تَحْريرُ الفَاوْ أكبر نَصْرٍ عَرَبيٍّ فِي التّاريخِ المُعاصِر

تَحْريرُ الفَاوْ أكبر نَصْرٍ عَرَبيٍّ فِي التّاريخِ المُعاصِر

ابو عمر العزي

 

في هذا اليوم يحتفل احرار الامة العربية بذكرى تحرير اكبر مدينة عربية في التاريخ المعاصر وذلك في 17 نيسان 1988 والتي مثلت اكبر عملية سوقية استراتيجية للجيش العراقي الباسل، تميزت بالشجاعة الفائقة و المباغتة الذكية والتخطيط  الدقيق. ولان حجم مدينة الفاو العربية وموقعها واهميتها كهدف قومي كبير وخطير، لذا فان تحريرها يشكل نصراً كبيراً يحتل موقع اعتزاز واكبار لدى الاجيال العربية المتعاقبة.

 فاحتلال الفاو من قبل العدو الايراني كان الحدث الاخطر على كل شرق الوطن العربي وبالذات اقطار الخليج العربي خلال سنوات الحرب الثمانية التي ابتدأها  ذلك العدو اللئيم  في الرابع من أيلول 1980 لتنتهي وهو مجبر وصاغر باعلان الخميني تجرعه كأس السم  والموافقة على وقفها في 8آب 1988  .

 كما وتكتسب عملية تحريرها اهمية قصوى نظراً للهدف الاستراتيجي الكبير الذي اراد النظام الايراني تحقيقه من وراء احتلال الفاو. حيث كان الهدف هو ان تشكل عملية احتلالها مرحلة اولى، تليها  مواصلة عملياته الهجومية حتى احتلال محافظة البصرة لأهميتها السوقية كرأس جسر  حيوي على  الخليج العربي وما فيها من ثروات نفطية هائلة  اضافة الى حدودها الجغرافية الممتدة برا مع اقطار الخليج العربي، وحجمها السكاني ومساحتها الكبيرة. لذا فان احتلال البصرة لاسامح الله يمهد لتحقيق الهدف الاستراتيجي الخطير باحتلال العراق واسقاط نظامه الوطني كما كان يمني نفسه، والاندفاع بعد ذلك نحو اقطار الخليج. لكن القوات العراقية الباسلة وبتضحياتها الجسام في هذه المعركة قد افشلت هذا المخطط العدواني الخبيث،  فاضطر العدو بعد فشله الكبير للتحول الى حالة الدفاع وظل محتفظاً بمدينة الفاو وما حولها. 

 لقد شكّل احتلال الفاو هاجسا كبيرا وقلقا بالغا للعراق قيادة وشعباً ليس فقط لكونها ارضاً عربية عراقية وحسب، وانما لما لهذا الاحتلال من اثر سلبي كبير على معنويات القوات المسلحة و الشعب ايضا ، لهذا وجهت القيادة العراقية  بتحرير الفاو والمباشرة بإعداد الخطط والقوات اللازمة متى ما سنحت الفرصة وهدأت جبهات المواجهة مع العدو، لان التأخير في تحرير الفاو سيدفع العدو بتكرار هجوماته الكبيرة  على مدينة البصرة والاندفاع نحو دول الخليج العربي لتحقيق نفس الهدف الذي ذكرناه سابقا، وهذا  ما حصل فعلا في معركة الحصاد الأكبر في شباط عام 1987 التي اخرت خطط تحرير الفاو لما يقارب العام، وذلك لمشاركة القوات التي تم تخصيصها لتحرير الفاو بواجبات التصدي للعدو في تلك المعركة  .

⁠وجه القائد العام للقوات المسلحة الرئيس صدام حسين رحمه الله اعضاء القيادة العامة باعداد خطة في غاية السرية تميزت بوضوح الفكرة وسهولة التطبيق،  كما وتنطبق فيها كل مبادئ الحرب على ان يتم التركيز في احد مبادئها على مخادعة العدو، مع الاخذ بنظر الاعتبار طبيعة ارض الفاو الشائكة والمعقدة.

في مطلع الثلاثة اشهر الاولى من عام 1988 سنحت الفرصة اللازمة لتحقيق التدريب للقوات المكلفة بواجب تحرير الفاو. واستكمالا لخطط التحرير وطبيعة الارض الموحلة والمائية شديدة التعقيد، تقرر ان تقوم الجهات المختصة بإنشاء ميادين خاصة حسب طبيعة ارض الفاو سواء الموحلة او المائية ليجري التدريب عليها تعبوياً وبتمارين قيام حرب لآمري التشكيلات

 والوحدات ليزادوا خبرة في معالجة المواقف التي قد تحصل في ادارة معارك تشكيلاتهم ووحداتهم. وقد ساعد هذا على رفع كفاءة التشكيلات والوحدات  حيث اكتسبت الخبرات والمهارات العالية في استخدام الارض والسلاح و رفع  معنويات المقاتلين الى ذروتها ، وهو الامر الذي تحتاجه في معركتها المنتظرة وتحقيق النصر فيها  .

17 نيسان 1988يوم التحرير العربي المجيد

 تحركت القوات  المكلفة بواجب تحرير الفاو قبل ثلاثة ايام من اماكن تحشدها الى المواضع الدفاعية للقوات المساندة للمعايشة معها، لمعرفة اماكن شروعها الى اهدافها، ولتأخذ اسلحة الوحدات الساندة مواضعها لتقوم بواجب الاسناد بنيراها المصوّبة على مواضع العدو بكل دقة. فلهذه الاسلحة تأثير كبير في تسهيل واجبات الوحدات باسرع ما يمكن وبأقل الخسائر .

في الساعة (0630) يوم 17 نيسان 1988 بدء  القصف التمهيدي المزلزل العاصف على مواضع العدو الدفاعية ومقراته ومقرات التشكيلات والفرق ومقرات العمليات الاعلى لتلك الوحدات والتشكيلات. وشمل ذلك حتى احتياطات العدو في عمق اراضيه، التي طالتها الحمم البركانية التي شكلت سحابات دخان تتصاعد لعنان السماء. وتعفرت ارض الفاو بغبار المعركة التي دارت رحاها بكل قوة واقتدار قل نظيره في كل سني الحرب الثمانية . وكانت هذه المعركة الفريدة في التخطيط والإعداد والتنفيذ هي الاقوى والاعنف والاكثر نجاحاً وتميزاً. وقد تحققت فيها مبادئ الحرب على احسن وجه وخاصة المخادعة السوقية لعموم جبهات الحرب، حيث كان العدو يتوقع ان المعركة ستقع في شمال العراق، لكنها وقعت على ارض الفاو التي دنسها ذلك العدو اللئيم.

ولم تكن المعركة بواقع الحال سهلة على الإطلاق، فقد كانت التعقيدات الناجمة عن طبيعة الارض المعقّدة والمتباينة من مكان الى اخر هي معركة بحد ذاتها،

فما بال القتال عليها والذي كان على اشده ومن خندق الى خندق اخر، نتيجة لاستماتة العدو بالدفاع عن نفسه ومواضعه التي هو عليها. الا ان الاقتدار العالي للوحدات العراقية المقاتلة تمكن من كسر ارادة العدو الايراني على القتال وتكبيده الخسائر الجسيمة بالارواح والاسلحة والمعدات مما دفع من تبقى منه الى الهروب اوالاستسلام . وهكذا تحررت مدينة الفداء وبوابة التحرير العزيزة من قبضة العدو وعادت الى احضان الوطن العربي الغالي .

استكملت بعد ذلك بعض الوحدات والتشكيلات والفرق مهامها الموكلة اليها وفقا لخطة التحرير في اليوم الاول، لتشرع القوات الاخرى باداء مهامها حسب صفحات المعركة المحددة لها توقيتاً ومكاناً، وليُرفع العلم العراقي على مدينة الفاو من قبل القوات العراقية المحرِّرة ويفاجأ العدو بما انجزه الجيش العراقي من عمل بطولي تاريخي شكل صدمة نفسية لنظامه وانهيار لمعنويات جيشه التي كسرت ظهره هذه المعركة العظيمة، فكانت السبب الرئيسي في تحقيق النصر في المعارك الاخرى على العدو الايراني، والتي دفعت قيادته لأن تطلب من الخميني ان يوقف الحرب والا فان سقوط النظام قد اصبح وشيكاً لما حل بجيشهم من انهيار .

لقد كان تحرير الفاو يوم مبارك، في يوم مبارك، حيث صادف الاول من شهر رمضان الكريم.

 فتحية اكبار واجلال للقيادة العامة للقوات المسلحة وفي مقدمتها القائد العام الرئيس صدام حسين رحمه الله، والى قادة وضباط ومراتب الجيش العراقي الباسل الذين شاركوا في تلك المعارك،  والرحمة والخلود للشهداء الذين ارتقوا في تلك المعارك الباسلة العظيمة في ادائها والرائعة في نتائجها،  والى الشعب العراقي الذي ساند جيشه في اصعب الظروف حتى تكلل النصر .

وعاش العراق  جمجمة العرب ورمح الله في الأرض، وعاش الجيش العراقي الباسل صاحب المنازلات والصولات والجولات الكبيرة، و إلى يوم الفتح المبين لتحرير العراق العظيم  ليعود حراً ابياً وحاميا جسوراً لأمن امته العربية.