بيان قيادة قطر العراق
لحزب البعث العربي الاشتراكي
في الذكرى الثالثة والعشرين للغزو والاحتلال الأمريكي البغيض للعراق
“الاحتلال يوم أسود في تاريخ العراق والأمة العربية”
يا أبناء الشعب العراقي العظيم
يا أبناء الأمة العربية المجيدة
بعد حصار دولي محكم وظالم لم يشهد مثله العالم منذ عدة قرون، فرضته الولايات المتحدة ومعها تابعها الذليل المملكة المتحدة على العراق باسم مجلس الأمن الدولي لأكثر من ثلاثة عشر سنة، امتص نسخ الحياة في العراق وحجب عنه حتى قلم الرصاص وحليب الأطفال، وبعد تحشيد لكل قوى الشر التي فقدت ضمائرها عن عمد وسبق إصرار، بدأ العدوان الغاشم الذي شاركت فيه بصفة رئيسية كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ومعهما عدد من الدول الأوربية ودول عربية وآسيوية، بعضها بعدة آلاف من الجنود وبعضها ببضع مئات وثالث عدة أفراد لمجرد أن تحضر وليمة نحر العراق الأبي وتقبض ثمن تلك المشاركة البائسة، ولعل أسوأ ما وقع فيها وبأبشع الصور، أن يوجه بعض العرب سلاحهم نحو أشقائهم العراقيين، بعد أن صنع العراقيون من أجسادهم جسورا عبرت فوقها بعض جيوش العرب في فلسطين ومصر وسوريا، نحو انتصارات كان للعراقيين فيها الفضل الكبير، وعلى الرغم من كل الجحود الذي قوبلت به تضحيات العراقيين في عامي 1948 و1973، إلا أنهم لم يردوا على التنكر على دور العراق إلا بمزيد من الإصرار على المضي في طريق نصرة العروبة، لكنهم مع كل ذلك لم يتصوروا في أكثر ساعات التشاؤم أن يصل الحال إلى أن تجيش جيوش أكثر من قطر عربي في سجله مواقف عراقية لو لم يؤدها على وجهها الأكمل لكانت عواصم عربية كثيرة تحت الاحتلال.
لكن العراقيين لم يبالوا وأن كان الجرح عميقاً والنزف راعفاً، فقد استعدوا للمواجهة وإن كانت حساباتهم قد توصلت إلى استنتاجات واقعية بعيداً عن الوهم، ولكن الرجولة والمسؤولية الأخلاقية والوطنية لم تسمح لهم بإلقاء السلاح والاستسلام، بل خاضوا معركة بشجاعة الرجال مقابل تفوق العدو بالسلاح والتكنولوجيا، وعلى الرغم من أنهم قاتلوا من دون غطاء جوي، فقد أحبطوا تصورات أعدائهم من أنهم سيقومون بنزهة عابرة لن تستغرق إلا يوماً أو بعض يوم.
وبعد قتال بطولي نادر تخطى كلَ فواصل الفَرقِ بين إمكانات العراق العسكرية والمادية، وإمكانات الولايات المتحدة وأكثر من ثلاثين جيشا جاءت بهم أحقاد الماضي أو ضغائن الزمن الرديء، ولم تكن الولايات بحاجة حقيقية لمثل ذلك الحشد الدولي الهائل إلا من أجل تصوير الحالة وكأنها إجماع دولي على الرغم من أن العدوان لم يحصل على الشرعية الدولية من جانب الأمم المتحدة.
لقد أكدت جريمة العدوان على العراق سنة 1991، ومن ثم غزوه واحتلاله في مثل هذا اليوم قبل ثلاث وعشرين سنة، جملة حقائق، لعل في المقدمة منها، أن الاعتماد بأي قدر من المقادير على قدرة المجتمع الدولي في وقف نوايا الدول الكبرى في شن العدوان على أي بلد يسعى لتأكيد حقه في اختيار نظام الحكم الذي يتناسب وتطلعات شعبه وطموحاته، في بناء تجربة سياسية واقتصادية تؤمّن له متطلبات العيش الكريم والاحترام، هو وهم كبير يدلل على العجز عن بناء قوة ذاتية، وهذا ما تأكد في الحرب التي اندلعت يوم الثامن والعشرين من شباط، فعلى الرغم من ضخامة الأسلحة الأمريكية التي سبق لدول الخليج العربي أن اشترتها بمليارات الدولارات فقد تأكد أنها تحتاج إلى إرادة سياسية أولاً واستيعاباً كاملاً لفنون القتال بها، كم تأكد أهم من ذلك وهو أن الولايات المتحدة لم تحسم أمرها بالوقوف إلى جانب هذه الدول، عندما تعرضت لهجمات إيرانية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة طالت مراكز إنتاج النفط ومرافق اقتصادية مهمة.
لقد أكدت تجربة العراق قبل الاحتلال، وكذلك ما حصل مع دول الخليج العربي مؤخراً، أن أي تعهدات خارجية لا يمكن الركون إليها في الدفاع عن سيادة الدول واستقلالها، فالعراق كان قد وقع معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي في 9 نيسان عام 1972، ومن المفارقات المريرة أن احتلال العراق قد استكملته القوات الأمريكية والبريطانية ومن تحالف معها في ذكرى توقيع تلك المعاهدة، صحيح أن الاتحاد السوفيتي كان قد خرج من المعادلة السياسة الدولية كثاني مركز استقطاب وذلك بانهيار نظامه الشيوعي عام 1989، إلا أن الصحيح أن روسيا الاتحادية التي ورثت عن الاتحاد السوفيتي التزاماته السابقة سياسياً وتعاهدياً، وكل الحقوق المترتبة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية السابقة، تماماً يرتب عليها تنفيذ تلك الالتزامات مع الآخرين، ولكنها تنصلت من كل التزاماتها تجاه العراق، بل والأكثر من ذلك فإن روسيا الاتحادية التزمت بالتنفيذ الكامل والتقيد ببنود الحصار الاقتصادي وبأكثر مما هو مطلوب منها.
إن العراق الذي تعرض لغزو خارجي تم دعمه عربياً للأسف الشديد بالأموال وفتح القواعد الجوية والممرات البحرية، وكذلك تقديم التسهيلات الأرضية من أجل تقدمِ قوات الغزو عبر الحدود والمشاركة في القصف الجوي، كل هذا فإن العراق لم يُغيّر منهاجه القومي، بل ربما ازداد تشبثاً به وتمسكاً بآلياته التي لا يؤمن بها إلا من تشبع بالفكر القومي، لكن العراق وبكل تأكيد سيوازن بين النظرة القومية والمصلحة الوطنية، عليه ومن قراءة الأحداث المتفجرة التي أعقبت ما حصل في الثامن والعشرين من شباط الماضي، وما أعقب ذلك من عدوان إيراني غادر على دول الخليج العربي، التي سبق لها وأن ساهمت بعزل العراق والتشدد في الرقابة على المعابر الحدودية لمنع دخول البضائع إليه، فإنه على استعداد لفتح صفحة جديدة من التعاون العربي المتعدد الوجوه والمجالات، ولا يجب ألا يشك أحد من الأشقاء العرب، بأن خروج العراق من معادلة الأمن القومي العربي، هو الذي أغرى إيران بشن الاعتداءات الغادرة على دول ظلت تبذل الجهود الحثيثة من أجل تجنب خيار الحرب، ولكن إيران المعروفة على نطاق واسع إقليميا ودوليا، بأنها أكثر دولة في العالم خرقا لميثاق الأمم المتحدة وللمعاهدات الثنائية والجماعية التي توقع عليها، وقد وجدت في خلو الساحة من الدور المحوري البارز للعراق في حماية البوابة الشرقية للأمة، هو الذي أغرى الزعامة الإيرانية للاستهانة بقوة العرب والاستخفاف بهم، فوضعت كل ما لديها من قدرة عسكرية ظلت مخفية عن العالم عن عمد أو دون قصد، حتى بات السؤال الملح أين كانت هذه الأسلحة مخفية ولماذا لم تستخدم يوم سُحق حزب الله اللبناني، ولماذا لم يطلق صاروخ يوم أُبيدت غزة عن بكرة أبيها، وهي الجزء الجنوبي من فلسطين التي اتخذتها إيران جسراً عبرت عليه للوصول إلى أعلى درجة من الهيمنة على أربع عواصم عربية؟ وهل بقي عربي يصدق الدعاوى الإيرانية الباطلة بأن إيران ما زالت تضحي من أجل تحرير فلسطين؟ لقد جندت إيران الكثير من عرب الجنسية الذي اصطفوا مع مشروعها القومي التوسعي وارتدوا عباءته، لعوامل بعضها طائفي وكثير منها لدوافع انتهازية أو جبنا عن المجاهرة بالموقف القومي، فاستسهلوا الانخراط في قضية ليست قضيتهم، بل هي أخطر مشروع تدميري واجهته الأمة العربية منذ أن فقأ المغول عيون بغداد الأبية.
أيها العراقيون الأشاوس
هذا يومكم الذي اختزنتم ذكريات المآسي التي مرت عليكم منذ أول يوم سقط فيها صاروخ إيراني على مدينة بغداد سواء في مصرف الرافدين أو في مدرسة بلاط الشهداء، أو في أية مدينة أو شارع في مدن العراق القصية ومن يوم سقط أول صاروخ أمريكي على بغداد سنة 1991 أو تمهيدا لغزو 2003، وحتى اليوم حيث يغدر الغادرون في محاولة لوأد الابتسامة عن وجه طفل أبصر النور حديثاً، أو تنفس أول نسمة له من هواء بغداد الحبيبة، فأجمعوا أمركم على كلمة واحدة تحذف كل صوت خائن أو متخاذل، وانطلقوا في عمل منسق من أجل إزالة الظلمة التي لحقت ببلدكم ومن أجل أن ترتفع راية العراق القوي مجدداً في كل زاوية من الزوايا وفي كل بيت يأبى الذل والخنوع.
عاش العراق حراً أبياً قوياً
المجد لشهداء القادسية وأم المعارك وشهداء حرب 2003 وكل المناضلين والمجاهدين الذين سقطوا في مقاومة الاحتلال فرووا بدمائهم الزكية شجرة المجد وأناروا الطريق لمن جاء من بعدهم.
المجد لجيش القادسية جيش البطولات الذي لو كان حاضراً فيها اليوم. لما تجرأت إيران على ارتكاب جرائمها ضد أي بلد عربي نادى بصوته واعراقاه.
تحية للمناضلين البعثيين الشجعان الذين تصدوا للعدوان الثلاثيني بصدور مفتوحة طلباً للشهادة.
تحية لأسرى الحرب الذين سلمتهم قوات الاحتلال لسلطة المحاصصة، وما زالت تمتلك خزيناً من الحقد الفارسي الجبان عليهم.
قيادة قطر العراق
لحزب البعث العربي الاشتراكي
بغداد الرشيد 9 نيسان 2026