يوم الأيام… يوم تجرّع فيه خميني مرارة الهزيمة

يوم الأيام… يوم تجرّع فيه خميني مرارة الهزيمة

ناصر الحريري

تظل صفحات التاريخ شاهدة على أن الصراعات بين الدول والشعوب لا تُقاس فقط بنتائج المعارك، بل بما تتركه من دروس وعِبر في ذاكرة الأمم. وقد شهدت المنطقة عبر قرون طويلة مراحل متعاقبة من التوتر والصراعات، كان من أبرزها الصراع بين العراق وإيران الذي بلغ ذروته في الحرب التي اندلعت عام 1980 واستمرت ثماني سنوات.

فقد تعاقبت على إيران أنظمة سياسية مختلفة، إلا أن العلاقات بينها وبين محيطها العربي، ولا سيما العراق ومنطقة الخليج العربي، شهدت مراحل متعددة من النزاع حول النفوذ والحدود والمصالح. ومنذ العهد الصفوي وما تلاه من مراحل تاريخية، مروراً بالعهد البهلوي، وصولاً إلى قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، بقيت قضايا الحدود والسيادة والتدخلات الإقليمية من الملفات الحساسة في المنطقة.

وعند وصول الخميني إلى السلطة عام 1979، أعلنت القيادة الإيرانية الجديدة مشروع “تصدير الثورة”، وهو الأمر الذي أثار مخاوف واسعة لدى دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، الذي رأى في هذا التوجه تهديداً لأمنه واستقراره الداخلي والإقليمي.

وقد شهدت الفترة التي سبقت اندلاع الحرب تصاعداً في التوتر، تمثل في الخطابات السياسية والإعلامية، والخروقات الحدودية، والتوترات المتبادلة. كما شهدت الساحة العراقية آنذاك أحداثاً أمنية وسياسية زادت من حدة الأزمة، من بينها محاولات استهداف شخصيات عراقية بارزة، الأمر الذي عمّق حالة القلق بين البلدين.

وفي الرابع من أيلول عام 1980، تصاعدت المواجهات على الحدود مع قصف مدفعي طال مناطق عراقية حدودية، لتتطور الأحداث لاحقاً إلى حرب واسعة بدأت بالرد العراقي على العدوان في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980.  

ومع بداية الحرب، حققت القوات العراقية تقدماً ميدانياً في مناطق حدودية داخل الأراضي الإيرانية، قبل أن تتحول الحرب إلى مواجهة طويلة استمرت ثماني سنوات، تكبد خلالها الطرفان خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وقد اعتمد النظام الإيراني خلال الحرب على تعبئة داخلية واسعة، مستخدماً خطاباً دينياً وقومياً لحشد المجتمع خلف المجهود العسكري، في مواجهة التقدم العراقي الأولي. وتحولت الحرب إلى واحدة من أطول وأكثر النزاعات دموية في القرن العشرين، وسط تدخلات ودعم خارجي حصل عليه الطرفان بأشكال مختلفة.

وبعد سنوات طويلة من القتال، انتهت الحرب بقبول قرار وقف إطلاق النار عام 1988، في مرحلة وصف فيها الخميني قبوله للقرار بأنه “تجرع للسم”، في إشارة إلى صعوبة القرار بالنسبة إليه بعد سنوات من الحرب والاستنزاف.

ويبقى يوم 8 آب عام 1988 محطة بارزة في الذاكرة العراقية، يستذكر فيها العراقيون تضحيات الجنود والضباط والمدنيين الذين عاشوا سنوات الحرب، كما يستذكرون أرواح الشهداء الذين فقدوا حياتهم في تلك المرحلة العصيبة من تاريخ البلاد.

إن قراءة تلك المرحلة يجب أن تكون أيضاً فرصة لاستخلاص دروس التاريخ، وتعزيز قيم السلام والاستقرار، وبناء الدول على أساس قوة المؤسسات ووحدة المجتمع وحماية مصالح الشعوب.

الرحمة والخلود لكل من فقدوا أرواحهم في تلك الحرب، والتحية لكل أبناء العراق الذين تحملوا أعباء سنوات طويلة من الألم والمعاناة.