أصغى المرء الى ندائها، وصم أذنيه عن جلبة العالم الخارجي ومغرياته وسهولاته، ووزن المسؤولية التي تفرضها وقبل بها، وجرد لها من قوة الإرادة ما تقتضي. الجناحان يطيران بك اذا رميت كثيرا من أحمالك حتى يستطيعا حملك، واذا رضيت بكثير من الضغط او المقاومة اللازمة لحملهما، المصير العظيم لا يعني انك ستكون عظيما الا اذا تحملت عبء العظمة.

والوهم الثاني هو ان نحسب مجرد تحمل المشقة الكبيرة دليلا على المصير الكبير، وفي هذا ما يضل عن الغاية ويغري باتخاذ الوسيلة بدلا منها. فبعد ان كانت وعورة الطريق واسطة لبلوغ القمة تصبح هي الشغل الشاغل، ويستحيل العمل رياضة وبهلوانية، كل النفوس التي تزهد للزهد، وتخاطر حبا بالخطر وتنزوي ارتياحا الى الإنزواء، هي نفوس بهلوانية لا مثالية. كذلك الذين يحاكمون هذه المحاكمة: اذا كانت السماء وعرة الطريق، فكل طريق وعرة توصل اليها. تلك هي العقول القاصرة.

ان المشقة محتومة ولكنها ليست مرغوبة، ومن الواجب التغلب عليها حتى تخف وتختفي. عندئذ يصبح الذي يضحي بالأرض دون أن يشعر بألم التضحية عائشاً في السماء، او ان الارض لديه تستحيل سماء.

عام 1944

في سبيل البعث الجزء الأول- المثالية الواقعية

في سبيل البعث

الجزء الأول

المثالية الواقعية

المثالي ليس نقيض الواقعي، لأن الواقعي ليس الذي يستسلم للواقع بل الذي يفهمه. وقد يفهمه ليماشيه ويستغله، او ليعلو عليه ويغيره. ولذلك يجوز ان يكون، وفي عرفنا يجب أن يكون، المثالي واقعيا كي يقدر على تحقيق مثله في العمل.

ولكن الواقعية السائدة، ليست سوى الاستسلام للواقع، أما بعامل الخوف والجبن، واما بباعث النفعية والاستغلال والاصح ان تسمى هذه الفئة بفئة المستسلمين والمنتفعين.

عندنا سياسيون، فيهم الشيوخ والكهول والشباب، ولكنهم مستسلمون ومنتفعون او مستسلمون لانهم منتفعون. دخل أكثرهم العمل العام دون فهم كلي للقضية القومية، ودون أن يتصوروها كلا، فضاعوا في الاجزاء، وعجزوا عن نفع القضية، فرأوا عندئذ ان لا بأس من الانتفاع بها.

وعندنا إلى جانب هؤلاء، جيل جديد، مرشح لان يكون قوميا، دفعته أخطاء السياسيين ومغالاتهم الى أن يعتبر ويفكر. وهذا الجيل لا يزال في دور النشوء والتهيؤ، لم يتسلم سلطة ولم يصل بعد الى مرحلة التحقيق، وسيبقى زمنا طويلا. اذا فهم حقيقة مهمته – في دور النضال.

والنضال يسمح له، بل يشترط عليه ان يكون متشددا في مطاليبه، دقيقا في المحافظة على مبادئه، مبتعدا عن كل تساهل تقضي به السياسة ويبرره استعجال النجاح.

عام 1943  

في سبيل البعث الجزء الأول- المثالية الموهومة

في سبيل البعث

الجزء الأول

المثالية الموهومة

كثيرا ما تقرن المثالية باسم البعث العربي وبأعضائه. تارة تقذف على سبيل النقد ويراد فيها ان البعثيين غير واقعيين، وتارة تقال في معرض المدح. ولكن أشك كثيرا في أن الذين يمدحوننا بهذا النعت يدركون تماما ما نفهم نحن من المثالية.

مثاليتنا هي هذه الروح المتفائلة الواثقة من نفسها ومن الأمة والمستقبل. هذه الروح المؤمنة التي تعتقد ان المبادئ السامية لم توجد للتظرف بالكلام عنها، ولم توجد لتكتب على الورق، وانما هي الحياة بعينها، وأنها تحققت في كثير من مراحل التاريخ عندما وجد المؤمنون العاملون الصادقون، وانها يمكن ان تتحقق من جديد. هذه المثالية هي في ان نعيش في صميم هذا الوسط الذي نرى مفاسده في كل ناحية والذي صممنا على محاربته والظفر عليه، دون أن نفقد أملنا بأن يخرج من صميم هذا الوسط الفاسد نور الحياة العربية.

انها في ان نكون على اتصال دائم مع هذا المجتمع، وعلى اتصال أشد وأوثق مع مبادئنا وروح أمتنا، عندها نكون مثاليين وواقعيين في آن واحد.

أين هي المثالية الوهمية التي ينسبونها الينا فما دمنا نثبت يوما بعد يوم بأن هذه المبادئ هي حياة نابضة بالدم وانها تجند جنودا أحياء.

ان هذا الجيل يزداد يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، فهل هذا وهم أم هو الحقيقة بعينها؟  

عام 1943  

في سبيل البعث الجزء الأول – الإيمان

في سبيل البعث

الجزء الأول

الإيمان

 ان الأساس الخالد لعملنا، الأساس الذي لا يتبدل ولا يستغنى عنه هو (الايمان). والتفاؤل مظهر بسيط من مظاهر الايمان. هذه نظرة قد يعتبرها بعضهم غيبية، ولكن الحياة برمتها تقوم عليها منذ ان وجدت الحياة الانسانية. وإذا طرحت هذه النظرة جانبا لا يبقى تاريخ ولا يبقى إنسان.

ولو أعطونا ملك الارض ولو أعطونا اليوم او في أي وقت الدولة العربية التي تتحقق فيها أهداف البعث وقالوا ان الايمان سيكون مفقودا من حياة البشر الذين يكونون هذه الدولة المثلى، لقلنا اننا نفضل ان نبقى أمة مجزأة وأمة مستعمرة ومستغلة، مظلومة ومستعبدة حتى نصل من خلال الآلام، من خلال الصراع بيننا وبين قدرنا، بيننا وبين أنفسنا، الى اكتشاف حقيقتنا الانسانية.

هذا الايمان لا يستطيع أحد ان يفخر بأنه أوجده وخلقه، هو في أعماق كل انسان، وفي أعماق كل انسان عربي. وقد شاء قدر امتنا وتراثها وقيمها الروحية والانسانية ان يعب وهذا الايمان عن نفسه بين مجموعة من الشباب، كانوا أبعد ما يكونون عن السياسة ورخص السياسة : سموا بالخياليين والمثاليين والاطفال ولكنهم في هذه المرحلة من حياة العرب، مثلوا على بعض أجزاء الارض العربية حقيقة النضال وقدسية النضال، ومثلوا شيئا أعمق من حقيقة وقدسية النضال، مثلوا التفاني والتجرد وإنكار الذات والتواضع أمام الفكرة وأمام صوت الحق وآلام الشعب.

هذا الايمان لم يقلل من شأنه أن تكون تعبيراته لم تبلغ بعد درجة النضج والوضوح اللازمين له، فثمة فرق أساسي بين المبدأ كروح، وبين المبدأ كذهن. فمبادئ الحزب كتعبيرات ذهنية هي بحاجة الى عمل طويل والى دراسة وبحث لكي ترتقي شيئا فشيئا وتفيد من دراسات الأمم الأخرى، ومن نتائج البحث العلمي والتجربة الذاتية وتجربة الآخرين.

ان طريقنا طويلة وسوف يمر عليها أفراد وأجيال لذلك يجب أن يعرف السائرون على هذه الطريق كلمة السر التي تبقي على صحة الطريق واستقامته وأمانته وان ينقلها كل فرد لآخر، وكل جيل لآخر. وكلمة السر هذه ليست نظرية يبرهن عليها وليست دستورا رياضيا، ولكنها هي الميزة التي تميز الانسان في كل عصر وكل قطر… عفويته التي تميز بين الصدق والكذب. فهذه الروح العفوية التي تغذيها التجارب ويصقلها الفكر والبحث، ولكن لا توجدها التجارب ولا العلم ولا الفكر، هذا هو المقياس وكلمة السر.

عام 1943

في سبيل البعث الجزء الأول- ثروة الحياة

في سبيل البعث

الجزء الأول

ثروة الحياة

سأحاول في هذه الكلمة ان أزيل شيئا من سوء التفاهم الذي لا يزال يحول بين الشباب الثوري وبين العدد الاكبر من الشباب العربي. اذا كان الشباب في هذه البلاد لم يأت الينا بعد بالسرعة واللهفة اللتين نريدهما فما الذنب كله يلقى عليه. اننا حتى الآن لم نعرف ان نفصح عن أفكارنا بوضوح ولا أجهدنا أنفسنا الجهد الكافي لكي يكون كلامنا مفهوما لدى الآخرين.

نعم اننا ثوريون ندعو لشكل جديد من أشكال المجتمع، نعتقد فيه الخير وتحقيق السعادة. ولكن ألا يحق للذين لم يهتدوا بعد إلى ما اهتدينا اليه ولا اطلعوا على الذي اطلعنا عليه ان يسألوا: “وما هي فضائل هذا الجديد الذي تقترحونه علينا، اننا مستاؤون من القديم، ولكن أيكفي ذلك أن يورطنا في جديد مجهول؟”

انهم على صواب، وليت هذا الجديد كان مجهولا عندهم، اذن لاكتفينا بتعريفه اليهم، ولكنهم يعرفونه معرفة خاطئة، مشبوهة، وواجبنا يقضي بأن نمحو هذه الشبهات عن وجه الحقيقة. ومن حسن الحظ اننا لسنا رجال سياسة يختارون الشوارع والحفلات لينشروا دعايتهم، ويخاطبون العقل القاصر والشعور السطحي الفائر.

 ان أحلامنا أصعب وأطماعنا أبعد. لذلك اخترنا الكتابة طريقا لبث أفكارنا وهي على عكس الخطابة تتوجه إلى العقل الهادىء الرصين والعاطفة العميقة الصادقة، هذا ما يضمن لنا انتباه الشبيبة المثقفة المتحفزة لفهم الحقيقة واعتناقها، اذا آنستها في جهة ما. ولكننا لم نعمل حتى الآن الا على تخييب ظنها فينا. وهل يروي ظمأ هذه الشبيبة ان نقتصر على لعن المجتمع البرجوازي والاشادة بذكر الفردوس الارضي الذي نحلم به حلم المؤمن بأطياف الجنة؟

لو سئلت عن أسباب ميلي للاشتراكية لأجبت: ان ما أطمع به منها ليس زيادة في ثروة المعامل بل في ثروة الحياة، وليس همي ان يتساوى الناس في توزيع الطعام بقدر ما يهمني ان يتاح لكل فرد اطلاق مواهبه وقواه. وقد لا يرى العامل الرازح تحت بؤسه في الاشتراكية الا وعدا بأن يأخذ ما هو محروم منه، ولكني لا انظر أليها أنا الا كعطاء دائم سخي، بأن نعطي الحياة اضعاف ما بذلته لنا.

حتى اليوم نظر الناس إلى الحياة نظرة الكافر الجاحد لا نظرة المؤمن الواثق. هم يستكثرون منها أقل شيء لأنهم لم ينتظروا منها شيئا. على أنها أغنى مما يظنون.

لست أصدق ان القرن الكامل من السنين يعجز عن انتاج أكثر من فرد او فردين او عشرة افراد يليق ان يمثلوا الانسانية، وان نقول في الواحد منهم هذا هو الانسان.

لقد طال الأمد على الناس وهم يعتقدون الحياة فرنا وحشيا هائلا توقد فيه الملايين منهم لاستخراج حبة من الذهب. وما أحراهم ان ينظروا اليها كحقل واسع مديد تتفتح فيه الورود والازهار من كل جانب بشتى الالوان والاشكال.

كان العرب القدماء يعتقدون ان نفس القتيل الذي لم يؤخذ بثأره تتحول بعد موته إلى طائر يحوم حول القبر صارخا متوجعا من عطشه المحرق. وكأن هذه حال ألوف النفوس توارى كل يوم في التراب قبل ان تشفي من الحياة ظمأها، لأن أوضاع المجتمع حولتها إلى حيوانات ذليلة تقضي العمر خافضة الرأس إلى الارض تبحث عن لقمتها، بدلا من أن تكون مخلوقات بشرية مشرئبة نحو النور تمنح أحسن ما عندها.

انني أفكر لكل الذين يتململون في زوايا القبور من ثقل الآمال التي لم يتح لهم المجتمع تحقيقها في الحياة، ومن كنوز الخير والحب والحماسة التي بقيت كامنة في قلوبهم وما تسنى لهم اظهارها واستخدامها. انهم أشبه بشجرة مورقة نقطعها ونلقيها في النار فتزهر وهي تحترق.

اذا كنت أدعو إلى الاشتراكية فلكي لا تحرم الحياة من مواهب هذه النفوس وقواها الدفينة وجهودها الحرة الخصبة. ما نظرت إلى الاشتراكية في يوم من الايام كواسطة لاشباع الجياع وإلباس العراة فحسب، ولا يهمني الجائع لمجرد كونه جائعا بل للممكنات الموجودة فيه، التي يحول الجوع دون ظهورها، ولا أرى الاكل غاية له، بل سبيلا ليتحرر من الضرورات الحيوانية وينصرف إلى القيام بوظيفته الانسانية.

ان الذي يظن الاشتراكية دينا للشفقة مخطىء أيما خطأ، وما نحن رهبان نلوذ بالرحمة لنطمئن وجدانا أقلقه مرأى البؤس والشقاء حتى نعظم في عيون أنفسنا وننام هادئي البال. اننا في دفاعنا عن الجماهير المحرومة لا نمنحهم صدقة بل نطلب لهم حقا، ولا يهمنا تخفيف البؤس اذا لم يكن ذلك لزيادة ثروة الحياة.

اذا سئلت عن تعريف للاشتراكية فلن أنشده في كتب ماركس ولينين وانما أجيب: «انها دين الحياة، وظفر الحياة على الموت.

فهي بفتحها باب العمل أمام الجميع، وسماحها لكل مواهب البشر وفضائلهم ان تتفتح وتنطلق وتستخدم، تحفظ ملك الحياة للحياة، ولا تبقي للموت الا اللحم الجاف والعظام النخرة.

عام 1936

في سبيل البعث الجزء الأول- عهد البطولة

في سبيل البعث

الجزء الأول

عهد البطولة

الآن تنطوي صفحة من تاريخ نهضتنا العربية وصفحة جديدة تبدأ، تنطوي صفحة الضعفاء الذين يقابلون مصائب الوطن بالبكاء وبأن يقولوا “لا حول ولا قوة إلا بالله”، وصفحة النفعيين الذين ملأوا جيوبهم ثم قالوا” (لا داعي للعجلة، كل شيء يتم بالتطور البطيء)، صفحة الجبناء الذين يعترفون بفساد المجتمع إذا ما خلوا لأنفسهم حتى إذا خرجوا إلى الطريق كانوا أول من يطأطئ رأسه لهذه المفاسد…

وتبدأ صفحة جديدة، صفحة الذين يجابهون المعضلات العامة ببرودة العقل ولهيب الإيمان، ويجاهرون بأفكارهم ولو وقف ضدهم أهل الأرض جميعا، ويسيرون في الحياة عراة النفوس. هؤلاء هم الذين يفتتحون عهد البطولة.

عهد البطولة وأكاد أقول عهد الطفولة، لان النشء الذي يتأهب اليوم لدخول هذه المعركة له صدق الأطفال وصراحتهم، فهو لا يفهم ما يسمونه سياسة، ولا يصدق أن الحق يحتاج إلى براقع، والقضية العادلة إلى تكتم وجمجمة.

حياة هؤلاء ستكون خطا واضحا مستقيما لا فرق بين باطنها وظاهرها ولا تناقض بين يومها وأمسها فلا يقال عن أحدهم “نعم.. سارق ولكنه يخدم وطنه” ولا يقودون في الصباح مظاهرة ويأكلون في المساء على مائدة الظالمين. الصلابة في الرأي صفة من أجل صفاتهم، فلا يقبلون في عقيدتهم هوادة، ولا يعرفون المسايرة. فإذا رأوا الحق في جهة عادوا من أجله كل الجهات الأخرى، وبدلا من أن يسعوا لإرضاء كل الناس اغضبوا كل من يعتقدون بخطئه وفساده. إنهم قساة على أنفسهم، قساة على غيرهم، إذا اكتشفوا في فكرهم خطأ رجعوا عنه غير هيابين ولا خجلين، لان غايتهم الحقيقة لا أنفسهم. وإذا تبينوا الحق في مكان أنكر من أجله الابن أباه وهجر الصديق صديقه.

هؤلاء اليوم قليلون وربما أصبحوا في الغد أقل إذا اصطدموا بالمصاعب التي تنتظرهم، ورأوا الويلات تنزل بهم واللعنات تنصب عليهم. ولكن المستقبل لهم لأنهم يفصحون عن مشاعر ملايين الناس الذين قص الظلم ألسنتهم.

إن الأسلحة التي تهدد هذا النشء، كثيرة مختلفة، وثمة سلاح أمضى من السجن والتعذيب، هو سلاح البرودة التي يقابله بها بعض مواطنيه، والابتسامة الساخرة التي يجيبون بها على ندائه وحماسته. إنهم سيقولون “دعوا هؤلاء الأطفال يلعبون برهة من الزمان ويحاولون تناول القمر بأيديهم القصيرة، إن الواقع كفيل بإرجاعهم إلى العقل”، ولكن واجب هذا النشء، أن تزيده برودة مواطنيه غيرة وإيمانا، وان يذكر ان بقاء بلاده حتى الآن في تأخرها المعيب هو من جراء هذه الابتسامة الساخرة التي يتسلح بها الضعفاء كلما دعاهم الواجب واستيقظ في ضمائرهم صوت الحق.

ليست البطولة دائما في المهاجمة، بل قد تكون كذلك في الصبر والثبات، وليست الشجاعة دائماً في محاربة العدو الظاهري فحسب، بل إنما هي أيضا – وعلى الأخص – محاربة العدو الباطني أي أن يحارب المرء في نفسه اليأس والفتور وحب الراحة.

في هذا العهد الجديد الذي بدأت تباشير صبحه تختلج في الأفق، نريد أن تكون النهضة والاستيقاظ في كل عواطفنا الشريفة ومواهبنا العالية لا ان تنحصر اليقظة في عاطفة واحدة ضيقة. لم يعد يرضينا أن نسمع ان ذلك الشخص وطني إذا لم يكن في الوقت نفسه إنسانيا، عفيف النفس، كريم الخلق، فالعاطفة الوطنية إذا لم تكن مصحوبة بهذه الصفات قد لا تكون غير مجرد كره للأجنبي.

وهذه ليست غايتنا. لسنا نطلب الاستقلال لننعزل عن بقية الشعوب، ونقيم سدا بيننا وبين الحضارة الإنسانية. لسنا نصبو إلى الحرية لنعيش في الفوضى، أو نرجع إلى ظلام القرون الوسطى. إننا نطلب الاستقلال والحرية لأنهما حق وعدل قبل كل شيء ولأنهما وسيلة لإطلاق مواهبنا العالية وقوانا المبدعة، وكيما نحقق على هذه البقعة من الأرض التي هي بلادنا غايتنا وغاية كل إنسان، الإنسانية الكاملة.

تشرين الأول 1935

بيان رقم 1 لثورة 14 رمضان   1963 8 شباط 1963 بيان رقم (١) من المجلس الوطني لقيادة الثورة

بيان رقم 1 لثورة 14 رمضان   1963

8 شباط 1963

بيان رقم (١)

من المجلس الوطني لقيادة الثورة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الشعب العراقي الكريم:

لقد تم بعون الله القضاء على حكم عدو الشعب عبد الكريم قاسم وزمرته المستهترة، التي سخرت موارد البلد لتطمين شهواتها وتأمين مصالحها، فصادرت الحريات، وداست الكرامات، وخانت الأمانة، وعطلت القوانين، واضطهدت المواطنين.

يا أبناء الشعب الكرام:

قامت ثورة الرابع عشر من تموز لتحرير وطننا من الأوضاع الاستعمارية المتمثلة بالحكم الملكي، وسيطرة الاقطاع وسياسته، ومن التبعية، ولتحقيق أوضاع ديمقراطية ينعم فيها الشعب بحياة كريمة، ولكن عدو الله وعدوكم المجرم والخداع استغل منصبه واندفع بكل الوسائل الدنيئة والأساليب الإجرامية لإقامة حكمه الأسود الذي أفقر البلاد وصرع الوحدة الوطنية، وعزل العراق عن ركب العروبة المتحررة وطعن أماني شعبنا القومية.

أيها المواطنون:

إن حرصنا على سلامة وطننا، ووحدة شعبنا، ومستقبل أجيالنا، وإيماننا بأهداف ثورة تموز العظيمة، قد حمّلنا مسؤولية القضاء على الطغمة الفاسدة التي تسلطت على ثورة الشعب والجيش، فأوقفت مسيرتها، وعطلت انطلاقتها، وقد تم ذلك بمؤازرة كافة القوات المسلحة الوطنية، وتأييد جماهير الشعب.

يا أبناء الشعب الكرام:

إن هذه الانتفاضة التي قام بها الشعب والجيش من أجل مواصلة المسيرة الظافرة لثورة تموز المجيدة، لا بد لها من إنجاز هدفين، الأول تحقيق وحدة الشعب الوطنية، والثاني تحقيق المشاركة الجماهيرية في توجيه الحكم وإدارته، ولا بد من إنجاز هذين الهدفين الاثنين من إطلاق الحريات وتعزيز مبدأ سيادة القانون.

إن قيادة الثورة المتمثلة بالمجلس الوطني لقيادة الثورة، إذ تؤمن بهذا وتعمل على تحقيقه، تؤمن كذلك بما يزخر فيه الشعب من روح وطنية وثابة وما يتحلى به من عزم ثوري وما يتصف به من وعي عميق لذا نحن نأمل أن يترفع المواطنون في هذا اليوم المبارك عن الضغائن والأحقاد، وأن يعملوا جميعاً على ترسيخ وحدتهم الوطنية، وتقوية التفاهم حول أهداف ثورة تموز المجيدة، وألا يدعو منفذاً لعميل أو مفسد ومأجور يسعى فيه للتفرقة.

أيها المواطنون:

إن المجلس الوطني لقيادة الثورة يعمل على إقامة حكومة وطنية من المخلصين من أبناء الشعب، ومن المخلصين من أبناء هذا الوطن، وستكون سياسة حكومة الثورة، وفقاً لأهداف ثورة تموز المجيدة لذا فإن الحكومة ستعمل على إطلاق الحريات الديمقراطية، وتعزيز مبدأ سيادة القانون، وتحقيق وحدة الشعب الوطنية بما يتطلب لها من تعزيز الأخوة العربية الكردية، بما يضمن مصالحها القومية ويقوي نضالهما المشترك ضد الاستعمار واحترام حقوق الأقليات وتمكينها من المساهمة في الحياة الوطنية.

كما إنها تتمسك بمبادئ الأمم المتحدة ، والالتزام بالعهود والمواثيق الدولية، والمساهمة في تدعيم السلام العالمي و مكافحة الاستعمار بانتهاج سياسة عدم الانحياز ، والالتزام بقرارات مؤتمر باندونغ ، وتشجيع الحركات الوطنية المعادية للاستعمار وتأييدها كما إن قيادة الثورة تعاهد الشعب على العمل نحو استكمال الوحدة العربية ، وتحقيق وحدة الكفاح العربي ضد الاستعمار والأوضاع الاستعمارية في الوطن العربي والعمل على استرجاع فلسطين المحتلة وستحافظ على المكتسبات التقدمية للجماهير وفي مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي وتطويره ولمصلحة الشعب وإقامة اقتصاد وطني يهدف إلى تصنيع البلد وزيادة امكانياته المادية والثقافية كما سيؤمن تدفق البترول إلى الخارج.

أيها الشعب الكريم:

إننا نعاهد الله ونعاهدكم أن نكون مخلصين لجمهوريتنا، آمنين على مبادئنا، مضحين في سبيلها. وكلنا أمل وثقة بأن أبناء شعبنا الكرام سيكونون وحدة متراصة للمحافظة على هذه المبادئ، والسير قدماً في طريق التقدم والرقي والله ولي التوفيق.

كتب ببغداد في ١٤/رمضان/١٣٨٢هـ

الموافق لـ ٨/شباط/١٩٦٣م

المجلس الوطني لقيادة الثورة

بيان قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي في الذكرى الستين لثورة الثامن من شباط ١٩٦٣

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي

في الذكرى الستين لثورة الثامن من شباط ١٩٦٣

يا جماهير أمتنا العربية المناضلة

يا جماهير شعبنا العراقي البطل

أيها الرفاق المناضلون

يا أحرار العالم في كل مكان

يستذكر العراقيون وبكل فخر واعتزاز ومعهم كل القوى الوطنية والقومية الخيرة ذكرى عزيزة على قلوبنا، ذكرى ثورة الثامن من شباط (عروس الثورات)، التي خطط لها وقادها حزبنا المناضل حزب البعث العربي الاشتراكي وبمؤازرة القوى الوطنية والقومية لتصحيح المسار الخاطئ لثورة الرابع عشر من تموز ١٩٥٨ بعد أن تفردت الدكتاتورية متمثلة بقاسم والشعوبیین والحاقدین بالسلطة في البلاد وتنكر للدور الأساسي للقوى الوطنية وعلى رأسها حزبنا المناضل حزب البعث العربي الاشتراكي في التخطيط والتنفيذ.          

لقد تفجرت ثورة الثامن من شباط عام ١٩٦٣ الرابع عشر من رمضان المباركة لتخليص العراق من الحكم الدكتاتوري وما اقترفه من جرائم بحق أبناء الشعب من سحل وقتل للأبرياء لیس لذنب اقترفوه سوى حبهم لوطنهم وعروبته.

لقد شهدت تلك الحقبة وبالأخص مدينة الموصل الحدباء ومدن العراق الأخرى جرائم يندى لها جبين الإنسانية والتي تعيش اليوم مأساة مشابهة لما حدث سنة1959 إثر استباحتها من قبل المليشيات الموالية لإيران.

ستبقى ثورة الثامن من شباط البداية الحقيقية للسير على النهج الوطني والقومي في عراق العروبة والنضال وشكلت اللبنة الأساسية الأولى لأسس المشروع الوطني والقومي للأمة، والیوم وبعد مرور (59) عاماً على الثورة يتوجب على الأمة ومناضليها وخصوصاً الشباب العراقي البطل ضرورة ممارسة دورهم الوطني واستلهام التجارب والعبر في التحرر من الاحتلالين الامبريالي الصهيوني والفارسي.

تمر علينا اليوم هذه الذكرى لنستلهم منها کل عناصر الصمود والقوة ونحن نقاتل قوى الشر والبغي والضلالة وکل العملاء والمأجورين ممن باعوا شرفهم ووطنهم بأبخس الأثمان وعاثوا في البلد فساداً وخراباً وضيعوا منجزات ثورة ١٧-٣٠ تموز القومية التقدمية التي نقلت العراق إلى مصاف الدول المتقدمة وأصبح العراق تحت قیادتها قوة إقليمية فاعلة مؤثرة یشار له بالبنان ويحسب له ألف حساب وحساب وتمكن من الوقوف بوجه أعتى قوة حاقدة غاشمة من صهاينة وفرس وذیولهم.

ستبقى عروس الثورات ثورة ٨ شباط المبارکة نبراساً یهتدي به عشاق الحریة والتحرر والتقدم وکل المتعطشین للتحرر من كل صنوف الظلم والطغيان.

تحية مجد ووفاء لشهداء وقادة ثورة الثامن من شباط المباركة.

تحية إلى أرواح الشرفاء ممن ساروا على نهج هذه الثورة المباركة.

تحية إلى أبناء شعبنا العراقي الثائر بوجه الطغيان والظلم.

تحية إلى الرفاق المناضلين الذين واصلوا هذه المسيرة.

تحية إلى أرواح الرفاق المناضلين قادة مسيرة حزبنا المناضل (رحمهم الله).

الرفيق المناضل الأب القائد أحمد حسن البكر

الرفيق القائد المناضل شهيد الحج الأكبر صدام حسين

الرفيق المناضل قائد الجهاد والتحرير عزة إبراهيم 

قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي

بغداد في 8 شباط 2023

بيان قيادة قطر العراق في الذكرى السابعة والأربعين لثورة الثامن من شباط المجيدة

  

بيان في الذكرى السابعة والأربعين لثورة الثامن من شباط المجيدة

 

 

 

يا أبناء شعبنا الأبي

يا أبناء امتنا العربية العظيمة

 

تَمرُ علينا اليومَ الذكرى السابعة والأربعون لثورة الثامن من شباط المجيدة عام ١٩٦٣ التي أسقطت الحكم الفردي الدكتاتوري القاسمي الذي انحرف بثورة الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨ عن مسارها الوطني والقومي ، وأوقع العراق في شرك الشعوبية واستقطابات الصراعات الدولية ومعاداة الامة العربية وحركة الثورة العربية فخاض البعث مع كل الوطنيين والقوميين والإسلاميين نضالاً لا هوادة فيه ضد سلطة قاسم المستبدة ، وقادَ معارك الشعب الوطنية ومطالبه المهنية فقدمَ العديد من الشهداء في مجابهة الشعوبية عام ١٩٥٩ ، وقادَ إضراب البنزين عام ١٩٦١ مقدماً كوكبة من الشهداء في الاعظمية والكرادة مؤيد وصلاح وعبد الرزاق موسى وفيصل العباسي وغيرهم وقادَ إضراب الطلبة الكبير والذي أفضى الى تفجير ثورة الثامن من شباط عام ١٩٦٣ صبيحة يوم الرابع عشر من رمضان المبارك في تلاحم قل نظيره بين طلائع الشعب والجيش الباسل مقدماً في صبيحتها كوكبة أخرى من الشهداء منهم قحطان عبد اللطيف السامرائي وخالد ناصر ومؤيد عماد آل جماس وسهام المتولي والمقدم الركن ابراهيم جاسم التكريتي والملازم الاول سعدون فليح والملازم وجدي ناجي وغيرهم من الشهداء الاماجد وعدد كبير من الجرحى عبر معركة الدفاع الخالدة التي امتدت ثلاث أيام بلياليها ، وشقت ثورة ٨ شباط طريقها وأصدرت منهاجها المرحلي الذي حدد طريق البناء في ميادين الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية .. كما باشرت الثورة ومنذ يومها الاول التوجه لانجاز مهماتها القومية فساهمت مساهمة فعالة في انبثاق ميثاق الوحدة الثلاثية بين العراق وسوريا ومصر في السابع عشر من نيسان عام ١٩٦٣ مما زادَ في انتصاب التحديات بوجهها .. وقد ساهمت تلك التحديات إضافة الى الأخطاء الكبيرة والسلبيات الجسيمة التي اكتنفت مسيرتها في تعثر تلك المسيرة .

 

 

ولقد وعى الرفاق المناضلون البعثيون تلك الأخطاء وأدركوا مخاطرها على مسيرة الثورة .. وفي مقدمتهم الرفيق الشهيد صدام حسين رحمه الله الذي مارسَ عملية نقد واعية لتلك الأخطاء في المؤتمر الخامس لقطر العراق والمؤتمر القومي السادس اللذان انعقدا في عام ١٩٦٣ ، ولقد بصَّر الرفاق بالاحتمال الحتمي لوقوع الردة وفعلاً وقعت ردة الثامن عشر من تشرين الثاني عام ١٩٦٣ التي نفذتها العناصر المُغامرة والرجعية من خلال المواقع الخطيرة التي وضعتها فيها سلطة ثورة الثامن من شباط مستثمرةٍ أخطاء الثورة أبشع استثمار ومُجهزةً عليها وعلى مناضلي البعث الذين واجهوا الردة وأزلامها المرتدين بدباباتهم وأسلحتهم الثقيلة بصدورهم العامرة بالإيمان .. ورشاشات ( السترلنك ) و ( البور سعيد ) و ( السيمنوف ) ، وصعدت نجوم ممتاز قصيرة ابن الموصل الحدباء ونصرة حسن الراوي ابن الانبار وصاحب الرماحي ابن النجف ونائب العريف عبد الأمير نوري ابن مدينة الثورة وغيرهم الكثير .. صعدت هذه النجوم المضيئة الى سماء الشهادة في مسيرة الفداء البعثي العظيمة التي تتواصل اليوم في مجابهة المحتلين الأميركان وحلفائهم .. وبالاصطفاف الجهادي مع فصائل المقاومة الباسلة كلها ، هذا الاصطفاف المبارك الذي أفضى الى هزيمة المحتلين الأميركان الكبرى على ارض العراق الطاهرة وانهيار عمليتهم السياسية المخابراتية ، التي راحَ العميل المالكي وبقية جلاوزتها يَنفثون سموم حقدهم الدفين على البعث ومناضليه آناء الليل وأطراف النهار فبحت أصواتهم النشاز .

  وراحوا يشهرون سلاح ( الاجتثاث ) الصدئ الخسيس بوجه الوطنيين العراقيين الأحرار كافة الذين رفضوا الاحتلال حتى ممن شاركوا في العملية السياسية التي رفضها البعث جملةً وتفصيلاً وكان جهاده وجهاد المقاومة الباسلة السبب الرئيس في انهيارها وتشرذم تحالفاتها المشبوهة .. وسيمضي المناضلون البعثيون ومجاهدو المقاومة كلها في طريق الجهاد المقدس مُستلهمين دروس ثورة الثامن من شباط عام ١٩٦٣ في ذكراها السابعة والأربعين وروحها الاقتحامية وروح الفداء والجهاد التي تحلى بها مناضلوها ويقينية إيمانهم الحتمي بالنصر المبين على المحتلين الأميركان وحلفهم الصهيوني الفارسي وعملائهم المزدوجين لهم ولإيران ليعود الوجه الوطني والقومي المشرق الأصيل للعراق ولترتفع على ربوعه من جديد راية الانبعاث العربي الجديد .

 تحية إجلال وإكبار الى روح الأب القائد المهيب المرحوم احمد حسن البكر قائد ثورة ٨ شباط المجيدة .

وتحية الى رفاقه الأبطال كافة الذين شاركوا في تنفيذ الثورة وصنعوا فجر رمضان المبارك .

عاش البعث وعاشت المقاومة الباسلة وعاش العراق وعاشت الامة العربية المجيدة .

المجد لشهداء البعث والمقاومة والعراق والامة وفي مقدمتهم شهيد الحج الأكبر الرفيق القائد أبو الشهداء صدام حسين رحمه الله .

ولرسالة امتنا الخلود .

 

 

قـيـادة قـطـر الـعـراق

في الثامن من شباط ٢٠١٠ م

بـغـداد الـمـنـصـورة بـالـعـز بإذن الله

 

قراءة في البيان رقم (1) الصادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة في الثامن من شباط 1963

قراءة في البيان رقم (1) الصادر عن

المجلس الوطني لقيادة الثورة في الثامن من شباط 1963

ناصر  الحريري

 

الجماهير أداة الثورة، بل هي مبرر وجودها وسر من أسرار ديمومتها، وبدونها لا تعني الثورة شيئاً، ولا يمكن أن تكون إلا خواء قاتلاً وهيكلاً هزيلاً متداعياً.

إن الجماهير ليست بحاجة لدعوة كي تنخرط في الحركات الثورية، إنها تجد نفسها في صفوف الحركات الثورية بحكم انسجامها معها مصيرياً، إن انتقال الجماهير إلى صفوف الحركات الثورية يساهم بشكل واضح وجلي في تحقيق تطلعاتها وآمالها.

إن حزبنا حزب البعث العربي الاشتراكي كواحد من الأحزاب الثورية التي تشرفت بتحمل مسؤوليات النضال، فهو انطلق منذ البدء من مقولة اعتمدتها الحركات الثورية الأصيلة، انطلق من الجماهير هدفاً ووسيلة، وآمن بالخلق الثوري الذي اعتمد الإنسان الانقلابي الثائر على المفاسد في نفسه قبل غيره.

إن حزبنا في مسيرته الطويلة عمق مفاهيمه الثورية، وأكد أن البعثي يعني ليس مجرد منتسب على حزب سياسي، إن البعثي هو الثوري، وهذا يفرض عليه أن يمثل الثورة في سلوكه، أن يكون صورة مصغرة لتلك الثورة.

إن حزب البعث العربي الاشتراكي حركة ثورية تسعى إلى ترجمة أهدافها الثورية إلى حيز الواقع، وإن النضال الحاسم الذي يمارسه البعث اصطدم بكثير من المعوقات والتحديات إن كان على المستوى القطري أو القومي، ففي العراق واجه البعث أنظمة ديكتاتورية قمعية، فتعرض مناضلوه إلى الاعتقال والترهيب، لأنه كان يمثل الإرادة الجماهيرية الساعية إلى بناء دولة قادرة على تحمل مسؤولياتها الداخلية والخارجية، فكان البعث هو الحركة القومية الثورية الوحيدة التي انطلقت على هدى إيديولوجية متكاملة تعبر عن الثورة والجماهير الثورية.

تمكن حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق من تفجير ثورةٍ اتسمت بأخلاق ثورية وثابة عبرت عن طموح وتطلعات الشعب العراقي في التخلص من نظام ديكتاتوري قمعي شعوبي، ممثلاً بنظام عبد الكريم قاسم الذي كان يتجه بالعراق إلى الهاوية.

فجر حزب البعث العربي الاشتراكي في الثامن من شباط، الرابع عشر من رمضان عام 1963، ثورةً ما زالت تكنى بعروس الثورات، لأنها تمكنت من استعادة العراق إلى وجهته العربية والجماهيرية وانتزاع السلطة الفردية المطلقة التي كان يمثلها الحكم القاسمي، فأصبحت السلطة بيد الشعب والجماهير الثورية.

بعد نجاح ثوار العراق في تفجير ثورة شباط والقضاء على الحكم الديكتاتوري الشعوبي المجرم، أصدروا البيان رقم (1) الذي أعلنوا من خلاله نجاح الثورة واسقاط النظام القاسمي.

وفي قراءة موضوعية للبيان الصادر في الثامن من شباط عام 1963، لا بد لنا من التزام الموضوعية والحيادية في قراءة مفردات البيان الذي صدر باسم (المجلس الوطني لقيادة الثورة).

بدايةً لا بد لنا من ملاحظة أن إصدار البيان باسم المجلس الوطني لقيادة الثورة يعني أنها الجهة الوحيدة المعبرة عن الثورة، ولم يصدر البيان باسم شخص أو حزب او مكون من مكونات الشعب العراقي، وهو ما يدل بوضوح على أن الثورة هي التعبير الحقيقي عن الشعب.

لقد وجه المجلس الوطني لقيادة الثورة بيانه إلى جماهير الشعب العراقي الكريم، بكل مكوناته القومية والاثنية، وكل شرائحه المجتمعية، موضحاً أسباب القيام بالثورة:

(لقد تم بعون الله القضاء على حكم عدو الشعب عبد الكريم قاسم وزمرته المستهترة، التي سخرت موارد البلد لتطمين شهواتها وتأمين مصالحها، فصادرت الحريات، وداست الكرامات، وخانت الأمانة، وعطلت القوانين، واضطهدت المواطنين.

يا أبناء الشعب الكرام:

قامت ثورة الرابع عشر من تموز لتحرير وطننا من الأوضاع الاستعمارية المتمثلة بالحكم الملكي، وسيطرة الاقطاع وسياسته، ومن التبعية، ولتحقيق أوضاع ديمقراطية، ينعم فيها الشعب بحياة كريمة، ولكن عدو الله وعدوكم المجرم والخداع استغل منصبه واندفع بكل الوسائل الدنيئة والأساليب الإجرامية لإقامة حكمه الأسود الذي أفقر البلاد وصرع الوحدة الوطنية، وعزل العراق عن ركب العروبة المتحررة وطعن أماني شعبنا القومية.)

 

لقد تضمن بيان المجلس الوطني الأسباب الموجبة للثورة على نظام عبد الكريم قاسم والقضاء عليه، معتمداً على إرث ثورة الرابع عشر من تموز التي أسقطت النظام الملكي والتبعية للاستعمار، وسرد البيان بعضاً منها، فعلى المستوى الداخلي:

                   افقار البلد، وصرع الوحدة الوطنية.

                   تسخير موارد البلد لتطمين شهواته وتأمين مصالحه.

                   مصادرة الحريات.

                   إهانة كرامة الشعب العراقي.

                   خيانة الأمانة.

                   تعطيل القوانين.

                   اضطهاد المواطنين.

وعلى الجانب العربي القومي:

                   عزل العراق عن ركب العروبة المتحررة، وطعن أماني الشعب العراقي القومية.

ونلاحظ مما ورد آنفاً أن الثورة أعادت الاعتبار للحقيقة المتمثلة في انتماء العراق وشعبه إلى الأمة العربية من منطلق قومي. وهو ما يعبر عنه البعث في أدبياته ومنطلقاته النظرية، من أن العراق هو جزء لا يتجزأ جغرافياً من الوطن العربي، والشعب العراقي هو جزء وامتداد للشعب العربي على مساحة الأمة.

ويتابع البيان: (إن حرصنا على سلامة وطننا، ووحدة شعبنا، ومستقبل أجيالنا، وإيماننا بأهداف ثورة تموز العظيمة، قد حمّلنا مسؤولية القضاء على الطغمة الفاسدة التي تسلطت على ثورة الشعب والجيش، فأوقفت مسيرتها، وعطلت انطلاقتها، وقد تم ذلك بمؤازرة كافة القوات المسلحة الوطنية، وتأييد جماهير الشعب.)

نلاحظ أن بيان المجلس الوطني كان يركز على:

                   سلامة الوطن.

                   وحدة الشعب.

                   مستقبل الأجيال.

                   الإيمان بأهداف ثورة تموز العظيمة التي حملت على عاتقها النهوض بالعراق وشعبه العظيم.

لقد كان الحرص على سلامة الوطن ووحدة الشعب بكل مكوناته وبناء مستقبل مشرف للأجيال القادمة من المحفزات والدوافع للقيام بالثورة، فليس هناك أهم من الوطن وسلامته والشعب ووحدته حتى يتم تقديم التضحيات لأجل كل ذلك.

كما يشير البيان صراحة إلى أن الجيش العراقي، وقواته المسلحة شاركت وآزرت الثورة ضد الطاغية، لأنها تنبثق من الشعب، فلا يمكن أن تكون القوات المسلحة العراقية إلا في صف الشعب، والحامي لطموحه وتطلعاته.

ويتابع البيان: (إن هذه الانتفاضة التي قام بها الشعب والجيش من أجل مواصلة المسيرة الظافرة لثورة تموز المجيدة، لابد لها من إنجاز هدفين، الأول تحقيق وحدة الشعب الوطنية، والثاني تحقيق المشاركة الجماهيرية في توجيه الحكم وإدارته، ولابد من إنجاز هذين الهدفين الاثنين من إطلاق الحريات وتعزيز مبدأ سيادة القانون.

إن قيادة الثورة المتمثلة بالمجلس الوطني لقيادة الثورة، إذ تؤمن بهذا وتعمل على تحقيقه، تؤمن كذلك بما يزخر فيه الشعب من روح وطنية وثابة وما يتحلى به من عزم ثوري، وما يتصف به من وعي عميق، لذا نحن نأمل أن يترفع المواطنون في هذا اليوم المبارك عن الضغائن والأحقاد، وأن يعملوا جميعاً على ترسيخ وحدتهم الوطنية، وتقوية التفاهم حول أهداف ثورة تموز المجيدة، وأن لا يدعو منفذاً لعميل أو مفسد ومأجور يسعى فيه للتفرقة.)

مما تقدم نلاحظ أمراً مهماً، أن المجلس الوطني لم ينسب القيام بالثورة له وحده، بل أكد على حقيقة مفادها أن الجيش والشعب هما من قام بالانتفاضة، كما أن الجميع مشاركون في تحقيق الأهداف الأسمى للثورة، وهي تحقيق وحدة الشعب الوطنية، بكل ما يمثله الشعب من قوميات واثنيات.

ويشير البيان إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي المشاركة الجماهيرية في توجيه الحكم وإدارته، دون استئثار من جهة معينة، وهو ما يفضي إلى إطلاق الحريات وتعزيز مبدأ سيادة القانون، ليكون الجميع أمام القانون سواسية.

لقد أسقط بيان المجلس الوطني كل الرهانات التي كانت تصرخ بغباء أن الثورة ستمارس أعمالاً انتقامية وثأرية ضد نظام عبد الكريم قاسم وزمرته وكل من مارس العنف والهمجية والقتل ضد الشعب العراقي وضد البعث ورجال العراق الوطنيين، فقطع البيان الطريق على هؤلاء داعياً بكل وضوح:( لذا نحن نأمل أن يترفع المواطنون في هذا اليوم المبارك عن الضغائن والأحقاد، وأن يعملوا جميعاً على ترسيخ وحدتهم الوطنية، وتقوية التفاهم حول أهداف ثورة تموز المجيدة، وأن لا يدعو منفذاً لعميل أو مفسد ومأجور يسعى فيه للتفرقة.).

إن ما تؤشر إليه هذه الدعوة من نبذ الأحقاد والضغائن إنما هو دليل قوي على أن الثورة إنما جاءت لتخلص الشعب، كل الشعب، من الظلم والاضطهاد، وتسعى لبناء مجتمع عراقي تغيب عنه الأحقاد والكراهية، لأنها حملت النظام بما يمثله من أشخاص قِلّة مسؤولية ما حدث في العراق.

كما يشير البيان إلى الأهداف التي تسعى الثورة إلى تحقيقها، تلبية لتطلعات الشعب العراقي، حيث يذكر البيان: (إن المجلس الوطني لقيادة الثورة يعمل على إقامة حكومة وطنية من المخلصين من أبناء الشعب، ومن المخلصين من أبناء هذا الوطن، وستكون سياسة حكومة الثورة، وفقاً لأهداف ثورة تموز المجيدة، لذا فإن الحكومة ستعمل على إطلاق الحريات الديمقراطية، وتعزيز مبدأ سيادة القانون، وتحقيق وحدة الشعب الوطنية بما يتطلب لها من تعزيز الأخوة العربية الكردية، بما يضمن مصالحها القومية  ويقوي نضالهما المشترك ضد الاستعمار واحترام حقوق الأقليات وتمكينها من المساهمة في الحياة الوطنية .

كما إنها تتمسك بمبادئ الأمم المتحدة، والالتزام بالعهود والمواثيق الدولية، والمساهمة في تدعيم السلام العالمي ومكافحة الاستعمار بانتهاج سياسة عدم الانحياز، والالتزام بقرارات مؤتمر باندونغ، وتشجيع الحركات الوطنية المعادية للاستعمار وتأييدها، كما إن قيادة الثورة تعاهد الشعب على العمل نحو استكمال الوحدة العربية، وتحقيق وحدة الكفاح العربي ضد الاستعمار والأوضاع الاستعمارية في الوطن العربي، والعمل على استرجاع فلسطين المحتلة، وستحافظ على المكتسبات التقدمية للجماهير وفي مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي وتطويره ولمصلحة الشعب، وإقامة اقتصاد وطني يهدف إلى تصنيع البلد وزيادة امكانياته المادية والثقافية، كما سيؤمن تدفق البترول إلى الخارج.)

يوضح هنا البيان أن المجلس الوطني غير معني بالاستئثار في الحكم، وإنما هدفه الرئيس هو إقامة حكومة وطنية، يشارك فيها كل المخلصين الشرفاء من أبناء العراق. وحدد البيان الأهداف التي ستسعى الحكومة إلى تحقيقها، على مستوى الداخل العراقي:

                   إطلاق الحريات الديمقراطية، وتعزيز مبدأ سيادة القانون، وتحقيق وحدة الشعب الوطنية بما يتطلب لها من تعزيز الأخوة العربية الكردية، بما يضمن مصالحها القومية ويقوي نضالهما المشترك ضد الاستعمار واحترام حقوق الأقليات وتمكينها من المساهمة في الحياة الوطنية

                   وستحافظ على المكتسبات التقدمية للجماهير وفي مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي وتطويره ولمصلحة الشعب، وإقامة اقتصاد وطني يهدف إلى تصنيع البلد وزيادة امكانياته المادية والثقافية، كما سيؤمن تدفق البترول إلى الخارج.

ويشير البيان أن الثورة، على المستوى الدولي:

                   تتمسك بمبادئ الأمم المتحدة، وملتزمة بالعهود والمواثيق الدولية، وتساهم في تدعيم السلام العالمي، ومكافحة الاستعمار بانتهاج سياسة عدم الانحياز، والالتزام بقرارات مؤتمر باندونغ، وتشجيع الحركات الوطنية المعادية للاستعمار وتأييدها.

كما أن البيان لم يغفل المستوى العربي والإقليمي، حيث أشار:

                   إن قيادة الثورة تعاهد الشعب على العمل نحو استكمال الوحدة العربية، وتحقيق وحدة الكفاح العربي ضد الاستعمار والأوضاع الاستعمارية في الوطن العربي، والعمل على استرجاع فلسطين المحتلة).

لم تغفل الثورة في بيانها الأول عن أن العراق سيعمل جاهداً لتحقيق طموحات الجماهير العربية في الوحدة، وتحرير فلسطين، وهنا مؤشر واضح وقوي أن القضية المركزية للعراق والأمة هي فلسطين، وأن تحريرها واجب مقدس على كل أبناء الأمة.

 

وفي ختام البيان الأول ألزم المجلس الوطني نفسه بالعهد لله ثم للشعب أن يكون مخلصاً للعراق وللنظام الجمهوري، أميناً على المبادئ والقيم، ومضحياً في سبيلها، مع الدعوة للجماهير بأن تكون وحدة متراصة متكاملة لتحافظ على المبادئ والقيم، للسير في طريق البناء والنهضة.

 

لقد أثبت بيان المجلس الوطني أن المناضل الثوري حينما يهب طاقاته للشعب لا يبخل بهذه الطاقات، لا يجزئها إلى ما هو لنفسه، لذاته، وما هو للشعب، للعمل الثوري، إن حياته واحدة متماسكة لا انفصام بينها، وهو ما أثبته ثوار شباط.

 

من كل ما سبق فإننا نلاحظ أن توجهات قادة الثورة منذ يومها الأول كانت منصبة لخدمة الشعب وإعادة العراق إلى وسطه العربي الذي أبعدته عنه سياسة دكتاتورية قاسم وعدائه لكل توجه قومي بدفع وتحريض الجهات والعناصر الشعوبية التي سمح لها قاسم وبدعم منه بالسيطرة على الساحة السياسية والمواقع العسكرية.

لذلك واجه هؤلاء الشعوبيون الثورة منذ ساعة انطلاقها الأولى، واستكمل بعض العسكريين التآمر عليها، ولهذا لم تستطع تحقيق كامل أهدافها خلال عمرها القصير، الذي لم يتجاوز تسعة أشهر، لكن حزب البعث العربي الاشتراكي استمر بنضاله على الرغم من حملة الاعتقالات التي شملت مناضليه، وتمكن بعزيمة وإصرار من تفجير ثورة 17 تموز 1968 لتحقيق تلك الأهداف التي آمن بها تلبية لطموحات وتطلعات الشعب العراقي وكل الأمة العربية.